محتوى هذا الفصل قصير، وقاسٍ.

.
.
كانَ الرجلُ ينظر لمَدخل القاعةِ، يبحَث بعينيه عن أثرٍ لطَيفٍ ما، لكِنّ الظلام المخيّم حوله يجعله يتراجَع، تحرّكت مقلتاه لأعلى، حيثُ أتوارى خَلف الستائر كبومَةٍ جاحِظة العين أنتظِر مغادَرته بنفسٍ هادئ للغاية.
الآخر خلفي، يُحَرّك جُثّة الرجُل مِن فَوقِ الفراش ليربطها على المِقعَد، احتكت مفاصِل الخَشب ببعضِها بينما تشعر بثقلِ المغشيّ عليهِ، فأوّل مَا قامَ بِه مُرشدي الفاضِل عِندمَا وَقف قِبال صاحب الشقةِ والذي بالصدفةِ كانَ يغادر المرحاضِ في لحظةِ دخولنا، دفَعُ قبضتِه نحوَ منتصف وجهِ الرجل دون السماحِ له بالصراخ، وكنتُ يده الإضافِية إذ اتبعتُ أمرَه بإحضار الإبرةِ في الحَقيبة، لم يتحول لجُثةٍ كاملةٍ بَعد، قال أنه مُخدّر فقَط وأن جولتَه لم تبدأ كذلِك، كُل ما علينا فعله الانتظار حتى يستيقِظ، وتهيئةُ المَسرح.
والآن، بعد التأكد مِن مغادرةِ آخر شرطيّ، قمت بمساعدته في تقييد معصمِه بينما اتّجه هُو نحوَ الطاولة التي رتّب عليها أدواته ووقف ينظر بصمت.
أراهُ حائرا كيفَ يبدأ، تتلمّس أنامل قفّازِه أذرع أسلحتِه ببطء وتكرار، تذكّرتُ حينها خَطّه في الرسالة، فتشدّق وجهي بابتسامةٍ سخيفة.
_« بشأنِ الرسالة، هل كان ذلك خطك؟ أعني.. كانَ قبيحًا للغاية، يليق بطفلٍ في الثالثـ»
تمهّلتُ عِندَ رؤيةِ يده تتوقّف وحدقتاه تضيقان أكثَر مَع نظرةٍ جانِبيّة، لوَهلة أنسى المَوقف برمّته، أو أتناساه.. هو لن ينفعِل الآن؟ لقد أصبحنا شركاء جريمة
مَهلًا،
إنها جريمة.. لَيست بمتجرِ حلوى،
أجل لكنّنا شركاء في النهاية؟
سكنتُ جوار المِقعَد وابتسامتي تتلاشى بِبُطء، بينما التفّت أصابعه حول سكّين كبير،
هَل جرحتُ مَشاعِره؟
_« لقد فعلتُ ذلِك»
غمغَم قبلَ أن يرفع قدمه قليلًا ويشير بالسكين نَحوها، لم أفهم منه شيئًا وعيناي تتبعان إشاراتِه.
_«وضعتُ القَلم بينَ إصبعيّ قدمي، وسِرتُ بهما على الوَرقة، كان الأمر شاقًا، أكثَر مِن تمزيق الأحشاء»
بدى وكأنّه يتذمّر، ثم أتبع قوله بضحكةٍ خافتة
_«ولماذا فعلت هذا؟»
عادَت عيناه نحو الطاولة، إذ ألقى بسلاحِه جانِبِا ثُم التَقط عُلبَةً أسطوانيّة ملفوف حولها كمّ لا بأسَ بِه مِن الخيط الأبيَض، أو هذا ما هُيِّئ إليّ.
تجاهَل سؤالي وهو يلمَح بؤبؤي الآخَر تبدآن في التدحرج أسفَل جفنيه، فأدارَ عنقه في أرجاء الحجرةِ لأقِف حائرةً لثوانٍ قبيلَ أن يتّجه نَحو مكتبٍ في الزاوِية، وكانَ ما يريده بينَ كتابَين،
قلم رصاص بُرِيَ حتّى وَصل لحجمٍ صغير.
وقَف خلفَ الرجل وأمال رأسه على حافّةِ المقعد.
_« اجلسي وراقبي»
سحبتُ أقرَب كرسيّ وجلستُ أمامهما، كتلميذةٍ مُهذّبة تتلقى الشرحَ مِن أستاذِها.
_« ماتيلدا، ما رأيُكِ باستعمال الخَيط للقتل؟»
سأل فجأةً وهو يَسحب الخيط الرفيع ويلفّه حولَ إصبعه، فنقلتُ بَصري للرجلِ والهَذيان يقطر مِن فمّه.
_«سيَنقطِع»
أجبتُ ما خَطر في ذهني، فأمسَك به يحشر القلَم بينَ فكّيه ليبقيه على اتساع، وبَعد إمرار الخيط من أسفل القلم، لفه بينَ أصابع يديه بطريقةٍ أشبه بالمقصّ، وحينَها أضاف بنبرةٍ مُنتشية.
_« لسانُه»
.
.
يلتفّ الخيط الحاد فوقَ اللحمِ الطريّ فيخنِقه،
جحُظَت عيناه وضجيجٌ حاد يغادر حنجرته، الخوف، عدم الفهم والألم، كانَ كثورٍ هائج، يصبو لثانيةٍ واحدة مِن الغَفلة ليهرب، لكن ما لا يدريه أنّ ما يأتِيَ بَعد الجرح أشدّ أَلمًا.
لَقد شدّ عليه بقوّة، ببطء، انحَبس الدم وبدأ الجلد يتقطّع، الدقائِق تثقُل والسائل يتقطّر، أشعر بمعدتي تنكمِش وكأنها مَن ستضخ دمّي الآن، ناقضتُه بأنفاسي البطيئة، تِلك التي تستغرِق وقتًا حتى يتجمع الهواء في رئتيّ، أشعر بالألم داخِل حلقي، ولساني ينزلق بينَ أسناني لأضغَط عليه، جسدي يفعل ردودَ أفعالٍ مشابهة.. وكأننّي أحاول محاكاةَ ألمه داخلي.
وفِي اللحظةِ التالِية تمكّن سيف الخيط مِنه، فأطلَق صرخةً شعرتُ بارتدادِها داخل حنجرتي،
ارتَجفت مفاصِل يدي وكأنني من يحاوِل الإفلات مِن العقدة، أرى جسده يخور وكمّيةٌ لا بأسَ بها من الدماء الساخنة تنسكب من فمّه، لا أستطيع رفع عيناي عن صورته، لا يزال قلبه ينبِض لكِن بعدد النبضات كانَ الألَم.
شعرتُ بحَركتِه، يسحب القلم مِن بين فكّي ضحيّته ويقترب نَحوي، وأمام عيني وَضع سن القلم.
_«يمكنكِ الاحتفاظ بِه»
نقلتُ بَصري من صورته للقلم الذي اصطبِغ بالأحمر الداكِن، قطيرات صغيرة تساقَطت منه فوقَ قميصي، فرفعتُ أناملي المتخشبة أقبَله وعيناي تستقرّان عِندَ اللسانِ المقطوع على الأرض.
_«آريز»
همست باسمه.. الإسم الذي رأيتُه يجسّده عندما لم يتردد في فِعله، لم يرتجف ولم يهتزّ، لقد كانَ مثالًا للوحشيّة الخالِصة، هادِئٌ لِحَدٍّ مُرعِب.
غيرُ بَشريّ
.
.
_«في المرةِ المُقبِلة، اجمَعي شَعرك»
_«لماذا؟»
مُجددًا، تركَ سؤالي مُعَلّقًا في السماء وغادَر، حدّقتُ في ظلّه بينما يتشتت بينَ الأزِقة والقلم داخِل يدي أقبض عليه بقوّة.
لا أعرِف،
لكن هذه الليلة غريبة للغاية..
مُختلفة،
هَل يُهَيّؤ إلَيّ أن الألوانَ أصبحَت أغمَق من المعتاد؟ منعت السماء مرور النَسيم، وأصبَح احتكاك نسيج الملابس حول عنقي منفِرًا.
هل هذا طريقِي لِقَمع المَلل؟
ممل!
أدرتُ القَلم بينَ إصبَعيّ وابتسمت.
على الأقل، قام بتعليمي شيئًا هامًا، البدء باللسانِ.
.
Alogin