اِحرقهُ حَيًّا

اِحرقهُ حَيًّا

13 0

ياله من طقسٍ بديع حَقًا،

في الصباح تقوم الشمس بِسَلقك والآن ترغب الرياح بِحَملك لأراضي لا يعلمها إلا الله!

ضممتُ طَرفي الوِشاح القطنِيّ لصدري أُحاوِل تَجاهل كيفَ بدوتُ مَع هذا الوجهِ الكَشِر، التراب يخترق أهدابي.. يحاول الوصول لِسطح عيني.

كُنت أدخل يدي بجوف الحقيبة، تداعب أظافري القماش الشبكِيّ بَينما أستعد لإيقاف سيارة أُجرة، لَمحتُ واحدةً برتقالية، تبدو مبتهجة بينَ جم السيارات الكئيبة، اقتربت مَع تكرار إشارتي فتراجعت خُطوَةً وكأنني أفسح لها الطريق الفارغ أساسًا.

تباطأت العجلات أمامي وَقبل أن أنحني كي أرى وَجه السائق جُذِبَ ذراعي لأجِد نَفسي أطرق الإسفلتَ بقوّة خلفَ مَن شرَع يركُض!

اتّسعَ محجراي ويدي تفلت من الحقيبة علّها تَلحَق بالوشاح الساعي للتحليق نَحو الأفق، وعلى ما يبدو أن خِصال شعري اتخذتهُ قُدوةً!

ضَرب السائق زمّارته مرتين لكنّ الصوتَ انخَفض مع ابتعاد الغريب بي، حملقتُ بِظهره واجتاحتني رغبةٌ بِطَرحِ هذا المنحرف أرضًا.

_«أنت!»

نِصفُ صَرخةٍ بالكادِ حتى هَبط بعقلي أنه قَد يكون آريز، فبالنظر لطولِه بدا يقاربه، تَجاهل أنظار الاستنكار والقلق من حَولِنا حتى وَصل بي لنهاية الشارع من الجهة الأخرى، فحفر حِذاؤه في الأرض كَي يتوقف وأرتطم أنا بِه!

وَدون الالتفات إليّ رَفع ذراعه لتَقترب نَحونا سيارة أخرى.

صعِد وصدره يرتفع ويهبِط بوتيرة تقارِب خاصّتي، تدلى وشاحي على كتفٍ واحد وطرفه يلامس الأرض ولا زلت مكاني لا أفهم ما جرى...

ما كان هذا بحَق الجحيم؟

هل اِختُطِفتُ للتو؟

رمشتُ قليلًا وبدا الاستفهام فوقَ رأس السائق والسيجارة ستَسقط من بينِ شفتيه، فربّت جِواره مرتين يحُثّني على الركوب، رميتُ نظرةً حولنا قبل أن أفعَل ذلِك، غير آبهة لشَعري الذي تَبعثر بالكامِل.

.

.

.

_«ما كان ذَلِك؟»

كُنت ألحَق بِه أنا هذه المرة، سبَقني عِند السور، يتكئ عليهِ وعشبيّتاه تجوبان امتداد السحب القطنية خلف المنازل المرتصة أمامه.

وقفتُ على بضع خُطوات مِنه، أحدق بِه وأحاول ترتيب ما أفسَده فيّ، أكاد أجزِم أنه ضَحِك من أسفَل هذا الوشاح الصوفِيّ الداكِن، انثنت مفاصل يدِه رغبة في الوصول لجيبِ معطفه الداخِليّ لكنّه سُرعانَ ما أعادها خارِجًا.

مسحتُ جبيني أتكئ على السور القرميديّ جواره لأشاهِد ما يثير انتباهه، لكِن لا شيء عدا مياهِ النيل وبضع مراكِب على المدى البَعيد.

_«أليسَ جميلًا؟»

تحَركت قزحيتاي إليه مَع ارتفاعٍ طَفيف لحاجبي، حَافظ هو على تواصله مَع المياه، بل وارتخَى جسده فوقَ السور ومالَت رأسه عليهِ.

_«ما هُو؟»

سألته، أتأمل كَيف ارتفَع طرف القماش لجسر أنفِه أكثر.

احتَفظ بسُمكِ الصمت بيننا للحظات، قبلَ أن يهمس.

_«الأزرَق»

أعدتُ بصري للأسفَل، لألحَظ تلألؤ الضوء على الموجِ المتراقِص، إنها تُشبِه ابتسامته للغاية.. وجهه الضحّاك، والتجاعيد حولَ عينيه.

سقطت يدي عَن السور وكل ما أراه أبي يحاوِل الإمساك بي، المخالب السوداء تَصعد من العمق لِجرِّه بِعُنف، ستسَحبه لتدفنَه في أرض السافلين، ولو أدى ذلك لنَزع جِلده عنه، أو أخذِه كهيكلٍ بأعضاءٍ متساقطة!

برزت عيناه من محجريه وترقرقت تلك الدمعة تتوسل للسقوط، هَبط قلبي داخل أحشائي يصلي لها، وتوقفت أنفاسي لوهلة،

الأزرَق ببشاعةِ الأبيَض لا يفرق أحدهما شيئًا عن الآخر.. كلاهما سيئان بقدر حُسن طلعتهما!

كلاهما ماكران..

كلاهما يعشَقان الأحمَر الخاص بك.

لم أعِ أني تراجَعت لِلخلف، وأطراف العنكبوت الخَفي تتابَع نَسج خيوطِها الشفافة حَولي، إلصاقِي بشبكتها، لكِنه لاحَظ ذلك، وعلقت مقلتاه بوَجهي، كشخصٍ عاقل، لم يَر هذا الخوف عليّ البارِحة، أهوَ أسوَأ؟

انخفض جفناه بِبطء، واقتَرب يدور حَولي، دَندَن أغنيّةً مألوفة وشيء ثقيل يهبِط على كتفي، إنها كفوفه.

مالَ جوار أذني يهمِس.

_«تِلكَ الشرفةِ الزرقاء، هَل ترينها؟»

عِندما لَم يجِد استجابةً مني استعانَ بظهرِ يده لدفع ذقني لأعلى كي يقع بَصري على الشرفة المذكورة، انحَنت رقبته ليصطدِم بؤبؤاه بجانِب خاصتي.

_«ترينها؟»

_«أجل»

همَست أحاوِل استعادَة أنفاسي المسلوبة، لكِن ما سمِعته جَعل من أهدابي ترتفِع، توسعت حواف محجراي ووَقف الشعر بمؤخرة رقبتي.

.

.

_«احرقي صاحبها حيًّا»

_____________________________

_

فرنسا

الرابع عَشر مِن مارِس

١٩٧٦

.

.

_«ما تي لدا!»

فوقَ تلّ قَصير، لا يبعُد عَن الجسر الأحمَر سوى قليل مِن الأقدام، انحَنت ميدونا، تُكوّرَ أصابعها الممتلئة حَول شفتيها وتتهجّأ الحُروف بِصَوتٍ عالٍ لِلمرة التي لا تَعرِف عَددها، فمُنذ دقائِق فحَسب أمرتها أمّها كاثرين باصطحابِ شقيقتها الصغرى والعَودةِ لأجلِ الغداء، لكن تِلكَ الأخرى عِنادُها وصل عنانَ السماء، فما كانت لتَترُكَ هذا الكائن الأخضَر وَشأنَه، مَجموعتها الأثيريّة تفتَقِر لصدَفة سلحفاة عَجوز، وهذِه مثالِيّة للغاية!

هيّأ لها عقلها أنّ الإنتظارَ حتى موتِ السلحفاة هُوَ الخيارُ الأمثَل لنزع الصدفة عَنها، ففي النهاية أوشَك عمرُها على الإنتهاء، أليسَ كذلِك؟

لكِن صياح ميدونا غير مُنقطِع النظير أصابَها بالإحباط، والغَضب، والسخَط!

فأذناها تتوجّعانِ لتِلك الأصواتِ الحادّة،

والصبيّة تعلَم ذلِك.

_« ما تي.. ما تي لدا! »

كانت ماتيلدا تَعتزِم الصمتَ وتجاهلها تمامًا، بينما تجلِس القرفصاء مَحنِيّةَ الرقبة، تحدّق في الفوّهةِ المظلمة التي اختبأت داخلها السلحفاة، لكِنّ ميدونا لَم تهدأ، بل بدأَت بالغناء باسمها والتغنّج في وَقفتها، تتمايل وكأنّها فوقَ مسرَح الأوبرا.

ضَغطت الفتاة على أذنيها بقوّة وأسنانها الحليبيّة تَمضُغ لحم وجنتها مِن الداخِل، إنها تُشتّتها.

_«توقّفي عَن ذلك!»

انفَجرت بها، تحدّجها من فوق كتِفها باكفهرار، لكِن الأمرَ أعجب ميدونا فراحت تستفزّ شقيقتها أكثَر، تقفز خطوتَين للأمام وتتراقص.

_«ماتيلدا، ماتيلدا، ماتيلدا، ماتيلدا...»

قبَضت على حِفنة عُشبٍ وارتَجف فكّها، شَعرت بقلبها يتحرك أولًا، يجُرّها خَلفه، يأمُر ذراعيها بِدَفع ميدونا دَفعةً قَوِيّة، سَقطت الفتاة واحتكاك حافّة الحجر الحادة مزّق جِلدها الرقيق، تأوّهت ميدونا تُقرّب يدها من صدرها ودَبيب الدم ينساب نحوَ رسغها، لم تكُن ترى تَحديق ماتيلدا بِه، نَقلت بنيتيها حيثُ الألَم على وَجهها، تجعُّد شفتيها والغشاء الشفاف من الدموع يكاد ينزلِق.

لم تدرِ ماتيلدا ما هذا، لكِنّه كانَ غريبًا، بديعًا، مُثير للشفقة.

حاوَلت كَبح تلك الابتسامة الغثيثة، لكِن زوايا شفتيها خنعت للارتجاف.

_«سأُخبِر أمي»

هدّدتها ميدونا، تحدق في انشراح ملامحها بعبوس ووعيد، لكِن الأخرى أمالَت رأسها مَع حاجِب مرفوع، ثم استدارَت تتبعها تنورتها بنصف لَفّة، عائدةً لجُحر السلحفاة دونَ اهتمامٍ لبُكاء الكُبرى، وكَم كانَت غيظتها لبرودِ ردّها! إذ أعادَت كفّها المجروح تمسك الحَجر عينَه وتُلقيها بِه.

لم تتمكن ماتيلدا مِن قمع أنينها عِندما ارتَطم الحجر بمنتصَف ظَهرِها، فالتفَتت لها بوَجهٍ مُحتقَن.

وما مَضت سوى ثوانٍ وكانت أظافِر كل واحِدة في فَروةِ الأُخرى.

_«قُمتِ بتمزيقِ شَعر دُميَتي!»

_«أنتِ فَعلتِ أولًا!»

_«كنتُ أُمَشّطه!»

_«كاذِبة!»

تَوهّجَت وِجنَتي ميدونا ولَم تتقبّل نَعتها بالكاذِبة، فجاءَت غضبتها في تِلك الرطمة في صَدرِ ماتيلدا.

_«كيف تجرؤين؟»

تَعثّرَت أقدامُها وانزَلَقت للأسفَل

_«ماما!»

بِفَزعٍ صَرخَت قبلَ أن تصطدم بصَخرة فتتدحرَج على جانِبها وأسفلها ذراعها قد التوى، حينها انطلقت صَرخةٌ أقوى مِن السابقة، كانَت صرخة ألَم.

.

.

طالَت الخصومة، وانزَوت الفتاتين كُل واحدةٍ في رُكنِها الخاص، مَع دُماها الخاصة،

مينا الذي لم يتعلّم الكلام بالشكلِ الصحيحِ بَعد كانَ دافِعًا للشجار أكثَر.

مَع مَن يُحِب اللعِب؟ في أي وَجهٍ يبتَسِم؟ لِمَن يَرضَخ ويكُف عَن البكاء؟

مَن يُفضل بينهما؟

وكذَلِك الأمر عِندَ الوالدين، حتى ما عادَا يطيقان هذا، فسَحب الأب «عَوني» ظفيرتيهِما وَاصطحبهما لرِحلةٍ بَحرِية في زَورقهم الصغير.

بدا حدّ البحرِ الصافي غيرُ بَيّن حتى ظنّت الفتيات لِوَهلةٍ أنّ السماء انقسَمت لنصفين وانطَبق أحدهما على الأرض، جَدّف عَوني والرياح تَضرِب رأسَه نِصف الصلعاء، خَلفه ماتيلدا، ذراعُها المُجَبّرة مضمومة لصدرِها وتُحدّق في قفا والدها بحاجبين شبه مُلتَصقين، أما ميدونا على الجانِب الآخر منها، تميل على حدّ المركِب وتغمر أصابِعها في المِياه.

_« أبي، الماءُ ثَقيل»

هَتفَت الكُبرى، فالتفت إليها وابتَسم.

_« إنها كثافتُه»

نَقلت ماتيلدا بؤبؤيها بينَ الإثنين وحاجِبيها تداخلا أكثَر، فدَفعت بذراعها السليمة من جهتها داخِل الماء وبسخرية قالَت.

_« أي ثِقَلٍ هذا، انظر إليه ينسابُ بينَ أصابِعي»

كانَت تنظر لوجه والدها، لكِن الكلام لمَن تجلس قُربها، ارتفَعت زاوية شفتي ميدونا تكبح رغبتها في متابعة هذا الجِدال بينَما اتخذ الوالد الأمرَ بصَدرٍ رَحِب بينما يكُف عن التجديف

_«هو ليسَ ثقيلًا داخِل الكفّ يا ماتيلدا، لكِنه سيكون كذلِك لو سقطَ أحدهم فيه»

_«سَخافة»

غَمغمت الفتاة مِن بينِ أنفاسها كي لا يسمعها أبيها، والذي ما إن نَفض يديهِ حتى استدار يبتسم لهما ويَسحب حاجِيات الصيد مِن أسفَل الزورق.

_«يالكِ من فتاة شَقِية! ألم تُخبِرك أمّك أن تتحدّثي باحترامٍ أكثَر؟»

أومَأت ميدونا تأكيدًا لحَديثِه لكِن الثانِية عَبست أكثَر ترفع ذقنها بعيدًا عَنهم.

_«هيا هيا، ساعِدنَ والدكُن في الصيد»

_«لا يبدو أن هذه المياه تحتَوي على أسماك»

ضربت ماتيلدا سَطح الماء أثناء تعليقها بذلك، فانطَلق صوتُ خَرخرةٍ مِن ميدونا وعلى وجهها ابتسامة لم تنل رِضاها.

_«لن تحكُمي عليها مِن السطحِ!»

أردَف عَوني بامتعاضٍ تمثيلِيّ، فقابلته بجِفنَين ضيقين.

_«انظُر لها، صافية للغاية! لا أرى سوى السماء!»

_«ارمِ السنارة أولًا»

مدّ بواحِدةٍ لهُما، سَبقت ميدونا بسَحبِها واللهفة تمحي الغيظَ عن ملامحها، فترَفّعَت ماتيلدا عن مدّ يدِ العون لشقيقتها وتَركها عَوني كيفما تشاء، يُلقي بملاحظاتِه على مَسمعيهما وتلك الابتسامة تزعِجها أكثَر.

_«مجهودٌ فارِغ!»

للمرةِ التالِية أدلت بتعليقاتها الوقحة، وذلك ما حَثّ الرجل على إظهار المتعة المكنونة في الصيد عَبر ميدونا، والتي لم تُقَصّر في ذَلك، فلَم تمضِ ثانِيتين إلا وَضَحِكُها يثقُب أذنَي ماتيلدا.

هَبّ نسيمٌ صافح وجنتيها، لكِنها لم تبدِ السرور بِه. وبَعد بضع ساعات أصاب الملل كلتيهما، فأبعدت ماتيلدا ساقيها تربّت على السطح الخشبي بحذائها الأسوَد، ومقلتيها تحدّقانِ في السماء وقَد بدأت الشمس تنزلق لأسفَل،

تَجمّعَت السحب تتهامَس، وَمال الزورق على جانبيه بِبُطء.

تابع الأب ثَرثرته بشأن أمورٍ لم تفهَم معناها، كانت ميدونا منصتة، تحافِظ على ذراع السنارة فوقَ حِجرها وتومئ لوالِدها مِرارًا، حتى سَرت تِلك الرعشةِ على طولِ عمودِها الفقرِيّ، وقبل أن تلحَظ ماتيلدا كانت ميدونا تتشبث بسنارتها وشيء ما يجذب الخيط لأسفَل، أسرَع عَوني يثبّت قدمَي ابنته بإحكامِه على قبضتيها، واعتدلت ماتيلدا تركّز مَع الخيط المشدود بطريقةٍ غَريبة، لكِن الاهتزاز اشتد وَبدأت تُمطر.

_« اسحَبيها، لا تخافي»

شَجّع ميدونا أثناء سحبِه معها، أعجَزه ضجيجُ اصطدامِ السحب معًا عَن ملاحظة ابنته الصغرى

_«أبي»

تَمتمت ماتيلدا تتشبّث بالحافة وعلى قزحيّتيها انعكاس موجاتِ البحر تَضرِبهم، ارتَعدت الفتيات عند اختراق شعاعِ البرق صفحة السماء، صرخت ميدونا وأفلتت يدها السنارة، لكِن عَوني نظر إليهما وَضحِك.

_«لمَ الفَزع؟ اهدآ»

_«فلنعد للمنزل»

هتفت ماتيلدا وهِي تقِف بغيرِ اتزان

_«اجلِسي»

أمَرها بحِدة وَآثار تلك الضحكة العابثة اختفت، فَسحَبت يد شقيقتها تدفعها نَحوها، لكِن الطقس ازدادَ سوؤه، ضربةٌ أخرى في السماء، والموجُ الهائج بدأ يرتَفِع، لا يزال عَوني يحاوِل الفوزَ على الكائن المتمسّك بالطعم وكأنّ خَسارته تهينه شخصِيًّا!

_« سنحصُل على هذه السمكةِ أولا»

ارتجَفت ساقي ميدونا تَقطع خطوتين لتلتصق بماتيلدا التي مالَت على الحافةِ بشكلٍ سيّء.

_« نحنُ لا نَهرب، لقد أتينا للصيد، ولن نعود فارغي الأيدي»

صَاح عَوني وكأن البرق ضَرب رأسُه، يصرخ في ابنتيه بطريقة جُندِيّ ويتراجَع للخلف بمِثل عِناد الطرف الثاني من الخيط، لكِن ما لم يَتمكن من رؤيتِه، أنّ سِنّ الطُّعم كان محشورًا بينَ عِدة صخور.

ضَربت السماء رؤوسهم بقطراتِها، الفتاتان تتواريان خَلف لوحِ الخَشب، والمياه تحاوِل التسلّق مِن الجانب الآخر،

أخفت ميدونا رأسها بين ذراعيها وصراخها المرتعِش أثار قشعريرةً على ذراع شقيقتها.

_«اصمُتي»

نَبتت الكلمات من أسفل ضروسه وانحنى جسده للخَلف بشِدّة، فِي اللحظةِ التي ارتَفع موجٌ فوقهم انقطَع الخيط وسقَط الرجل داخل زورقِه، اتسعَ محجراه يَرى جدارًا مائيّا يستعد للانهيار فوق رؤوسِهم.

.

.

.

.

__________________________

كَان يُمسك بها ككِنز ثَمين، يخشى ضياعه، كنتُ خَلفه، أناملي تكاد تَلمِس ثَوبه، لكنّه لم يلتَفت، لم يسمَعني، لم يُحاوِل الإنصات.

سعيتُ لفتح عَينيّ، لكِن المياه ثَقُلَت هذه المرة.. تَسخر مِن قَولي عَنها!

شهقةٌ فَرّت مِني ويداي تقبِض على حافّة حوضِ الاستحمام،

أنا في المَنزِل!

_« تبًّا للنومِ في المرحاض»

هَسهستُ أعقِد طرفَي المِئزر الأبيَض حولي، ورنينٌ خافِت صَدَح من الخارِج،

كُنت في المشفى أمرّ عليهِم قبل عودتي لهُنا، آريز البائِس قال أننا سنتقابل مَساءً،

أنزعج من صمتِه، لسانه وكأنه مربوط بسلاسِل، لا أقدر على إنكار ذلك، لكِن.. أنا مُعجَبة بهذا المريض.

_«ما الأمر؟»

مِلت برَأسي أجيب على الهاتف ومقلتاي سقطتا نَحو نافذة المنزل المقابِل لَنا، تلك الستائر الزرقاء تُرفرف حولَ رأسي.

_«لا شيء»

كانَ صوته أجشًّا كَمن استيقظ من النوم منذ دقائق، فخَدشت فَروتي بأظافري وقد لاحظت للتو أنها بدأت تزداد طولًا.

_«قال الطبيب أنّها قَد تستيقظ هذا المساء»

همَس، ويمكنني رؤية إسناده لذقنه على كفّ يده، فهمهمتُ لإعلامِه بإنصاتي كَي تمُر دقيقة صَمتٍ أخرى قَطعها بقولِه.

_« عندما أتّصل بكِ.. أجيبي»

_«سأفعَل»

______________________

_« لن آكل المعكرونةَ بمفردي!»

رَمقني من أسفل رموشِه ثم عاد يُحدّق في أطراف المفرش الأبيَض، عَزّزتُ ضجيجي كالنحلةِ أحوم قُربَ أذنيه.

_«يا رَجل، حتى لَو رأيتُ وَجهك لن أبلغ عَنك، أنتَ تمتلك لسانًا في النهاية!»

مُجددًا، لم يفتح فمّه

لست أفهم وِجهةَ نظره، في البداية كان الأمر مَنطقيًّا لكن الآن؟

الآن؟!

كيفَ أثبت أنني لن أقومَ بخيانتِه؟ أنا مخلصة للحد الذي سيذهله، لا أحدَ يخلص فيما يحب مِثلي أنا!!

_«كما تشاء» فلتتعفّن بوشاحِك الشائك هذا أيها الوَغد!

من المريح أن أمتلك لسانَين، أحترم قرارته وأسبّهما مَعًا في الآن عَينه.

غرزتُ شَوكتي أُحَمّلها أكثر من طاقتها حتى تساقطت أذرع المعكرونة بالفعل، لمحتُ انعكاس حركة يدِه عن جيبِه نحوَ المنضدة مجددًا، يرغب في إخراج شيء ما، لكِنّه يحجم نفسه عَن ذلك.

ضَربَت سبابته المنضدة مَرتين قبلَ أن يخفضها لأسفل، فرفعتُ حاجبًا وتبادلنا الأنظار لعَدد ثوانٍ شابَها تحريكي للشوكةَ إلى فمي، ضيّق عينيه ففعلتُ المِثل.

_«كيفَ تصطاد الخنازير؟»

أشرتُ إليه وتعلق سؤالي في الهواء، ظننتُه لن يجيب حتى تمكّن من تحريك فكّيه أخيرًا

_«ستَعرفين في المستقبل»

هذا ما كنتُ أنتَظِرُه.. بالطبع!

_«ماذا عَن اسمك؟»

_«آريز جيد»

بربك!

_«كيفَ عَلمت بجَدول محاضراتي؟»

_«أخبرَتني العصافير»

_«وذلك اليوم، أمامَ الميتم هل أدركتَ أننا سنكون هناك؟»

_« مُصادَفة»

_« لا أؤمِن بالصُّدَف»

_« لقاؤنا كانَ صدفة»

_«لم يكُن»

انخَفض في مقعده يحشر يديه المُقَفّزة في جيوب معطفه.

_«بل كان»

.

.

.

شرارة

خيط من الضياء تليه شُعلة،

كانت تلك بداية آخر فصل من حياةِ هذا الأحمَق، تَسلّقت النيران بنطاله، كَتمت خِرقةٌ قَديمة استنجاداتِه، وفَشلت دموعه الدافئة في إنقاذه.

وَقف آريز جواري، وقد أصبحَت الغرفة مُضاءة دونَ الحاجة للمصابيح، يهب اللهب في وَجهِه ونَفحاته تَضرب وجنتَيّ، من الجيد أن نَحصل على الدفء لكِن هذا مبالغٌ فيه.

_«هَل.. تريدينَ واحدة؟»

نظرتُ إليهِ بَعد لمحة التردد في نبرته تلك، لأراه يرفع سيجارة نَحوي، حرّكت رأسي بالنفي

_« أنا لا أدخّن»

لو تمتَلِك مَصاصة سأكون شاكِرة!

أعادَها لجيب سُترَته، وكم بدت لوعته لإشعالها في تلك اللحظة! لكن هذا القماش الشائك يحجز عنه ما يريده.

بللتُ حَلقي بلساني أنقل بصري بينه وبَين مَن تغلب عويله على الخرقة.

_«ربما علينا أن نَرحل»

أومَأت رأسه لكن جسده ظَل جامِدًا، تلتَقط عيناه ما يمكنها التقاطه وتحتفظ به الذاكرة في الدرج الأكثَر فسادًا.. تُرَى، إلى أينَ سنَصل في النهاية؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

غضبُ ماتِيلدا ||The Wrath of Mathilda

المؤلف Alogin
2025/06/22 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة