أسير الماضي

أسير الماضي

18 0

"في ساحة الحب والحرب، قد يكون الانتصار هو أكبر خسارة."

...................................................................................

   ايطاليا (باليرمو)

وصلتُ إلى الأراضي الإيطالية، وهي وجهةٌ لطالما جذبت الأنظار بجمالها، لكنها بالنسبة لي كانت منبعَ جميع آلامي ومعاناتي، سواء في طفولتي أو كبري. بمجرد أن خطت قدماي أولى خطواتي على المدرج، انحنت أمامي ثلةٌ من الرجال، كظلالٍ سوداء صامتة، كانوا ينتظرونني. صعدتُ إلى سيارةٍ فارهةٍ، لكن مع كل كيلومتر يبتلعنا من القصر، كان قلبي يئنّ؛ لأنني كنتُ أعود إلى سجني الذهبي، إلى المكان الذي يحمل لي ذكريات مؤلمة، حيث قُيِّدت حريتي، بالرغم من كل مظاهر الترف والثراء التي تحيط بي.

توقفت السيارة بهدوء أمام البوابة الحديدية الضخمة للقصر، التي انفتحت ببطء كفكي وحشٍ يبتلع فريسته. دلفتُ إلى الداخل، وتوقفت في بهو القصر الشاسع، حيث كانت الجدران العالية مزينة بلوحات فنية باهظة الثمن، والأثاث الفاخر يملأ المكان، إلا أن كل هذا البهاء لم يكن سوى ستارة سميكة تخفي وراءها فراغًا موحشًا. لم أكن أرى سوى ظلالَ الماضي تتراقص على الجدران، كرقص أشباحٍ لا تُرى.

كانت والدتي تجلس في صدر البهو على أريكة مخملية ضخمة. حالما رأتني، لمعت عيناها بلحظةٍ من الارتياح الممزوج بالحزن، وأسرعت إليّ بخطواتٍ متعثرة وقالت: "ابني، اشتقت إليك! لقد امتلأ القصر بك مجددًا."

فأجبتها ببرودٍ قاطع، وعيناي تحدقان بها دون رمش: "لا تنطقي بهذه الكلمة مجددًا يا سيدة إيزابيلا."

توقفت أقدامها على بعد خطوتين مني، وتغير تعبير وجهها إلى الألم الذي ألفته جيدًا. قالت بصوتٍ خفيضٍ يكاد يكون همسًا: "متى ستقوم بمسامحة أمك؟"

هززتُ رأسي ببطء، بابتسامةٍ مريرةٍ لم تصل إلى عينيّ: "أبدًا، لن أسامحكِ."

تسللت دمعة خائنة من عينها، وسالت على خدها الشاحب. رفعت يدها وكأنها تريد أن تلمسني، لكنها تراجعت وكأنها لمست جمرًا. "أنا قمت بهذا كله من أجلك، يا كريسار. كل ما فعلته كان لأجلك أنت."

قمت بالرد عليها بحدةٍ، وصوتي يعلو قليلًا ليحمل مرارة السنين: "تقصدين من أجل نفسكِ يا سيدة! لأجل طموحاتكِ الأنانية التي دمرت حياتي وحرمتني من كل شيء."

أدرتُ ظهري لها دون انتظار أي رد، شعرتُ بها تنتفض خلفي. تابعتُ سيري بخطواتٍ ثابتة، متوجهًا للأسفل حيث كنتُ أبحث عن ملجئي الوحيد من هذا الواقع المرير. كل ما حدث كان ثقيلًا على روحي. بدايةً من أخي الذي هو قاتل والد أنجل، وزوجتي التي أحبها ولكنها تكرهني. هذه الدوامة من الخيانة والكراهية كانت تدفعني نحو الهاوية. الشراب هو الرفيق الوحيد الذي يملك القدرة على إخماد هذا اللهيب داخل صدري.

مع كل خطوة، كان صوت خطواتي يتردد في القصر الواسع، كأنه نداءُ غرابٍ أسود، لكن كل ما كان يهمني هو الوصول إلى زجاجةٍ تُنسيني ألمي. وصلتُ إلى القبو حيث كانت الأضواء خافتة، والرائحة المميزة للخمور الفاخرة تملأ الهواء. كان بارًا متوسطًا يضم كل أنواع المشروبات.

امتدت يدي فورًا إلى أقرب زجاجة ويسكي قديمة، وسكبتُ لنفسي كأساً كاملاً دون تردد. تجرعتُه دفعة واحدة، لكنه لم يطفئ النار المشتعلة في صدري.

ثم سمعتُ صوتاً يقول بلهجة ساخرة، اخترقت صمت المكان: "عدت؟ لم تبقَ مع حبيبة القلب طويلاً."

نظرتُ في عينيه الباردتين، عيني كونراد، وقلتُ بحدةٍ: "وما شأنك أنت؟"

قام بسحب كرسي بجانبي، وجلس عليه ببطء مُستفز، ثم قال بابتسامة باردة: "مجرد فضول. لأنني أعرف أن أباها لا يزال حديث الوفاة... أم أنها طردتك؟"

لم أُجب على سؤاله، بل تحركتُ في مقعدي متجاهلاً استفزازه، لكن عيني لم تفارقا عينيه. سألته بصوتٍ خفيضٍ مليءٍ بالتحذير: "هل أنت من فعلت؟ يا كونراد؟"

قام بتحويل عينيه عني للحظة، ثم عاد ليحدق بي بابتسامة شيطانية: "ماذا فعلت؟ أكمل سؤالك. أنت تعرف أنني لن أنفي شيئاً ارتكبته، بل أفتخر به."

قمتُ بتحريك رأسي بأسفٍ مُرٍّ، وقلتُ بمرارةٍ لم أستطع إخفاءها: "ظننتُ أن رغم حقارتك لن تصل إلى هذه المرحلة. لكنني في كل مرةٍ أُخذَل."

ابتسم كونراد، ابتسامةً عريضةً كشفت عن أسنانه، وقد سكب لنفسه كأساً من نفس الزجاجة التي أمامي. قال بهدوءٍ مخيفٍ: "لن أصل إلى ماذا بحقارتي؟ أجبني. لا تنسَ، حقارتي هي التي تجعلني أعيش."

ابتسمتُ ابتسامة ساخرة، قلتُ له: "حسنًا، ومَن لا يعرف طريقة عيشك الحقيرة؟ مثلك."

أجاب كونراد بعد أن ارتشف جزءاً من كأسه، مال برأسه قليلاً وكأنه يفكر للحظة، ثم قال ببرودٍ: "لا أحد. الجميع يعلم من أكون، وهذا يكفي."

ثم سألته، محاولاً تغيير دفة الحديث، لكن بحدةٍ لم تفارقي: "وماذا تفعل أنت هنا؟"

فأجاب، بابتسامةٍ استقرت على شفتيه: "كنتُ حقاً سأقول لك وهل هذا المكان ينتمي إليك. لكنني فكرتُ ووجدتُه حقاً ينتمي إليك. لذلك سأقول لك: وما شأنك؟"

صرختُ به، والغضب يتصاعد في صدري: "حسنًا، ما دمتَ تعرف أنه مكاني، فانقلع من هذا المكان! واتركني، لا أريد أن أرى وجهك!"

أجابني بابتسامةٍ واسعةٍ، استفزازيةٍ، وهو يميل برأسه: "لِمَ؟ هل لأنني أوسم؟"

تجاهلتُه تماماً، أدرتُ وجهي عنه، لكن صوته اخترقني مجدداً من حيث لا مكان: "أتعرف شيئاً يا ابن أبي؟ أنا حقاً ممتنٌ لأنجل. فبفضلها، قد صُنِعَ هذا المكان حتى لا ترى ولو بالخطأ امرأة أخرى غيرها."

ثم أكمل بطريقة أغرب، وعيناه تخترقانني وكأنه يرى ماضياً مشتركاً لم أكن أرغب في تذكره: "أنا حقاً لا أفهم يا ابن أبي لماذا تركتها وأنت لا تزال تحبها؟ حيث أنك من أجلها ومن أجل حمايتها قمت بمساعدتي على قتل أبينا!"

جحظت عيناي للحظة، لم أكن أتوقع أن يذكر ذلك هنا والآن. أجبتُه بصوتٍ حاول التماسك: "لأنه يستحق. ولأن إن لم نقتله نحن، سيأتي يوم ويقتلنا فيه." أخذت نفساً عميقاً، محاولاً استعادة السيطرة، ثم تابعتُ: "أتعرف شيئاً؟ ربما كان هو أحقر منك..."

قاطعني كونراد بضحكةٍ خافتةٍ، ذات دلالةٍ لم أستطع فك شفرتها: "أتعرف لِمَ في ذلك اليوم وثقتُ أنك ستساعدني على قتله؟ لأني متيقن بمذى حبك لها."

وأخيراً، قام بتجرع الكأس مرة واحدة، وكأنما يختتم عرضًا أو يُنهي وعدًا خفيًا. وضع الكأس الفارغ على الطاولة بقوة خفيفة، ثم نهض ببطء، ونظر إليّ بنظرة أخيرة لم أستطع فك شفرتها، قبل أن يقول بهدوءٍ مريبٍ: "أراك لاحقاً يا ابن أبي." ثم استدار ومضى، تاركاً إياي وحدي في صمت القبو.

لم أدرك كم من الوقت قد مر على رحيل أخي، ولا كم كأساً قد تجرعت. كل ما أتذكره هو أنني ظللتُ أصبّ الشراب، وأشرب، وأشرب حتى أستطيع نسيان الآلام وما عشته بسببه... بسبب أبي. ذلك الذي لم أشعر بأي ندم على قتله لأنه يستحق الموت ألف مرة. فبسببه خسرتُ طفولتي، وبسببه خسرتُ صديق عمري غونتر، وبسببه أيضاً خسرتُ حب حياتي أنجل. قمتُ بارتكاب هذه الخطيئة حتى أحميهم من شر أبي، لأنني أعيش من أجل أنجل وأتنفس من أجلها. حتى لو كان هذا العيش يعني الغرق في بحر من الدماء. هي خيط النور الوحيد في هذا الظلام الدامس الذي يحيط بي، والسبب الوحيد الذي يجعلني أستمر في هذا الجحيم.

لم أشعر بنفسي، حتى غفوتُ.

وعندما نهضتُ فجأة، شعرتُ وكأن مطرقة تضرب رأسي بلا رحمة. صداع عنيف كاد يشق جمجمتي نتيجة الكم الهائل من الشراب الذي ابتلعته. كانت عيناي ثقيلتين ورؤيتي مشوشة، لكن حتى في هذا الضباب لم تفارق صورتها ذهني: أنجل.

"أقسم أنني سأسترجعكِ، حتى لو تطلب ذلك قتلي للعالم أجمع!" تمتمتُ بصوتٍ مبحوحٍ، وكأنما أقطع وعداً لنفسي وللظلام الذي يحيط بي.

.................................................................................

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف Taki
2025/08/14 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة