في أعماقِ الفقدِ، تتولَّدُ أقوى العزائمِ. فالجرحُ وإن نزفَ، قد يُشعلُ نارَ الانتقامِ."
............................................................................
المانيا (برلين)
ينزف قلبي وجعًا صامتًا، وفي عينيّ غيم من الدمع يوشك أن يمطر حنينًا لا ينتهي. سؤال واحد يتردد صداه في أعماقي المنهكة: من أكون الآن، بعد أن رحلت يا سندي؟ روحي تائهة، غريبة عن جسدي المثقل بالغياب، منذ أن فارقتني يا من وهبتك زهرة عمري وارتويت من نبع حبك سر الحياة.
يغشاني إحساس موحش، فراغ سرمدي يطبق على أنفاسي، نقص حاد يمزق أوصالي، وحزن كثيف يلتف حول روحي كظل أبدي. كل هذه المشاعر المتلاطمة تستعر الآن في داخلي. فراقك يا أبي، تركني هيكلًا فارغًا، أتحرك بلا روح، وأتنفس هواءً باهتًا لا يحمل ذرات وجودك. أتذكر تلك اللحظة الأخيرة يا أبي، عندما حاولوا أن ينتزعوك مني، وأنت مسجى بلا حراك؟ أتذكر كيف تشبثت بيدك الباردة، بكل قوة يائسة، متوسلة إليهم ألا يأخذوك بعيدًا؟ آه يا أبي... تلك اللمسة الأخيرة لبرودة كفك، ما زالت تسكن راحتي ككابوس أبدي. لكن في تلك اللحظة، لم أكن أكثر من ابنة مروعة الفقد، تتشبث بأبيها بكل ما أوتيت من قوة رجاء أخير، ترفض أن تصدق أن هذه هي النهاية.
لكن للقدر كلمة أخرى، فصل مؤلم لم يمهلنا حتى لحظة وداع تليق بعظم الفقد. أحتفظ بكنوز حكمتك يا أبي، كلماتك كانت نجومًا أهتدي بها في ليل حياتي، ونصائحك وقودًا يشعل في عروقي نار العزيمة. والآن، ستتحول هذه النار إلى لهيب انتقام مقدس، سأضرمها لأثأر لرحيلك الغادر ولدمائنا الزكية. أقسم بروحك الطاهرة يا قائدي، إن كل من تجرأ على إطفاء نورك سيذوق مرارة الحسرة ألف مرة، وسيتمنى الموت ألف مرة ولن يجد إليه سبيلًا. لن يهدأ لي جفن ولن يسكن هذا العالم الدنيء حتى أستل حقي بيدي وأقتص لغيابك عدلًا، وأثبت لك أن ابنتك سارت على خطاك، وأن دمك الطاهر لم يذهب سدى.فجأة، شعرت بشيء يُلقى على كتفيّ، وما كان إلا معطف غونتر. رفعتُ نظري، التقت عيناي بعينيه، وهمست بصوت مبحوح، "لقد رحل... تركني... تركني وحيدة!" سحبني بلطف، فأسندتُ رأسي إلى صدره، ليقول بهدوء يأسيني: "لا تستطيعين تغيير الحقيقة."
تنهدت بوجع، ودموعي بدأت تتجمع: "لقد تعبت... لماذا أنا؟ لماذا أنا بالذات من يُسلب منها دومًا ما تحب؟ لمَ ليست لي نهاية عادية جميلة كباقي البشر؟" ردّ عليّ بصوت خفيض وعميق: "الجميع لديهم ذات السؤال الذي تطرحينه. كل شخص منا في هذا العالم يحمل همومه بقدر ما يستطيع تحمله."
شعرت بدمعة حارة تسقط من عيني، فانتفضت وقلت بعزم منهك: "لا أريد المزيد! لقد اكتفيت!" ثم صرخت بأعلى صوتي، كل ما تبقى لي من قوة، "لقد اكتفيت!" انهرت على قبر أبي، دموعي تختلط بزخات المطر الغزيرة، وكأن السماء تبكي معي.
شعرت بيد غونتر تضمّني بحنان، فنظرتُ إليه بعينين غائمتين، وتمتمت بيأس مطلق: "أريد أن أموت... لا أريد الحياة بعد الآن. تعبت. تعبت. أنا لست أنا. أنا إنسان في نهاية المطاف، ورغم عدم كمالي، ورغم أنني قد أكون سيئة، لكن لدي أحاسيس."
شعرت بذراعي غونتر ترفعني عن الأرض. استسلمتُ في نهاية المطاف، وذهبت حيثما يقصد هو. حملني إلى السيارة، وطوال الطريق، كان عقلي لا يتوقف عن حياكة خطط الانتقام، وفي ذات الوقت، يُصارع فكرة المسؤولية الجديدة التي سأتحملها. أنا الآن الوريثة... خليفة أبي... وزعيمة جديدة.بعد لحظاتٍ بدا لي وكأنها دهور، توقفت عجلات العربة الثقيلة عند عتبة القصر الفخم. تطاير الغبار في الهواء كزوال حلمٍ متلاشٍ. انفتح الباب ببطءٍ مهيب على يد رجالنا المسلحين، وكأنهم يدركون ثقل المأساة التي تفتت قلوبنا.
استقبلتنا خادمة بابتسامة رسمية لم تُخفِ عتمة الحزن التي خيَّمت على عينيها. كانت نظراتي فارغة، أبعد ما تكون عن التعبير عن أي شيء يختلج في صدري. سلكتُ طريقي نحو غرفتي فصادفتُ وردتي الذابلة - أمي. أرادت أن تتحدث إليّ، لكن غونتر منعها بلطف وقال: "اتركيها يا خالتي، هي بحاجة ماسة لأن تكون وحدها."
أجابت أمي، والحزن ينزف من عينيها: "لكنها ليست بخير، يا غونتر!"
أخبرها غونتر بهدوءٍ حكيم: "حتى أنتِ لستِ بخير. الجميع هنا غارق في الحزن. أنتِ تدركين طبيعة أنجل عندما تحزن؛ إنها تعتزل العالم، لا تدع أحدًا يرى ضعفها. غدًا سيكون وقتًا أفضل للحديث معها."
صاحت أمي بيأس: "لا أدري ماذا كنتُ لأفعل لو لم تكن موجودًا أنتَ!" ثم ذهبت إلى غرفتها، تسترجع ذكرياتها مع زوجها الراحل.
وصلتُ إلى غرفتي بعد حربٍ ضروس دارت بين عقلي، أفكاري المُتشابكة، وحزني الطاغي. دخلتُ الغرفة وأغلقت بابها خلفي بصوتٍ خافت، كأنني أريد أن أُخفي حزني عن الكون بأسره. انهرتُ على سريري، وشعرتُ كأنني أغوص في بحرٍ عميق من اليأس والفراغ. خيَّمت ظلمة دامسة على أرجاء غرفتي، وساد صمتٌ ثقيل يخنق المكان، كأنما توقف العالم عن الدوران تمامًا.أغمضتُ جفنيّ، وهما يرزحان تحت وطأة تعبٍ أزليّ، لتنسكبَ دموعي نهرًا حارقًا على أعتاب روحٍ غادرتْ، روحي التي ارتحلتْ مع أبي. عبثًا، بل حمقًا، حاولتُ أن أجدَ ملاذًا في النوم. لكنَّ هواجسَ الفراقِ القاتمةِ، كجنودٍ لئيمةٍ، اقتحمتْ حصونِ عقلي، مُثقلةً أحلامي بكوابيسَ لا تنتهي، وكأنها عذابٌ أبديٌّ لا يمحوهُ ليلٌ. أغمضتُ عينيّ مجددًا، بقلبٍ يَتوقُ أن يكونَ كلُ ما جرى محضَ وهمٍ، كابوسًا رهيبًا يتلاشى مع أنفاسِ الفجرِ الأولى. لكنَّ صَفعةَ الواقعِ جاءتْ باردةً، قاسيةً، تعيدني بعنفٍ إلى حقيقةِ الفقدِ الذي مزَّقَني.
أصبحَ سريري قبرًا ضيقًا من الوحدةِ الخانقةِ، كلُ خيطٍ فيهِ يصرخُ بالعزلة. وسادتي، أُقسمُ أنها شريكةٌ صامتةٌ لحُمَّى دموعي المتدفقةِ وآلامي التي لا تُحصى. حاولتُ النهوضَ، لكنَّ ثقلَ الحزنِ الذي سكنَ روحيَ شلَّني، أوقفَ كلَّ نبضٍ للحياةِ فيَّ، وأعاقَ كلَّ حركةٍ. أحدقُ في سقفِ الغرفةِ الفسيحِ، وأتساءلُ، لا بل يَتسربُ مني سؤالٌ ممزقٌ للروحِ: كيفَ سأجرؤُ على الاستيقاظِ غدًا، ودون صدى صوتِ أبي؟ لا أدري حقًا إن كنتُ قد غفوتُ هربًا من براثنِ الفراقِ التي تخنقني، أم استسلمتُ للنومِ الطويلِ رغبةً مني في النسيانِ المطلقِ، الذي لم أعد أفرق بينه وبين الموتِ.
فجأةً، انتبهتُ لوجودي في غابةٍ ساحرةٍ، عتيقةٍ، تُعانقُها الظلالُ. سمعتُ صوتَ أبي يناديني، نداءً خفيفًا كهمسِ الريحِ، لكنهُ اخترقَ أعماقي. تتبعتُ النداءَ، وقلبيَ المرتعشُ كانَ يطيرُ في صدري، لكنهُ كانَ يبتعدُ، كلما تقدمتُ خطوةً باتجاههِ. حتى شعرتُ بالصوتِ نفسه يُهمسُ قربَ أذني، دافئًا، حنونًا: "أنتِ هنا يا ابنتي أنجل." لم أملكْ ذاتي لحظةً، حتى وجدتُني أسقطُ كليًا بينَ ذراعيهِ، أرتجفُ، أشهقُ كطفلةٍ رضيعةٍ لم ترَ أمها قط، ولم تجدْ أمانًا سوى في حضنهِ. ابتعدتُ عن دفءِ حضنهِ بعدَ حينٍ، وجلستُ أنغمسُ في تأملِ وجههِ الذي لا أدري متى ستُكرمُ عينايَ برؤيتهِ ثانيةً، أخشى أن تكونَ هذهِ الرؤيا الأخيرةَ. لكنهُ قاطعَ شروديَ العميقَ في تفاصيلِ ملامحهِ، وعيناهُ تحملانِ ثقلَ السنينِ وحكمةَ الرحيلِ، قائلاً: "سأطلبُ منكِ طلبًا... اعتبريها وصيةً، يا حبيبةَ أبيكِ، يا نبضَ قلبي: عائلتُنا أمانةٌ بينَ يديكِ. أطلبُ منكِ أن تحميهم، حتى من أنفسهم، حتى وإن أخطأوا، فدمنا واحدٌ، وحمايتهم واجبٌ مقدسٌ لا يُفرطُ فيهِ على كتفكِ. تذكري دائمًا، يا أنجل، العائلةُ هيَ سرُّ قوتنا الأبديِّ، حصنُنا المنيعُ الذي لا يُقهرُ. نحنُ بدونِ عائلةٍ... لا شيء."
فأجبتهُ بعزمٍ وُلدَ من قلبِ اليأسِ: "إن كانتْ هذهِ رغبتَكَ، أبي... فحسنًا. سأحميهم، حتى من نفسي."
............................................................................
Taki