إنَّ ألمَ الخيانةِ والغدرِ قدْ يتركُ جراحاً عميقةً، لكنَّ قوةَ الروابطِ الروحيةِ الصادقةِ، ودعمَ الأحباءِ، ومرورَ الوقتِ، يعدُّ بلسماً قادراً على شفاءِ القلوبِ، حتى وإنْ لمْ يُمحَ الأثرُ تماماً.
...............................................
ارتسمتْ على وجهِ غونترَ ابتسامةٌ خبيثةٌ، وبمجردِ وصولناَ لهُ قدَّمَ لناَ مفاتيحَ الدراجتينِ وقالَ: "بالتوفيقِ لكماَ في
سباقكماَ." وقامَ بتقديمِ لناَ أجهزةً لكي نتواصلَ بهاَ معَ بعضناَ البعضَ. خطوتُ اتجاهَ دراجتيَ وارتديتُ خوذتيَ حفاظاً على هويتيَ وسلامتيَ، وكذلكَ فعلَ ألكسَ. قدناَ الدراجاتِ إلى خطِّ البدايةِ حيثُ يوجدُ العشراتُ من الدراجاتِ الناريةِ والمئاتُ من الجماهيرِ التي ما إنْ لمحتناَ حتى تضاعفَ حماسهاَ، وذلكَ يعودُ إلى أننيَ وألكسَ نُعتبرُ منْ ملوكِ الساحةِ والسباقاتِ، إذْ لا يوجدُ منْ قامَ بهزيمتناَ منذُ ظهورناَ. إلا أنَّ الجمهورَ لمْ يكنْ فقطْ متحمساً بلْ كانَ أيضاً مصدوماً لأنهُ والمذهلُ أنَّ الساحةَ لمْ تشهدْ قطُّ مواجهةً مباشرةً بينيَ وبينَ ألكسندرَ في سباقٍ كهذا. جسديَ كانَ يرتعشُ ليسَ من الخوفِ بلْ من الحماسِ الزائدِ. خاطبتُ ألكسَ منْ تلكَ السماعةِ: "هلْ أنتَ جاهزٌ لهزيمةٍ مروعةٍ يا ألكس؟" فأجابنيَ: "بلْ جاهزٌ لهزيمتكِ يا سيدتيَ." فجأةً صوتُ الحكمِ قدْ ارتفعَ فوقَ ضجيجِ الجمهورِ بمساعدةِ مكبرِ الصوتِ وقالَ: "عشرةُ كيلومتراتٍ! الفائزُ هوَ منْ يعودُ أولاً، والقاعدةُ الوحيدةُ هيَ أنهُ لا توجدُ قواعدُ!" تبادلتُ أنا وألكسندرَ نظرةً سريعةً التي قدْ أشعلتْ روحَ المنافسةِ بينناَ. عندَ إشارةِ الانطلاقِ، انطلقتْ دراجاتناَ كالسهمِ. حيثُ إنَّ ألكسندرَ انطلقَ بمهارةٍ توحيَ على أنهُ جزءٌ لا يتجزأُ من دراجتهِ، فلحقتُ بهِ متجاوزةً الكثيرَ من الدراجاتِ. كانتْ الطرقاتُ مُلتويةً، حيثُ هنالك مجموعةٌ من الدراجاتِ قدْ انقلبتْ لأنَّ هذهِ الطرقاتِ تُشكلُ تحدياتٍ حقيقيةً، لكنهاَ كانتْ أيضاً ملعبناَ حيثُ تتحررُ أرواحناَ المتمردةُ من القيودِ. أصبحناَ أنا وألكسَ في المقدمةِ، ولكنْ في أحدِ المنعطفاتِ الحادةِ قامَ ألكسَ بمناورةٍ خطيرةٍ كادتْ أنْ توديَ بهِ، لكنهُ أتقنهاَ ببراعةٍ لا تُصدقُ، فأدركتُ أنهُ فنانٌ في قيادةِ الموتِ. قمتُ بزيادةِ سرعتيَ وتجاوزتهُ في لحظةِ غفلةٍ كأننيَ شبحٌ، فقلتُ لهُ: "هلْ تحتاجُ إلى مساعدةٍ يا ألكس؟ يبدو أنكَ فقدتَ طريقكَ." فأجابنيَ بصرخةٍ ممزوجةٍ بضحكةٍ خاليةٍ من الهمومِ: "لا تظنيَ أنكِ الوحيدةُ هناَ منْ تمتلكُ روحاً شيطانيةً يا أنجل." لمْ يتركْ ليَ فرصةً لاستيعابِ كلامهِ حتى وجدتُهُ تجاوزنيَ. كانتْ كلُّ حركةٍ وكلُّ التفافٍ وكلُّ تجاوزٍ بمثابةِ رقصةٍ بينَ الموتِ والحياةِ، حيثُ إنَّ السرعةَ تُغلفُ كلَّ شيءٍ، وتنسينيَ وجعَ الألمِ، وتُحيلهُ إلى هواءٍ متلاشٍ خلفناَ. وصلتُ إلى خطِّ النهايةِ قبلَ ألكسَ بمجردِ ثوانٍ، ولكنْ قانونُ اللعبةِ يلعبُ على تلكَ الثوانيَ التي نعتبرهاَ لا شيءَ في عالمناَ، غافلينَ أنَّ الحياةَ تقومُ على نفسِ المبدأِ وأنَّ ثانيةً بإمكانهاَ تغييرُ مصيرِ شخصٍ. نزلناَ أنا وألكسَ منْ دراجتناَ، حيثُ قالَ بصوتٍ خافتٍ ممتلئٍ بالدهشةِ والإعجابِ: "حقيقةً، لمْ أعرفْ أنكِ بهذهِ المهارةِ يا أنجل." ابتسمتُ ابتسامةً عريضةً، ابتسامةً نادراً ما تظهرُ على وجهيَ: "وهلْ كنتَ تتوقعُ غيرَ ذلكَ يا أليكس؟"
لمْ أشعرْ بألكسَ حتى رأيتُهُ مندفعاً إليَّ، عانقنيَ ثمَّ قالَ: "شكراً لكِ كثيراً يا ابنةَ عمّي." لمْ أستطعْ مبادلتهُ العناقَ، بلْ قلتُ لهُ: "لا تعتَدْ على هذا يا ابنَ عمّي." شعرتُ بأنهُ قلبَ عينيهِ بضجرٍ ثمَّ ابتعدَ قائلاً: "أنتِ حقاً لا تُطاقينَ يا أنجل."
بعدَ ذلكَ، عدناَ إلى غونترَ آخذينَ معناَ دراجتيناَ. عندما وصلتُ، رأيتُ عينيَ غونترَ متوترتينِ، كأنهُ يُخفيَ عنيَ شيئاً ما. فقلتُ لهُ: "ماذا تُخفيَ يا غونتر؟ هلْ هناكَ شيءٌ يجبُ أنْ أعرفهُ؟" فأجابنيَ مباشرةً: "لا يوجدُ شيءٌ. أنتِ تعرفينَ أننيَ سأخبرُكِ بأيِّ شيءٍ أعرفهُ." فسألناَ ألكسَ منْ لا مكانٍ: "هلْ أنتما تعيشانِ على الطاقةِ الشمسيةِ؟" فسألتهُ: "لماذا؟" فقالَ ليَ: "أنتماَ لمْ تأكلاَ شيئاً منْ الصباحِ، بالإضافةِ إلى أننيَ جائعٌ، وإنْ لمْ آكلْ شيئاً فسأموتُ جوعاً بينَ أيديكمْ هناَ." نظرتُ حينهاَ في عينيَ غونترَ لعلهُ يُنقذنيَ منْ هذا الموقفِ، فرَفعَ كتفهُ دلالةً على عدمِ استطاعتهِ فعلَ شيءٍ. عندئذٍ أجبتُ ألكسَ: "إنْ كنتَ تريدُ أنْ تأكلَ فاذهبْ وكُلْ وحدكَ." فأخبرني: "الوقتُ متأخرٌ، وليستْ معيَ سيارةٌ، ولا يجبُ أنْ أمتطيَ دراجتيَ." فاضطررتُ أنْ أوافقَ على طلبهِ لأننيَ أيضاً أكادُ أموتُ جوعاً.لمْ يكنْ أمامناَ خيارٌ سوى البحثِ عنْ مكانٍ يفتحُ أبوابَهُ في هذا الوقتِ المتأخرِ من الليلِ. حتى اقترحَ غونترُ مطعماً صغيراً يظلُّ مفتوحاً طوالَ الليلِ. جلستُ بجانبِ ألكسندرَ في سيارتيَ، بينما كانَ غونترُ يقودُ سيارتهُ أمامناَ ليوجهناَ إلى المطعمِ. وصلناَ أخيراً إلى المطعمِ المتواضعِ الذي تُضيءُ واجهتهُ أنوارٌ خافتةٌ بالكادِ تكشفُ عنْ وجودهِ. بداَ كأنهُ مكانٌ مهجورٌ في هذا الليلِ. نزلناَ من السياراتِ، وخطوناَ إلى داخلِ المطعمِ.
كانتِ الأجواءُ هادئةً، تُشبهُ لوحةً قديمةً باهتةً. جلسناَ على أقربِ طاولةٍ فارغةٍ، حيثُ كنتُ جالسةً وسطَ غونترَ وألكسندرَ. التفتُّ إلى غونترَ وسألتُهُ: "منْ أينَ تعرفُ هذاَ المكانَ؟" أجابنيَ بابتسامةٍ خفيفةٍ: "ألا يُعجبكِ؟ يمكنناَ تغييرهَ إذا أردتِ." فأجبتُهُ: "لا، لمْ أقلْ هذاَ. فقطْ غريبٌ أنكَ تعرفُ مكاناً لا أعرفهُ، ونحنُ دائماً معاً."
قبلَ أنْ يُجيبنيَ، اقتربتْ سيدةٌ مسنةٌ بخطواتٍ بطيئةٍ، تحملُ في يديهاَ دفتراً وقلمَاً. نظرتْ إليناَ بعينيهاَ الضيقتينِ، كأنهاَ تُقيّمناَ دونَ أنْ تُبديَ أيَّ دهشةٍ بوجودناَ في هذا الوقتِ. ثمَّ توقفَ نظرهاَ عندَ غونترَ، فابتسمتْ وقالتْ لهُ: "لقدْ أتيتَ مجدداً، لكننيَ أرىَ أنكَ لستَ وحدكَ هذهِ المرةَ، معكِ رفقةٌ." ضحكَ غونترُ وقالَ لهاَ بحنانٍ: "إنهماَ إخوتيَ."
جمعتْ السيدةُ بينَ حاجبيهاَ كأنهاَ تُفكرُ، وقالتْ لهُ: "أختكَ التي تحدثتَ عنهاَ؟" فأجابهاَ غونترُ بتأكيدٍ: "نعم، إنهاَ كذلكَ." صُدمتُ مرتينِ في نفسِ اللحظةِ. الأولىَ كانتْ عندما عرفتُ أنهاَ تعرفُ غونترَ بهذهِ الطريقةِ، والثانيةُ عندما عرفتنيَ هيَ. لمْ أستطعْ كبحَ فضوليَ، فسألتُهاَ فوراً: "منْ أينَ تعرفيننيَ؟ وماذاَ قالَ لكِ عنيَ؟"
ردتْ السيدةُ بهدوءٍ: "أعرفكِ على لسانهِ. لقدْ جاءَ إلى هناَ قبلَ خمسِ سنوات...
قبلَ خمسِ سنواتٍ
كنتُ أعملُ كعادتيَ في المطعمِ الذي تركهُ ليَ أبي، حتى فجأةً رأيتُ شاباً في مقتبلِ العمرِ يبكيَ في ركنِ المطعمِ. كنتُ مترددةً في الذهابِ إليهِ، لكنْ في الأخيرِ استمعتُ إلى قلبيَ وذهبتُ أجرُّ الخطا إليهِ. جلستُ في الكرسيِّ المجاورِ لهُ وقلتُ لهُ: "ما بكَ يا بُنيَّ؟" كانتْ فوقَ طاولتهِ مجموعةٌ من قواريرِ الشرابِ، فعلمتُ أنهُ ليسَ في وعيهِ. لذلكَ بدأتُ أمسدُ على ظهرهِ وسألتهُ مرةً أخرى: "أخبرنيَ ما بكَ يا بُنيَّ؟ فالكتمانُ يُولدُ الانفجارَ، لذلكَ لا تتحملْ أشياءَ كثيرةً عليكَ. وإنْ كانَ لديكَ ما يُقلقكَ، فأنا هناَ أستمعُ إليكَ حتى طلوعِ الفجرِ."
فرفعَ وجهَهُ منْ على الطاولةِ وأجابنيَ: "أنا لا أعرفكِ حتى أُخبرَكِ، ولكننيَ لا أستطيعُ التحملَ أكثرَ. لا أستطيعُ أنْ أرىَ أختيَ تفقدُ نفسهاَ مرةً أخرىَ بعدَ أنْ وجدتهاَ أخيراً. هيَ كلُّ حياتيَ، عائلتيَ، وروحيَ. أنا الآنَ أتعذبُ عندما أراهاَ تتعذبُ. أفضلُ أنْ أموتَ ولا أراهاَ هكذا، حتى أننيَ لمْ أعدْ أستطيعُ مواساتهاَ. أنا فقطْ أريدُ أنْ أعرفَ لمَ الحياةُ قاسيةٌ معهاَ هكذا."
فسألتهُ: "هلْ خذلهاَ شخصٌ مُقربٌ إليهاَ أو تُحبهُ؟" فبدأَ يضحكُ كالمجنونِ أماميَ، وأخبرنيَ: "هيَ لمْ تُخذلْ فحسبُ، هيَ قُتلتْ منْ طرفِ حبهاَ وصديقيَ المقربِ الذي كنتُ أظنُّ أنهُ سيُحرقُ العالمَ منْ أجلهاَ، فحرقهاَ هيَ منْ أجلِ عائلتهِ. أتَعرفينَ شيئاً؟ هيَ ربماَ ليستْ أختيَ بالدمِ، ولكنهاَ بالروحِ، فهيَ منْ احتوتنيَ بعدَ أنْ تعذبتُ منْ قسوةِ هذاَ العالمِ. أقسمُ لكِ أنكِ عندما ترينهاَ ستنبهرينَ بجمالهاَ وستقولينَ: هلْ هذهِ ملاكٌ ساقطٌ أمْ ماذاَ؟"
فسألتهُ مرةً أخرىَ: "ماذاَ يكونُ اسمهاَ؟" فأجابنيَ: "أنجل." فابتسمتُ وقلتُ: "اسمٌ على مُسمىً إذاً."
فأكملتُ، وقلتُ لهُ: "ولكنْ أنتَ يجبُ أنْ تعرفَ أنَّ الحياةَ تبتليَ الأشخاصَ الجيدين دائماً بالمصائبِ. أنتَ لنْ تستطيعَ تغييرَ القدرِ، ولكنكَ بإمكانكَ أنْ تُغيرَ نفسيةَ أختكَ، حتى وإنْ قامتْ بصدكَ، لأنهاَ في النهايةِ ستستمعُ إليكَ. كنْ بجانبهاَ، هذاَ ما أستطيعُ قولهَ. هيَ بالتأكيدِ لنْ تنسىَ إحساسهاَ بالخيانةِ والغدرِ والخذلانِ، ولكنَّ الوقتَ يُعالجُ كلَّ شيءٍ، لأنَّ ألمهاَ وألمكَ سينقصانِ معَ مرورِ الوقتِ."
ونهضتُ وتركتُ ذلكَ الشابَّ صاحبَ العيونِ الخضراءِ الحزينةِ. عندما عدتُ إليهِ مرةً أخرىَ لأطمئنَ عليهِ، وجدتُهُ قدْ ذهبَ وتركَ ليَ مبلغاً كبيراً وبجانبهِ ورقةٌ مكتوبٌ عليهاَ: "شكراً لكِ كثيراً. سأحاولُ أنْ أُرجعَ لكِ دينكِ في أقربِ وقتٍ."
......................................
Taki