"لا شيء يُولدُ من رمادِ الألمِ أقوى من إرادةٍ لا تُقهر؛ ففي كلِّ دمعةٍ يُسكَبُ جوهرُ القوةِ، وفي كلِّ خيبةٍ يُخبأُ درسُ البقاءِ."
............................................................................
دَفعتني رغبةٌ قاهرةٌ إلى ملاذِ أمّي، أبتغي لديها شكوى حُزنٍ عصفَ بي، فكانتْ خطايَ تثقلُها آلامٌ لا تُحصى، كأنَّ الجاذبيةَ تضاعفتْ أضعافاً لتُكبّلَ روحيَ المنهكةَ. لمّا بلغتُ عتبةَ غرفتها، طرقتُ البابَ، فأتاني صوتُها الرقيقُ قائلاً، كأنّهُ نداءٌ من أعماقِ الوجودِ يُناديَ الضائعَ: "تفضّلي." لمحتني أمّي بعينيها الزرقاوينِ، اللتينِ ورثتُ زرقتَهُما منها كصفاءِ السماءِ بعدَ عاصفةٍ، تحملُ أسرارَ الأزلِ ودفءَ الحنانِ، فكان أولُ ما فعلتهُ أن فتحتْ لي ذراعيها، وقالتْ بصوتٍ حنونٍ يهدهدُ الروحَ، كأنّهُ نداءٌ من أعماقِ الكونِ لإعادةِ الطمأنينةِ المفقودةِ: "تعالي يا صغيرتي. ابثّي لأمكِ ما يُقلقُكِ ويُحزِنُكِ. ابكي في حضني، لا تخبئي شيئاً في قلبكِ، فكتمانُ الألمِ يُوّلدُ وجعاً أبدياً، يستنزفُ الروحَ قطرةً قطرةً حتى تُصبحَ جثةً من الرمادِ."
احمرّتْ عينايَ من غزارةِ الدموعِ، فهرعتُ إليها، إلى حضنِها الذي هو ملجئي وملاذي الأخير، كطفلٍ تائهٍ يعودُ إلى دفءِ وطنِهِ بعدَ رحلةِ شقاءٍ. انكمشتُ في أحضانِها كجنينٍ يبحثُ عن أمانِ الرّحمِ، وجسديَ يرتعشُ من وطأةِ الفقدِ الذي هزَّ كيانيَ من الجذورِ. احتضنتني أمّي، وراحتْ تمسّدُ على شعري بلطفٍ، وكأنّ يدَها تُرتقُ شقوقَ روحيَ، وسؤالُها ينسابُ كالنّهرِ الرقراقِ في صحراءِ روحيَ العطشى، يُعيدُ إليها بعضَ الحياةِ: "ما الذي يُحزنُكِ يا صغيرتي؟" أجبتُها بصوتٍ مبحوحٍ، يخنقهُ البكاءُ المُرّ الذي مزّقَ حناجري، "لا أحدَ يفهمني يا أمّي. أثقالٌ عليَّ، أثقلُ من الجبال التي لا تتزحزحُ، أنهكتْ قوايَ، ما عدتُ أطيقُ حملاً. لقد تهاويتُ، وتعبتُ، حتى الروحُ أعلنتْ استسلامها، وبتُّ هيكلاً بلا نبضٍ." كلُّ هذا قلتهُ وأنا أشهقُ في حضنِها الدافئِ، ثم تابعتُ، والكلماتُ تخرجُ بصعوبةٍ، ممزوجةً باليأسِ الذي لا يُحدُّ، وكأنّها همساتُ آخرِ نفسٍ: "أتدركينَ يا أمّي؟ لقد التقيتهُ مجدداً. التقيت، ذاكَ الذي حاربتُ العالمَ لأجلهِ، وتحدّيتُ أبي من أجلِ عينهِ، فخذلني هو والعالمُ أجمعُ، وتركني أترنّحُ في فراغٍ لا نهايةَ لهُ. لقد انتهيتُ يا أمّي، لم يعد لي سببٌ للحياةِ، كلُّ نُورٍ انطفأ في دروبي، وغرقتُ في عتمةٍ أبديةٍ."
قالتْ لي أمّي، وهي تواصلُ مسدَها الرقيقَ على شعري، وكلماتُها تخرجُ كنبعِ وعيٍ عميقٍ يروي ظمأَ القلبِ، تحملُ بينَ طياتها عصارةَ السنينَ ودهورَ التجاربِ: "وألمْ تفكّري في أمكِ يا ابنتي؟ ألمْ تفكّري في الروحِ التي نُسجتْ من روحكِ؟ لا تجعلي حياتكِ رهينةَ شخصٍ لا يستحقُّ دمعةً واحدةً من عينيكِ. لقد كانَ لكِ درساً قاسياً، محفوراً في أعماقِ الذاكرةِ، لكنكِ تعلّمتيهِ بعمقِ روحكِ." قلتُ لها، وصوتيَ غارقٌ في بحرِ الدموعِ التي لا تتوقفُ، كأنّها أنهارُ الأحزانِ المتدفقةِ، "لا أستطيعُ الصمودَ أكثرَ، لقد فقدتُ نفسي. لم أعد أُدركُ مَن أنا حينَ أنظرُ في المرآةِ، اتسائل دائما عن هوية هذهِ المرأةُ الغريبةُ التي تُقابلني، والتي لا أعرفها؟ لا أعرفُ نفسي يا أمّي. لقد تدمرتُ، وتحولتُ إلى ركامٍ من الذكرياتِ والألمِ، مجردُ ظلٍ باهتٍ لامرأةٍ كانتْ."
أجابتني أمّي، وعلى وجهها ابتسامةٌ حزينةٌ تحملُ بصمةَ السنينَ وعمقَ التجربةِ، نظراتها الثاقبةُ تخترقُ أعمقَ أعماقي، لتكشفَ الجوهرَ الخفيَّ: "الحياةُ لم تدمركِ يا ابنتي، بل صقلتكِ كالسيفِ الذي يُولدُ من لهيبِ النارِ ليُصبحَ أشدَّ قوةً. شخصيتكِ التي تتباهينَ بها الآنَ، هذهِ القوةُ التي تشعُّ من عينيكِ، هي من صُنِعَتْ بتلكَ الشدائدِ التي عصفتْ بكِ كالإعصارِ، وبُنيتْ بتلكَ التجاربِ التي عشتِها كأنّها سجنٌ من المعاناةِ. لم تكنْ سوى دروسٍ عميقةٍ صقلتكِ، ونحتتكِ، وحوّلتكِ لتُصبحي ما أنتِ عليهِ اليومَ من قوةٍ وشموخٍ لا يلينُ. لأنَّ الحياةَ، يا ابنتي، كلما أعطتنا شيئاً، أخذتْ في المقابلِ أشياءَ. إن أعطتنا الصبرَ، فهذا بعدَ أنْ جعلتنا نتألمَ حتى النخاعِ، ونجرعَ كؤوسَ المرارةِ. وإن قدّمتْ لنا النجاحَ والمجدَ، فهي في المقابلِ انتزعتْ منّا جزءًا من أرواحنا، أو سرقتْ بهجةَ أيامنا التي لا تُعوّضُ، لتتركَ فراغاً لا يملأهُ إلا العزيمةُ الخالصةُ، ودرسٌ بأنّ كلَّ نصرٍ لهُ ثمنٌ من صميمِ الروحِ... لذلك، يا صغيرتي، أولُ درسٍ حقيقيٍّ نتعلمه هو أن لكلِّ شيءٍ مقابلاً، وأنهُ لا يوجدُ شيءٌ بالمجانِ في هذا الوجودِ القاسي. أنتِ تعلّمتِ دروساً لا تُقدّرُ بثمنٍ، ولم تفقدي نفسكِ. ربما سترينَ أنكِ تغيّرتِ، ولكنَّ الألمَ، يا صغيرتي، هوَ المعلمُ الأعظمُ الذي يُغيّرُ الإنسانَ نحو الأقوى والأصلبِ، نحو كينونةٍ جديدةٍ لا تعرفُ الانكسارَ."
فأجبتُها، ودموعيَ تسيلُ على ثوبِها، تاركةً خريطةَ آلامٍ على قماشِ حضنِها الدافئِ: "أتدركينَ يا أمّي ماذا أريدُ حقاً؟ أنا لا أصبو إلا لحياةٍ بسيطةٍ، كأيِّ فتاةٍ عاديةٍ حالمةٍ، لديها أحلامٌ نقيةٌ، وطموحاتٌ تتفتحُ كالزهرِ في حديقةٍ غيرِ مُلوّثةٍ بعبثِ القدرِ. أودُّ لو أنَّ يدايَ لمْ تحملْ أثرَ دماءٍ، واسمي لمْ يُلطّخهُ عارُ فسادٍ يتوارثُهُ الأجيالُ، فكلُّ عينٍ تقعُ عليَّ اليومَ، ترى بيَ التشوّهَ، تلمحُ ندوبَ ارتباطيَ الأبديِّ بهذا العالمِ المعتمِ الذي ابتلعَ براءتي." شهقتُ، ثمَّ تابعتُ بوهنٍ، كأنّما الروحُ تُنزعُ منيَ انتزاعاً، وكلماتيَ تتلاشى في فضاءِ اليأسِ: "أنا أحبُّ هذا العالمَ، أُحبُّ ما أنا فيهِ، وما أنا مرتبطةٌ بهِ من جذورٍ ضاربةٍ في أعماقِ اللاعودةِ، لكنْ لمْ تبقَ ليَ ذرةُ طاقةٍ لأحاربَ. كانتْ كلُّ قوتيَ في أبي، روحيَ كانتْ مُعلقةً بروحهِ كخيطٍ واهنٍ، ولكنْ الآنَ، أنا وحيدةٌ مُحاطةٌ بالذئابِ التي تتربصُ بي من كلِّ جانبٍ، تنهشُ ما تبقّى منيَ. أريدُ أن أرتاحَ يا أمّي، أريدُ أن ألقيَ أثقالَ الوجودِ عن كاهليَ. هذا كلُّ ما أتوقُ إليهِ، كلُّ ما تبقّى لي من أمنياتٍ في هذهِ الدنيا الفانيةِ."
فأجابتني بصوتٍ يقطعُ أنفاسيَ، صوتٍ يحملُ نبرةَ الحقيقةِ الصلبةِ التي لا تُرحمُ، كأنّما القدرُ نفسه يتحدثُ بلسانها، يخطُّ ليَ حكاياتَ المصيرِ: "أنتِ منْ اخترتِ هذا الطريقَ يا أنجل. لمْ يُجبركِ عليهِ قسرٌ من أحدٍ. وُلدتِ كأميرةٍ في عرينِ الذئابِ، نعم، لكنكِ كنتِ مُخَيَّرةً بينَ أنْ تكونيَ فريسةً تقتاتُ عليها الحياةُ، أو صيّادَةً تصنعُ مصيرها بيدها. أنتِ منْ خسرتِ قلبكِ لهذا العالمِ بكلِّ تناقضاتهِ، أنتِ منْ أردتِ أنْ تكونيَ جزءاً منهُ، تُشكّلينَ مصيرَهُ وتُعيدينَ رسمَ خرائطهِ. لذلكَ، يجبُ عليكِ أنْ تتحمّليَ مسؤوليةَ اختياراتكِ، يا ابنتي، وهذا درسكِ الثاني الذي يخطُّ بدمِ الألمِ على جدارِ روحكِ، ليُصبحَ منارةً لا تنطفئُ. كنتِ ترغبينَ في تحقيقِ أحلامكِ، وصرتِ طبيبةً تُداويَ الجراحَ، الحياةَ لمْ تكنْ قاسيةً عليكِ وحدكِ، بل هيَ قاسيةٌ على الجميعِ، تُقدّمُ دروسَها العنيفةَ بلا استثناءٍ، وتُذيقُ الجميعَ من مرارةِ كأسها. لذا، اعلمي أنني لن أُدركُ عمقَ آلامكِ، ولنْ أبلغَ أبعادَ مشاكلكِ، فتقبّليَ وجعكِ إنْ كنتِ تتألمينَ. لا أحدَ في هذا الكوكبِ الفاني سيعرفُ مدى ما تحملينَهُ في أعماقِ روحكِ سواكِ. هذا حملكِ، وهذا قدركِ، وعليكِ وحدكِ أنْ تحمليهِ بكلِّ ما أُوتيتِ من قوةٍ."
فضضتُ ضحكةً استهزائيةً مُرّةً، وكأنها صدًى لضحكاتِ الأقدارِ التي تترنّحُ في فضاءِ الوجودِ: "طبيبةٌ تقتلُ؟ تُداويَ الجراحَ في الصباحِ، وتُسيلُ الدماءَ في المساءِ؟ غريبةٌ هي هذهِ الحياةُ المتقلبةُ التي تتراقصُ على حبالِ التناقضاتِ، أليسَ كذلكَ يا أمّي؟"
فأجابتني بصوتٍ يُلامسُ جرحَ الروحِ، لكنَّه يُغلّفهُ بقوةٍ لا تلينُ، كأنّما يزرعُ اليقينَ في صميمِ كيانيَ: "تُداوينَ مَن يستحقُّ الشفاءَ، وتقتلينَ مَن يستحقُّ الموتَ. لمْ تقتليَ قطُّ روحاً لمْ تستحقَّ، يا ابنتي، فميزانُ العدلِ الذي بقلبكِ لا يخطئُ وإنْ خبئتهُ عن العالمِ. لذلكَ، أرى أنَّ الحياةَ عادلةٌ بما فيهِ الكفايةِ في ميزانِها الخاصِّ الذي لا يراهُ سوانا." ثمَّ أضافتْ، وقد أطبقتْ كلماتها على عقليَ كختمٍ مُقدّسٍ، ليُصبحَ وصيةً لا تُمحى: "هيا نامي يا ابنتي، ولا تُعطي لشيءٍ أكثرَ من قيمتهِ الحقيقيةِ، وإلا سينقلبُ عليكِ ويُحيلُكَ رماداً، ويُذيبُ كلَّ ما تبقّى منكِ." قبلتنيَ من جبينيَ قبلةً عميقةً، تحملُ دفءَ الكونِ بأسرِهِ.لمْ تتسنَّ ليَ فرصةٌ لأغرقَ في سباتٍ عميقٍ، أو حتى أُغمضَ عينيّ بسلامٍ يُباعدُ بينيَ وبينَ الواقعِ، فما إنْ أغلقتْ أمّي الغطاءَ علينا، حتى اهتزَّ البابُ فجأةً، بطرقٍ رقيقٍ مُتأنٍ من الخادمةِ، التي انزلقَتْ رأسُها من الفُرجةِ، عيناها ترقُصانِ قلقاً، وصوتُها يتهدّجُ، يقطعُ خيطَ السكونِ الذي نسجناهُ للتوِّ: "العشاءُ قد جُهّزَ يا سيدتي."
تنهّدتْ أمّي تنهيدةً عميقةً، تحملُ ثقلَ عالمٍ كاملٍ من المسؤولياتِ. نهضتُ من فوقِ السريرِ، أُرتّبُ خصلاتِ شعريَ المُبعثرةَ ببطءٍ، وقلتُ لها بنبرةٍ حاسمةٍ لمْ تخفِ ثورتيَ الداخليةَ: "لديَّ شيءٌ يجبُ عليَّ أنْ أُكملهُ، لذلكَ لنْ آكلَ معكم هذا العشاءَ."
ردّتْ أمّي بنبرةٍ تُخفيَ عتاباً مُرهفاً، يخترقُ أعماقَ روحيَ: "أنتِ تهربينَ مجدداً، يا أنجل."
نظرتُ إليها بنظراتٍ غيرَ مفهومةٍ، وعينايَ تُخبّئانِ أسراراً تفوقُ الكلماتِ: "مِمّن أهربُ؟ أخبريني."
أجابتنيَ كلماتها كالسياطِ التي تُوقظُ الوعيَ، تُعريَ الحقيقةَ المُرّةَ: "أنتِ تهربينَ من ماضيكِ، من ندوبٍ لمْ تستطيعيَ أنْ تتجاوزيها. لنْ تتجاوزيها يا ابنتي إنْ لمْ تُحاربيَها وجهاً لوجهٍ. لذلكَ، سوفَ تذهبينَ معيَ الآنَ إلى تلكَ الطاولةِ، وسوفَ تتراسينَها، يا سيدةَ فالكنهايم."
أجبتُ أمّي، وصوتيَ يحملُ خليطاً من الألمِ والإصرارِ: "لا أستطيعُ ببساطةٍ. هذا كلُّ ما لديّ. أنا لستُ ضعيفةً، أنا فقط لا أُحبّهم؛ لأنهم قدْ ألحقوا الضررَ بكِ، وأنا لا أغفرُ ولا أُسامحُ مَن تجرّأَ على جعلكِ تسقطينَ دمعةً واحدةً. لأننيَ، يا أمّي، سوفَ أُقلبُ هذا العالمَ رأساً على عقبٍ، سوفَ أُحرقهُ من أجلكِ!"
ردّتْ أمّي بحكمةٍ مُمزوجةٍ بقسوةٍ هادئةٍ: "هذهِ معركتي، يا ابنتي. وعائلةُ أبيكِ ليستْ كلها شريرةً، فقطْ البعضُ منهم."
أجبتُها، وكلماتيَ تحملُ مرارةَ تجربةٍ لا تُنسى: "كلهم يا أمّي. لأنَّ مَن لمْ يؤذيكِ لمْ يحميكِ، ومَن لمْ يحميكِ لمْ يُصدقكِ. لقدْ وقفوا كلهم ضدكِ. همْ منْ جعلونيَ أرغبُ في الانتماءِ إلى هذا العالمِ، لأننيَ فقطْ أردتُ حمايتكِ. والشرُّ لا يستطيعُ أنْ يُهزمَ إلا بالشرِّ. عندما رأيتكِ تبكينَ وتُعانينَ، وكنتُ عاجزةً، أمرتُهم أنْ يتوقفوا، أنْ يُصدقوكِ، لكنْ لا أحدَ قدْ أخذنيَ على محملِ الجدِّ. لو كنتُ قويةً آنذاكَ، كنتُ لحميتكِ، كنتُ دمرتُهم جميعاً. لنْ يُهمنيَ إنْ كانوا يملكونَ دمي، لأنَّ أمّي هيَ الأولى والأخيرة؛ أقتلُ من أجلكِ، بلْ أُدمرُ من أجلكِ!"
فجأةً، اختنقتُ من بكائيَ، وتكسّرتْ الكلماتُ على شفتيَّ في بحّةٍ ممزوجةٍ بمرارةِ الروحِ: "أنا آسفةٌ يا أمّي لأننيَ لمْ أستطعْ أنْ أتجاوزَ أذيتهم لكِ. لقدْ دمروا طفولتيَ، بلْ سعادتيَ، وأخذوا أجزاءً منيَ لنْ أستطيعَ أنْ أُرجعها. لستُ أملكُ قلبكِ معَ الأسفِ، أنا شخصٌ ليسَ بطيبوبتكِ ولا حنانكِ. أنا أحميهم الآنَ لأنهم تحتَ رعايتي، ولو كانَ باستطاعتيَ أنْ أقتلهم لفعلتُ. عندما آذوكِ، قدْ أخذوا منيَ إنسانيتيَ، لأنَّ في ذلكَ اليومِ قدْ تعلّمتُ أننيَ لا يجبُ أنْ أضعَ ثقتيَ في أيِّ شخصٍ كانَ؛ فالثقةَ تقتلُ صاحبها. لا أستطيعُ النظرَ في عينيهم؛ لأننيَ إنْ فعلتُ، فساقتلعها!"
رسمَ الحزنُ العميقُ خطوطَهُ على وجهِ أمّي. لمْ تقُلْ كلمةً، بلْ نظرتْ إليَّ نظرةً تحملُ كلَّ آلامِ العالمِ، نظرةً فهمتُ منها أنَّ صراعها لا يقلُّ عن صراعيَ. حينها، اتجهتُ إلى البابِ، ثمَّ خرجتُ من القصرِ بأكملهِ، تاركةً خلفيَ جدراناً صامتةً تشهدُ على صرخةِ روحٍ تُولدُ من رمادِ الألمِ، وتُعلنُ حرباً لنْ تنتهيَ إلا بانتصارٍ أو دمارٍ شاملٍ.اندفعتُ بسيارتي، محطّمةً حاجزَ الصوتِ، مُتجاوزةً الرياحَ في عصفها، كأنّ الشوارعَ قدْ ضاقتْ بيَ وبثورةِ روحيَ. لمْ يوقفنيَ هذا الاندفاعُ الجامحُ سوى لمحةٌ خاطفةٌ لألكسندر، مُستسلماً لسيارتهِ، كأنّهُ سجينٌ لذاتهِ. اقتربتُ منهُ ببطءٍ مُتعمّدٍ، قبلَ أنْ تُدركَ عيناهُ وجوديَ، فلاحَ ليَ دمعٌ ينسابُ على وجنتيهِ، خَمنْتُ سببهُ فوراً. طرقتُ زجاجَ نافذتهِ، فرفعهُ، التقتْ أعيننا للحظةٍ، ثمَّ أزاحَ نظرهُ إلى الجانبِ الآخرِ، يُمسحُ بضعفٍ آثارَ دموعٍ لمْ يُردْ لها أنْ تُرى.
أنزلَ النافذةَ بصمتٍ ثقيلٍ، ورمقنيَ بنظرةٍ مُتعجبةٍ: "ماذا تفعلينَ هنا، أنجل؟"
أجبتُهُ بنبرةٍ تحملُ حدّةَ كلماتيَ المُتعجلةِ: "الطريقُ ليستْ ملكاً لأبيكِ، وقدْ رأيتكَ، فانزلِ الآنَ. أريدُ أنْ أتحدثَ معكَ في شيءٍ مهمٍّ."
تمتمَ مُتوتراً: "لمْ أرتكبْ أيَّ خطأٍ."
قاطعتُهُ بحزمٍ: "انزلِ من السيارةِ الآنَ، واتبعني."
نزلَ من سيارتهِ، مركباً بجانبيَ، في صمتٍ لمْ أُطقهُ. دَفعتُهُ بسؤاليَ: "ما خطبكَ؟ هلْ أنتَ بخيرٍ؟ وإنْ كانَ شخصٌ قدْ آذاكَ، فقطْ أخبرنيَ، وسأجعلُكَ تقتلهُ."
ابتسمَ ابتسامةً جانبيّةً، نظرتْ عيناهُ في عينيَّ للحظةٍ خاطفةٍ تحملُ بريقاً مألوفاً: "وهلْ أنتظرُكَ حتى أقتله؟"
ابتسمتُ، مزجتُ ابتسامتيَ بسخريةٍ خفيفةٍ: "أليكس الذي أعرفُهُ لنْ ينتظرَ. لكنْ الآنَ، أخبرنيَ، لماذا لستَ في العشاءِ معهم؟"
ردَّ مُتحدّياً: "نفسُ السؤالِ يُطرحُ عليكِ."
قلتُ بصرامةٍ: "أنا مَن يسألُ، ولستَ أنتَ. وليسَ منْ شأنكَ."
أجابنيَ بتهكمٍ: "حتى أنتِ ليسَ شأنكِ."
قلبتُ عينيَّ،و واصلتُ إلحاحيَ: "حتى الآنَ لمْ تُجبنيَ على سؤاليَ."
سألنيَ بضجرٍ: "أيُّ سؤالٍ بالضبطِ؟ لقدْ طرحتِ مئةَ سؤالٍ في الثانيةِ!"
أجبتهُ: "هلْ أنتَ بخيرٍ؟"
أجابَ ببرودٍ: "أنا بخيرٍ."
رددتُ بحزمٍ: "مَن هوَ بخيرٍ لا يبكيَ، لنْ يتألمَ، وعيناهُ لنْ تُطالبَ بالنجدةِ. ما بكَ؟ يمكنكَ أنْ تعتبرنيَ الآنَ صديقةً."
أجابَ بصوتٍ مُتعبٍ: "قلتُ إننيَ بخيرٍ."
أسندتُ رأسيَ إلى الخلفِ على مقعدِ السيارةِ، وتدفقتْ كلماتيَ كاعترافٍ صادقٍ: "لقدْ كنتَ مُقرباً إلى أبي، كانَ يُحبكَ ويخبرنيَ أنهُ يراكَ ابناً لهُ، لا مجردَ ابنِ أخيهِ. كنتَ مفضله منْ بعديَ."
ضحكَ ضحكةً مريرةً، لكنها حملتْ لمسةَ رضا: "أنتِ الأولى دائماً."
أجبتهُ بثقةٍ: "بالطبعِ. حتى أننيَ أنا الأولى التي تقعُ في المشاكلِ! أعرفُ الآنَ أنكَ تتألمُ. أبي لمْ يكنْ مجردَ أبٍ بالنسبةِ لي ولكَ، بلْ كانَ صديقاً لنا رغمَ أننيَ أنا وأنتَ لمْ نكنْ مُقربينَ. البكاءُ في السيارةِ لنْ يُساعدكَ على أنْ تنسىَ ألمكَ، لكننيَ أستطيعُ أنْ أُنسيكَ إياهُ لبضعِ ساعاتٍ فقطْ."
سألنيَ بفضولٍ: "كيفَ؟"
قلتُ لهُ : "لتكنْ صبوراً ستعرف بعدَ قليلٍ."
شغلتُ السيارةَ، وانطلقتُ إلى وجهتيَ الأولى التي كنتُ أرغبُ في الذهابِ إليها وحديَ، ولكنْ الآنَ معَ رفيقٍ غيرِ متوقعٍ. بعدَ نصفِ ساعةٍ، وصلنا إلى وجهتنا، فرأيتُ عينيَ ألكسندر تلمعانِ بإثارةٍ.
أخبرنيَ باندهاشٍ: "لمْ أكنْ أعرفُ أنكِ منْ محبيَ السباقاتِ غيرِ القانونيةِ. هلْ أنتِ مشجعةٌ؟"
سخرتُ منهُ بابتسامةٍ باردةٍ: "أنا لا أُشجعُ إلا نفسيَ. أنا سائقةُ دراجاتٍ. هيا لننزلْ."
سألنيَ: "إذاً لماذا جلبتنيَ معكِ؟ هلْ لأُشجعكِ؟"
ابتسمتُ، نظرتُ إليهِ بلمسةٍ منَ التحديَ: "دراجتُكَ هناكَ تنتظركَ لتسوقَها. ،واياك ان تُكشفْ منْ قبلِ الشرطةِ؛ فنحنُ ليسَ لديناَ مكانٌ آخرُ للمشاكلِ."
قالَ بذهولٍ: "كيفَ عرفتِ أننيَ سائقُ دراجاتٍ؟"
قلتُ لهُ بتعبٍ مُمزوجٍ بابتسامةٍ خفيةٍ: "أبي قدْ أخبرنيَ أننيَ أنا وأنتَ لديناَ عدةُ هواياتٍ مشتركةٍ. وفيَ يومٍ قدْ أخذَ أبي دراجتيَ، وعندما أردتُ أنْ أذهبَ لأستعيدها، رأيتُ دراجةً أخرى، فعرفتُ أنها لكَ بعدَ أنْ سألتُ أبي. هيا، لا مزيدَ من الأسئلةِ."
نزلنا من السيارةِ في الوقتِ نفسهِ. رأيتُ غونتر متكئاً على إطارِ سيارتهِ، وبجانبهِ الدراجاتُ الناريةُ التي تخصّنا، تبرقُ تحتَ ضوءِ الليلِ، مُعلنةً عن بدايةِ فصلٍ جديدٍ من الجنونِ.
............................................................................
Taki