عرش الدماء و رهن الروح

عرش الدماء و رهن الروح

17 0

"حين تُوشك الروح على التلاشي، من رمادها تُبعث العروش، ففي أقصى الهلاك يولد الملوك الجدد."

............................................................................

بمجرد أن خرج الوعدُ من أعماقي، تلاشتْ صورتهُ كسرابٍ في الصحراءِ، وأحسستُ بالفراغِ يتمددُ في صدريَ المنهكِ من جديدٍ. انتفضتُ من حُلمي، لأجدَ خديّ مُبللينِ بندى دموعٍ لم تجفْ بعدُ. نهضتُ من سريري ببطءٍ مهيبٍ، جَسدي مُثقلٌ بحزنٍ أزليٍّ. ألقيتُ نظرةً خاطفةً، فالوقتُ ما زالَ مُبكرًا، والفجرُ بالكادِ يرسمُ خطوطَهُ الأولى. قررتُ أن أجلسَ في الشرفةِ، أتأملُ شروقَ الشمسِ وكأنهُ ميلادٌ مُلَوَّنٌ ليومٍ جديدٍ لا أُريدهُ. كانتْ سيجارتي قد استقرتْ بينَ أصابعي، ودخانها يلامسُ قلبيَ المثخنَ، فهيَ وحدها رفيقةُ وحدتي، ومُبلسمةُ كآبتيَ التي لا تُفارقُني.

هناكَ، تحتَ وهجِ الشمسِ الباهتِ، بدأتُ أُحيكُ خيوطَ الانتقامِ. شرعتُ في البحثِ عن ذلكَ الشبحِ الذي سمَّمَ أبي، منذُ أنْ ظهرتْ آثارُ السمِّ القاتلِ على جسدهِ. لكنَّ ذلكَ الوغدَ، كأنَّ الأرضَ قد ابتلعتْهُ بأسرهِ. ورغمَ هذا الغيابِ اللغزِيّ، سأجدهُ حتمًا، . بدأَ الشكُ يَتآكلُ عقليَ، ويُشيرُ إلى أنَّ منْ ساعدَهُ ينتمي إلى عالمنا ؛ فرجلٌ بمثلِ حقارتهِ لا يُمكنُ أنْ يختفيَ هكذا. كنتُ سأحتاج لبضعِ ساعاتٍ فقط لأجعلَ حياتَهُ جحيمًا، لكنَّهُ توارى، مما يعني أنَّ يدًا خفيةً من داخلِ دائرتنا هيَ منْ مَدَّتْ لهُ العون. والآن، أصبحَ الصيدُ مُزدوجًا..

حينَ انقضتْ آخرُ نفثةٍ من سيجارتي، التي كانتْ رئةَ روحيَ الوحيدَةَ في هذا العدمِ القاتلِ، أدركتُ أنَّ طقوسَ الرثاءِ قد دُفنتْ مع آخرِ رمادٍ. ساعةُ الحقيقةِ قد دقتْ بقرعٍ مدوٍّ، مُعلنةً ولادةَ يومٍ لا يحملُ إلا الحسمَ المُطلقَ، يومٍ سأُعيدُ فيهِ صياغةَ مصيريَ بيدايَ. ارتديتُ سواديَ الليليَّ، فكلُ خيطٍ فيهِ كانَ يُخيطُ درعَ عزيمتيَ الصُلبَةَ، درعًا لا يعرفُ الانكسارَ ولا التهاون. ثم انتعلتُ حذائيَ الذي طالما ارتعشتْ تحتَ وطأتِهِ عروشُ أعدائي، وكأنَّ جلدَهُ الأسودَ يَهتفُ الآنَ باسمي، مُبشرًا إياهمْ بعهدٍ جديدٍ من السحقِ المُقدسِ، عهدٍ لا رحمةَ فيهِ. خطوتُ خارجًا من الأقبيةِ الباردةِ، لأصطدمَ بصخبِ الحياةِ الصباحيّ الذي اجتاحَ القاعةَ، حيثُ التمّتْ العائلةُ، تلكَ الوجوهُ الباهتةُ، حولَ مائدةِ الإفطارِ في ترقبٍ يُخنقُ الأنفاسَ، وشكوكٌ تُلامسُ السطحَ.

كانتْ خطواتيَ المُتوجهةُ كالسهمِ المُصوبِ بدقةٍ مُرعبةٍ، لا تترددُ ولا تحيدُ، نحو كرسيِّ أبي الشاغرِ في صدرِ المجلسِ، فجلستُ عليهِ. لمْ يكنْ جلوسي لأملأَ فراغَهُ الأبديَّ الذي لنْ يُملأَ، بل لأغرسَ كيانيَ، لأعلنَ تتويجَ حضورٍ يرفضُ الغيابَ ويُحَتِّمُ الوجود. تحوّلتْ عيونُهم جميعًا إليّ، نظراتٌ امتلأتْ فيها الدهشةُ بترددٍ يُلامسُ الخوفَ، وفي أعماقِ بعضِها، كانتْ نيرانٌ مُلتهبةٌ تُخبئُ صراعًا عتيقًا وتُضمرُ تمردًا قادمًا. استغللتُ الصمتَ المُطبقَ الذي خيّمَ كستارٍ سميكٍ يُخفي العواصفَ القادمةَ، وقلتُ بصوتٍ يقطعُ الهواءَ بحدتِهِ، يحملُ رنينَ صُلبٍ لا يعرفُ الجدلَ أو التراجعَ، كأنهُ حُكمٌ سماويٌّ أُنزلَ للتوِّ: "متى نبدأُ الإفطارَ في غيابِ زعيمِ عائلتِنا؟"

رمقتْني عمتي ميرا، أختُ أبي الكبرى، بعينينِ تُراقصُهما خبثُ الأفاعي، وابتسامةٍ مُهذبةٍ خنقتها السخريةُ المُرةُ، وقالتْ بصوتٍ امتزجتْ فيهِ الدهشةُ بالوقاحةِ، وكأنها تُلقي كلماتِها كحجارةٍ: "حبيبتي أنجل، زعيمُنا قد أغمضَ عينيهِ للأبدِ بالأمسِ فقط. وأنتِ، تُتوِّجينَ نفسكِ ملكةً لنا الآنَ، بهذهِ السرعةِ الجنونيةِ، وبهذهِ الجرأةِ الصارخةِ التي لا تعرفُ حدودًا؟"

أجبتُها بنظرةٍ ثاقبةٍ اخترقتْ روحَها، وكلماتيَ خرجتْ كمرسومٍ إلهيٍ لا يُردُّ، صوتيَ يحملُ رنينَ السلطةِ المُطلقةِ التي لا تعترفُ إلا بالوجودِ وحدهُ، ولا تسمحُ بالجدل: "أنتِ، وكلُ فردٍ في هذهِ العائلةِ، من الآنَ فصاعدًا، أنا زعيمتُهُ. شئتِ أم أبَيْتِ، فقراريَ هذا هوَ قدركمُ الجديدُ. ولم أجلسْ معكمْ في هذهِ المائدةِ إلا لأعلنَ قانونًا جديدًا لا عودةَ فيهِ، حُكمًا لن يتغيرَ: لا خروجَ لكمْ من هذا القصرِ بعدَ اليومِ دونَ مرافقةِ حراسٍ كظلالٍ لكمْ، يتبعونكمْ أينما ذهبتمْ. فحياتُكمْ جميعًا، ودونَ استثناءٍ، أصبحتْ مُعلقةً على خيطٍ رفيعٍ من الخطرِ المُستترِ الذي لا يُرى، والمسؤوليةُ تقعُ على عاتقي أنا وحدي، وستُنفذُ بيدي."

قبلَ أنْ أشرعَ في النهوضِ من عرشيَ الجديدِ، اقتحمَ غونترُ المشهدَ كعاصفةٍ هوجاءَ، ملامحهُ تحملُ مزيجًا من الارتياحِ والترقبِ، ليُهمسَ في أذنيَ خبرًا زلزلَ ما تبقى من هدوئيَ الظاهريِّ، وأشعلَ بركانًا في أعماقي. اتجهتُ إليهِ، وكُلُ ذرةٍ في جسديَ تصرخُ بالترقبِ المُميتِ الذي كادَ يمزقُني: "ماذا هناكَ؟ انطقْ فورًا!"

قالَ لي بصوتٍ حَمَلَ في طياتهِ مزيجًا من الارتياحِ المُشوبِ بالتهديدِ الخفيِّ، وكأنهُ يُقدمُ لي هديةً مُلطخةً بالدمِ: "هنالكَ أخبارٌ مُسرَّةٌ، يا سيدتي... من تسببَ في تسميمِ أبيكِ وقتلهِ، هو الآنَ بينَ أيدينا! إنهُ في الأسفلِ، ينتظرُ قرارَكِ الأخيرَ."

لم أُدركْ كيفَ وجدتُني هناكَ، كأنَّ قوى خفيةً سحبتني، أو أنَّ مصيرًا محتومًا دفعني بخطواتٍ لا تُحيدُ. وقفتُ فجأةً أمامَ البابِ... بابِ مَن سلبَ مني أبي، ومزقَ روحيَ إربًا، ليُخلفَ وراءهُ فراغًا أبديًا. ارتسمتْ على وجهيَ نظراتُ الجمودِ القاتلِ، قناعٌ صُنعَ من صخرٍ ليُخفيَ عاصفةَ المشاعرِ الجياشةِ في أعماقي، ودخلتُ. صوتُ كعبيَ يطرقُ على أرضيةِ الرخامِ الباردةِ كانَ كأنهُ لحنُ الموتِ المقطوعِ، لحنٌ يُوقِّعُ على نهايتِهِ المحتومةِ، ويُعلنُ قدومَ جلادٍ جديدٍ، لا يعرفُ سوى الانتقام. عندما رآني الرجالُ، جميعُهم، بلا استثناءٍ، انحنوا احترامًا وخضوعًا عميقًا، كأنهم أغصانٌ تَتَهاوى أمامَ ريحٍ عاتيةٍ لا تُقهرُ، مُعلنينَ بيعاتهمْ المطلقةَ والعمياءَ لسيدتهمْ الجديدةِ، ملكةِ الصقورِ.

تجاوزتُ صفوفَهم، وعينايَ تُثبِّتانِ القاتلَ المرتعشَ المُقيدَ بإحكامٍ في منتصفِ الغرفةِ. جلستُ على كرسيٍّ عتيقٍ وُضعَ أمامهُ، وأشعلتُ سيجارةً أخرى، ناظرةً إليهِ ببرودٍ يُجمدُ الدماءَ، لا يرحمُ ولا يُبالي: "تظنُّ أنَّ الموتَ سيكونُ خلاصكَ أيها الوغدُ؟ لا. قبلَ أنْ تُقابلَ مصيركَ، سأُعاقبكَ على كلِ لحظةٍ من ألميَ الذي لا يُحصى." سعلَ الرجلُ المُقيدُ، بصوتٍ أجشَّ بالكادِ يُسمعُ، ونظرَ إليّ بعينينِ مُتوسلتينِ، قبلَ أنْ تُقاطعهما كلماتيَ الساخطةُ، التي خرجتْ كشفراتٍ حادةٍ: "من ساعدَكَ على الهرب ؟ و منْ امرك بقتل أبي، زعيمِ الصقورِ؟ انطقْ بالاسمِ الآنَ، وإلا ستتمنى لو أنكَ لمْ تُولدْ، ولمْ تُخلقْ قط."

هزَّ رأسَهُ بصعوبةٍ، رافضًا الكلامَ، محاولًا إخفاءَ سرِّهِ الأخيرِ. لم تُفاجئني مقاومتهُ، ففي عالمنا هذا، الصمتُ هوَ أقصى درجاتِ الولاءِ أو الخوفِ المُميتِ. ابتسمتُ بابتسامةٍ باردةٍ، تلامسُها حافةُ الجنونِ الذي يتلذذُ بالألمِ: "حرمتني من سماعِ صوتِ أبي، الذي كانَ نداءَ حياتيَ، ونبضَ روحيَ." بصمتٍ مُرعبٍ، رفعتُ مطرقةً صغيرةً، وضربتُ بها برفقٍ لكن بقوةٍ كافيةٍ على أصابعِ قدمهِ الصغرى، كاسرةً إياها واحدةً تلوَ الأخرى، ليصدحَ صراخُهُ المكتومُ في أرجاء المكانِ المظلمِ، صراخٌ لا يُجدي، بينما عينيَ تُرصدانِ أدقَّ تفاصيلِ ألمهِ، دونَ أنْ تُطرفَ لهما جفنٌ. "ثمَّ أعميتني عن رؤيةِ وجههِ، يا منْ سلبَ بصريَ وقلبيَ منِّي!" التقطتُ سكينًا حادةً كشفرةِ الحقيقةِ التي تُقطعُ بها الأوصالَ، وبدأتُ أُحدثُ شقوقًا صغيرةً حولَ عينيهِ ببطءٍ شديدٍ، ثمَّ أسقيتُها قطراتٍ حارقةً، تُشعلُ نارًا لا تُطفأ، وتُحولُ رؤيتهُ إلى ضبابٍ أحمرَ من الألمِ المطلقِ.

صراخُهُ لمْ يتوقفْ، بل ازدادَ وحشيةً، لكنَّني لمْ أُعرْهُ انتباهًا إلا بقدرِ ما يُغذي رغبتيَ في المزيدِ. انحنيتُ أكثرَ، هامسةً بصوتٍ يحملُ وعيدَ الموتِ، يزحفُ كالثعبانِ في أذنيهِ: "لتعلمَ، أيها الوغدُ، أنَّ عائلتَكَ الصغيرةَ، التي تُخبئُها بعيدًا عن هذا الجحيمِ، همُ هدفٌ سهلٌ لي. ابنتُكَ الوحيدةُ... وزوجتُكَ... أتظنُّ أنني لنْ أصلَ إليهمْ؟ إنَّ الألمَ الذي سأُذيقهُ لهمْ سيجعلُكَ تُقبلُ قدميَّ لتُنهيَ عذابَكَ هذا اللعينَ الآنَ، بل وتتوسلُ إليَّ لتموتَ."

تغيرَ وجهُ الرجلِ إلى بياضٍ موحشٍ، وتحولَ صراخُهُ إلى أنينٍ متقطعٍ يائسٍ، كأنَّ روحهُ تُنتزعُ من جسدهِ ببطءٍ. كانتْ تلكَ هيَ نقطةُ الانهيارِ التي انتظرتُها. ارتجفَ جسدُهُ بقوةٍ لا يستطيعُ السيطرةَ عليها، وتلعثمَتْ شفتاهُ قبلَ أنْ يصرخَ بصوتٍ يكادُ أنْ يموتَ، يُكادُ يُسمعُ، لكنهُ اخترقَ جدرانَ المكانِ: "ك... كونراد لوكيزي! إنهُ كونراد لوكيزي! أخو زعيمِ نصفِ العالمِ السفليِّ... "

ابتسامةٌ باردةٌ رسمتْها شفتايَ، لم تكنْ ابتسامةَ رضا، بل ابتسامةَ انتصارٍ وخطوةٍ جديدةٍ نحو الهاويةِ. كونراد لوكيزي. هذا الاسمُ لمْ يكنْ مفاجأةً، بل تأكيدًا لما ظننتهُ. فلقد كانتْ نصفُ العالمِ السفليِّ الآخرِ بينَ أيدينا نحنُ بالفعلِ. أمرتُ رجالي بسحبِ جثةِ الخائنِ وإلقائها للكلابِ، حتى لا يبقى منهُ ما يصلحُ لدفنٍ كريمٍ أو حتى لقطعةِ لحمٍ يُمكنُ لشخصٍ آخرَ أنْ يلمسها.

خرجتُ من أقبيةِ القصرِ، وخطايَ ثابتةٌ لا تعرفُ الترددَ، تتجهُ نحو سيارتي. جلستُ خلفَ المقودِ، وأفكاريَ تتصارعُ كالأمواجِ في بحرٍ هائجٍ، حربٌ صامتةٌ في داخلي. بعدَ مدةٍ من الترددِ المُضني الذي كادَ يمزقُ روحيَ، تمددتْ يديَ لتلتقطَ الهاتفَ، وضغطتُ على رقمٍ طالما تجنبتُهُ كالجمرِ. "نلتقي بعدَ عشرينَ دقيقةً في المقهى الذي اعتدنا ارتيادَهُ سويًا." أخبرتُهُ بصوتٍ خَلا من المشاعرِ، صوتٌ بالكادِ يُسمعُ، فأجابهُ بهدوءٍ مُريبٍ بأنه سيكونُ هناكَ.

انطلقتُ بالسيارةِ نحو المقهى، وفي طريقي، أخبرتُ غونتر بأن يتبعنيَ كظلٍّ. عندما وصلتُ، وجدتهُ يجلسُ في مكانهِ المعتادِ، ينتظرنيَ، هالةٌ من القوةِ تُحيطُ بهِ. لم أُلقِ عليهِ سلامًا، ولا أيَّ كلمةٍ تُشيرُ إلى ماضينا الذي تلوثَ بالخيانةِ. جلستُ على الكرسيِّ المقابلِ لهُ، وعينايَ تُثبِّتانِهِ بحدةٍ تتجاوزُ كلَّ معانيَ الودِّ: "قدمْ لي رأسَ أخيكَ، وإلا سآتي لأخذَ حياته بيديَّ." صمتٌ ثقيلٌ خيّمَ على المكانِ قبلَ أنْ أُتابعَ بلهجةٍ لا تقبلُ التأويلَ، تخرجُ كشفرةٍ فولاذيةٍ: "لقد أتيتُكَ طالبةً للسلمِ، ولكي لا تقعَ عواقبُ وخيمةٌ في المستقبلِ على عالمنا بأكملهِ. أمرتُكَ أنْ تُقدمَ لي رأسَ أخيكَ."

نظرَ في عينيّ بذهولٍ مُجففٍ، ثمَّ سألَ بصوتٍ هامسٍ بالكادِ يُسمعُ، لكنهُ حملَ نبرةَ تحدٍ: "وفي ماذا سيفيدُكَ رأسُ أخي؟"

أجبتُهُ ببرودٍ جليديٍّ: "هو قاتلُ أبي، زعيمِ فالكنهام، وأنا أشكُّ أن لديهِ علاقاتٍ بشخصٍ ينتمي إلى عائلتي. لا يمكنُ لأيِّ غريبٍ أنْ يدخلَ قصريَ دونَ مساعدةٍ داخليةٍ، وهذا يُشيرُ إلى خيانةٍ داخليةٍ يجبُ أنْ تُستأصلَ."

لمحتُ الدهشةَ في عينيهِ للحظةٍ خاطفةٍ، كشعلةٍ انطفأتْ فورًا تحتَ وطأةِ الصدمةِ، ثمَّ تحولتْ نظرتُهُ إلى جمودٍ قاسٍ، وقالَ لي بلهجةٍ قويةٍ، تُظهرُ ثقلاً في كل كلمة: "سأُعطيكِ رأسَهُ، ولكنْ بشرطٍ."

ابتسامةٌ باردةٌ رسمتْها شفتايَ، لمْ تُلامسْ عينيّ، ابتسامةٌ أقربَ إلى شفرةٍ حادةٍ. "لا تُمثّلْ دورَ الأخِ المُحبِّ الآنَ يا كريسار، فكلانا يعلمُ جيدًا مدى كُرهكَ لهُ."

أجابَنيَ بصوتٍ عميقٍ، يخلو من أيِّ ترددٍ، وعيناهُ تُحدقانِ في روحيَ، كأنهُ ينفذُ إلى أعماقي: "هو يبقى منْ دمي، ولقد ارتكبَ غلطةً كبرى، وعليهِ أنْ يدفعَ الثمنَ باهظًا. شرطي هوَ أنْ تتزوجيني."

صُدِمتُ بشرطهِ، وشعرتُ وكأنَّ العالمَ قد دارَ بي. جلستُ أضحكُ ضحكةً هستيريةً تُقاربُ الجنونَ، ضحكةً كادتْ تمزقُ حناجريَ، لتغطيَ على الصدمةِ الحقيقيةِ. "هل تمزحُ معي الآنَ يا كريسار؟"

أجابَنيَ بصوتٍ حاسمٍ لا يقبلُ النقاشَ، صوتٌ يُشيرُ إلى أنَّ مصيريَ قد حُسمَ، ويُذيبُ كلَّ أملٍ بالهروبِ: "تعلمينَ أنني لا أمزحُ، يا أنجل. هذا هوَ شرطيَ الوحيدُ الذي لا بديلَ لهُ. الأمرُ ليسَ مزحةً، بل قرارٌ مصيريٌّ."

"إذنْ سأُعلنُ الحربَ عليكمْ!" قلتُ بحدةٍ تُشعلُ النيرانَ، متجاهلةً كلَّ ما قالهُ، "أُفضلُ الموتَ ألفَ مرةٍ على أنْ أتزوجَ بشخصٍ مثلكَ! شخصٍ لا يعرفُ سوى الحساباتِ الباردةِ والخيانةِ للمشاعرِ!"

فردَّ عليّ ببرودٍ لاذعٍ، وعيناهُ تحملانِ ثقلَ العالمِ، كأنهُ يتحدثُ عن مصيرٍ حتميٍّ: "هكذا تدمّرينَ عالمنا، وعالمنا السفليَّ بأكملهِ، يا أنجل. أنتِ الزعيمةُ، وأنا الزعيمُ، وكلانا يجبُ أنْ نُضحيَ منْ أجلِ مصلحةِ هذا الاتحادِ، منْ أجلِ بقائِنا. هذا ليسَ حبًا أو مشاعرَ، بل ضرورةٌ حتميةٌ لبقاءِ العروشِ."

في داخلي، كنتُ أصرخُ بأنَّ الزواجَ منهُ مستحيلٌ. هذا الشخصُ الذي كانَ قلبيَ ونبضيَ يومًا، خانني، وخذلني كما يفعلُ الجميعُ، كما خذلتني الحياةُ في أشدِّ لحظاتِ ضعفي. لكنَّ منْ أجلِ مصلحةِ الجميعِ، ومن أجلِ مستقبلِ عائلتيَ، فالكنهايم، ومن أجلِ الحفاظِ على هذا العالمِ من الانهيارِ... سأتزوجُهُ. "أمهلني وقتًا." قلتُ بصوتٍ منهكٍ، بالكادِ يُسمعُ، "من هنا حتى الغدِ وسأُطلعُكَ على جوابيَ الأخيرِ."

ثمَّ نهضتُ، وارتديتُ نظارتيَ الشمسيةَ السوداءَ، قناعًا باردًا لأُخفيَ حزنيَ العميقَ الذي مزقَ روحيَ إربًا، واتجهتُ نحو السيارةِ. هناكَ وجدتُ حارسيَ ينتظرني، كما يفعلُ دائمًا، ظلًّا وفيًا. أخذَ مفاتيحَ السيارةِ مني وجلسَ في كرسيِّ السائقِ، بينما جلستُ بجانبهِ، روحيَ مُحطمةً، وقلبيَ ينزفُ، وقراريَ قد اتخذَ بالفعلِ، لكنَّني رفضتُ الاعترافَ بهِ بعدُ.سألني غونتر: "هل أنتِ بخير؟" نظرتُ إلى عينيهِ الخضراوتينِ اللتينِ تحملانِ فهمًا عميقًا لحزني، وأجبتُ بصوتٍ حاولْتُ جاهدةً أنْ أبدوَ بهِ ثابتةً: "أجل، أنا بخير، لا تقلق." ابتسمَ وقالَ لي: "عندما أسألكِ، أنا أعرفُ الإجابةَ مسبقًا، لكني أريدُ أنْ أسمعها منكِ. لذلك، ما بكِ؟ ماذا قالَ لكِ؟" أخبرتهُ بمرارةٍ: "أخبرني أنْ أتزوجَ به." فاجابنيَ بأسفٍ مُريرٍ: "لأنهُ لا يزالُ يحبكِ." أخبرتهُ أنْ يضربَ ذلكَ الحبَّ في رأسهِ ويُلقيهِ بعيدًا، عدت برأسي إلى الخلف على مقعد السيارة، أغمضت عينيّ بإرهاق، لكن الصور كانت تتلاطم في عقلي كأمواج بحر هائج. "حتى وإن كنت لا أزال أحبه." الهمس الأخير، الذي بالكاد خرج مني، كان اعترافًا موجعًا لروحي. كريسار. اسمه وحده كان كافيًا لإشعال نارٍ في قلبي، نارٍ تختلط فيها ذكريات الحب القديم بمرارة الخيانة الرهيبة.

غونتر لم يقل شيئًا، لكنني شعرت بنظرته الثاقبة تلامسني، تدرك عمق الجرح الذي أحمله. كان يفهم. لطالما فهم. هو الوحيد الذي بقي بجانبي حين تخلى الجميع، وظل ظلي الوفي في كل خطواتي نحو الهاوية.

"اذهب بي إلى القصر،" قلت بصوت خافت، لا يزال يحمل آثار الصدمة. "أريد أن أكون بمفردي في مكتبي."

وصلنا إلى القصر، صمته المهيب يعكس صمت روحي. كانت الساعة تشير إلى منتصف النهار، لكن القصر بدا وكأن الليل قد خيّم عليه. صعدت الدرج بخطوات ثقيلة، وكل درجة كانت تذكرني بعبء المسؤولية التي تحملتها للتو. مسؤولية عائلة تترقب، وعالم سفلي ينتظر القرار.

دخلت مكتبي، أغلقت الباب خلفي بقوة، وكأنني أحاول حبس الفوضى التي تجتاحني بالداخل. رميت جسدي المنهك على كرسي مكتبي الجلدي الفخم، الذي كان قبل ساعات قليلة عرشًا لوالدي، والآن أصبح عرشي الجديد. تمددت يدي تلقائيًا إلى علبة السجائر، أخرجت واحدة وأشعلتها. نفث الدخان الأزرق الداكن ملأ الغرفة، كأنه يكسو حزني بقناع دخاني.

كريسار. اسم يتردد في أعماقي. الرجل الذي أحببته بجنون، والذي خانني بطريقة لا تُغتفر. والآن يأتي ليطلب يدي، ليس حبًا، بل "ضرورة حتمية لبقاء العروش." سخيف! لكن عقلي المدرب على الحسابات الباردة، كان يرى الحقيقة بوضوح مؤلم.

عائلة فالكنهايم. مصيرها بين يديّ. الحرب تعني دمارًا كاملًا، ليس لنا فقط، بل للعالم السفلي بأسره. دماء ستُراق، وممتلكات ستُدمر، ونفوذ سيتبخر. كل هذا من أجل كبريائي الجريح؟ لا، ليس الآن. لقد تعهدت لوالدي بأن أحمي هذه العائلة، هذا الإرث.

تخيلت وجه والدي، نظراته الثاقبة، وصوته الذي طالما كان بوصلتي. ماذا كان ليفعل هو؟ كان ليفعل ما هو ضروري، حتى لو كان قاسيًا. كان ليضحي بكل شيء من أجل البقاء.

مرت الساعات ثقيلة، كل دقيقة كانت كخنجر يطعن في أعماق روحي. بين الحين والآخر، كان غونتر يطرق الباب بخفة، يسأل إذا كنت بحاجة لشيء، لكنني كنت أرفض رؤية أي أحد. كنت أقاتل مع نفسي، مع قلبي وعقلي، في معركة خاسرة سلفًا.

عندما بدأ الليل يرخي سدوله، وانعكس ضوء القمر الباهت على زجاج مكتبي، علمت أن الوقت قد حان. لا مجال للمشاعر هنا. هذا هو عالمنا، عالم يفرض عليك خيارات قاسية. الزواج من كريسار، من أجل فالكنهايم، من أجل البقاء، من أجل الثأر الذي لم يُستكمل بعد. فـ"كونراد لوكيزي" لم يمت بعد. وهذا هو أول طريق للوصول إليه.

نهضت ببطء، خطاي كانت ثابتة هذه المرة، خالية من أي تردد. أطفأت السيجارة الأخيرة في منفضة السجائر، وأشعلت سيجارة أخرى، لكن هذه المرة كانت النفثات أعمق، تحمل في طياتها قرارًا لا عودة عنه.

لم يكن هذا انتصارًا للمشاعر، بل هزيمة لها. لم يكن حبًا، بل تحالفًا سياسيًا. لم يكن اختيارًا، بل ضرورة قسرية.

فتحت الهاتف، . كان الوقت قد تأخر، لكنني كنت أعلم أنه لا يزال مستيقظًا. ضغطت على زر الاتصال.

"أنجل؟" جاء صوته الهادئ من الطرف الآخر، يحمل نبرة ترقب.

"موافقة." قلت بصوت خافت، بالكاد يُسمع، لكنه حمل ثقل العالم. "سأقبل شرطك. سأتزوجك."

الصمت خيّم على الخط، صمت لم يدم طويلاً. ثم جاء صوته، هذه المرة بنبرة انتصار خفية، لم أحبها: "علمت أنك ستفعلين الصواب."

أنهيت المكالمة دون كلمة أخرى. الصواب. أي صواب هذا؟ صواب يمزق الروح ويقتل ما تبقى من القلب. لكن لا يهم. الأهم هو البقاء. والبقاء يتطلب التضحية.

نظرت إلى انعكاسي في النافذة المظلمة. امرأة أخرى كانت تحدق بي من هناك. امرأة فقدت كل شيء، والآن تستعد لتخسر نفسها أيضًا. لكنها ستفعل ذلك من أجل فالكنهايم. من أجل عائلتها. ومن أجل الانتقام من كونراد لوكيزي. فالحرب لم تنتهِ بعد، بل بدأت للتو.

............................................................................

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيوط القدر

المؤلف Taki
2025/08/14 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة