همسات في العتمة

همسات في العتمة

10 0

‏كانت الأزقة تزداد ظلمة كلما توغل آريان ورافايل فيها، كأن المدينة نفسها كانت تحبس أنفاسها. خطواتهما تتردد على الجدران المبللة، والهواء يحمل رائحة طين قديم وغموض دفين.

‏قال رافايل وهو يقود الطريق:

‏"علينا أن نصل إلى المخبأ قبل أن تغلق البوابات... هناك من لن يرحم إن عرف أين نحن."

‏آريان تبعه دون اعتراض، رغم أن الأسئلة كانت تموج في ذهنه بلا توقف. كان يشعر بنبض غريب يتردد في صدره، كأن شيئًا بداخله يحاول التملص... وحش، كيان، ظل؟ لم يعد يعرف.

‏اقتربا من زقاق ضيق تفوح منه رائحة الرماد، وعند الجدار، ضغط رافايل حجرًا بارزًا فانفتح ممر مخفي، تنبعث منه برودة تشبه الموت.

‏"ادخل بسرعة."

‏في الداخل، كان المكان واسعًا أكثر مما يوحي به السطح: قاعة منسية، مليئة برموز قديمة، شموع مطفأة، وخرائط محفورة على الجدران. هناك وقف رجل في منتصف القاعة، طويل، لامع العينين، وعيناه كانتا تحدقان في آريان بحذر، كما لو كان يعرفه من قبل.

‏"أنت... أخيرًا هنا." قال الرجل بصوت خافت، بينما كانت أطياف الضوء تتراقص على ملامحه.

‏"من أنت؟" سأل آريان بصوت متوتر، وعيناه تتنقلان بين الرجل ورافايل الذي بدا أكثر راحة في هذا المكان المظلم.

‏"اسمي ليس مهمًا الآن. المهم أنكم هنا. والعصابة... عصابة التنين ستلاحقكم حتى النهاية." قال الرجل، متسحبًا إلى زاوية القاعة ليكشف عن طاولة قديمة عليها عدة كتب ووثائق.

‏رافايل تقدم نحو الطاولة، وفتح أحد الكتب، قائلاً: "نحتاج إلى هذا، هذه الخريطة ستساعدنا في الوصول إلى المعقل الخاص بهم."

‏آريان، الذي كان لا يزال يتنفس بعمق، اقترب من الرجل وسأله: "لماذا تساعدنا؟"

‏نظر الرجل في عينيه للحظة، ثم قال بصوت هادئ: "لأنني كنت في مكانكم يومًا ما... عصابة التنين لا ترحم أحدًا، ولا يهم إن كنت أحدهم أو أحد أعدائهم، سيأتون إليك في النهاية."

‏لكن قبل أن يواصل الرجل حديثه، شعر آريان بشيء غريب في الجو. شعور عميق بأن هناك من يراقبهم. نظر حوله، لكنه لم يرَ أحدًا.

‏"ماذا هناك؟" سأل رافايل، وهو يلتفت خلفه.

‏"إنهم هنا." همس آريان، وقد بدأ قلبه ينبض بسرعة.

‏في تلك اللحظة، سمعوا صوت خطوات قادمة من الممر المخفي. كان الصوت يتزايد، وكان واضحًا أن هناك من اقترب بسرعة.

‏"لا وقت! يجب أن نغادر الآن!" صرخ الرجل، وهو يلتقط الخريطة بسرعة. "خذوا هذا واذهبوا الآن. الوقت ليس في صالحكم."

‏لكن عندما اقتربوا من المخرج، شعر آريان بشيء يتسلل إلى عقله... همسات ضعيفة، كانت تردد في عقله كصوت آتٍ من الظلام:

‏"أريان... لا تظن أن هذا الهروب سينقذك... كل خطوة تأخذها... هي خطوة نحو النهاية."

‏تمتم آريان بخوف، "من هذا؟"

‏"الظلام." قال رافايل باقتضاب، وهو يدفعه نحو المخرج. "يجب أن نغادر قبل أن نواجهه."

‏همس الصوت مجددًا، لكن هذه المرة كان أقوى، أكثر وضوحًا:

‏"لن تهرب... أبدًا."

‏بخطوات متسارعة، خرجا إلى الأزقة، حيث بدأ الضجيج يزداد حولهما. كانت المدينة كلها قد دخلت في حالة من الترقب، كما لو كانت تدرك أن شيئًا خطيرًا قادم. عند زاوية شارع ضيق، توقف آريان ورافايل فجأة.

‏"نحتاج إلى مكان آمن." قال رافايل بصوت حازم، وهو يحدق في آريان. "لا يمكننا البقاء هنا بعد الآن."

‏آريان نظر إلى رافايل بتردد، ولكن رافايل استمر بثقة، "نعرف شخصًا يمكنه مساعدتنا........داريوس.....ملك مدينة فاليرا سنذهب إليه. إنه الشخص الوحيد الذي يمكنه توفير الحماية لنا."

‏"هل تعتقد أنه سيساعدنا؟" سأل آريان.

‏"إن لم يساعدنا، فسنكون في خطر أكبر." أجاب رافايل، وهو يبدأ في التوجه نحو قصر داريوس. "إذا أردنا البقاء على قيد الحياة، فهو خيارنا الوحيد."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

في قلب الظلام

المؤلف Shahd Sy
2025/07/22 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة