𝕿𝖍𝖗𝖊𝖊

𝕿𝖍𝖗𝖊𝖊

19 0

الزجاج العاكس يُظهر المدينة تحتهم كأنها سجادة من الأضواء. المبنى ضخم، أنيق، وكل من يدخله يعرف جيدًا أن الخطأ هنا ليس خياراً.

عند المدخل، تدخل بيلا... شابة فاتنة، بشعر داكن طويل، ترتدي فستانًا أنيقًا بلون عنابي قاتم، نظرتها حادة وابتسامتها مغلقة، تُخفي أكثر مما تُظهر.

السكرتير يقف فورًا، يُخفض رأسه قليلاً باحترام.

السكرتير:

"آنسة بيلا... لم نُبلّغ بوصولك، هل ترغب السّيّد ريكاردو بمقابلتك الآن؟"

بيلا (بنبرة هادئة):

"هل يبدو عليّ أنني أطلب إذنًا؟"

تبتسم بخفة، تمرّ بجانبه دون انتظار رد، تتوجه نحو المصعد الخاص. الموظفون يبتعدون بصمت، ينظرون إليها كأنها أسطورة تمشي بينهم.

المصعد يفتح ببطء، بيلا تدخل، تضغط الزر نحو الطابق الأخير - "مكتب ريكاردو".

عندما تُفتح الأبواب، يظهر أمامها ممر طويل، أنيق، نهايته باب خشبي ضخم محفور عليه رمز "الـ كامورا". الحارسان الشخصيان يتبادلان النظرات ثم يفتحان لها الطريق بصمت.

تدخل دون أن تطرق الباب

المكتب كقصر صغير... جدران داكنة، رفوف من الكتب القديمة، خريطة العالم محفورة على الجدار، وتحتها رمز آل كامورا.

ريكاردو يجلس خلف مكتبه، يتصفح مستندات. بدون أن يرفع عينيه، قال:

ريكاردو:

"إما أنك موظفة تجرأت كثيرًا... أو أن أختي قررت أن تتنزّه بين الوحوش."

بيلا تتقدم، تجلس على الكرسي المقابل، تضع ساقاً فوق ساق، بعينيها بريق خفيف من الاستفزاز.

بيلا:

"وهل الوحوش لا تشتاق للدماء؟"

ينظر إليها أخيرًا، بتلك النظرة التي تقول "ما الذي تفكرين به الآن؟"

ريكاردو (بهدوء):

"ما الذي أتى بكِ إلى هنا فجأة؟"

بيلا:

"لم آتِ فجأة. أنا فقط... توقفت عن الاختباء."

صمت بينهما، متوتر لكنه مألوف. هما لا يتقاتلان، إنما يتبارزان بالكلمات.

ريكاردو (بتنهيدة):

"المكان ليس ساحة للدراما يا بيلا. لدينا أعمال، حروب مالية، وتحالفات دقيقة."

بيلا (تتقدّم للأمام، تضع كفها على الطاولة):

"وأنا سلاح، يا ريكاردو... لا تهمله."

عيناه تتضيقان قليلاً... يشعر أنها لا تمزح.

ريكاردو:

"هل تبحثين عن مكان في اللعبة؟"

بيلا (تبتسم بخفة):

"أنا ابنة هذه العائلة. أنا اللعبة."

تسود لحظة من الصمت... عينا ريكاردو تحدّقان بأخته، يحاول قراءة نواياها كما يفعل مع ألدّ خصومه، لكنها بيلا... مستحيل أن تُقرأ بسهولة.

فجأة، بيلا تبتسم بخفة، ثم تضحك ضحكة قصيرة، تميل بجسدها للوراء وتقول:

بيلا:

"كنت أمزح معك، ريك... أتيت فقط لأطمئن عليك."

يحدّق بها لحظة، ثم يضحك هو الآخر، ضحكة خفيفة لكنها حقيقية... نادرة.

ريكاردو (ينحني برأسه قليلًا):

"أنتِ... لا تتغيرين أبداً."

بيلا (بصوت دافئ):

"لكنك تتغير... صرت أكثر صمتًا، أكثر تعبًا... أخبرني، هل تؤلمك الحرب؟"

ريكاردو (ينظر خارج النافذة):

"الحرب لا تؤلمني... الخسارات تفعل. الوجوه التي لا تعود، الأسماء التي ندفنها قبل أن ننطقها."

تتقدم بيلا نحوه، تضع يدها على كتفه.

بيلا (بهمس):

"أنت لست وحدك، يا أخي. آل كامورا ليسوا فقط ماضٍ مجيد... بل حاضر نرعاه معًا."

ينظر إليها، في عينيه امتنان نادر، لا يُقال، فقط يُفهم.

ريكاردو (بابتسامة خفيفة):

"لو أن كلّ من حولي مثلكِ... لما احتجت للحذر كل لحظة."

بيلا (تغمز):

"لا تكن واثقًا جداً... فأنا لا زلت أفكر بسرقة مكتبك."

ضحكتهما تتعالى قليلاً، وللحظة... يشعر المكان كأنه بيت، لا مجرد عرش.

تجلس بيلا على حافة الطاولة، تتأمل وجه أخيها بعيونٍ فيها حنيّة لم تظهر منذ زمن.

بيلا (بصوت خافت):

"أنت تبدو وحيدًا، ريكاردو... حتى بين مئة رجل يهابونك."

ريكاردو (يرد بنظرة صادقة):

"لأني لا أحتاج مَن يهابني... بل من يفهمني."

تنظر إليه مطولاً، ثم تنهض، ترتب سترتها، تمشي نحو الباب بهدوء، ثم تقف قبل أن تخرج، وتقول دون أن تلتفت:

بيلا:

"لا تنسَ... أنا هنا، دائماً."

تغادر وتغلق الباب خلفها بلطف، وصوت كعبها يبتعد رويدًا رويدًا، تاركًا خلفه سكونًا يحمل أكثر من معنى.

ريكاردو يبقى واقفًا مكانه، ينظر نحو الباب المغلق، ثم يهمس لنفسه:

ريكاردو:

"أعلم"

...............

أشعة الشمس تتسلل بخجل من خلف الستائر الثقيلة، تنير جزءًا من الغرفة الهادئة. سيرا واقفة أمام النافذة، عيناها مركّزتان في نقطة بعيدة في الحديقة، وذهنها مشغول بتفاصيل لا تُقال.

يُفتح الباب بهدوء ويدخل هينري، أنيق وبارد كعادته، خطواته واثقة وصوته هادئ:

هينري:

"تبدين مستيقظة منذ وقتٍ طويل، رغم أن الصباح لم يكتمل بعد."

سيرا تردّ دون أن تلتفت إليه، نبرتها حادة لكنها منخفضة:

سيرا:

"بعض العقول لا تنام يا هينري... خصوصًا إن كانت تخطط لما هو أهم من الحلم."

هينري (يقترب قليلاً، نبرة صوته تميل للجدية):

"هل ما تخططين له... يخص إلينا؟"

تلتفت نحوه ببطء، وتبتسم بخفة ممزوجة بالتهكم:

سيرا:

"هل أصبح الكل محامي دفاع عنها؟ إنها ليست سوى دخيلة صغيرة... وكل هذا الضجيج لأجلها؟"

هينري:

"الدخيلة التي جعلت ريكاردو ينظر بطريقة لم نرها منذ سنوات؟"

سيرا (بحدة):

"هذا مؤقت. هو فقط... ضائع."

هينري (نبرته ثابتة):

"سيرا، لا تخلطي بين الغيرة... والانهيار. ما تفعلينه سيحرقكِ قبل أن يمسّها."

تتقدّم نحوه خطوة، عيناها تلتمعان بدهاء:

سيرا:

"دعني أُقلق بشأن نيراني الخاصة، هينري."

هينري (بهدوء):

"وأنا... سأبقى أحاول أن أمنع الرماد من الوصول لقلبك."

سيرا تضحك ضحكة قصيرة، ترفع كأس العصير وتأخذ رشفة ببطء.

سيرا:

"أنت لطيف أكثر مما ينبغي... وهذه مشكلة."

ينظر إليها هينري بصمت، لا يكشف ما بداخله. ينحني قليلاً برأسه، ثم يدير ظهره ويغادر بهدوء... تاركًا خلفه سكونًا يحمل توتّرًا لا يُرى.

.............

المكان مزيّن بألوان بيضاء وذهبية، طاولات من رخام، ورود فاخرة، ونغمات بيانو خافتة تملأ الأجواء. النُدُل يتحركون بدقة، يحملون فناجين من الخزف الفاخر. عند الطاولة الوسطى تجلس ثلاث نساء، حضورهن لا يُخطئه أحد.

مايورا، بثوبٍ عاجي أنيق، شعرها مرفوع بعناية، عيناها تحملان وقارًا ناعمًا، وابتسامتها ثابتة.

كيارا، بجمالها الهادئ وذكائها الظاهر في لغة جسدها، ترتدي فستانًا زيتونيًا داكنًا، وعينيها الخضراوان تراقبان كل شيء بهدوء.

أما ميريدا، فتجلس بكامل فخامتها، ترتدي معطفًا رماديًا خفيفًا، وشعرها الأسود ينسدل بنعومة.

أمامهن تجلس ثلاث نساء من نخبة سيدات المجتمع - وجوه معروفة في عالم الاستثمار والأزياء والفنادق.

السيدة الأولى (تبتسم بلطف):

"وجودكن هنا، سيداتي، يُشرفنا. من النادر أن يجتمع اسم آل كامورا بهذا الشكل الهادئ خارج مكاتب الصفقات."

مايورا (ترتشف قهوتها بهدوء، وترد بابتسامة دافئة):

"أحيانًا... الصفقات الحقيقية تُبرم بكلمةٍ في صباح جميل، أكثر مما تُبرم في قاعة مغلقة."

ميريدا (نبرتها أنيقة لكن حازمة):

"خاصةً إن كانت الصفقات تمسّ أمورًا لا تُقاس بالأرقام فقط... كالمكانة، والاسم."

كيارا (تضع كأس العصير بلطف، ثم تقول):

"وأظن أن الحديث عن شراكة في سلسلة الفنادق الجديدة يستحق هذه الجلسة. نحن لا نستثمر... بل نرسم مستقبلًا مشتركًا."

تنظر السيدات لبعضهن، بإعجاب واحترام ظاهر.

السيدة الثانية:

"وبالطبع، نحن نعلم أنكن لا تدخلن أي مشروع إلا إذا كان النجاح حليفًا له منذ الفكرة الأولى."

مايورا (نبرتها ناعمة لكنها تقطع الحديث بحزم لطيف):

"نحن لا نلاحق الفرص... نحن نخلقها."

لحظة صمت يسودها الإعجاب... تمر النادلة وتضع قطعة حلوى فاخرة أمام كل سيدة.

ميريدا (بابتسامة هادئة):

"فل نتحدث الآن عن التفاصيل... قبل أن تبرد القهوة."

..............

من فوق، الحديقة تبدو وادعة... ورود مشذبة، نوافير ماء، وهدوء تام.

لكن في أعماق الأرض، خلف باب معدني لا يُفتح إلا ببصمة مزدوجة، يوجد عالم مختلف.

أضواء بيضاء، جدران إسمنتية، وطاولات طويلة تغطيها أجهزة حواسيب، أوراق مالية، وحواسيب محمولة متصلة بخوادم مشفرة. أصوات خافتة لحواسيب تعمل بلا توقف.

في وسط المكان، يقف مارك، يرتدي معطفًا أسود، وعيناه لا تفارق الشاشة التي تُظهر تدفقات الأموال من حسابات حول العالم. بجانبه ماثيو، بدلة رمادية أنيقة، يحمل سيجارًا خامدًا بين أصابعه ويبدو أكثر حذرًا.

مارك (ينظر إلى الشاشة):

"خلال أسبوع واحد فقط، أكثر من ثلاثين مليون دولار غسلت بنجاح. لكن التحويل الأخير من زيورخ تأخر."

ماثيو (بهدوء حذر):

"تأخره ليس طبيعيًا. قد تكون هناك رقابة غير مباشرة على الحساب."

يقلب مارك صفحة ملف أمامه، عيونه مليئة بالخبرة والحدة.

مارك:

"نحتاج لحذف المسارات، ونقل جزء من الأرباح إلى شركة الغلاف الجديدة في سنغافورة. وإلا سنُشمّ كالدماء."

ماثيو (يلتفت إلى التقني الجالس خلف الشاشات):

"نريد إنشاء ثلاث طبقات جديدة من التحويل، بأسماء وهمية... تجعل تتبّع الأموال أشبه بتتبع خيط دخان."

التقني ي nod برأسه دون أن يتكلم، أصابعه تتحرك بسرعة على لوحة المفاتيح.

مارك (بنبرة واثقة):

"نحن لا نخفي المال فقط... نحن نعيد ولادته. أنظف، أقوى، وأكثر طاعة."

ماثيو يضحك ضحكة قصيرة، ثم يقول:

ماثيو:

"وهذا ما يجعل اسم آل كامورا ليس فقط مخيفًا... بل محترمًا."

...........

الشمس تنسكب بنعومة على ساحة المدرسة المزيّنة بأشجار زينة وعشبٍ مرتب. في إحدى الزوايا، تجمّع عدد من الأولاد حول طاولة حجرية، يضحكون ويتحدّثون بمرح.

في وسطهم يجلس دايموند، طفلٌ في العاشرة من عمره، لكن نظراته الهادئة ووجهه الصامت لا يشبهان سنّه. كان يستمع إلى الحديث دون أن يشارك كثيرًا، يراقب من حوله بعينين رماديتين جامدتين، يحمل بين يديه كتابًا صغيرًا، لا يفتحه.

من بعيد، وقفت إيميليا خلف شجرة، عيناها تتبعانه بصمت. كانت صغيرة، شقراء، ترتدي زي المدرسة الأبيض والأزرق، ويداها معقودتان أمامها، قلبها يغلي بالحزن والغضب. تهمس لنفسها، وشفتيها ترتجفان:

إيميليا (بصوت خافت):

"حتى لمّا صرخت عليه... لم يتحرّك. لم ينظر إلي حتى... وكأنني لست موجودة."

تلمع الدموع في عينيها، ثم تستدير بسرعة، وتركض مبتعدة عن الساحة، تختفي بين أشجار الحديقة الخلفية، حيث لا أحد يذهب عادةً.

تمر دقائق، دايموند يرفع بصره للحظة نحو المكان الذي كانت تقف فيه... لم يظهر على وجهه أي تعبير، لكن أصابعه شدّت على الكتاب قليلاً.

أحد الأولاد (ضاحكًا):

"هاي، دايموند! معنا؟ في تحدي جديد على الأجهزة!"

دايموند يرد دون أن يلتفت:

دايموند:

"لاحقًا."

ينهض بهدوء، يضع الكتاب في جيبه، ويتجه إلى الحديقة الخلفية دون كلمة.

صوت العصافير خافت، وأوراق الشجر تتحرك مع نسيم خفيف. يتوقف دايموند أمام باب خشبي صغير شبه مخفي خلف الشجيرات. يفتحه ببطء...

الداخل مظلم بعض الشيء، تُراب، صناديق قديمة، ونافذة مكسورة تسمح ببقعة ضوء تسقط على الأرض. هناك، في الزاوية، كانت إيميليا.

ممددة على الأرض، عيناها مغمضتان، خدّها ملطّخ بدموعٍ جفّت، قد غفت وهي تبكي. تنهدت أثناء نومها، وكأن في قلبها ثقلًا لا يعرف الهدوء.

وقف دايموند قربها، بصمت. حدّق في ملامحها الطفولية، وارتجف حاجبه قليلاً. نزع سترته الصغيرة، ووضعها على جسدها الصغير برفق.

جلس قربها، لم ينطق. ثم همس وكأنه يتحدّث إلى قلبها النائم:

دايموند (بصوت خافت، وملامحه لا تزال غامضة):

"لم أكن قاسيًا... فقط لا أعرف كيف أكون ضعيفًا."

إيميليا تمتمت بكلمات ناعمة، شبه نائمة:

إيميليا:

"كنتُ أنتظر أن تنظر إلي... فقط تنظر."

أطرق دايموند رأسه، نظر إلى يديها الصغيرتين، ثم رفع عينيه إلى السقف الخشبي:

دايموند (يهمس):

"ورأيتك... أكثر من أي أحد آخر."

وبقي جالسًا هناك... قربها... في صمتٍ يشبه الحماية.

كان الصمت ما زال يلفّ المكان، إلى أن دوّى صوت جرس المدرسة...

رنّة طويلة حادة، أعلنت نهاية اليوم الدراسي.

أفاق دايموند من أفكاره، نظر إلى إيميليا النائمة، تردد للحظة، ثم انحنى ورفعها بين ذراعيه بحذر، كما لو أنها من زجاج.

رأسها استند إلى صدره الصغير، وعيناها لا تزالان مغمضتين، لكنها بدت أكثر راحة تحت سترته.

خرج من الحديقة الخلفية دون أن يتحدّث، متجاوزًا الحشود التي بدأت تغادر المدرسة. لم يلتفت لأحد، ولم ينبس بكلمة.

كان هناك رجل ينتظر عند البوابة الخلفية، يرتدي بدلة سوداء، أحد حرّاس آل كامورا الموثوقين. ما إن رآه دايموند، حتى فتح له الباب الخلفي لسيارة سوداء لامعة.

الحارس (بصوت منخفض):

"إلى القصر، سيدي دايموند؟"

أومأ دايموند بصمت، ثم جلس في المقعد الخلفي، واضعًا إيميليا برفق إلى جانبه، لا تزال نائمة.

أغلقت الأبواب، وتحركت السيارة بانسيابية نحو الطريق المظلل بالأشجار.

داخل السيارة، كانت الساعة تشير إلى الثالثة مساءً تمامًا. الشمس تتسلل عبر النوافذ، تنعكس على شعر إيميليا الذهبي، بينما كان دايموند يراقبها في صمت، عيونه لا تحمل شيئًا من الطفولة... بل شيئًا أعمق.

ثم همس بصوت لا يسمعه سواه:

دايموند:

"هذه المرة... لن أتركك تبكين وحدك."

............

الساعة 4:40

عودة العائلة.....

....

غادر الجميع بهو الاستقبال، متوجهين إلى الصالة العائلية المريحة، حيث الأرائك الوثيرة، وأصوات الضحكات تتصاعد للمرة الأولى منذ أيام.

مايورا وهي تخلع معطفها بخفة:

"أقسم أن الحذاء الجديد هذا سيقتلني قبل أي عدو لنا."

ماثيو بابتسامة نادرة:

"ألم تكن تلك الصفقة مع نساء الأعمال المملات كافية؟ الحذاء مجرد ضحية."

*ضحكت ميريدا بخفّة، بينما كانت تسكب لنفسها كوبًا من العصير، وقالت:

"أعتقد أن الحديث عن المجوهرات استمر أكثر من الحديث عن الصفقة نفسها."

مارك (ناظرًا نحو ريكاردو):

"لا تنكر، أنت كنت تهرب منها أيضاً، حتى أنك اختبأت في المكتب الخلفي."

ريكاردو وهو يفتح زرين من قميصه ويجلس:

"أفضل حرب عصابات على حديث المجوهرات."

كيارا ترفع حاجبها بمزاح:

"قل إنك خائف من النساء، ولن نلومك."

هيكتور يضحك:

"إنه يخاف من كيارا تحديدًا."

الجميع يضحك، حتى الخدم تبادلوا ابتسامات متخفية.

توقفت السيارة السوداء أمام بوابة القصر، وفتح الحارس الباب الخلفي بانحناءة سريعة.

نزل منها دايموند أولاً، بوجهه الخالي من التعبير، خطواته هادئة كعادته، ولكن عينيه رماديتين فيهما شيء غريب... شيء لا يكشف بسهولة.

ثم ظهرت إيميليا، عيناها متورمتان قليلاً، وكأنها كانت تبكي بصمت. نظرت إليه بطرف عينها دون أن تنطق، وتجاوزته إلى الداخل بخطى سريعة.

سار خلفها بهدوء، لم يقل شيئًا، لكنها شعرت بوجوده.

عند الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الداخلي من القصر، توقف تركض لحضن امها

في الخلف، دخل دايموند القصر بهدوء. لم يتكلم، لم ينظر نحوهم. عيناه كانتا ساكنتين، ولكن وجهه شاحب على غير عادته.

كان ماثيو يقف قرب الدرج، يتفحص ابنه بنظرة دقيقة، ثم قال بنبرة ثابتة:

ماثيو:

"هل قلت لها شيئًا؟"

دايموند (دون أن يتوقف أو يلتفت):

"لا حاجة للكلمات."

رفع ماثيو حاجبه:

ماثيو:

"لكن الصمت أحيانًا مؤذٍ أكثر."

توقف دايموند لحظة عند عتبة السلم، ثم التفت نحوه ببطء.

دايموند (بنبرة باردة):

"هي اعتادت أن تتكلم كثيرًا... وأنا معتاد على الإصغاء بصمتي."

ثم أكمل طريقه صاعدًا، خطواته خفيفة وثابتة، يختفي في الممر المؤدي إلى جناحه.

أما إيميليا، فقد رفعت عينيها وهي لا تزال بين ذراعي والدتها، ونظرت خلفها نحو السلالم... لكنه لم يكن هناك.

إيميليا (بهمس):

"هو لا يفهم... ولا يريد أن يفهم."

همست بها وكأنها تحاول إقناع نفسها، لكن قلبها الصغير كان يعرف: هو يفهم... لكنه لا يريد أن يظهر شيئًا.

لم تمضِ دقائق على صعود دايموند حتى لحقت به والدته كيارا، طرقت الباب بخفة، ثم فتحته دون انتظار إذنه، كما اعتادت دائماً.

كيارا (بابتسامة ناعمة):

"أتعلم؟ لديك أسلوب مميز جدًا في الهروب من المشكلات..."

كان واقفًا أمام المرآة، يحاول خلع قميص المدرسة، وقد علقت الأزرار ببعضها وهو يتنهد بضيق.

دايموند (بضجر):

"إنه لا ينفك... تبًا لهذا القميص."

اقتربت منه وساعدته بهدوء على فك الأزرار، ثم قالت وهي ترفع حاجبها:

كيارا:

"أتعامل مع رجال مافيا، لكن لا أحد منهم يعاني من قميص كما تفعل أنت."

أطلق ضحكة قصيرة، شبه ساخرة.

دايموند:

"لأنهم لا يرتدون هذه القمصان الخانقة."

نظرت إليه وهي تنزل بيديها عن ياقة القميص، ثم همست برقة:

كيارا:

"رأيت عيني إيميليا... ما الذي جرى بينكما؟"

سحب كتفيه بسرعة، وابتعد قليلًا، يتظاهر بأنه يبحث عن قميص جديد.

دايموند (بحدة خفيفة):

"لم أفعل شيئًا... هي فقط تبالغ."

كيارا تنظر إليه، دون أن تتكلم، لكنها تعرفه أكثر من نفسه.

كيارا:

"أحيانًا، تكون القسوة طريقة للدفاع... لكنك تنسى أن قلبها صغير، وأنها تنتظرك فقط."

دايموند يقف للحظة، يده على القميص النظيف، لكنه لا يتحرك.

دايموند (بصوت خافت):

"أنا لا أريدها أن تتعلق... ليس بي."

اقتربت منه، وضعت يدها على كتفه، وقالت بابتسامة حزينة:

كيارا:

"لكنها تعلقت... وما من فتى في هذا العالم يستطيع الهرب من قلب أنثى حين تختاره."

ظل صامتًا، ثم رفع رأسه، ونظر إليها أخيرًا.

دايموند:

"أنتِ دائمًا تفوزين بالحجج، أمي."

كيارا (وهي تصفف شعره بأصابعها):

"هذا لأنك لا تزال صغيرًا، مهما تظاهرت بالقوة."

ابتسم ابتسامة خفيفة، وأخذ القميص منها، ثم قال:

دايموند:

"لا تخبري أحدًا... أني تركتك تساعدينني."

كيارا (بغمزة):

"سري في صدري دايموند."

..........

في الصالون الواسع المغمور بنور الشمس المتسلل من النوافذ العالية، كانت الجلسة تجمع الفتيات في دفءٍ هادئ. سيلفيا تميل على الوسادة الحريرية وهي تروي شيئًا بنبرة خافتة، بيلا تعبث بخصلاتها الطويلة وتضحك بين حين وآخر، وإيفا تجلس مستقيمة، ملامحها هادئة لكن عيناها تقرآن ما بين السطور.

دخلت إيلينا بخطا ثابتة ووقفة واثقة، ترتدي الأسود كما لو أنه لونها الطبيعي. ما إن دخلت حتى شعّ حضورها في المكان، دون أن يضطر أحد للالتفات. فقط نظرات هادئة، واحترامٌ غير منطوق.

ركضت إيميليا فور أن رأتها، وذراعاها ممدودتان:

إيميليا:

"إيلينا!"

انحنت إيلينا لتحتضنها، وهمست في أذنها:

إيلينا:

"ألم تشتاقي إليّ حتى وأنتِ تحت سقفٍ واحد معي؟"

وفي الضلال عينان تتبعان كل حركة

إيميليا (تضحك):

"اشتقتُ لوجهكِ فقط، كنتِ تختفين كثيرًا اليوم!"

جلست إيلينا بينهم، ووضعت إيميليا في حضنها، بينما بدأت الفتيات يمزحن مع الصغيرة بلطف.

سيلفيا (وهي تنظر إلى إيميليا بمكر):

"إذًا، من ستأخذينها منّا الليلة؟ أختكِ فقط لكِ؟"

بيلا (وهي تضحك بخبث):

"أظن أنها تملك حصانة ملكية."

إيفا (بابتسامة خفيفة):

"لكنني لن أتنازل بسهولة، أحتاج إيلينا لحديث خاص أيضاً."

تقطب إيميليا حاجبيها وتقول باستياء طفولي:

إيميليا:

"كلكم تسرقون أختي!"

إيلينا (وهي تضمها أكثر وتضحك):

"أنا ملك الجميع... لكنّ قلبي معكِ أولًا، لا تقلقي."

لم يكد يهدأ الجو في الصالون حتى فُتح الباب بهدوء، ودخل دايموند، بخطاه المعتادة التي تجمع بين اللامبالاة والغرور الطفولي. ألقى نظرة سريعة على الحاضرين، ثم جلس في الزاوية، شارداً كعادته.

رفعت إيميليا عينيها نحوه، تأمّلته لثوانٍ ثم قطّبت جبينها بقليل من الانزعاج، وأدارت وجهها بسرعة، عائدة لحديث الفتيات.

سيلڤيا (بابتسامة مشاكسة وهي تشير نحوها):

"انظري إلى هذه الحركات... عينان تنقلبان كأنها ممثلة مسرح!"

استدارت إيميليا فورًا نحوها وقالت بعفوية حادة:

"Shut up!"

وضعت يدها على فمها، كأنها انتبهت فجأة لما قالت، ثم نهضت سريعًا وركضت نحو والدتها في الطرف الآخر من الغرفة، تختبئ خلفها بخجل.

سيلڤيا (وهي تضحك، تهمّ بالنهوض):

"سأُريكِ كيف يكون العقاب يا صغيرة، تعالي إلى هنا!"

لكنها ما لبثت أن جلست من جديد، تضحك مع الأخريات، بينما إيميليا تتشبث بثوب أمها وتختلس النظر إليهن من الخلف.

ضحكت بيلا وإيفا، وعلّقت إيلينا بنبرة هادئة، وهي تنظر لإيميليا:

"هكذا هي تربايتي... فصيحة، عنيدة، ولا تخشى أحداً."

سادت لحظة من الضحك الخافت، قبل أن تعود الأحاديث بين الفتيات، وكلّ منهن تُخفي في قلبها شيئًا... كعادة نساء هذه العائلة

دخلت سيرا بخطوات ناعمة، ترتدي فستانًا أنيقًا بلون الكرز الداكن، وعطرها ينتشر بخفة في الهواء، تتقدّم كأنها تعرف تماماً كيف يجب أن تُرى.

عيون كثيرة تابعتها، لكنها كانت لا ترى إلا شخصًا واحدًا...

ريكاردو.

اقتربت منه بهدوء وجلست إلى جواره على الأريكة الجلدية، مسحت على كمه بحركة ناعمة وهمست بصوت منخفض:

سيرا (بنغمة ملساء):

"تبدو مرهقاً... دعني أريحك قليلاً."

ريكاردو نظر إليها بلا تعبير، فقط هز رأسه بخفة، بينما عينيه تابعتا شاشة التلفاز في الجدار.

لكن شخصًا آخر كان يرى كل شيء...

هينري، جالس بعيدًا، يحتسي مشروبه ببطء، لكن نظراته كانت مصوبة نحو سيرا، لا تخلو من غموض.

عيناه تسأل: هل تحبّه حقًا؟ أم أنها تلعب؟

ثم تحرّكت بصره إلى ريكاردو، كأنّه يحدّثه بصمت:

"أيًّا يكن، لن تتمكن من تحطيمها... ليست بهذه السهولة."

بينما كانت الأحاديث تدور، وابتسامات النساء تملأ الأجواء، قررت بيلا أن تبتعد قليلاً عن الدائرة، تمشي بخفّة نحو الطاولة الجانبية لتملأ كوباً من العصير.

لم تلحظ أن سيرا كانت تقف بالقرب، تنظر من النافذة الطويلة بعيون شاردة، وظهرها مستقيم كعادتها. لكن مع اقتراب بيلا، استدارت سيرا ببطء، وابتسمت بخفة.

سيرا (بنبرة ناعمة):

"لم أركِ منذ وصولك... هل كنتِ تتجنبينني يا بيلا؟"

بيلا (تضحك بخفة وهي ترفع كوبها):

"أنا؟ أبداً، لكن يبدو أنكِ منشغلة كثيراً... بالنظر."

أدارت سيرا عينيها بخفة، ثم نظرت إليها وكأنها تتحدث لأختها الصغيرة:

سيرا:

"لا أنكر أنني كنتُ أفكر... في كل هذه الفوضى الهادئة."

بيلا (بصوت منخفض وهي تلمس كتفها بلطف):

"أحياناً، السكوت أصعب من كل الصراخ، صح؟"

نظرت إليها سيرا مطولاً، ثم جلست على المقعد القريب وأشارت لها بالجلوس بجانبها.

سيرا:

"تعلمين يا بيلا... رغم كل شيء، أنا أحب هذه العائلة. حتى إن بدوا كأنهم لا يتركون لي متنفّساً."

بيلا (تميل نحوها بخفة):

"وهذا لأنكِ تملكين حضوراً لا يمكن تجاهله."

سيرا (تبتسم وهي ترفع حاجبها):

"حضور؟ أم ضجيج غير مرئي؟"

بيلا:

"كلاهما، وهذا مزيج قاتل يا سيرا... فقط إن أردتِ."

ضحكتا سوياً، تلك الضحكة الخفيفة التي تخرج بين امرأتين تعرفان متى يجب أن يضعن الأسلحة جانباً.

لحظة صافية بين امرأتين وسط بحر من التوتر، وكأن الكون قرر أن يمنحهما استراحة قصيرة.

في تلك اللحظة، يدخل الجد فريدرك للصالة، فيسكت الجميع لثوانٍ...

فريدرك (بنبرة هادئة نادرة):

"تابعوا ضجّتكم... يبدو أن هذه الليلة لا مكان فيها للوجوه المتجهمة."

فتعلو الضحكات من جديد، والعائلة تنغمس في لحظة نادرة من الراحة.

.........

دقّ جرسٌ خافت من أحد الزوايا، علامة على اقتراب موعد العشاء. التفتت سيلڤيا نحو الباب، وقالت بنبرة مرحة:

سيلڤيا:

"حان وقت الوليمة، فلنرَ إن كانت الطاولة تليق بجلالتنا."

ضحكت بيلا ونهضت برشاقة، تلحق بها إيفا التي لم تتخلّ عن وقارها المعتاد، بينما أمسكت إيلينا بيد إيميليا ونهضت بهدوء، هامسة لها:

إيلينا:

"سأدعك تختارين مقعدك، لكن لا تعترضي إن جلستُ إلى جوارك."

هزّت الصغيرة رأسها بمرح، وأسرعت بخطاها الصغيرة نحو الممر الطويل الذي يقود إلى قاعة الطعام.

حين دخلوا، كانت الطاولة ممتدة بشكل فاخر، مزينة بشموع طويلة وأوانٍ فضية، وأصوات الخدم ينسقون آخر اللمسات بصمت مهني. جلس الرجال في مواقعهم: ريكاردو في رأس الطاولة، وعيناه تتبعان خطوات إيلينا دون أن ينبس بكلمة، بينما جلس إلى يمينه مارك، وإلى يساره ماثيو، يتبادلان حديثاً خافتاً.

هيكتور وقف منتبهاً حين دخلت إيفا، ثم جلس وكأن شيئًا لم يكن، لكنه لم يمنع عينيه من أن تتبعها.

جلست النساء تباعاً، مايورا قرب ميريدا وكيارا، وفي الطرف الآخر جلست سيلڤيا وبيلا وإيفا، وبينهن إيلينا وإيميليا التي اختارت الكرسي الأقرب لها.

دخل الجد فريدريك أخيرًا، بثباته المعتاد، ووقف قليلاً يتأمل الجميع قبل أن يتجه إلى رأس الطاولة المقابل لـ ريكاردو.

فريدريك (بصوت عميق):

"أخيرًا، جلسنا جميعًا... عائلة تملأ المكان حضورًا، وفوق الطاولة... أسرار لا تُقال."

ضحك البعض بخفة، لكن الصمت عاد بعدها للحظات، يتخلله صوت أدوات المائدة، ولمعة الشموع فوق وجوه تحمل أكثر مما يظهر.

.......

انقضى بعض الوقت، والطاولة تزداد دفئًا بأحاديث متفرقة وضحكات خفيفة، تتخللها نظرات خفية ومشاعر لا تُقال. وفجأة، وضع الجد فريدريك الشوكة والسكين جانبًا بهدوء، ومسح فمه بمنديله الأبيض، ثم اعتدل في جلسته، وصوته العميق يقطع سكون اللحظة:

فريدفريدريك:

"لقد... تعبت."

ساد الصمت. توقفت الأيدي عن الحركة، وحدقت العيون به، حتى الخدم تجمدوا في أماكنهم.

فريدريك (متابعًا بصوت هادئ، لكن حازم):

"سأسافر لبضعة أسابيع... خارج البلاد. أحتاج إلى استراحة، بعيدًا عن هذه الأجواء الثقيلة."

لم يكن في صوته ضعف، لكنه كان صادقًا. هيبته لم تتزحزح، لكن شيءً خفيًا خيّم فوق القاعة، كغيمة رمادية فوق سماء زرقاء.

خفضت مايورا عينيها في صمت، بينما تبادلت كيارا وميريدا نظرات قلق قصيرة، ومارك اكتفى بشهيق بطيء. أما إيلينا، فلم ترفع رأسها. كانت تحدّق في طبقها، دون أن تلمسه، وعيناها غارقتان في صمت ثقيل.

أرادت أن تتكلم، أن تقول "ابقَ"، لكنها لم تجد الكلمات. فريدريك كان أكثر من جد... كان الجدار الأخير.

أما دايموند فتابع الجد بنظرات ثابتة، لا مشاعر ظاهرة، بينما مدت إيميليا يدها الصغيرة بهدوء إلى يد إيلينا، تضغطها دون أن تنطق، كأنها شعرت بالحزن دون أن تفهمه تمامًا.

أخذ الجد نفسًا عميقًا، ثم وقف ببطء وقال:

فريدريك:

"غدًا... أغادر."

ثم استدار وغادر القاعة، تاركًا خلفه مزيجًا من الذكريات والمخاوف، وخلفه طاولة امتلأت بكل شيء... عدا الراحة.

حلّ الصمت بعد أن غادر الجد القاعة، تاركًا خلفه أثرًا خفيًا لا يُرى، لكنه يُشعر به. التفت البعض لبعضهم في تردد، بينما تابعت إيلينا تقطيع طعامها ببرود، دون أن ترفع رأسها أو تُبدي أيّ ردّة فعل.

سيلڤيا (بصوت منخفض):

"هممم... لقد بدا مُرهقًا، أليس كذلك؟"

إيلينا (بنبرة ثابتة وباردة):

"هو ليس عجوزًا كما يتظاهر... إن أراد الرحيل، فليرحل."

أثارت كلماتها بعض الهمسات حول الطاولة، لكن أحدًا لم يجرؤ على الردّ. رفعت بيلا حاجبيها وأمالت رأسها نحو إيفا وهمست:

بيلا:

"باردة كأنها الثلج... لكنها تشتعل من الداخل، أراهن على ذلك."

ابتسمت إيفا، لكنها لم تُعلّق، نظراتها كانت تتنقّل بين إيلينا وهيكتور الذي بدا شارداً هو الآخر.

في الطرف الآخر من الطاولة، أطلق دايموند ضحكة خافتة، كأن شيئًا لم يعنه، وأكمل لعبه بسكين صغيرة بين أصابعه. أما إيميليا، فجلست بهدوء، تحدق في أختها، ثم همست دون أن يسمعها أحد:

إيميليا:

"أنتِ حزينة... حتى لو قلتي العكس."

نهضت سيرا فجأة، وجلست إلى جانب ريكاردو بهدوء، تنظر إلى وجهه وتحاول أن تفهم ما يدور خلف هدوئه، بينما هو كان ينظر فقط إلى طرف الطاولة... حيث جلست إيلينا، تضع قطعة من اللحم في فمها وكأنّ شيئًا لم يحدث.

أما الجد، فكان قد صعد إلى جناحه العلوي، ببطء الرجل الذي يعرف أن خلف الباب... سيترك العائلة في عاصفة لا تهدأ.

.......

انتهى العشاء، وتفرّق الجميع في أروقة القصر الواسع. أُغلقت الأبواب الثقيلة، وخفَتت الأضواء شيئًا فشيئًا. هدأ كل شيء... إلا الأفكار في رأس ريكاردو.

دخل غرفته بخطى بطيئة، خلع سترته ورماها على الأريكة، ثم وقف أمام النافذة الكبيرة يُحدّق في ظلام الحديقة الممتد.

طرقٌ خفيف على الباب... ثم فُتح دون إذن.

سيرا (بصوت ناعم):

"ريكو... لم أنم، قلت لنفسي ربّما تحتاج إلى من يؤنسك الليلة."

لم يُجب. ظلّ واقفًا، وظهره لها.

اقتربت بخفة، جلست على حافة السرير، ثم وقفت من جديد واقتربت أكثر، همست:

سيرا:

"لماذا تبتعد عني هكذا؟ أنا زوجتك، ألا يحقّ لي القرب؟"

في لحظة، استدار إليها فجأة. قبضته امتدّت بسرعة، وأمسكها من رقبتها، ليس بقسوة مؤذية، بل بقسوة تُشعرها بأنها لم تعد تعني له شيئًا.

ريكاردو (بصوت عميق وبارد):

"لا تتعدّي حدودك، سيرا. أنتِ تعلمين كل شيء... فلا تتظاهري بالجهل."

اتسعت عيناها بدهشة وخوف، ثم حاولت أن تبتعد قليلاً، لكن قبضته بقيت ثابتة.

ريكاردو (بغضب مكتوم):

"لا تتلاعبي بي، ولا تلعبي دور البريئة. هذا القصر لا يحتمل كذبًا جديدًا."

أفلتها، واستدار نحو النافذة مجددًا، تاركًا إياها واقفة، تضع يدها على عنقها بدهشة وصمت.

سيرا (بصوت مكسور، لكنها تخفي انكسارها):

"لقد أحببتك، ريكاردو... رغم كل شيء."

لم يرد، وبقيت الغرفة في صمت ثقيل... لا يُسمع فيه سوى نبضات قلوب مُثقلة بالأسرار.

................

في تلك الليلة، بعد أن خيّم الهدوء على أرجاء القصر، كانت الأنوار خافتة في الطابق العلوي، والهدوء لا يُكسره إلا همسات الريح خارج النوافذ.

جلست إيلينا في غرفتها الواسعة، أمام مكتب خشبيّ أنيق، وقد أسندت ذقنها على يدها، بينما راحت تحدّق في شاشة اللابتوب ذات الإضاءة الخفيفة. عيناها الزرقاء كانتا تلمعان بتركيز غريب، وأصابعها تنقر على المفاتيح بسرعة وثقة.

ملفّات مشفّرة، رموز طويلة، وتقارير من مصادر لا تحمل أسماء واضحة... كل شيء كان يمرّ عبر شيفراتٍ لا يفكّ رموزها إلا من اعتاد السير على حوافّ الخطر.

فتحت نافذة سرّية عبر أحد البرامج، وظهرت رسالة قصيرة:

"الهدف التالي تم رصده في زيورخ. هل نُفعّل المهمة؟"

أغلقت الرسالة فورًا، وكتبت بخطّ سريع:

"انتظروا الإشارة. الخطر أقرب مما نظن."

ثم أغلقت النافذة كلها، وعادت إلى واجهة بريد إلكتروني عادي، كأنها لم تكن تفعل شيئًا يُثير الشك.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم مالت إلى الخلف في مقعدها، وهمست لنفسها:

*"اقترب الوقت... لكن عليّ أن أبدو هادئة."

ثم التفتت نحو صورتها المنعكسة في زجاج النافذة، وقالت بابتسامة ساخرة:

*"هل تعرفين من أنتِ حقًا، يا إيلينا؟ أم أنك ما زلتِ تلعبين لعبة أكبر منك؟"

فجأة، رنّ هاتفها الموضوع بصمت على الطاولة. اسمٌ غير محفوظ ظهر: رقم مجهول.

لم ترد.

اكتفت بتجاهله، وأغلقت اللابتوب بهدوء، ووقفت تتقدّم إلى النافذة، تنظر إلى القمر في السماء.

"ليس الليلة..."

قالتها بهدوء، وأسدلت الستائر بعناية، كما تُسدل الستارة على مسرح لا يُفترض بأحد أن يعرف ما دار عليه.

................

صباح اليوم الثاني 7:30

كان الضوء الصباحي يتسلل بهدوء من بين الستائر الكتانية، يغمر الغرفة بهالة دافئة تخفي ما بها من برودة القرارات الثقيلة. جلس الجد فريدرك على كرسيه العالي، ظهره منتصب، وعيناه العميقتان تحدّقان في أوراق مبعثرة أمامه على الطاولة. خلفه، وقف ريكاردو، يراقب في صمت، بوجه خالٍ من التعبير.

قال الجد بنبرة ثابتة، ثقيلة بالمسؤولية:

"سأسافر خلال أيام، وقد لا أعود قريبًا. الأعمال لن تنتظرني، ولا الوقت سيُمهلنا."

أجابه ريكاردو بجدية:

"سأتولى الإدارة، كما اعتدتُ، لكن... الأمر لا يتعلق بي وحدي الآن."

أغلق الجد الملف أمامه ببطء، ثم نظر إليه قائلاً:

"إيلينا."

أومأ ريكاردو مرة واحدة.

تنهد الجد وقال ببطء:

"لن تكون مهمتك سهلة. تلك الفتاة خُلقت بعناد لا يشبه إلا عنادي. قلبها قوي، لكن يدها ما زالت رخوة."

اقترب ريكاردو بخطوة، وقال بثقة:

"سأبدأ بتدريبها اليوم. ليس لدينا رفاهية التأخير، إن كانت ستُكمل هذا الطريق، فلا بدّ أن تخوضه بسلاحها، لا باسمها."

رد الجد وهو ينهض ببطء من كرسيه، يُخفي خلف وقاره شيئًا من التعب:

"إياك أن تختبر صبرها... أو تُربكها بعاطفةٍ خبيئة، ريكاردو. ما تحتاجه الآن، ليس من يحميها، بل من يُقوّيها."

سكت الجد قليلًا، ثم أكمل:

"درّبها كما يجب... واجعلها ترى بأمّ عينيها ما معنى أن تكون كامورا."

أدار ريكاردو وجهه، وتوجه نحو الباب، لكن قبل أن يخرج، قال الجد بصوت أخفض، وكأنه حديثٌ لا يقال إلا لمرة واحدة:

"إن أخفقتَ في هذا، لن تسقط وحدها."

خرج ريكاردو من غرفة الجد، عاقد الحاجبين، وصمتٌ ثقيل يرافق خطواته على الرخام البارد. لم تمضِ لحظات، حتى ضغط الجد زرّ الاتصال القديم المثبت على طاولته الخشبية الثقيلة، وقال بنبرة منخفضة:

"أحضر لي هِـنري... حالاً."

مرت دقائق، ودخل هنري، أنيقًا كعادته، شعره مسرّح بعناية، ونظراته حذرة، كما لو أنه يعرف أن استدعاء الجد في هذا الوقت لا يكون إلا لأمر بالغ الأهمية.

"نعم، سيدي؟"

رفع الجد عينيه إليه، بعينين مثقلتين بالحكمة والتجربة، ثم أشار له بالجلوس.

قال بصوت هادئ، ولكن حادّ:

"المرحلة القادمة ستكشف لنا من هو أهلٌ للدم، ومن هو مجرد ظلّ... إيلينا ستبدأ تدريبها. أريدك أن تكون العين الثانية."

استغرب هنري، لكنه لم يعلّق، فاكتفى الجد بالإيضاح:

"ريكاردو قد يرى بقلبه، وأنت... ترى بعقلك. لا أريدها أن تُعامَل كأنها مجرد فتاة في طريقنا. بل كوريثة كامورا."

أومأ هنري احترامًا، وقال:

"ستكون تحت المراقبة الكاملة. وإن تردّد أحدٌ في التعامل معها كما يجب، سأتولى الأمر."

أغلق الجد الملف الذي أمامه، ثم قال بصوت خافت لا يسمعه إلا من اقترب كثيرًا:

"ادعوها إلى الحلبة السفلية. لا أريد دروساً ناعمة، بل حقيقة الحديد والرصاص."

كانت إيميليا جالسة على الأرض، تحرك دُماها بملل، وعيناها أحيانًا تتسللان نحو الباب. وفجأة، فُتح الباب بهدوء، وظهر دايموند، واقفًا ببروده المعتاد، يداه في جيبيه، وعيناه تبحثان عنها بلا كلمة.

رفعت نظرها إليه، شاردة، قبل أن تدير وجهها ببطء وكأنها لم تره.

دايموند (بهدوء):

"أنتِ لا زلتِ غاضبة، أليس كذلك؟"

لم ترد. اقترب خطوة، ثم جلس على حافة سريرها، مسندًا مرفقه على ركبته.

دايموند:

"افعلي ما تريدين، لن أشرح نفسي."

إيميليا تشهق بخفة وتنظر إليه بغضب طفولي واضح، لكنها لا تنطق بشيء.

بعد لحظة صمت...

كيارا (من خلف الباب):

"هل أزعجكما؟"

تدخل بهدوء، تبتسم وهي تنظر إلى الاثنين، ثم تنحني نحو إيميليا.

كيارا:

"صغيرتي، نحن في طريقنا لتناول الإفطار معًا، ما رأيك أن تأتي معنا؟ دايموند لا يحب الحديث، لكن وجودك يُخرج منه شيئًا من الحياة."

إيميليا تنظر إلى دايموند، ثم تقول بتذمر طفولي:

*"هو لا يحبني، فقط يتجاهلني دائماً."

كيارا (تبتسم وهي تمسح على شعرها):

"لا أحد لا يحبكِ، يا قمر. تعالي معنا، دعي عنكِ هذا الوجه الغاضب."

تتردد قليلاً، ثم تنهض وتمسك بيد كيارا، لكن قبل أن تخرج، تلتفت نحو دايموند وتهمس:

*"سأتحدث معك لاحقاً، لا تظن أنك خرجت من الورطة."

دايموند يرفع حاجبه بلا تعبير، ثم يقول وهو ينهض:

*"أنتِ من يبحث عن الورطة دائماً."

تضحك كيارا، وتمسك بيد كلٍ منهما، تقودهم إلى الأسفل برقة.

كانت سيرا تجلس على أريكة ناعمة قرب المدفأة، ترتدي ثوبًا صباحيًا بسيطًا وأنيقًا، تحتسي قهوتها ببطء وهي تتابع تقلب أوراق في دفتر ملاحظات جلدي. الباب يُفتح بلطف، وتدخل ميريدا بابتسامة هادئة، تحمل بين يديها صندوقًا صغيرًا مغلّفًا بشريط أبيض.

ميريدا (وهي تقترب):

"أحضرت لك شيئًا رأيته بالأمس في المعرض، لا أدري لمَ فكرت بك فورًا."

ترفع سيرا نظرها، ملامحها تتغير قليلاً، ثم تبتسم بهدوء.

سيرا:

"وهل هذا يعني أنني ما زلت أعيش في ذاكرتك، رغم صمتك الطويل؟"

ميريدا (بضحكة خفيفة وهي تجلس):

"لا أحد ينسى من يترك بصمة عنيدة كهذه."

تمدّ سيرا يدها وتأخذ العلبة، تفتحها ببطء، فتجد قلادة بسيطة مرصّعة بحجر صغير بلون البحر.

سيرا (بهمس):

"جميلة... تشبه الأوقات الهادئة التي نفتقدها."

ميريدا:

"ولهذا أحضرتها لكِ. تذكّرك أن اللطافة لا تنتقص من القوة شيئًا."

تضحك سيرا بخفة، تضع القلادة جانبًا ثم تنظر لميريدا بعينين ممتنّتين.

سيرا:

"أحيانًا، أحتاج تذكيرًا من امرأة تعرف كيف تحب وتُقاوم في آن."

ميريدا (بغمزة مرحة):

"نحن لم نختر الحياة السهلة، لكننا نزيّنها بطريقتنا."

تسود لحظة صمت لطيفة، قبل أن يدخل أحد الخدم بهدوء وينحني:

الخادم:

"سيدتي، الجد فريدرك يطلب حضور الجميع في القاعة."

تبادلت ميريدا وسيرا نظرة هادئة وابتسامة صامتة، ثم نهضتا معًا، بخفة نساء يعرفن كيف يمشين بثقة داخل عالمٍ لا يرحم.

...

الهواء مشبع برائحة القهوة الداكنة والهدوء المتوتر، الجميع يقف بانتظام في القاعة المهيبة. الجد فريدرك، ببدلته الرمادية الداكنة، وعصاه المميزة في يده اليمنى، يخطو ببطء إلى وسط القاعة. يقف بثبات، ينظر إليهم جميعًا، نظرة فيها وداع وأمل.

الجد فريدرك (بصوت ثابت):

"حين يبني الرجل إمبراطورية، لا يخشاها... بل يخشى أن تضعف من بعده."

يتحرك نظره بين الوجوه، يتوقف عند كل فرد وكأنه يحفر ملامحهم في ذاكرته.

الجد:

"سأرحل... لأمنح نفسي بعض الهدوء، لكنني لا أرحل عنكم... بل من أجلكم. أوصيكم... كلٌّ منكم مسؤول، والعائلة لا تُحمى إلا من الداخل."

يغمز لمارك وماثيو وهما يقفان بثقة، دون حاجة لكلمات، يفهمان الإشارة: "اهتموا بالجميع".

ثم يحوّل بصره نحو إيلينا، بنظرة قصيرة، لكنها عميقة... تحمل في طياتها آلاف الكلمات. لا يبتسم، لكنه يلين، لثانية واحدة فقط، قبل أن يدير وجهه.

وقبل أن يتقدّم نحو الباب، يركض نحوه دايموند وإيميليا، الصغيرة تمسك طرف سترته وتقول بصوت مرتجف:

إيميليا:

"هل ستعود؟"

ينحني الجد، يركع على ركبته أمامهما، ويمسح على رأسها، ثم ينظر إلى دايموند ويقول بنعومة غير معهودة:

الجد:

"حين تعود الذئاب... يعود الليل للهدوء."

ثم يقبّل جبين إيميليا ويشد على كتف دايموند قليلاً.

الجد:

"احمِها، أيها الفتى."

ينهض واقفًا، يرفع عينيه مجددًا نحو الجميع، ثم يمضي خارجًا. الخدم يفتحون الباب الكبير، ومع خروجه، يهمس لنفسه:

الجد فريدرك (بصوت خافت):

"ليحفظهم الرب من أنفسهم..."

يغادر، وتبقى خلفه ظلال الهيبة... وأثر لا يُمحى.

.................................end................................

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فـلانُـورسـا

المؤلف Rahaf
2025/07/25 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة