𝕺𝖓𝖊

𝕺𝖓𝖊

18 0

الساعة 7:00 صباحًا

إيلينا تستيقظ باكرًا، تمشي حافية القدمين في ممرات القصر الهادئة.

ترتدي قميصًا أبيض طويلًا، وشعرها مبلل من حمام دافئ.

تحمل فنجان قهوتها وتتجه إلى الشرفة المطلة على الحديقة،

الهواء الصباحي البارد يلمس وجهها... وفي قلبها بقايا من حريق الأمس.

---

الساعة 7:30

ريكاردو ينهي تدريباته القاسية في صالة القتال،

جسده مبلل بالعرق، لكن ملامحه لم تتغيّر...

نفس القسوة، نفس التركيز.

يمسح وجهه بمنشفة سوداء وينظر لحظة نحو الشرفة العلوية...

لا شيء يظهر على وجهه، لكنه يعرف أنها هناك.

---

الساعة 8:00

بيلا تمسك بفرشاة الشعر، تُسرّح شعر إيميليا وهي تقفز في مكانها.

بيلا (ضاحكة):

"اهدئي يا مشاغبة، هذه شعركِ لا ساحة سباق!"

إيميليا:

"أريد أن أذهب إلى دايموند!"

إيفا (من بعيد):

"دعيه وشأنه، إنه لا يحبّ الضجيج!"

إيميليا:

"لكنّه يحبني، هو لا يضحك... لكنّه يحبني!"

---

الساعة 8:15

دايموند يجلس وحده في الزاوية الخلفية من الحديقة،

يرسم شيئًا في دفتره... لا أحد يرى ماذا.

وجهه جامد، نظراته مركّزة.

تقترب منه إيميليا وتجلس بجانبه بصمت.

إيميليا:

"رسمتني؟"

دايموند (دون أن ينظر إليها):

"لا."

إيميليا (تضحك):

"طيب ممكن ترسمني بعدين؟"

دايموند:

"ربما."

ثم ينهض فجأة، يغلق دفتره، ويغادر دون كلمة.

إيميليا تنظر خلفه، تهمس:

"غريب... لكني سأجعله يبتسم، يومًا ما."

............

ضوء الشمس يتسلل من النوافذ الواسعة، يلامس أطراف الطاولة الملكية الممتدة في قلب القاعة.

الكؤوس الكريستالية تصطف، وأطقم الشاي النادرة توزّع بأيدٍ خادمة متقنة.

فريدريك يجلس في صدر المجلس، عيناه هادئتان كمن يراقب رقعة شطرنج لا يُهزم فيها.

عن يمينه مارك، وعن يساره ريكاردو، بينما تجلس السيدات بتناسق لافت:

مايورا، سيلفيا، إيلينا، سيرا، إيفا، بيلا، ويجلس الصغيران إميليا ودايموند بالقرب من والدتهما.

الحوار يتناثر خافتًا، حتى تلتقي نظرات إيلينا وريكاردو في لحظة خرساء.

نظرة واحدة... طويلة، حادة، صامتة كأنها تقول كل ما لا يُقال.

سيرا تلاحظ...

تبتسم على مضض وتقول بنبرة هادئة تخفي الغليان:

سيرا:

"الهدوء صباحًا جميل... لكن أحيانًا يحمل خلفه عاصفة."

إيفا (ضاحكة):

"وهل هناك أجمل من عاصفةٍ تبدأ بنظرة وتنتهي بندم؟"

بيلا:

"أحبّ الصباحات التي لا يخلو فيها الجو من التوتر... يجعل الشاي ألذ."

إيلينا تتابع فطورها بصمت، لكن أناملها المرتجفة تفضح ما يعتمل بداخلها.

ريكاردو يراقبها، بنظرة باردة... لكن فيها وميض من شيء دُفن طويلاً.

وفجأة، يضع فريدريك الملعقة على طبقه، صوته يعلو فوق كل همسة:

فريدريك (بهدوء تام):

"غدًا... سيُعقد زفاف ريكاردو وسيرا."

الصمت يلفّ المكان.

مايورا (مصدومة):

"غدًا؟! دون إعلان سابق؟"

سيرا (تنهض وقد غمرها الذهول):

"جدي؟! أتعني ما تقول؟"

فريدريك (بنبرة قاطعة):

"الأمر محسوم. لا حاجة لمزيد من الوقت. العائلة بحاجة إلى استقرار، وريكاردو هو من يضمنه."

إيلينا ما زالت جامدة... لكنها تبتلع ريقها بصعوبة.

بيلا تلتفت نحوها، تراقبها بقلق مكتوم.

سيلفيا (بضحكة خفيفة):

"أحسد العرائس على مفاجآتهن... بعضها يشبه إعلان حرب أكثر من إعلان حب."

إيفا (بسخرية ناعمة):

"هل نرتدي الأحمر احتفالًا... أم الأسود حدادًا على القلوب المكسورة؟"

سيرا (توجه كلامها إلى إيلينا):

"هل ستأتين إلى الزفاف؟ أو ما زلتِ تفضلين البقاء في الظل؟"

إيلينا (ترفع عينيها، بثبات لا يخلو من النار):

"أنا لا أشارك في المسرحيات... لكن أحبّ رؤية نهايتها."

ريكاردو ينظر إليها... وشيء ما ينكسر خلف عينيه، لكنه يُخفيه تحت ملامح جامدة.

دايموند يراقب بصمت... كأنه يفهم ما لا يُقال.

إميليا تهمس في أذن بيلا:

"ليش إيلينا زعلانة؟"

بيلا (تبتسم وهي تمسح على شعرها):

"لأن الكبار أحيانًا ينسون قلوبهم على الطريق."

فريدريك ينهض من مكانه، يضع يديه خلف ظهره، ويقول:

"كل شيء جاهز... والغد ليس للفرح فقط، بل للقرار."

........

عندما غادر الجميع القصر، كانت السيارة الفاخرة تنتظرهم أمام البوابة. حراس مسلحون يقفون على جانبي المدخل، يراقبون كل حركة بتأهب، وتلك الساعات الفاخرة التي تزين معاصمهم لامعة تحت ضوء الشمس.

بينما كان الرجال يظلون في القصر، يشرع النساء في التحضيرات الكبيرة استعدادًا ليوم الزفاف. الجو في الخارج كان مشبعًا بالرفاهية والهيبة، حيث كانت إيلينا، إميليا، إيفا، سيلفيا، ميريدا، وكيارا يستعدن للتوجه إلى أفضل الأماكن في المدينة.

إيلينا كانت تجلس في سيارة فاخرة للغاية بعدما أمرها حدها بالذهاب معهم، عيونها ضبابية، بينما كان قلبها يغلي بحرقة من الداخل. لم تستطع التوقف عن التفكير في ريكاردو وسيرا، والزفاف الذي كان سيدمرها تمامًا. مشاعر مختلطة بين الحب والغيرة والكراهية كانت تشتعل بداخلها، ولكنها كانت صامدة، تحاول أن تخفي كل شيء خلف قناع من الهدوء.

إميليا التي كانت تجلس بجانبها لم تكن تستطيع فهم كل ما تمر به إيلينا. كانت تتحدث بشكل عفوي، مستمتعة بالأجواء، لكنها لاحظت غياب ابتسامة أختها.

إميليا (ببراءة):

"إيلينا، هل أنتِ بخير؟ تبدين شاردة الذهن."

إيلينا التفتت إليها بنظرة غامضة، حاولت الابتسام لكن الألم كان واضحًا في عينيها.

إيلينا (بتنهيدة):

"لا شيء، إميليا. أنا فقط متعبة."

لكن داخل قلب إيلينا كان هناك نار مشتعلة، قلبها يتألم في كل لحظة، خاصة بعدما تذكرت نظرات ريكاردو الباردة وسيرا التي كانت بجانبه. كانت تلك اللحظات هي التي جعلتها تشعر بالفراغ الداخلي، كأنها تعيش في عالم من الألم الذي لا يُحتمل.

............

ر

جل في السبعين، ببدلة داكنة وصوت أجش:

> "فريدريك انتهى، لن ندع عائلته تحكم بعده. سننتخب دونًا جديدًا... من بيننا."

همهمات موافقة، أصوات كؤوس تتصادم، ضحكات ساخرة.

فجأة... تُفتح الأبواب الحديدية دفعة واحدة.

صوت ارتطام الأحذية الثقيلة على الأرض الباردة... خمس ظلال سوداء تدخل دون أن تنطق بكلمة.

الرجال في القاعة يلتفتون ببطء، ثم يصمتون، يتجمدون كأنّ الموت دخل.

ريكاردو في المقدمة، معطفه الطويل يلامس الأرض، عيناه بنية قاتمة كأن فيهما رماد حرب قديمة. يتبعه هيكتور، وهينري، ومارك، وماثيو... كأنهم أشباح قادمة من قاع الجحيم.

صوت الباب يُغلق خلفهم بصدى عنيف.

هيكتور ينظر للجميع نظرة احتقار ثم يقول بابتسامة صفراء:

> "سمعنا أن هناك انتخابات... دون علم العائلة؟"

هينري بصوت بارد وهو يضع أوراقًا مختومة على الطاولة:

> "كل من اجتمع هنا دون إذن رسمي... صار خائنًا. وتوقيعاتكم على هذا الاعتراف خلال خمس دقائق... وإلا."

رجل يحاول الاعتراض:

> "أنتم لا تحكمون-"

مارك يُسحب السكين من حزامه ويغرسه في الطاولة أمام الرجل مباشرة:

> "أنت حتى لا تحكم على موتك، دعك من المافيا."

ماثيو يتنهد، يرش رماد سيجاره على الأرض ثم يقول:

> "سئمت من العقول الغبية... حتى الجيف أكثر احترامًا منكم."

ريكاردو يتقدم، يضع يديه على الطاولة، ينظر إلى أعينهم واحدًا واحدًا...

ثم بصوت عميق، هادئ كالسُّم البارد:

> "نحن لا نطلب موافقتكم...

نحن لا نناقشكم...

نحن نُعلِمكم، أنني منذ هذه اللحظة... الدون.

من يعترض؟ ليرفع يده... كي أقطعها له."

صمت تام. لا أحد يتحرك. حتى الأنفاس تحاول أن تُخفى.

ثم فجأة... الجميع يبدأ بالتوقيع دون نقاش، بصمت، بخوف.

الرجال الذين كانوا يصرخون منذ دقائق، صاروا كالأطفال في حضرة جحيم.

هيكتور يهمس لريكاردو مبتسمًا:

> "من قال إننا بحاجة لدم؟ الخوف وحده كافٍ."

ريكاردو يستدير، يلتقط كأس نبيذ من على الطاولة، يرفعه ويقول:

> "لنشرب... للعهد الجديد. عهد الحديد والظل."

ثم يرمي الكأس على الأرض لينكسر، ويتبعه الآخرون بتصفيق خائف وموجات ارتباك... وركوعٍ غير مباشر.

خرج الرجال الخمسة كما دخلوا... دون كلمة وداع.

وصار في تلك الليلة... الكل يعلم:

ريكاردو ليس مجرد وريث...

إنه اللعنة القادمة على كل من نسي اسم فريدريك.

............

السيارة توقفت أمام متجر فاخر، وعندما خرجت النساء، استقبلتهم أجواء السوق الفخمة، حيث كانت الواجهات الزجاجية اللامعة تُظهر أجمل الفساتين، والمحلات الفاخرة تبيع أجود المنتجات. كان هناك حراس وأمن يتابعون كل خطوة، الجميع يبتسمون ويحيون النساء باحترام كبير، ويمهدون لهن الطريق بأدب.

إيلينا، رغم كل الفخامة حولها، كانت في حالة من الضياع. كانت تراقب الأزياء، لكن عينها كانت شاردة، وفكرها في مكان آخر. كانت تلاحظ جمال إيفا، التي كانت تختار فستانًا جريئًا، لكن قلبها لم يكن يهتم بشيء سوى أن ريكاردو سيُقابل سيرا في اليوم التالي.

إيلينا (همس لنفسها):

"لماذا يختارها هو؟ لماذا تبتسم لها بهذا الشكل؟ لماذا يجب أن يكون هذا هو المصير؟"

أما إيفا، فلم تكن تلاحظ شيئًا مما كان يدور في ذهن إيلينا. كانت متفائلة، تحب الظهور بأفضل صورة، وكانت تنتقي فستانًا يبرز جسدها الجميل، وفي عينيها تحدٍّ غريب.

إيفا (بابتسامة):

"أنا متأكدة أن الجميع سيقعون في حبي في الزفاف."

إيلينا لم تُجبها، لأنها كانت تشعر بحرقٍ داخلي في قلبها، كان هناك شيء عميق جدًا يؤلمها، حتى أنها شعرت بأن الهواء نفسه ثقيل. لكن رغم كل ذلك، كان عليها أن تبقى هادئة، أن تكون القوية في هذا اليوم، وألا تُظهر ضعفها أمام الجميع.

بينما كانت النساء تتنقل بين المحلات، كان الجو مزدحمًا بالأزياء الراقية، وحركة السوق دائمة النشاط، لكن إيلينا كانت تتنقل بين الأزياء وكأنها في عالم آخر، تفكر فقط في حقيقة أن ريكاردو سيصبح ملكًا لامرأة أخرى غيرها.

.........

كانت إيلينا تتنقل بصمت بين محلات الأزياء الفاخرة، حيث كانت النساء جميعًا مشغولات في الاختيارات والترتيبات. لكن داخل قلبها كان الألم يشتعل بشكل لا يمكن تجاهله. في أحد المتاجر الكبرى، حيث تتناثر الفساتين المذهلة من كل زاوية، تراجعت خطواتها إلى الوراء لحظة لمحت سيرا وهي تقف أمام أحد الرفوف، تُبدي إعجابها بأحد الفساتين البيضاء الفاخرة.

كانت سيرا تشارك المشهد بأناقتها المعهودة، وكان الفستان الأبيض الذي اختارته متقنًا جدًا، يلمع كالثلج تحت أضواء المتجر. ابتسمت سيرا في مرآة المتجر، بينما نظراتها كانت مليئة بالثقة، كما لو أن كل شيء كان ملكًا لها. كان الحضور من حولها يلاحقون كل حركة تقوم بها باحترام، لكن إيلينا كانت تراقب من بعيد بعينين مليئتين بالمرارة.

سيرا (بابتسامة باردة، تُشير إلى الفستان):

"ماذا تعتقدين؟ هذا سيكون مثاليًا لي. أليس كذلك، إيلينا؟"

إيلينا لم تجب فورًا، بل تابعت النظر في الفستان، وعيناها ضبابيتان. لم تستطع أن تسيطر على المشاعر التي كانت تتسرب منها. كانت ترى سيرا في كل مرة تجلس مع ريكاردو، تبتسم له، وفي هذه اللحظة كانت تجسد تلك السعادة المفرطة على وجهها.

إيلينا (بصوت منخفض، يملؤه الغضب الكامن):

"لكِ كل شيء، سيرا. حتى الفستان الذي كنتِ ستختارينه لي يومًا ما."

سيرا سمعت الكلمات لكنها لم تلتفت، بل استمرت في التأمل بالفستان، وكأنها لم تسمع شيئًا. ثم نظرت إلى إيلينا بنظرة مليئة بالاستفزاز.

سيرا (بصوت ساخر، تهز رأسها):

"لم تكملي بعد، أليس كذلك؟ ما زلتِ متعلقة به، أليس كذلك؟ لا تظني أنني لا ألاحظ. لكن الفارق بيننا هو أنني حصلت عليه، بينما أنتِ لا تملكين شيئًا."

كانت إيلينا تحاول أن تخفي مشاعرها قدر المستطاع، لكن الكلمات كانت تُفجر قلوبها أكثر. تمنت لو أنها تستطيع الهروب بعيدًا عن هذا المشهد، عن هذا الحزن الذي كان يعصف بقلبها. لكن وسط هذا الصمت، كانت سيرا قد حصلت على ما كانت تريده؛ استفزازها، وإشعال قلبها الذي كان ينزف.

إيلينا (بتنهدة حادة، بعينين متأملتين):

"أنتِ لا تعلمين شيئًا عن قلبي، سيرا. لكن... لا يهم. كل شيء سيكتمل غدًا."

سيرا (بابتسامة واسعة):

"بالطبع، غدًا سيكون يومًا رائعًا. لكن تذكري، هذه حياتي الآن. وأنا هنا لأبني كل شيء."

إيلينا اكتشفت أنها لم تعد تستطيع تحمل المزيد من هذه الكلمات، فأخذت خطوة إلى الوراء، محاولةً أن تسيطر على مشاعرها. كانت ترى كيف كانت سيرا تتفوق عليها في كل شيء، حتى في اختيار فستان الزفاف. كل شيء كان يأخذ منحى لا يمكنها احتماله بعد الآن.

........

كانت إيلينا تسير بهدوء نحو القصر، تحمل إميليا الصغيرة بين ذراعيها. رأس الطفلة مستكين على كتفها، وشعرها الأشقر يتمايل بلطف مع كل خطوة تخطوها أختها الكبرى. الليل كان ساكنًا، والريح تداعب خصلات شعر إيلينا المتناثرة. وجهها متعب، لكنها ما زالت محتفظة بذلك الوقار المهيب.

وعند بوابة القصر، كان دايموند واقفًا، مستندًا إلى العمود الرخامي، وذراعاه معقودتان أمام صدره. عيناه السوداوان كانتا تراقبان بصمت، ولكن في تلك اللحظة، كان شيء ما في داخله يتحرك.

دايموند (بصوت منخفض):

"لقد عادت الأميرة مُبكرًا هذه الليلة..."

رفعت إيلينا نظرها نحوه، دون أن تتفاجأ. كانت تعرف أنه يُحب الظهور فجأة.

إيلينا (بهدوء):

"إميليا نامت. أنهكها اليوم."

اقترب منها دايموند بخطوات واثقة، ونظر إلى الطفلة النائمة، ثم إلى وجه إيلينا الذي بدا متعبًا، لكنه ما زال جميلًا وهادئًا كليلة خريفية.

دايموند (بصوت خافت، لكنه ثابت):

"أعطني إياها، سأحملها بدلاً عنكِ."

ترددت إيلينا لحظة، ثم نظرت في عينيه، فرأت فيهما شيئًا غير معتاد... شيء من الحنان الخفي الذي نادرًا ما يظهر منه. ببطء، سلّمت إميليا بين يديه، فاحتضنها بلطف غريب على فتى في مثل عمره.

إيلينا (بصوت هامس، مبتسمة):

"حذارِ أن توقظها، هي تكره الاستيقاظ قبل الفجر."

دايموند (بنظرة ثابتة):

"لا تقلقي... سأحرس حلمها كما لو كان لي."

تبادلا النظرات لثوانٍ. لم تكن مجرد مجاملة، كانت كلمات تحمل بين طياتها عمقًا أكبر مما يُقال. وبينما أدارت إيلينا ظهرها لتتابع سيرها نحو الداخل، لم يشعر دايموند بشيء سوى تلك الرغبة الغريبة بأن يتبع خطواتها بعينيه، ويعيد قراءة ملامحها المنهكة.

وفي تلك اللحظة، وبينما كانت تختفي خلف أعمدة القصر، همس لنفسه:

"كم أنتِ جميلة حين تتألمين بصمت."

وواصل طريقه حاملاً إميليا برفق، كأنها كنز صغير أؤتمن عليه.

فتح دايموند باب الغرفة بهدوء، وكان يحمل إميليا النائمة بين ذراعيه كما لو كانت زهرة لا تحتمل لمسة خفيفة. كانت الغرفة تفيض بالدفء، والدمى تملأ الزوايا، وضوء خافت ينساب من مصباح بجانب السرير.

اقترب من سريرها، وانحنى بخفة ليضعها فوق الوسادة المخملية، لكنها تمتمت بصوت ناعس:

إميليا (وهي تتحسس وجهه بعينيها شبه المغلقتين):

"أنت... دايموند؟"

دايموند (بهمس بارد، لكنه رقيق):

"نعم، عودي للنوم، الصغيرة الفضولية."

إميليا (وابتسامة شاحبة ترتسم على وجهها):

"كنت أعلم أنك ستعتني بي... دائمًا."

لم يُجب. فقط ثبت الغطاء فوقها بلطف، ثم جلس على طرف السرير لحظات يراقب تنفسها الهادئ، وهو لا يدري ما إذا كانت هذه الطفلة تلين شيئًا من قسوته... أم أنها تزيدها اشتعالًا بصمتها البريء.

.......

روحت خلدت في مرقدها و روح تتعذب في وقودها

كان كل شيء ساكنًا، لا يُسمع إلا تنفّس الليل المرهق يتسلل عبر النوافذ نصف المفتوحة. ضوء القمر يتسلل بين الستائر ويلقي بظلال ناعمة على السرير الكبير حيث كانت إيلينا نائمة بعمق، كأن التعب قد غلبها أخيرًا بعد معركة مشاعر لا هوادة فيها.

الباب يُفتح ببطء.

دخل ريكاردو، خطواته هادئة، ووجهه يغشاه ظل من حيرة لم يعرفها من قبل. وقف للحظة عند العتبة، يتأملها... كانت ممددة على جانبها، شعرها منسدل على الوسادة كالحرير، وفستان نومها الأبيض يعكس نور القمر في منظر أقرب للطهر.

اقترب بهدوء، كأن أنفاسه قد تآمرت معه ألا توقظها.

جلس على الكرسي بجانب سريرها، وضع كفيه على ركبتيه، وظل يحدّق بها، بعينيه البنيّتين اللتين أطفأتهما سنون الصراع، لكنهما ما زالتا تشتعلان حين تقعان عليها.

ريكاردو (بهمس خافت يكاد يكون نَفَسًا):

"هكذا كنتِ دومًا... أقوى حين تصمتين. أضعف حين لا ترينني."

مدّ يده ببطء، ليمسح خصلة سقطت على وجهها، فتململت دون أن تستيقظ. ابتسم بحزن، ثم استعاد يده كأنها احترقت بنار ذنبٍ قديم.

ريكاردو (بهمس مشقوق بين الحب والخذلان):

"أنا من أطفأ نورك ذات يوم... لكنك ما زلتِ تحرقينني."

وقف بعدها، ونظر إليها لآخر مرة قبل أن يستدير ليغادر، لكنه توقف عند الباب، وأدار رأسه نحوها مجددًا.

ريكاردو (بصوت داخلي حاد):

"هل كنتِ لتغفري... لو لم أكن أنا؟"

ثم أغلق الباب خلفه بهدوء.

وما إن رحل، حتى تنفست إيلينا بعمق في نومها... وكأن روحها شعرت بوجوده

.......

الساعة الثامنة صباحًا.

ضوء الشمس ينسكب من النوافذ الواسعة، ورائحة العطور الرجالية تعبق في الأجواء. أصوات ضحك، أحاديث سريعة، وصفارات إعجاب تعلو من وقت لآخر.

غرفة الرجال كانت تعجّ بالحركة.

ريكاردو واقف أمام المرآة، يُعدّل أزرار قميصه الأبيض المطرّز بخيطٍ فضي، فيما يقف خلفه كلٌّ من هينري وهيكتور، يراقبانه بسخرية خفيفة.

هيكتور (ضاحكًا):

"لا أصدق أنك أنت من سيتزوج اليوم... من كان يظن أن ريكاردو سيسمح لأحد بأن يضع قيدًا في إصبعه؟"

هينري (وهو يرتب ساعته):

"القيد ليس في الإصبع، بل في القلب، يا فتى. لكن ريكاردو... لطالما لعب على الحافة، حتى في الحب."

ريكاردو (ببرود مبتسم):

"يبدو أنكما نسيتما من أنا. لا أحد يقيدني، حتى الزفاف."

هينري يصفعه بخفة على كتفه، ثم يضع يده الأخرى على كتف هيكتور.

هينري:

"تذكّرا، نحن لا نحضر حفلات... نحن نصنعها."

هيكتور (بنبرة تفاخر):

"آه، خصوصًا إذا كان الحفل يحمل اسم عائلتنا."

ضحك الجميع.

ثم دخل الخادم يحمل صندوقًا مخمليًا، فتحه أمام ريكاردو.

الخادم:

"الساعة الذهبية، سيدي... من الجدّ."

سادت لحظة صمت خفيفة، قبل أن يمد ريكاردو يده ويأخذها.

ريكاردو (بهدوء):

"أجل، لنبدأ العرض."

......

في غرفة يغمرها الضوء الطبيعي، وقفت إيلينا أمام المرآة الطويلة، ترتدي فستانها الفاتن، بلونه العاجي والدانتيل الأسود الشفاف، ينسدل كأنّه قطعة فنية خُلقت لأميرة من الظلال.

لم تكن الخادمات حولها، لم تكن بحاجة إلى أحد. أغلقت الباب خلفها وتركت نفسها مع العطر، المرآة، وصوت البحر القادم من الشرفة.

إيلينا (بهمس وهي تنظر إلى نفسها):

"كلّ ما فيّ مستعد... إلا قلبي."

مرّ إصبعها على شفافها النبيذية بلونٍ جريء، بينما عقد اللؤلؤ يلمع بعنقها كأنّه سيف أبيض على رقبتها.

نظرت لنفسها، وكأنها تتحداها.

"لن أكون الضحية اليوم."

ثم أخذت نفسًا عميقًا وخرجت من الغرفة. كل خطوة كانت كأنها إعلان حرب، وكل نظرة تنتظرها في الأسفل، لا تعرف أن النار تمشي على قدمين.

..........................

الستائر المخملية نصف مسدلة، وأشعة الشمس تتسلل على أطراف الفساتين المرصعة بالذهب واللؤلؤ. خادمات يضعن العطور على الرقاب، ويزينّ الأذرع بالأساور الثقيلة.

بيلا تضحك بصوت ناعم وهي تحاول ضبط أقراطها:

"إنها حفلة زفاف، لا عرض أزياء يا عمة سيلفيا!"

سيلفيا (بابتسامة متعالية):

"وما الفرق؟ نحن عائلة يُحكى عنها في المجالس، علينا أن نُدهشهم."

بينهن، وقفت إيڤا أمام المرآة، ترتدي فستانًا جريئًا بلون النبيذ الداكن، مفتوحًا من الظهر مع فتحة جانبية طويلة، يكشف الكثير ويخفي القليل. عيناها مليئتان بالجرأة، وتضع أحمر شفاه داكن يلهب الجلسة.

هيكتور لم يكن موجودًا، لكنه أرسل تعليمات سرّية للخياطة لتغيّر الفستان قبل خروجه من القصر. الخياطة نفذت دون أن تُخبرها، لكن إيڤا لم تلاحظ، فهي مأخوذة بانعكاسها في المرآة.

مايورا تجلس بهدوء، تراقب المشهد، وعيناها تتحولان لإيلينا التي لم تحضر بعد.

مايورا (بهمس لسيلفيا):

"لم أرَها منذ الصباح... هل تعتقدين أنها ستكون بخير الليلة؟"

سيلفيا (بهدوء):

"إيلينا؟ تلك الفتاة ولدت من لهب... قد تحترق، لكنها لا تنكسر."

فجأة، دخلت سيرا بثوبها الفاخر، يرافقها ظل الغطرسة والأنوثة المتوحشة. ابتسمت كأنها الملكة، ثم نظرت لإيڤا، وقالت بلهجة ناعمة:

"هذا الفستان... لافتٌ جدًّا. هل تنوين سرقة الأضواء من العروس؟"

إيڤا (بابتسامة باردة):

"وهل هناك من يستطيع ذلك؟"

ضحكات خافتة، نظرات خفية، وكل واحدة تُخفي حربها الصغيرة.

أما إيلينا، فلم تظهر بعد...

...............

الأنوار تنعكس على الدرابزين الذهبي، والسجاد الأحمر يلمع تحت الأقدام. صوت ضحكات النساء يتعالى من أعلى الدرج، تعلوه نغمات عطور فاخرة وحفيف الفساتين الحريرية.

إيلينا، ترتدي فستانها الساحر بلونه الفاتح المائل إلى العاجي، تنزل من السلم الجانبي بخطوات بطيئة، عنيدة. وجهها هادئ، ولكن عينيها... نيرانٌ لا تخمد.

تسمع الضحكات من الأعلى - سيرا، سيلفيا، إيڤا، بيلا... لكنها تتجاهلها تمامًا، كأنّ شيئًا لم يكن. تمرّ بجانب الثريات البلّورية، تشبه لوحة من زمن نبيل.

تتوقف خطواتها فجأة، حين تقع عيناها على ريكاردو، واقفًا عند أسفل الدرج الرئيسي، ببدلته السوداء المصممة خصيصًا، يضبط ساعته، ينتظر سيرا.

نظرة سريعة... لكنه يرفع عينيه، وفي لحظة سكون قصيرة، تتقاطع النظرات.

إيلينا (بهدوء وهي تقترب منه من جهة السلالم الجانبية):

"مباركٌ لك... أتمنى لكما حياة مليئة بما تستحق."

ريكاردو (نظرة طويلة، نبرة خافتة):

"أتعنين ما تقولين، أم أن الفستان هو من يتكلم؟"

تتوقف لحظة، تبتسم دون أن تنظر إليه:

إيلينا:

"كلا، ليس الفستان... بل بقايا قلبٍ لم يعد يملك شيئًا ليخسره."

تمر بجانبه دون أن تلتفت، وعبيرها يبقى حوله. يتبعها بنظراته، يحدّق في تفاصيلها، في طريقة مشيها، في كبريائها، ويخفي تنهيدةً ثقيلة.

سيرا تبدأ بالنزول مع نساء العائلة - ضحكات، فساتين مبهرجة، سيلفيا تتحدث بصوت عالٍ، وبيلا تمزح مع إيڤا. لكن عينا سيرا لم تتركا شيئًا.

رأت ريكاردو يحدّق بإيلينا.

رأت إيلينا تمرّ بجانبه.

رأت الصمت الذي خلفه الحديث بينهما.

سيرا (تتمتم بغيرة مكتومة):

"من قال إنّ الزفاف هو يومي فقط؟"

تتابع نزولها متظاهرة بالانتصار، لكن في قلبها نارًا أشدّ من تلك التي تحرق إيلينا.

...........

الليلة سوداء كأسرار العائلة، لكن الأضواء الذهبية تملأ المكان هيبةً لا فرحًا.

حدائق القصر تحوّلت إلى معرض أسطوري... أزهار نادرة، شموع ضخمة، طاولات فاخرة مرصوصة بدقة لا تشوبها شائبة.

رجالٌ ببدلات سوداء، نظراتهم حادة، والوشوم خلف آذانهم تروي تاريخًا لا يُقال.

عائلات المافيا وصلت... سيارات سوداء مظللة توقفت، الأبواب فُتحت، رجال طويلو القامة بعيون باردة، ونساء بفساتين تخطف الأنفاس وقلوبهن مسلحة بالصمت والدهاء.

كل من حضر لم يأتِ حبًا، بل احترامًا... وخوفًا من اسم فريدريك.

الجد فريدريك يتقدم، بثيابه الداكنة المطرزة بالخيوط الفضية، عصاه الفاخرة في يده، يمشي كالملك الذي لا يُزعزع.

كل من يراه، يهبط بعينيه احترامًا.

بجانبه يقف مارك وماثيو، وكل منهما يحمل صمته كنصل سيف.

و أبناءه و أحفاده يتوزعون في المكان و ينثرون قوتهم

هيكتور في الزاوية، يلتفت فجأة، فتصعقه الرؤية...

إيڤا، فستانها النبيذي الذي يظهر اكثر مما يخفي، تمشي واثقة، متعمدة، تضحك مع سيلفيا، وكأنها لا تعلم أنّ كل نظرة تسقط عليها تُشعل قلبه.

يضغط على قبضة كأسه الزجاجي، يحترق من الداخل، لكنها لم تلاحظ... أو تظاهرت بذلك.

........

ريكاردو كامورا، بثبات قائدٍ لا يلين، يمسك خصر سيرا بولوتشي بيده، تقف بجانبه بفستانها الأبيض المزركش بخيوط اللؤلؤ، فيما الخدم يُزيّنون الطريق بالورود البيضاء والذهب الخافت.

أصوات الكمان تُغني خلف الستار، والحضور من كبار المافيا والعائلات يراقبون المشهد بهيبة... الخوف، الاحترام، والدهشة تختلط في الأعين.

من بين الحشود، تقف إيلينا بثوبها الأحمر القاني، عيناها على ريكاردو...

قلبها يحترق، لكنها لا تنكسر.

أنفاسها ثقيلة، والدمع مهدور في الداخل، دون أن يُرى.

يصلان أمام القس، رجلٌ طاعن في السن، وجهه صارم، وصوته جهوري كأنه يقطع الهواء بسكين.

يتقدّم، رافعًا كتابه الثقيل، ثم يُلقي السؤال بصوت مدوٍ:

> "هل تقبلين، يا سيرا بولوتشي، بالزواج من السيد ريكاردو كامورا، في السراء والضراء، في القوة والضعف، في الغدر والإخلاص، تحت قسم الشرف وسلطة الدم؟"

سيرا، بابتسامة ناعمة، تهمس بثقة:

> "نعم، أقبل."

الجمهور يهمس، النساء يبتسمن، وبعض الرجال يغمغمون بإعجاب.

يتابع القس، عينه على ريكاردو:

> "وهل تقبل، أيها السيد ريكاردو كامورا، بالزواج من سيرا بولوتشي، في السراء والضراء، في الحرب والسلم، تحت راية العائلة وسيف الشرف؟"

ريكاردو، دون تردد، بنبرة ثقيلة وباردة:

> "أقبل."

لكن عيناه، للحظة، التفتت نحو إيلينا.

موقف خاطف... لكن إيلينا لاحظت.

قلبها انفجر في داخلها، لكنه لم يُسمع، لم يُرَ، لم يُعرف.

في تلك اللحظة، تقف كيارا خلف الحشود، يدها بيد ماثيو، تهمس له بخفة:

> "أليس الزواج أمرًا مخيفًا؟"

يبتسم ماثيو، يقرّب وجهه من أذنها:

"فقط إن لم يكن معكِ..."

فتضحك كيارا، وتدفعه بخفة بينما وجهها يكتسي بالخجل.

.......

وفي الزاوية الأخرى، إميليا تدور حول دايموند الذي يقف هادئًا، كتمثال حجري.

> "ألا يعجبك الحفل؟ انظر إلى الكعك! سأجلب لك قطعة!"

يرد دون أن يلتفت:

"لا أحب الحلوى."

"أنت لا تحب شيئًا!"

يُدير رأسه ببطء، يحدّق بها بعينيه الرماديتين الغريبتين، ويهمس:

"هناك أشياء لا تُقال يا إميليا..."

فتقف متجمّدة، ثم تضحك قائلة:**

"غريب! تركض بعيداً

........

القس، بصوته الجهوري، يرفع يده مُعلنًا:

> "والآن... فليختم العروسان هذا الاتحاد بقبلة الشرف."

لحظة صمت، يخترقها همس الريح، ورنين الكؤوس، ونبضات قلبٍ تحترق بصمت.

ريكاردو يلتفت نحو سيرا، لا يظهر عليه التردد، لكنه أيضًا لا يظهر عليه الشغف.

يضع يده على خصرها بلطف محسوب، يُقرب وجهه منها، يقبلها قبلة قصيرة، رسمية، أمام الجميع.

قبلة بلا دفء. بلا وهج. بلا اشتعال. قبلة واجب، لا قلب.

الحضور يصفّق، الموسيقى ترتفع، الورود تتساقط من الشرفة... لكن بين الحشود، تقف إيلينا، كأن الزمن توقّف لها وحدها.

لم تكن القبلة سوى سكين غرِزَ في قلبها، لكن وجهها ظل ساكنًا.

نظرة واحدة فقط تبادلتها مع ريكاردو بعد القبلة.

كانت نظرة محمّلة بكل ما لم يُقال.

نظرة فيها اعتذارٌ خفي، ونارٌ لم تنطفئ.

وفي تلك اللحظة، لم يلاحظ أحد أن يد سيرا كانت مشدودة على ذراع ريكاردو بقوة... وكأنها شعرت بتلك النظرة، وتملكها الحقد.

أما الجد فريدريك، الجالس في مقعده الذهبي، لم يصفّق، لم يتحرك، فقط ارتشف النبيذ ببطء، وحدقتاه لا تفارق حفيدته إيلينا

........the end........

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فـلانُـورسـا

المؤلف Rahaf
2025/07/25 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة