« أخبرتك بأننا بدأنا للتو» وأشار باتجاههم ثم أشار باتجاه عمار وقال: - دا عمار وأخته نيار عيال واحد صاحبي ربنا يرحمه" في تلك اللحظة دلف جمال بابتسامة منتصرة يضع فوهة سلاحهِ أعلى رأس تلك الفتاة لتعلوا الصدمة ملامح جميع الحضور فتلك الفتاة لم تكن سوا ميساء ليتحدث عبد المجيد بغضب قائلاً: - جمال نزل المسدس دا، أنت واقف في بيتي يعني تعرف حدودك" رمقهُ جمال بابتسامة صفراء بينما اقتربت ليل منهما وقالت ببرود: - مالك يا عمتو خايفة كدا ليه فكرك أني عشان مشفتكوش لتمن سنين مش هعرفك يعني" ثم أضافت بسخرية: - عيب برضوا تبقي عمتي ومتعرفنيش يا ميسو" في ذلك الوقت انحنت أبرار تهمس في أذن والدها قائلة: - هو ايه الي بيحصل بالضبط يا بابا" التفت لها مصطفى وقال: - دول يكونوا عيال سيد من عيلة الخضيري بس مفيش توافق بين العيلة والعيال دول" أجابته أبرار: - طب عايزة أعرف شخصية كل واحد فيهم يا بابا احكيلي عنهم كدا" نظر مصطفى إلى ليل التي ترمق عمتها باستفزاز وتبتسم ابتسامة منتشية وملامحها المنبسطة وهي تأخذ حقها منهم وقال: - عندك ليل البنت الوحيدة ليهم بس دا ميخليهاش الرقيقة الي فيهم، ليل دي رغم كونها بنت إلا أنها قوية تشوفيها من برا تحسيها قاسية وشديدة في تعاملها لكن هي غير كدا تماما هي مش بيبان عليها القسوة غير لما تحس أنها في مكان محتاجة تدافع عن نفسها فيه" قاطعته أبرار وهي تحدق في مروان تراقب تحركاته وقالت: - بابا أنا ليل أعرف عنها كل دا أنا عايزة مروان" ابتسم مصطفى وقال: - مروان دا احن واحد فيهم على ليل ويبان لكل الناس أنها أقرب حد ليه بتبقى معاه في كل مكان مروان يروح فيه، مروان هادي مش زي حسان بس تعامله مع الناس الغريبة بيبقى هادي ورزين كدا... " بتر حديثه صوت بثينة(ابنة عمها) وهي تقول بإنفعال: - أنتِ مجنونه يا ليل ابعدي عن عمتو" التفت الجميع لها ورمقتها ليل بشمئزاز وكادت تجيبها بحديثها الساخر لولا أن قطع حديث كريم عليها فعلتها بقولهِ: - ايه يا جدي هنقف نتخانق ولا نقعد ناكل مش أنت كنت بتعزمنا عشان الأكل برضوا ولا أنا غلطان؟" تنفس عبد المجيد يكتم غضبهُ وابتسم مجبرًا وقال: - طبعاً تعالوا نقعد على السفرة والأكل هيجي دلوقتي" نهض الجميع من أماكنهم واتجهوا نحو غرفة الطعام دلف الجميع وجلس جدها على رأس الطاولة وأعمامها وأبناءهم عن يسارهِ وهم يجلسون عن يمينهِ، نظرت ليل لتلك الصغيرة التي تجلس بجانبها وابتسمت لها تلثم رأسها وقالت بصوت هادئ: - اسمك ايه يا صغنونه" التفتت لها جودي بكامل جسدها وقالت بحماس طفولي: - أنا جودي وأنتِ" - أنا ليل يا صغنن، الي قاعدة جنبك دي أختك؟" نفت جودي برأسها وقالت: - لا دي ماما" نظرت ليل لأبرار وابتسمت بهدوء وكادت تتحدث مع أبرار ليقول زوج عمتها(ماجد): - مالكوا مش بتاكلوا ليه ولا الأكل مش عجبكوا" نظرت له ليل بطرف عينيها ثم نظرت إلى أنس ليعطيها أجابتها الشافية والتي لم تكن سوا هزت رأس تطمئنها بأن الطعام جيد لن يؤدي إلى أي ضرر لهم، فليل تعرف جيدًا هذه العائلة لا يمكن لها أن تثق بأحد منهم الذين يكونون سببًا بكل هذا الضرر لها ولأخوتها ألن يخطر في بالهم بأن يسمموا طعامهم، اخفضت ليل بصرها تنظر إلى طبقها ثم بدأت في تناول الطعام وكذلك أخوتها، ووسط كل تلك الجلسة عمار يشاهد فقط تلك الأجواء المشحونة تجعله يشعر بالضيق ونيار تراقب تهجم ملامح شقيقها والضيق البادي عليهِ، وهدى تستمتع بكل ما تراه يحدث، يعجبها جلوس ليل في وضع الدفاع، نظرت جودي للجميع وهي ترا هذه الأجواء المملة فقالت: - ايه رأيكوا نلعب لعبة حلوة" جذبت انتباه الجميع ينتظرون أن تقول ما هي هذه اللعبة لتبدأ جودي في الشرح قائلة: - بصو احنا هنبقى فاريقين والكبار هيختاروا حاجه يتنافس عليها أحسن اتنين ينفعوا فيها" ابتسمت ليل لهذه الفتاة الصغيرة وقالت بانبهار: - حلوة اللعبة دي يا جوجا" شعرت جودي بالسعادة تغمرها ثم قالت: - كنا بنلعب اللعبة دي في المدرسة عندنا" وافق الجميع على هذه اللعبة وكان أول من تحدث هو عبد المجيد وقال: - تمام هتبقى المنافسة على اللغة الانجليزية" ليقع الأختيار على لمار بينما قالت ليل: - مروان قوم عشان تلعب يلا ورينا مهارتك" شعرت لمار بالخوف، حقًا ألم يجدوا غيرهُ ينافسها هو أفضل منها بمائة مرة في هذه اللغة لكنها تنفست بعمق وبدأت المنافسة بينهم كانت حربًا لكنها بدون أسحلة حربٌ بالكلمات فقط وانتهت بانتصار مروان، ليجلس مروان مكانه بثقة، وقامت ميساء باختيار اللعبة لهذه المرة وقالت: - هتبقى في كرة السلة وعبد الرحمن هو الي هيلعب" ابتسمت هدى بمكر وقالت: - خلاص وليل هي الي هتلعب من عندنا" رمقها كريم بسخط وابتسامتها المنتشية تعلو وجهها لتبتسم ليل وقالت: - موافقة يلا على الحديقة الخلفية" بدأت تشعر بثينة بأنها تقوم بمراقبتهم فمن أين لها بأن تعرف بكل شيء، نهض الجميع عن الطاولة واتجهوا نحو الحديقة الخلفية لذلك القصر وقفت ليل مكانها باستعداد رغم أنها تتحامل على نفسها لكنها تتحامل ولا تظهر بهيئة الفتاة الضعيفة أمام هذه العائلة، بدأ اللعب وانتهى لصالح عبد الرحمن، ليصفر ماجد وقال: - ايوة حبيب أبوك رافع راسنا علطول" قلبت ليل عينيها بضجر ثم ذهبت وجلست بجانب كريم ليربت على كتفها وقال بلهفة: - أنتِ كويسة يا ليل اوعي تكوني حاسه بوجع ومش بتقولي لو تعبانه قولي وأنا اقوم واسيب المكان كله واروحك على البيت" ابتسمت له ليل بحنان وقالت: - متخافش يا كريم أنا كويسة والله وبعدين أنت عارف مش بخبي عليكوا اي حاجه" لثم كريم جبينها لتقول لمار هذه المرة وهي تنظر إلى ليل بشماتة: - بما أن ليل خسرت فاحنا هنختار تاني اللعبة هتبقى أوزان وأنس هو الي هيلعب" تحدث جواد وقال: - والي هيلعب من عندنا هو عمار" رمقهُ عمار بانزعاج لكنهُ لم يعترض ونهض دون أن ينطق بحرف وهذا ما لم يفهمه جواد ما سبب صمتهِ الدائم منذ أتوا إلى هنا ولماذا هو غاضب هذه ليست من عادات عمار أو صفاتهِ لكن انقطع حبل أفكارهِ عندما قال أنس بثقة وسخرية: - الأوزان هتبقى مية وأربعين كيلو هتقدر تشيلهم؟" ضحك عمار وكانت هذه المرة الأولى التي يُسمع فيها صوته منذ بداية هذه الجلسة واقترب من أنس يهمس له في أذنهِ: - أنوس أنا شيلت أكتر من كدا فمتفردش نفسك عليا يا حلو" أحضر الخدم تلك الأوزان ليحملها أنس أولاً وبدأ المؤقت في العد حتى وصل إلى أربع دقائق، رفع عمار حاجبه باندهاش ثم حملهُ هو حتى مرت تسع دقائق وكانت هذه اللعبة نقطة لصالح عمار، لينسحب عمار بعد ذلك وجلس على السُلم المؤدي إلى داخل القصر بينما جودي ظلت تبحث عنهُ حتى وجدتهُ جالسًا يضع وجههُ بين كفيهِ فذهبت إليه وقالت: - عمار أنت زعلان ليه" وأغرورقت عيناها ليضمها عمار إليه وقال بهدوء: - مش زعلان والله يا صغنونتي أنا تعبان شوية بس" ابتعدت عنه جودي وعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت: - أنت كداب مين مزعلك يا عموره" ضحك عمار على حديثها وقال: - محدش يقدر يزعلني يا روح عموره ماشي" كاد عمار يتحدث ليسمع صوت نداء أبرار على ابنتها لتقول جودي: - أنا هنا يا ماما " أتت أبرار وقالت لجودي بتوبيخ: - كام مرة قولتلك متبعديش عني ينفع كدا خضتيني عليكي" لتشير جودي نحو عمار وقالت بانزعاج: - ماما أنا مكنتش قاعدة لوحدي كنت مع عمار" نظرت أبرار خلفها فرأت عمار لم تكن قد لاحظت وجودهُ هنا من قبل لتبتسم أبرار بهدوء وهي تغض بصرها عنه وقالت: - عن إذنك" لكنهُ لم يجبها اكتفى بهز رأسهِ لتأخذ أبرار ابنتها، ثم توقفت كأنها تذكرت شيئًا ما ثم التفتت له وقالت: - علفكرة هما بيدوروا عليك عشان هيمشوا" ثم أكملت سيرها دون أن تنتظر أجابته وقالت لنفسها بصوت هامس: - ماله دا قلب أخرس كدا ليه ما كان بيتكلم علطول مع جواد" لتنظر جودي لوالدتها وقالت: - ماما كنتي بتقولي حاجه" - لا يا حبيبتي مقولتش حاجه" ذهبت لهم أبرار فوجدتهم مجتمعين وليل تعانق والدتها ثم ابتعدت عنها وقالت بمزاح: - كدا يا سوسو بنتك تيجي من السفر ومتقوليش ليا برضوا ازعل أنا دلوقتي" ليضربها مروان على عنقها وقال من بين أسنانه: - عيب يا بنت مينفعش تكلمي طنط كدا في حاجه اسمها احترام" لتنظر له سارة بحزن وقالت: - مالك يا مروان وأنت عايزها تتعامل معايا رسمي ولا ايه اخس عليك دا البت كانت بتقعد معايا أكتر منكوا" تحدث مروان ينفي ما قالتهُ بقوله: - والله أبداً مقصدش كدا بس لازم يكون في أدب مع الكبير برضوا ولا ايه يا ست ليل" وقفت ليل تعقد يديها أمام صدرها تلاعب حاجبيها باستفزاز لمروان لتقترب منهم أبرار في ذلك الوقت ووالابتسامة تزين ثغرها هؤلاء الإخوة ينشرون السعادة حولهم في هذا المكان ليأتي جمال ويمسك ليل من كتفها وقال: - أنتِ يا بت مش دا خمار أمي برضوا ولا أنا بتخيل" ابتسمت ليل ببلاهة وأمسكت الحجاب تنظر له ثم قالت بدهشة مزيفة: - ايه دا ازاي جه هنا أنا اديته لأمنية ميخصنيش بقى" لتقترب أمنية منهم وقالت: - خلاص يا جمال سبها على راحتها هي اخدت الإذن مني" لتخرج له ليل لسانها ثم دفعتهُ للخلف وركضت وخلفها جمال هؤلاء الأطفال حقًا يستحقان لقب الأطفال من يراهما يظن بأنهما يملكان عقول أطفال في أجساد شباب وصلت ليل إلى حيث يقف حسان وأميرة عند عربتهِ وقالت من بين ضحكاتها: - حسان خبيني بسرعة جمال هيجي يموتني دلوقتي" وقفت ليل خلف حسان وجمال أمامه وقال بحنق: - ماشي يا ليل أنتِ بتعملي كدا معايا وقدام الناس أنا هوريكي" ظلا يركضان حول حسان هي تحاول الإفلات من بين يدي جمال وجمال يركض خلفها وأقسم بأنه لن يتركها وشأنها، ليصرخ بهما حسان فقد فاض بهِ الكيل: - اسكتوا بقى وجعتوا دماغي اتخانقوا في البيت مش هنا" لتسمع ليل صوت ضحكات لتلتفت فتجد جودي تضحك عليهم لتذهب لها ليل وانحنت على ركبتها وقالت: - ايه احنا بنضحك اوي كدا" لتتحدث جودي بعفوية وحماس قائلة: - شكلكوا كان قمور اوي أنا بابا كان بيلعب معايا كدا من سنتين علطول كان يخرجني ونجري في الحديقة ورا بعض بس ...." توقفت جودي عن الحديث ونظرت إلى والدتها لتجد ابتسامة والدتها قد ذهبت وحل محلها التهجم والإنزعاج نظرت لها ليل شعرت بأن هناك شيئًا خاطئًا لكنها قالت تغير مجرى الحديث: - يلا يا جماعة عشان نروح أنا جعانة ملحقتش اكل حاجه في القصر الغريب دا" صعد الجميع كل منهم إلى عربتهِ وجلست أبرار تفكر في سبب أختفاء زوجها عنها خلال هذان العامان أحقًا لا ينوي العودة مجددًا من أجلها أو حتى من أجل ابنتها التي تركها واختفى عامين لا أحد يعرف عنه شيء إن كان لا يريدهما فلماذا تزوجها منذ البداية بدأت تلك الأفكار السوداوية تعود لها هل تخلى ريان عنها حقًا مر عامان وهي لازالت لا تصدق بأنهُ قد يهرب ويتركها وحدها هكذا ليخرجها من شرودها جودي وهي تعانقها قائلة: - أنا آسفة يا ماما مكنتش اقصد اتكلم عنه بس لما شوفتهم بيجروا كدا افتكرتهُ علطول" ضمتها أبرار إليها بقوة وقالت: - ولا يهمك يا روح ماما كفاية أنك تكوني مبسوطه وكويسة وأنا هبقى مبسوطه ماشي، يلا امسحي دموعك دي عشان وصلنا" انصاعت جودي لأوامر والدتها ومسحت دمعتها الهاربة من بين جفونها ونهضت لتفتح أبرار الباب وتترجل كلتاهما فوجدا ليل تقترب من المكان وهي تبتسم وقالت بمزاح: - شوفتوا قررت أمشي وراكوا واطمن عليكوا" قال مصطفى بخوف عليها فهي فتاة تربت على يد زوجتهِ وهي بالنسبة لهُ مثل ابنتهِ الصغيرة التي لم ينجبها وهي أيضًا حسنًا ليبقى السبب الأخير سرًا: - ليه تتعبي نفسك يا ليل أنتِ لسه تعبانه ورجلك اكيد وجعاكي" - لا أبداً يا عم مصطفى أنا كويسة والله وبعدين اصلا أنا طالعه لزيد هنا قاعده عندهم الفترة دي" عقد مصطفى ما بين حاجبيه لتفهم ليل أنه يستفهم السبب عن ذلك لتقول بقلة حيلة: - مشاكل مع هدى تاني بس المرة دي أكبر من اي وقت" ربتت سارة على كتفها وقالت: - ربنا يهديها هدى دي مش عارفه ايه مشكلتها معاكي" لتبتسم ليل بغموض وقالت كلمات مبهمة وهي تتركهم وتصعد إلى الأعلى: - بس أنا عارفه ايه هي المشكله" ثم صعدت إلى الأعلى وطرقت ليفتح لها زيد ليبتسم بحب وقال: - أنتِ كويسة" أماءت له ليل ليبتعد من أمام الباب لتدلف ليل بهدوء غير المعتاد ثم ذهبت باتجاه غرفة رزان دون أن تتحدث مع أحد ليقول أشرف لزيد: - هي ليل مالها دي" رفع زيد كتفهِ دلالة على أنه لا يعرف ما بها ثم أستأذن من والدهِ وذهب إليها طرق باب الغرفة فلم بجد منها جوابًا شافيًا له ليدلف زيد فوجدها تجلس على الأرض تنظر إلى الأرض ليجلس زيد أمامها وقال بلهفة: - مالك يا ليلي حد زعلك هناك" لم تجبه ولم تنظر له ليرفع زيد وجهها لتتقابل نظراتهما وكانت تلك مرتهُ الأولى التي يرى الدموع في عينيها لتبعد ليل وجهها عنه تخفي دموعها لا تريد أن تظهر بهئية ضعيفة أمام أي أحد ليضمها زيد لهُ وقال بحنان: - مش عارف مين الي مزعلك بس وقت ما تحبي تيجي تحكيلي أنا موجود زي وجود مروان وجمال في حياتك وقت ما تحتجايني متتردديش لحظة في أنك تيجي عندي وتطلبي كل الي نفسك فيه واي حاجه مزعلاكي أنا امحيها من على وجه الأرض ولا أني أشوفك كدا يا ليلي" وابتعد عنها ينظر إلى عينيها العسليتان ثم لثم جبينها بحنان قائلاً بمزاح: - وبعدين تشتكي لابن أخوكي وجت على جوزك ومش عايزة اخس عليكي" لكزته ليل وقالت بانزعاج: - بتقارن نفسك بجمال دا جمال معايا في كل حاجه من وأنا عيلة صغيرة هتهزر يا زيد" لينهض زيد عن الأرض وقال بهدوء: - لا مش بهزر يا ليلي واصبري هجيب الحاجه عشان اغيرك على الجرح" ثم خرج من الغرفة وأحضر الأشياء ثم جلس بجانبها على الأرض مرة أخرى يقوم بتعقيم الجرح ويغير ذلك الشاش الذي يوضع عليه ثم ابتسم برضا وجمع الأغراض ثم أولاها ظهرهُ ليخرج فقالت ليل: - شكراً يا زيد" التفت لها وقال بحنان: - الشكر دا للناس الغريبة عنك يا ليلي مش ليا" ثم خرج لتنهض ليل عن الأرض وابتسامة سعيدة تزين محياها ثم صعدت على الفراش لترتاح من عناء هذا اليوم الطويل. __________________________ « لا تظن بأن عودتك ستغير شيء؛ فقد انتهى» في ذلك الليل الحالك عيون تنام وأخرى يجافيها الأرق لا تترك مجالاً لصاحبها ليرتاح في ذلك الوقت المتأخر من الليل كانت أبرار تجلس في غرفة المعيشة تطالع كل شيء وكأنها تبحث عن ما يشتت ذهنها عن الماضي لترى ذلك الإطار يوضع على وجههِ لا يظهر ما بداخلهِ لتأخذهُ عن الطاولة وإذ الصورة تعود لها من الأساس عندما كانت ابنة الثلاث سنوات تحمل لعبتها المحببة إلى لقبها وبجانبها جواد يبتسم وهو ينظر إليها وهي منشغلة بتلك اللعبة تلك اللقطة ما زالت محفورة في عقلها لا تذهب شعرت أبرار بيدٍ توضع على كتفها لتلتفت بسرعة فوجدتها والدتها، ابتسمت لها سارة وجلست بجانب أبرار وضمتها إلى صدرها تمسد على خصلات ابنتها وقالت: - متحطيش في بالك في أبرار متعرفيش فين الخير، دا حتى ربنا قال في القرآن «وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرّ لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون» فمتزعليش ربنا مقدر الخير ليكي دا بلاء وربنا إذا أحب عبدًا ابتلاه يا تكفير عن سيئاتك يا تاخدي على صبرك على البلاء دا حسنات، فاصبري واحتسبي الأجر" تنهدت أبرار وقالت بيأس: - طب لما هو مش عايزني كان طلقني دا كان يبقى أهون بالنسبة ليا مش يبقى اسمي متجوزة وهو اصلا ميعرفش أنا فين ولا يعرف عني حاجه ولا أنا اعرف عنه حاجه ليه يهرب طب أنا مثلا مش هفرق معاه طب وبنته هي كمان متفرقش معاه يا أمي هو في أنسان يعمل كدا بجد" ربتت سارة على ظهرها بحنان وقالت: - ربنا هيعوضك خير يا روحي فوضي أمرك لله فقط وكل حاجه هتبقى بخير" ابتسمت أبرار وعانقت والدتها بقوة قائلة: - ربنا يحفظك يا أمي" لثمت سارة جبينها وقالت: - يلا ادخلي نامي مع جودي ومتسبيهاش لوحدها" أماءت أبرار لها وذهبت إلى غرفتها وضمت ابنتها إلى أحضانها وأغمضت عينيها تدعو الله أن يزيح هذا الألم عن قلبها. __________________________ « هذا المكان الذي ولدت بهِ أجبرت على الرحيل عنه» في صباح اليوم التالي.... كانت مليكة تتأكد بأنها جمعت كل شيء يخصها ثم خرجت من الغرفة ونظرت إلى المنزل كأنها تودعهُ لتناديها والدتها لتذهب لها ملكية لتقول منيرة: - يلا يا لوكة عشان نمشي العربية تحت البيت" صعدت مليكة إلى العربة وبجانبها والدتها لينطلق السائق ذاهبًا إلى السويس شردت مليكة في الطريق وظلت تفكر هل فُرج كربها والحمد لله بعد كل هذه السنين لن تعاني مرة أخرى من رؤية حسام يقطع طريقها مرة أخرى انتهى كل شيء لتبتسم مليكة تلقائيًا تشعر بأن همًا قد أزيح عن كاهلها مرت الساعات حتى وصلا إلى السويس ونزلتا أمام المنزل وذهب السائق لتقول مليكة: - ماما مش هي العمارة الي كنا ساكنين فيها قديمة مالها بقى شكلها كدا ليه" نظرت منيرة للبناية لتجدها كبيرة تتكون من عشرة طوابق ولها بوابة ولها حارس أيضًا انكمشت ملامح منيرة وقالت: - هو السواق نزلنا في مكان غلط يا بنتي أنا متأكده أن البيت كان هنا" كانت ليل تسير مع رزان عائدتان من الدرس لتقول رزان: - هما مال الاتنين دول واقفين قدام العمارة الجديدة كدا ليه" هزت ليل كتفها دلالة على أنها لا تعرف ثم سارت نحوهما تستأذن منهما وقالت باحترام: - معلش هو حضرتك محتاجه مساعدة" التفتت لها منيرة وقالت: - اه يا بنتي تعرفي العنوان هنا ايه عشان حاسه أننا توهنا" - العنوان******* ودي العمارة رقم***" شعرت منيرة بالحيرة حسنًا هذا هو منزل والدها لكن لماذا هو بهذا الشكل لتقول منيرة بحيرة: - بس يا بنتي مش العمارة دي كانت قديمة" شعرت ليل بالريبة وكذلك رزان لتهمس رزان في أذنها: - أنا الست دي مش مريحاني" لكزتها ليل في معدتها وابتسمت للسيدة وقالت: - اه هي كانت قديمة بس اتعرضت للبيع من أول السنة وأخويا اشتراها هي والأرض الي حوليها دي كلها واتبنت ومكتب أخويا الجديد في العمارة هنا وفي اتنين سكنوا فيها بس حضرتك بتسألي ليه" خارت جميع قوى منيرة لم تكن تريد أن تظن بأن أخوتها قد يفعلوا شيئًا كهذا أكلوا حقها في منزل والدها ببيعهم له دون أخبارها لمعرفتهم بأنها لن تقبل بأن يضيع أخر ما تبقى لها ذكرى من والدها لتهوي على الأرض لتركض لها مليكة بلهفة واقتربت ليل وقالت: - طنط حضرتك كويسة طب اتفضلي معانا العمارة جوا اقعدي عقبال ما اتصل بأخويا ونشوف الحوار دا ايه ماشي" أماءت لها منيرة لتساندها كل من مليكة وليل وخلفهما رزان وهما تدلفان من البناية سمعن صوت نباح كلب فشعرت مليكة بالخوف وكادت تتراجع لتقول ليل بهدوء: - متخافيش" ثم التفتت إلى الكلب وقالت بصرامة: - دهب اسكت محدش غريب دخل البيت هما معايا" ليهدء الكلب ويجلس أرضًا لتجلسها ليل على الكرسي ثم قالت لمليكة: - لو سمحتي تعالي معايا نتكلم برا، وأنتِ يا رزان هاتي لطنط مية وخليكي معاها شوية عقبال ما كريم يجي" استمعت رزان لحديثها لتخرج ليل ومليكة وجلستا على أعتاب باب البناية لتقول ليل: - أنتِ اسمك ايه؟" - مليكة، وأنتِ" - ليل أنا ليل" أماءت لها مليكة وعم الصمت بينهما قليلاً لتقطعهُ ليل بقولها: - عايزة افهم دلوقتي أنتوا جيتوا هنا ليه وايه سبب الي حصل لطنط وأنتوا جايين من فين" تنهدت مليكة ثم قالت: - احنا جايين من القاهرة أمي اصلها من هنا وأبويا اصله من المنصورة بس عاشوا هناك عشان شغل بابا لحد ما أنا كبرت، ماما حبت ترجع بما أن بابا توفى من سنتين ربنا يرحمه يعني وقالت ترجع للشقة الي اخدتها ورث من أبوها واتاري العمارة اتباعت واتهدت واتبنى واحدة غيرها واحنا منعرفش" نظرت لها ليل بشفقة ثم قالت: - أول حاجه ربنا يرحم والدك يا رب ثانياً الي فهمته من كلامك أن البيت اتباع من غير إذن كل الي ليهم حق فيه والي هي والدتك صح" أماءت لها مليكة وقبل أن تتحدث كان كريم يقف أمامها وقال بدهشة: - ليل بتعملي هنا ايه" لتنهض ليل بهدوء وقصت على شقيقها كل ما حدث ثم قالت: - وطنط قاعدة جوا دلوقتي ادخل اتكلم أنت معاها" دلف كريم وخلفه ليل وبجانبها مليكة ليلقي عليها السلام لتنهض عن مكانها عندما رأته وقالت: - كريم سيد المحامي هو أنت الي اشتريت البيت هنا" طلب منها كريم الجلوس ثم جلس على الأرض ينثر كامل هيبتهِ كما يُنثر التراب وقال بأدب: - بصي يا طنط اول حاجه متحطيش لقب المحامي دا جنب اسمي لأن مش معنى أنه رفع من شأني أني بحب من حد تصرف زي دا ورهبة مني مش بحب كدا تاني حاجه أنا لما اشتريت البيت دا مسعد قالي أنه باعها بموافقة ورضا بكل من ليهم حق فيها وبما أنك مكنتيش موافقة ومكنتيش تعرفي اصلا فشوفي الشقة بتاعتك كانت في الدور الكام واطلعي ليها وأنا هخلي ليل تجبلك المفتاح بتاعها" نفت منيرة برأسها وقالت: - يا ابني بس الشقة هنا باين عليها كبيرة وجديدة وحاجه كدا اللهم بارك وأنا شقتي كانت صغيرة" ابتسم كريم وقال بإصرار: - يبقى دي رزق من ربنا ليكي وإن كانت كبيرة وهيبقى ليا حق فيها فأنا مسامح بس مقدرش أخد حق حد وأظلمه يا طنط" ابتسمت له منيرة بامتنان وقالت بسعادة: - ربنا يسعدك يا كريم شبه أمك وأبوك طول عمرهم يسامحوا ولا يقبلوا يظلموا حد" ليقول كريم بصوت خافض: - ربنا يرحمهم، المهم الشقة بتاعتك كانت في الدور الكام" - كانت في الدور التالت" ليقول كريم لليل: - روحي هاتي مفتاح الشقة من البواب" لتقول ليل: - حاضر" خرجت ليل وأحضرت المفتاح وأعطتهُ لمنيرة وقالت: - رقمي مكتوب على ورقة اهو ولو احتجتوا حاجه رنه بس وهكون عندكوا" لتقول رزان بسخرية: - ليه يا ختي كنتي بتتنقلي عبر بوابة زمنية" رمقتها ليل بتهكم وقالت: - هههه ضحكتيني" وألقتها بدفتر صغير وقالت بحنق: - غوري من وشي يا رزان عشان مخلصش عليكي" نفخت رزان وجنتيها بغضب وخرجت من البناية تنتظر ليل بالخارج ولحقتها ليل بعد أن ودعت منيرة ومليكة وخرجت لرزان فوجدتها تعقد ذراعيها أمام صدرها بانزعاج لتقول ليل بوعيد: - أنا هوريكي يا رزان بتستخفي دمك قدام الناس" ابتسمت لها رزان بسمة صفراء وقالت تستفزها: - اصل الصراحة مش لايق عليكي دور البنت المؤدبة" لم تكد ليل تقترب منها حتى ركضت رزان لتقول ليل: - والله ما هسيبك" ثم انطلقت خلفها مثل الريح. __________________________ « قطعت وعدًا ألا أعود؛ وعدت» عندما تتكالب عليك الظروف ويقسم الجميع بأنهم لن يتركوا لك ثغرة للهرب من خوفك تسقط في أكثر بقاع الأرض ضيقًا ألا وهي الاضطراب، اهتز هاتفهُ معلنًا عن اتصال فأجاب عمار وألقى السلام على شقيقتهِ لتقول نيار بقلق: - عمار أنت كويس، طول القعدة امبارح وأنت ساكت خوفتني عليك" استلقى عمار على الأريكة باسترخاء وقال بلا مبالاة: - لا كويس يا نوني متخافيش وبعدين مكنتش طايق حد من العيلة دي" زادت الحيرة بداخل نيار لم تعد تفهم سبب ما يفعلهُ عمار لتقول نيار: - عمار قول الحقيقة في حاجه وأنت بتخبي عليا وبعدين أنت امتى شوفت حد منهم عشان متبقاش طايقهم" صمت عمار قليلاً وعض على شفتيهِ لا يحب الكذب عليها لكنهُ لا يستطيع أخبارها بالحقيقة، لماذا دائمًا يكون هو طرفًا في كل شيء ويصل إلى ما لا يعود إليه، فماذا كانت علاقتهُ بهذه العائلة ليشهد ما شهدهُ هو في ذلك اليوم، وليشهد ذلك البلاء الذي سقط على كل من عاش في ذلك المكان ودبَّ الرعب في أوصال كل من سمع عنه، دام صمتهُ طويلاً لتقول نيار بلهفة: - عمار أنت معايا" أماء عمار لها وقال: - معاكي يا نوني" لترفع حاجبها وقالت بشك: - عمار أنت مخبي عني ايه" تنهد عمار وأخذ نفسًا عميقًا ثم قال: - مش مخبي عنك حاجه يا نيار أنا بس مش مرتاح ناحيتهم وأنتِ عارفة لما مش ببقى طايق مكان مش بتكلم فيه خالص" حاولت نيار أن تصدق حديثهُ وقالت بيأس بعد سماعها لصوت بكاء ابنتها: - طب سلام يا عمار هشوف البت الزنانه الي كل شوية تعيط دي" ابتسم عمار قائلاً: - ربنا يكون في عونك بقى" وأغلق معاها ثم ارخى جميع عضلاتهِ يحاول نسيان ذلك اليوم لا يريد تذكر أي شيء يعود لتلك الليلة، يشعر بتأنيب الضمير لأنه كان بإمكانهِ المساعدة لكنه رغب عنها ولم يفعل ذلك خوفًا مما قد يصيب أهلهُ وقد أصابهم في النهاية، نهض عمار بغضب وألقى بكل ما طالتهُ يدها على الأرض وصرخ يمسك رأسهُ وكأنه بهذا سينسى تلك الليلة، وفجأة انقطعت الكهرباء ووضع ذلك النصل الحاد البارد على عنقهِ و #يتبع ____________________________ _Raghad salem « لا تلعب مع الكبار وأنت بهذا الحجم وإلا خسرت ما بين يديك وما خلفك» ومتنسوش أخواتنا في غزة من دعائكم أن ربنا ينصرهم ويفرج كربهم ويعزهم أحبكم في الله ♥
Raghad hijazi