* صَدَى الْوَرْدِ وَالصَّمْتْ *

* صَدَى الْوَرْدِ وَالصَّمْتْ *

12 0

♔ ظلالٌ لا تنام ♔ كانت السماء رمادية، كأنّها تشارك الأرض الحداد، عندما توقفت السيارات تباعًا أمام بوابة قصر "ديلمارك" المنيف\. الطقس بارد، والهواء يحمل معه رائحة المطر القديم، والحديد الصدئ، والذكريات المنسيّة\. تقدّم "فيكتور" أولًا، كانت ملامحه مشدودة، كتفيه متوترتين، وذقنه مائل قليلًا كما لو أنه يسمع همسًا قادمًا من جدران القصر\. في خلفه، نزلت "فيرا" ببطء، تلف جسدها بمعطف رمادي طويل، عيناها تراقبان البوابة الكبيرة كأنها تواجه ماضيًا لا تذكره، لكنها تشعر به في عمق قلبها\. "روسانا" خرجت من السيارة وهي تربط شعرها بإهمال أنيق وتتأمل المكان بفضول مشوب بالحذر، وخلفها كان "ليو" يتثاءب بتكاسل متعمد وقال مازحًا: " كم قصر مهجور يجب أن نزور قبل أن نترقى؟" ضحكت روسانا بخفة: "عندما تبلغُ من العمرِ ما يجعلكَ تخشى الصعودَ إلى الأماكنِ المرتفعة\.\.\. فاعلمْ يا ليو، أنّكَ قد شِختَ حقًّا\!" وفي اللحظة نفسها، توقفت سيارة أخرى، نزل منها "ثيم" بخطوات سريعة، وعيناه تلمعان بحذر خافت\. لم يقل شيئًا، فقط أخرج دفتره الصغير من جيبه وفتح الصفحة المخصصة لهذا المكان\. أخيرًا، خرج "إيلياس" من سيارته، كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وشاله ملتفًا حول عنقه بطريقة أنيقة، يتأمل الواجهة وكأنه يتذوق التاريخ المكسور داخل القصر\. اقتربوا جميعًا من البوابة، فتحتها الشرطة الجنائية، وظهرت أمامهم حديقة مهملة، أعشاب متشابكة، وتمثال رخامي مائل فقد أحد جناحيه\. همس إيلياس: " هذا المكان لا يستقبل الزوار\.\.\. بل يبتلعهم\." دخلوا القصر\. الدرج الخشبي يئن تحت أقدامهم، والغبار المتراكم كأنّه طبقة من النسيان تُخفي كل الأسرار\. رائحة العفن والورق القديم تملأ المكان\. في وسط القاعة الكبرى، كانت الجثة\.\.\. رجلٌ خمسيني، بوجهٍ مألوف لبعضهم، يدعى "مارك بيلسون"، موظف رفيع سابق في وزارة العدل\. ملقى أرضًا، بجواره رقعة شطرنج، وقطعة واحدة فقط وُضعت عليها: الوزير الأسود\. نُحت عليها رقم 4، منحوتة بحدة في القاعدة، وكأنها وُضعت لترتجف في قلوبهم لا على الأرض\. وقف الجميع في صمت ثم تنحنح ثيم وقال: " اربع ضحايا\.\.\. وكلهم ينتمون لطبقة واحدة\. نخبة العدالة عدالة مقلوبة" همست فيرا: " القاتل لا يقتل عشوائيًا، هو يعزف لحنًا\.\.\. ونحن نعجز عن قراءة النوتة لكن زوجة القاضي واللاعب ليسو من نفس الطبقة " أجابها فيكتور بصوت هادئ: " زوجة القاضي تحمل معها اسرار قد تكشفه، وأما اللاعب بعد تحقيقي في خلفيته وجدت ان والده مدعي عام مشهور لكنه توفي، لهذا كان هو الضحية لعدم وجود والده" نظر إيلياس حوله بتمعن، اقترب من الطاولة التي كانت قرب الجثة، وأخذ يتفحص الغبار، ثم قال وهو يرفع حاجبه: \- لم تكن الجريمة هنا فقط\.\.\. كانت هنا محاكمة\. أشار إلى أحد الكراسي المحطمة، وإلى كأس مكسور على الأرض\. ثم رفع ورقة ممزقة وقرأ بصوت عالٍ: \- "إن عاد الظل، فلا تنظر إلى النور\.\.\. فهو لن يُنقذك\." سكتت الغرفة\. حتى ليو الذي كان دائمًا ما يكسر الصمت، اكتفى هذه المرة بالنظر\. روسانا تمتمت: \- هذا ليس قاتلًا\.\.\. هذا كاتب مهووس\. ابتسم إيلياس بسخرية خفيفة، وقال بصوتٍ شبه مسموع: \- بل شاعر دموي\. ثم نظر إليها للحظة\.\.\. عيناه تلاقتا بعينيها، للحظة فقط، لكنها كانت لحظة طويلة بما يكفي ليشعر بجوفه يتقلّب، بشيء لا يُشبه أي شعور اعتاده\. همس داخله: "تضحكين كثيرًا يا روسانا\.\.\. لكني أرى خلف ضحكتك وطنًا غائمًا\.\.\. ربما أنا غريب فيه، وربما كنتُ أنتمي له يومًا\." أشاح ببصره، كأنّه خجل من فكرة لم يُكملها\. في زاوية الغرفة، كان ثيم يمرر يده على تمثال صغير مكسور وعيناه نصف مغمضتين، كأنّه في حلم يقظ\. "نيسا\.\.\. كنتِ تبيعين الورد كأنك تزرعين الأمل في الشوارع والآن، أبحث عنك في الخراب\.\.\. حتى رائحة الدم، لا تُخفي صورتك من ذهني\." فيكتور، الذي بقي صامتًا، تقدّم نحو الجثة، جلس على ركبتيه وفحص الرقعة\. قال بهدوء: \- قطعة الوزير\.\.\. رقم خمسة\.\.\. خمسة من سبعة\. ثم رفع رأسه، ونظر نحو الجميع: \- القاتل لم ينتهِ\.\.\. بل اقترب من نهايته\. نظر إيلياس إليه: \- أو\.\.\. من بداية لعبته الحقيقية\. فجأة، صاح زيوس : \- سيدي\! وجدت هذا في السقف، فوق الثريا\.\.\. شيء عالق هناك\. أُحضِرَت سلّم، وصعد أحدهم، وعاد بعلبة صغيرة سوداء، بحجم كفّ اليد\. فتحها فيكتور بحذر\. في داخلها، وُجدت قطعة شطرنج مكسورة\.\.\. الملك الأبيض\. سقط الصمت\. نظرت فيرا إلى فيكتور\.\.\. قلبها ارتعش\. شعرت بشيء لا يمكن تفسيره\. الملك الأبيض\.\.\. هذا يعني شيئًا\. همس إيلياس: أحيانًا\.\.\. الملك لا يُقتل\. يُخنق\.\.\. بالصمت\. ثم نظر إلى روسانا، التي شعرت بشيء يشبه الحمى يجتاح خديها، فابتعدت بخفة، تتظاهر بأنها تُدوّن ملاحظات\. ليو التفت للجميع وقال بخفة: هل من أحد جائع؟ أقسم أن هذه الروائح تذكرني ببيت جدتي عندما كانت تطبخ الحكايات مع الحساء ضحك الجميع بخفة رغم التوتر\. حتى فيرا ابتسمت، وقالت: \- جدتك كانت تعرف كيف تُرعب الناس أكثر من القاتل\. قال ثيم: وأنا كنت أظن أن نيسا هي الوحيدة القادرة على تخويفي بوردة\. ثم ضحكوا مرة أخرى، كانت لحظة قصيرة\.\.\. لكنها جعلت شيئًا في هذا القصر المخيف يبدو إنسانيًا سقطَ صمتٌ ثقيلٌ فوق القاعة، كأنَّ جدران القصر تختزنُ أنفاسهم لتسقي بها ظمأ الحقيقة "الملك الأبيض"، آخر ما توقّعه احد \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ ❥\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-\-❥ : POV ILYAS تأمّلتُ القطعة المحطّمة بين يدي "فيكتور"، شعرتُ بشيءٍ يشبه الوجع، وجعٌ قديمٌ عاد يطلّ برأسه من رماد الذاكرة\. لم تكن روسانا تتحدث، كانت تنظر فقط، بعينيها المضيئتين بشيءٍ لا يُشبه الفضول\.\.\. بل الحنين، أو الارتباك، أو كلاهما\. منذ متى بدأتُ أراقبُ ضحكتها بهذا الانتباه؟ ربما من أوّل مهمة، أو لعلّها لحظة أن أمالت رأسها ذات مرّة وسألتني إن كنتُ أكتب الشعر سرًا\.\.\. ضحكتُ وقتها، لكنني لم أخبرها الحقيقة\. الحبُّ؟ لا، لقد دفنته منذ سنوات، حين غادرت "أماليا " حياتي وأخذت معها النور\. لم أعد أؤمن بالحبّ، بل أصبحتُ أخشى خفّته، أخشى أن يُعيدني إلى الحياة ثم يتركني فيها وحدي\. لكن روسانا\.\.\. لا تُشبه أحدًا ضحكتها ليست جميلة فقط، بل مخلوقة من شيء يوجع، شيء يُشبه الوطن الذي لا أستحقه\.\* "إيلياس؟" جاء صوت "فيكتور" ليقطع سيلَ أفكاري، فرفعتُ بصري بسرعة\. أجابني: "علينا الخروج الآن، الشرطة ستغلق المكان للتحليل الكامل خارج القصر، كان الهواء باردًا لكنّه نقيّ، بعد كل تلك الرطوبة والغبار\. ركبنا السيارات مجددًا، وقرّرنا التوجّه إلى أحد المطاعم القريبة لتناول الطعام ومراجعة التفاصيل\. كان مطعمًا خشبيًّا صغيرًا عند زاوية شارعين، دافئًا، ومُضاءً بأضواء صفراء خافتة\. جلسنا جميعًا حول طاولة مستطيلة قرب النافذة\. كان ليو يطلب كل أنواع الأطباق دفعة واحدة، كأنّه يهرب من الجريمة بالشهية\. جلستُ قرب فيكتور، بينما جلست فيرا قرب روسانا، وثيم جلس مقابلنا لكني لاحظت أنه ما إن دلفنا المطعم، حتى توقّف فجأة\. عيناه ثبتتا على فتاة تقف عند الباب\.\.\. تبيع الورود\. فتاة ترتدي فستانًا بسيطًا بلون السماء المعتمة، تحمل سلّةً صغيرة، وعينان واسعتان فيهما حزنٌ لم يُفسَّر\. قالت فيرا بدهشة: \_\_"نيسا؟" اقتربت الفتاة بخطوات هادئة، ابتسمت برقة: \_\_"فيرا\.\.\. لم أتوقّع رؤيتك هنا\." عانقتها فيرا بشوق واضح، ثم التفتت نحونا: \_\_"هذه نيسا\.\.\. ابنة عمّي\. نلتقي نادرًا\.\.\. هي تبيع الورود عادة في الجهة الأخرى من المدينة، ماذا تفعلين هنا؟" أجابت نيسا بخجل: \_\_"قيل لي إن هذا الشارع مزدحمٌ بالناس، أردت بيع بضع وردات لأشتري دواء لأخي\." عندما نطقت جملتها، شعرتُ بقلب ثيم يرتجف كان ينظر إليها كما ينظر العطشان إلى حقلٍ نديّ لم يتكلّم لكنّ عينيه قالتا كل شيء\. قالت فيرا وهي تبتسم: \_\_"تعالي اجلسي معنا، نحن نأكل فقط، وسنشتري كل وردك بعد الطعام\." أحرجها العرض، لكنها جلست بخجل بيني وبين ثيم\. لاحظتُ أن يد ثيم كانت ترتجف قليلًا وهو يقلب الملعقة، وأنه يتعمّد ألا ينظر إليها مباشرة\. سألها ليو وهو يقضم قطعة خبز: \_\_"من علمك بيع الورد؟" أجابت نيسا بهدوء: \_\_"لا أحد\.\.\. أبي كان يزرعه، وأنا صرت أقدّمه للناس كأنّه رسالة لا بضاعة\." قال ثيم، أخيرًا، بصوت منخفض: \_\_"كل وردة تبيعينها\.\.\. كم تفقدين منها في قلبك؟" رفعت نيسا نظرها إليه ولوهلة، ساد الصمت الطاولةو قالت: \_\_"إن لم أفقد منها شيئًا، فلن يكون لها أثر في قلوب الآخرين\." شعرتُ بشيءٍ يضيء في عيني ثيم، كأنّه وجد ما ظلّ يبحث عنه دون أن يعرف\.\.\. كأنّ نيسا كانت نغمةً نائمة في لحن حياته المبعثر\. انتهينا من الطعام\. جلسنا بكسل خفيف، نحتسي القهوة ونتبادل تعليقات خفيفة\. لكن فيرا كانت تفكّر\. قالت فجأة: \_\_"أتعلمون؟ هناك شيء لا أستطيع تجاوزه\.\.\. كل الضحايا يملكون شيئًا مشتركًا، ليس فقط الطبقة، بل الصمت\." سألتها روسانا: \- "ماذا تقصدين؟" أجابت: "كل ضحية لم يتكلّم في قضية ما\. إما أنه سكت عن ظلم، أو كان جزءًا من تسوية، أو أغلق فمه مقابل المال\. القاتل يكره الصمت\." قال فيكتور: \_\_"لهذا ختم الورقة بعبارة \(الصمت لا يُنقذك\)\.\.\. إنه يُعلنها حربًا على من ظنّوا أن الصمت أمان\." همست نيسا: \- "وهل يمكن للورد أن يكون صامتًا؟" نظر ثيم إليها\.\.\. ولم يجب\. لكنّ صمته، هذه المرة، كان صوتًا أعلى من كل الإجابات عدنا إلى الفندق بعد ساعات فبسبب هذه الاحداث تعسَّر علينا العودة لمنازلنا ، وكلٌّ منا يحمل في داخله شيئًا تغيّر\. \_\_أنا\.\.\. إيلياس\.\.\. جلست قرب النافذة في غرفتي\. الليل هادئ، والمطر بدأ ينقر الزجاج بخفّة\. عدت أفكّر في روسانا ضحكتكِ\.\.\. تُشبه أغنية تُعزَف في جنازة\. جميلةٌ، حزينة، صادقة\. أنا لا أعرفكِ كما يجب، ولا أعرف إن كنتِ ترينني إلا كزميل عمل\.\.\. لكن كلّما نظرتُ إليكِ، تذكّرتُ "أماليا"، وتمنّيتُ ألا أراكِ تختفين كما اختفت هي\. هل يجوز لي أن أسمح لقلبي أن ينبض من جديد؟أم أن هذا ظلمٌ آخر، أُضيفه إلى سلسلة أخطائي؟ \_\_"روسانا\.\.\. هل تضحكين لأنكِ قوية؟ أم لأنكِ وحيدة؟" سكن الليل في أرجاء المدينة، واختنقت الأزقّة برطوبة الحكايات التي لم تُروَ بعد\. في فندقٍ قديم الطراز، عُلّقت الساعات كأنها تنتظر أن يتوقّف الزمن، أو يعود\. في الطابق الثالث، كانت نوافذ الغرف مفتوحةً قليلًا، تسمح بعبور نسماتٍ محمّلةٍ برائحة الأرض المبتلّة\. جلس "إيلياس" قرب زجاج النافذة، ساكنًا، كأنّه قطعة من الليل\. أسندتُ جبيني إلى الزجاج البارد، ورحتُ أعدّ قطرات المطر المتناثرة\. لا أعرف لماذا يبدو المطر دائمًا كأنه موسيقى حزينة كأنه صوت لم أعد أحتمله\. "ضحكتكِ يا روسانا\.\.\. لا تُشبه باقي الضحكات، بل تُشبه لحظةَ صمتٍ وسط جنازة، صمتٌ له معنى، له عمق\. لستُ متأكدًا إن كنتِ ترينني كما أنا، أم فقط كجزءٍ من فريق التحقيق\.\.\. لكنني، في كل مرّة أنظر إليكِ، أرى أماليا \_\_وأنا\.\.\. لا أريد أن أخسر امرأةً أخرى في صمت\. أنزلت رأسي على الوسادة\.وغفوت\.\.لكن في قلبي، بقي شيءٌ من عطركِ عالقًا\.كأنّه يرفض الرحيل \.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\. POV END أُغلقت الستائر، وعمّت الغرفة ظلمة خفيفة تُشبه الحنين\. لم يطُل الصمت حتى رنّ هاتف إيلياس، كانت رسالة من "فيرا": \_\_"نلتقي في قاعة المحاضرات عند العاشرة صباحًا\. وجبة الإفطار ضرورية، هذه أوامر\." ابتسم إيلياس وهو ينهض، يغسل وجهه، ويرتدي قميصًا داكنًا، ثم يخرج من الغرفة\. في الرواق، كان "ليو" يتثاءب وهو يحمل كوب قهوة، وبدا كأنه لم ينم سوى دقائق\. قال له بنبرة كسولة: \- "هل حلمت بالقاتل؟ أم أنه تركك ترتاح الليلة؟" أجابه إيلياس بجفاف: \- "الأحلام لا تقتل، لكن التفاصيل تفعل\." في قاعة المحاضرات، كان الجميع قد توافد، إلا "ثيم"، الذي بدا متأخرًا عن العادة\. جلست "روسانا" قرب النافذة، تدوّن شيئًا في دفترها الجلديّ الصغير، بينما "فيكتور" وقف أمام الشاشة الرقمية، يعرض صورًا وملاحظات\. قال بصوت واضح: \- "بناءً على تحليلنا للموقع، واستخدام قطعة الشطرنج، نحن أمام قاتل لا يقتل عبثًا\. اختياراته مدروسة، رسائله مباشرة لمن يفهم الرموز\." رفعت "فيرا" يدها، وقالت: \- "لاحظتُ شيئًا مهمًّا\. كل الضحايا، كانوا جزءًا من صفقات قانونية غير نزيهة\. ربما القاتل لا يكره الضحية ذاتها، بل ما تمثّله\." دخل "ثيم" فجأة، وبعينَين شاردتَين جلس في مكانه دون كلمة\. لاحظ إيلياس ارتباكه، لكنه لم يسأل\. فقط سجّل ذلك في ذهنه\. بعد ساعة من النقاش، قرر الفريق الخروج إلى الحيّ الذي ذُكر فيه مساعد فيكتور، بناءً على معطيات جديدة\. توزّعوا في الأزقة الخلفية للقصر القديم، حيث المباني تتآكل، والجدران تئنُّ من التشققات\. فتح أحدهم ملف الصور، وقارنها بمشهد حيّ لرجلٍ يجلس قرب بوابة متهالكة\. اقترب منه إيلياس ببطء، ومعه فيرا: \_\_"صباح الخير، نحن من الشرطة الجنائية\. هل يمكننا سؤالك عن شيء؟" رفع الرجل رأسه\. عيناه نصف مغلقتين، وصوته مبحوح: \- "أنا لم أرَ شيئًا\." قالت فيرا: \- "لكننا لم نُخبرك بعد بما نبحث عنه\." ارتبك هنا دوّن إيلياس ملاحظة ذهنية جديدة: "الذين لا يعرفون شيئًا\.\.\. لا يرفضون المساعدة\. بل يطرحون الأسئلة أولًا\." لم يطِل الحديث، لكن تلك الزيارة القصيرة كانت كافية لزرع شكّ جديد\. في طريق العودة، كانت السماء تمطر خفيفًا، والسيارات تنعكس أضواؤها على الإسفلت الرطب\. لم يتحدث أحد كثيرًا\. لكن في ذهن إيلياس، اشتعلت أول خيوط الفرضية: "القاتل يعرفهم جميعًا\.\.\. ليس فقط ضحاياه، بل نحن كذلك\." في منتصف الليل، وبعد سكون طال أكثر مما يحتمله هذا الملف المظلم، انقطع الهدوء بصوت صريرٍ مفاجئ على أسطح أحد المنازل القديمة، في حيٍّ خفيٍّ تسكنه الريح ورائحة الرطوبة\. خيالٌ سواديٌّ ينساب في الظلال، وحذاءٌ جلديٌّ يخطو بخفةٍ على أحجار الجدار\. «الغسق»\.\.\. كانت هناك، وهو ليس اسمًا فقط، بل موتٌ يسير على أطراف أصابعه\. عيناها تلمعان من خلف القناع، تتفحّص المكان، وتطالع من البعد رجلًا يخرج من أحد المنازل\. "فيكتور، يبدو أني سأضطر للتعاون معك، يبدو أن النهاية قريبة" في صباح اليوم التالي، استيقظ «إيلياس» على وقع مكالمةٍ مبكرةٍ من «فيرا»، صوتها كان قلقًا، متعبًا، يُخبره أن ضابطًا وجد جثةً جديدة، بنفس الطريقة، ونفس الرقم، ونفس النوتة\. قفز «إيلياس» من فراشه، وهو يتأمل خلف الزجاج، حيث الشمس لم تصعد بعد، والحقائق تهمس من كل زاوية في المشهد\. «نحن نطارد شبحًا\.\.\. وفي كل يومٍ، يصبح أقرب منا»\. تنفّس بعمق، وعاد ليرتدي معطفه، ثم غادر الغرفة، والقصص تكتب نفسها بنفسها\. عندما دخل «فيكتور» إلى مكتبه، وهو يمسح جبينه براحة يده شعر بثقلٍ غامضٍ يسافر مع كل خطوة\. على مكتبه، كانت صغيرته تلعب بورقةٍ مطوية، أمسكها بلطف، وفتحها بيدٍ مترددة\. كان الخط دقيقًا، ورائحة الحبر لم تجف بعد «أعلم ما يدور في بالك، لكني لست أنا من اقترف هذه الجرائم\. نعم، أنا من قتل ديميثري\.\.\. لكني أُقسم أن الباقي لست أنا\. مثلي مثلك\.\.\. أبحث عن الجاني\. فهل نتّحد؟ أم نبقى أعداء؟» صمت «فيكتور» لبرهة، عيناه تقرآن السطور كأنها كُتبت بنبضٍ خاص\. تشابكت الأسئلة في ذهنه، وانبسطت أمامه خياراتٌ معقّدة\. هل يصل للحقيقة بمساعدة «الغسق»؟ أم يُغلق كل الأبواب ويجابهها وحده؟ في الظهر، تسرب خبر الجرائم الأخيرة إلى وسائل الإعلام، وكأن النار سُكب عليها وقود الرعب، اجتاح الخوف أرجاء البلاد\. نشرت الصحف عناوينها بالأسود: «قاتلٌ متسللٌ يصول ويجول»، «عدالةُ الماضي تُسفك في الشوارع»، «هل نحن أمام منفّذِ عقوباتٍ؟ أم مجرمٍ يستمتع بالصدى؟»\. تحوّل الرعب إلى صوتٍ عالٍ\. الجميع يتساءل، والضغط على الشرطة ارتفع، وخصوصًا أن جميع الضحايا كانوا من طبقة العدالة: قضاة، مدّعون، ومحامون سابقون\. في مقرّ الشرطة، وفي غرفة التحقيق الرئيسية، اجتمع الفريق كاملًا\. طاولةٌ طويلةٌ منتصف الغرفة كانت تفتح ذراعيها للقضية\. عليها، وُزّعت الصور، والملفات، وقطع الشطرنج، وخرائط المدينة\. وكان كلٌّ من فيرا، وفيكتور، وإيلياس، وثيم، وروسانا، وليو يتخذون مواقعهم بدقة كأنهم على رقعة المعركة\. ثيم، وهو يُقلّب في أحد الملفات، قال بنبرةٍ متوترة: لم يعد مجالٌ للصدف\.\.\. النمط واضح، والمرتكب يريدنا أن نرى ذلك\. روسانا، وهي تُحدّق في صورة أحد الضحايا، همست: كلُّ ضحيةٍ سكتت في قضيةٍ ما\.\.\. كأن القاتل يُعاقب على الصمت\. إيلياس، وهو يُمرّر أصابعه على خريطة الجرائم، تحدّث ببطء: وهناك شيءٌ آخر\.\.\. ليس فقط النمط، بل التوقيت، والإخراج\. كلُّ جريمةٍ تُعزف كلحنٍ متعمَّدٍ، تُقدّم نفسها كقصةٍ\. وكلُّ قطعةِ شطرنجٍ ليست عشوائية، بل تمثّل دور الضحية في تاريخ ملفّ العدالة\. فيرا تقدّمت نحو الطاولة، وبدأت تكتب على السبّورة الأسماء والرقم 7: الرقم سبعة يتكرّر\.\.\. والنوتات الموسيقية\.\.\. وكلُّ مكانٍ يُختار بعنايةٍ\. هذا ليس قاتلًا سايكوباتيًّا، هذا شخصٌ يستخدم الفنَّ والذاكرة كسلاحٍ\. فيكتور وقف بصمتٍ، ووجهه يُظهر صراعًا داخليًّا عميقًا، ثم قال: أنا أعرف شخصًا\.\.\. كان يفعل شيئًا شبيهًا، في الظلّ\. نظروا إليه جميعًا، وصمتٌ ثقيلٌ سقط على الغرفة\. قطعه صوت «فيرا»، قائلةً بنبرةٍ مرتابة: من؟ أجاب فيكتور، وعيناه تحاولان تجنّب أنظار الباقين: الغسق\.\.\. هي من قتلت ديميثري\. وتركت لي رسالة\.\.\. قالت فيها: «أعلم ما يدور في بالك، ولكن لست أنا من اقترف بقية الجرائم\. أنا مثلك، أبحث عن المجرم\. فهل نتّحد\.\.\. أم نبقى أعداء؟»\. شهقت روسانا، وقال ليو بنبرةٍ تستبطن الحيرة: \- أتريدنا أن نُصدّق الغسق؟\! ثيم ضرب بيده على الطاولة، ثم هتف: لو كانت هي القاتلة، لما تركت أثرًا\.\.\. أظن أن ثمّة خيطًا آخر يجب أن نتبعه\. فيرا، وهي تنظر نحو النافذة، همست: القاتل لا يسعى للقتل بل لتفجير حقيقةٍ ما\.\.\. شيءٍ كبيرٍ، قد يُسقط نظامًا كاملًا\. فيكتور قام من مكانه، وقال بنبرةٍ صارمة: ابنتي ستبقى مع نيسا وجدّتها\.\.\. أريد أن أُبعدها عن هذا الكرنفال المرعب\. أشعر أنني أقترب من النهاية\. روسانا، وهي تحاول التخفّي خلف السخرية، قالت: لا تُحدّثني عن «النهاية» ونحن في وسط الكتاب، يا فيكتور\! إيلياس وضع يده على الخريطة، وصوته مليءٌ بالحسّ المحلّل: إذا لم نفهم الرقم \(7\)\.\.\. لن نفهم الجريمة\. هو يريد أن ننظر في اتجاهٍ معيّنٍ\.\.\. سبعةُ أشخاص؟ سبعةُ ملفات؟ سبعةُ أسرار؟ فيرا قطعت التفكير قائلة: لنبدأ من البداية\.\.\. نراجع كلَّ شيءٍ، كلَّ ملفٍّ، كلَّ نقطةٍ\.\.\. هناك شيءٌ أخفاه، والقاتل يعرفه\. وساد الغرفة صمتٌ آخر\.\.\. لكنه لم يكن كالسابق، بل صمتٌ يحمل وعدًا بالوصول، وعين «إيلياس» كانت تستقرُّ على قطعة الشطرنج البيضاء\.\.\. «الملك»\. وهمس داخل نفسه: «وبقي ضحيتان\.\.\.» تقدّم فيكتور خطواتٍ بطيئة، ثم توقّف عند النافذة، ينظر إلى السماء الملبّدة بالغيوم، وفي يده الورقة التي أرسلتها «الغسق»\. صوته كان هادئًا، لكن فيه ذُعرًا صامتًا تتسلل معالمه بين الكلمات: «الغسق»\.\.\. تدّعي أنها ليست القاتل، وأنها تسعى لكمش الحقيقة معنا\. تخيّلوا الواقع\.\.\. الغسق تُطارد القاتل المتسلل معنا؟\! صمتٌ خانقٌ خيّم على الغرفة، والعيون تبادلت النظرات، بين شكٍّ وحيرةٍ وصدمةٍ\. قطع الصمت ليو وهو يُلوّح بملفٍّ في يده: حسنًا، إذا لم نُرد أن نثق بها، فلنعد إلى ما نملك\. لنفرش الملفات كاملةً\.\.\. الأسماء، الوقائع، وكلُّ قطعةِ شطرنجٍ وُجدت في كلِّ جريمة\. فتحوا المجال، وأخذوا يُنثّرون الصور على الطاولة الكبيرة، وكلُّ واحدٍ منهم يُقلّب في ورقٍ يحمل وجهًا قد كان حيًّا، وصار الآن ذكرى في ملفٍّ باردٍ\. ثيم، وهو يُثبّت صورة الضحية السابقة على اللوح، تمتدّ أصابعه إلى جدولٍ في الزاوية: كلُّ ضحيةٍ تمّ إسكاتها في ماضٍ قريبٍ\. سياسيٌّ رفض الإدلاء بشهادة، قاضٍ أغلق ملفًّا فاسدًا، وصحفيٌّ تلقّى رشوةً لألّا ينشر حقيقةً\. إنهم صوت العدالة الذي خان نفسه\. روسانا، وهي تُقلّب الملفات، نطقت والقلق يلفّ نبرتها: هذا يُفسّر كثيرًا\.\.\. لكنه يُثير سؤالًا: إذا كان القاتل يُصفّي صوت العدالة الفاسد، فهل يعتبر نفسه حاميها؟ أجابها «إيلياس» بنبرةٍ خافتة، بعد أن تأمّل وجهها لبرهة: أحيانا\.\.\. الجاني يرى نفسه بطلا\. وفي كل بطل خفي، يخفي الظل جرحا قديما\. فيرا وقد جلست بانتباه، تقرأ ما كتبه القاتل في الملابس أو على الحيطان في كل جريمة، همست: إنه لا يكتب فقط\.\.\. إنه يؤلف\. كأنه يقدم قصة مسرحية، كل مشهد فيها يمثل عقابا\. ليو وهو يرتب قطع الشطرنج التي وجدت، قال وهو يلهو بقطعة «الفيل» بين أصابعه: لسنا نتعامل مع قاتل عادي\.\.\. إنه يفهم الرمز، ويجيد البناء، ويتقن الإخفاء\. ثم ارتفعت نبرة فيكتور: أظن أن الوقت قد حان لأخبركم بشيء\.\.\. عن «الغسق»\. توقفت الأنفاس للحظة، وتوجهت الأنظار إليه، فأضاف: إنها ليست مجرد اسم في قائمة المطاردات\. «الغسق»\.\.\. كانت قاتلة مؤجرة، تعمل تحت ظل قانوني قبل سنوات، وسبب قتلها لـ «ديميثري» ليس جزءا من سلسلة القاتل المتسلل\. هي تقتل لأسباب أخرى، وتريد الآن تبرئة نفسها\. ثيم قال بانتباه: وهل نثق بها؟ ألا يمكن أن تكون جزءا من المخطط؟ فأجاب فيكتور: لا أعرف\.\.\. لكنها لم تكذب في رسالتها، وأظن أنها تملك معلومات لا نملكها\. فيرا أضافت: هذا يعني أنه يتوجب علينا تحديد من يستفيد من الفوضى القائمة، ومن يعرف كيف يلعب بقطع الشطرنج ضدنا\. فيكتور، وقبل أن يغادر الغرفة، نظر نحو نيسا وابنته، ثم قال لـ «ثيم» بنبرة هادئة، لكنها تحمل ثقل أب يعي الخطر: أريدك أن تأخذها إلى الجدة\.\.\. أبعدها عن العاصفة، قبل أن تبلعنا جميعا\. وهكذا\.\.\. يبدأ العد التنازلي للضحيتين الأخيرتين\. وفي كل ركن من البلاد، ترتجف صوت العدالة، وتشعل الصحف عناوينها بحروف دامية: "القاتل المتسلل يضرب مجددا\.\.\. والضحية القادمة قد تكون أنت\!" وفي الليل نفسه، وبعد ساعات قليلة من نقل ابنة فيكتور ونيسا إلى منزل الجدة في ضاحية بعيدة، انقطع التيار الكهربائي عن شارع كامل في العاصمة، ثم تلاه انفجار خفيف في مركز تخزين قديم تستخدمه الشرطة لتجميع أدلة مهملة\. لم تكن الخسائر مادية، بل أكثر مما يوصف سجل واحد فقط سجل واحد احترق كان يتضمن أسماء ستة شهود في قضية قديمة، أغلقت سنة 1977\. في غرفة التحقيق، انحنت روسانا فجأة فوق ملف القضية المحروق، ووضعت إصبعها على رقم صغير في الهامش بالكاد يمكن رؤيته: \- انظروا\.\.\. هنا أيضًا الرقم 7\. حدّق الجميع في الورقة، ثم عقّب ثيم بصوت مشدوه: \- من المستحيل ان تكون صدفة، هذا المرض انتشر لدرجة لم نعد نستطيع تسميته قاتل متسلسل فقط\.\.\. هناك شي أعمق\.\.\. شي أكبر منَّا نحن ابتلعت فيرا ريقها، لكنها حافظت على صمتها، كانت الكلمات تُصارع على أطراف لسانها، لكن الغسق في داخلها كان يحذّرها: "اصمتي، فالأقنعة حين تسقط\.\.\. لا تُعاد"\. عند تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة بقوة، واقتحمها ضابط مسنّ يحمل في يده ورقة رسمية ووجهه يشي برعب واضح: \- ورد بلاغ من صحفي مجهول\.\.\. يقول إن الجريمة القادمة ستكون بثًا مباشرًا على شبكة مظلمة\.\.\. والمُتلقي هو أنت يا فيكتور\! ارتفع التوتر في المكان، وجفّت الأنفاس، أما إيلياس فقد أمسك رأسه كأن فيه بركانًا على وشك الانفجار: \- إنّه يتحدّانا\.\.\. يتلذذ بتخويفنا\.\.\. القاتل هذه المرة يريد جمهورًا\. جمهورًا يرى كيف يسقط القانون\. فيكتور، وقد بدأت التجاعيد في جبهته تُشبه خريطة معارك نفسية قديمة، نظر نحو الطاولة، ثم تمتم: \- إنه يسرق دورنا\.\.\. نحن من نُعاقب، لا هو\.\.\. نحن من نحاكم، لا هذا الشبح\. ردّت روسانا بنبرة خافتة لكنّها جليّة: \- ربما نحتاج "شبحًا" آخر لنطارد هذا\. \- تقصدين الغسق؟ \- سأل ليو\. \- بل أقصد الظل الذي يُشبهه، أجابت بعينين تحترقان\. اقترب ثيم من لائحة الأسماء، أخرج من جيبه خريطة قديمة ملطخة بالقهوة، ثم بسطها أمامهم: \- كل جريمة حدثت على بعد سبع كيلومترات من موقع الجريمة التي سبقتها\.\.\. هذا النظام ليس فوضويًا كما كنا نعتقد\. إننا نلعب على رقعة شطرنج حقيقية، مساحتها المدينة\.\.\. وقطعها نحن\. رمقهم إيلياس بنظرة عميقة، ثم اقترب من اللوح وأشار إلى إحدى الصور: \- لحظة\.\.\. هذا الرجل، لقد كان يعمل في دار "ملجأ القضاة" الذي أغلق عام 77\. أليس هذا ما قالته الغسق في رسالتها؟ أن الجذور أعمق؟ فردّ فيكتور بنبرة مشبعة بالذهول: \- نعم\.\.\. لكنني لم أُخبرها بذلك\. سقط الصمت مجددًا\. الصمت ذاته الذي يسبق زلزالًا\. همست فيرا، وكأنها تُحدّث نفسها: \- أحدهم كان هناك\.\.\. عاش في الملجأ\.\.\. كره النظام\.\.\. تعلّم العقاب على طريقته\.\.\. ثم قرر أن يعزف نوتته الخاصة\. رفعت روسانا حاجبيها: \- نوتته\.\.\.؟ \- كل ورقة نُوتة، كل ضحية رمز، كل جريمة جملة موسيقية\. ليو، وقد بدأ عقله ينسج الجنون في خيوط منطقية، صاح: \- مستحيل\! إذا كنا نتعامل مع لحن\.\.\. فنحن في منتصفه فقط\. اللحن لم يكتمل\. ضحك ثيم مرارة: \- والختام؟ ستكون صدمة تُسقط آخر قطعة\. في تلك اللحظة، دقّ هاتف فيكتور، كانت رسالة قصيرة من رقم مجهول: "الضحية القادمة\.\.\. تَقْرَبُ مِنْكَ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَصَوَّرْ\." حدّق فيكتور في الشاشة، ثم رفع عينيه ببطء، همس بثقل: \- أنا الضحية الأخيرة\.\.\. صُدم الجميع\. اقترب إيلياس منه، نبرة صوته صارت أقرب إلى رجاء: \- علينا أن نُخفيك\.\.\. علينا أن نحميك\. أجابه فيكتور بابتسامة حزينة: \- لا، عليّ أن أبقى\.\.\. لأن القاتل لن يظهر إلا إذا ضمن أن الملك في المنتصف\. اقتربت فيرا ببطء، تنظر إليه دون أن تجرؤ على قول شيء، ولكن بداخلها\.\.\. الغسق كانت تصرخ: "ليس الآن\.\.\. لا تسقطي الآن\!" أما في الظلال\.\.\. في الزاوية القصيّة من المدينة، شخص يرتدي قناعًا أبيض، يُراقبهم عبر شاشة من غرفة صغيرة مليئة بأشرطة موسيقية، وخرائط ممزقة، وقصاصات تحمل أسماء\. في يده قطعة شطرنج\.\.\. الملك\. وأسفل الشاشة، وُضِعَت نوتة موسيقية مكتوب تحتها: "مَا بَقِيَ إِلَّا الْخِتَامْ\." كان وقع الكلمات كجرس جنازة، يُدقّ ببطءٍ فوق رؤوسهم\. ثيم، وقد عقد ذراعيه فوق صدره، تمتم دون أن ينظر لأحد: \- هل يُعقل أن نُراهن على قاتلة سابقة؟ أجابه ليو وقد رفع كتفيه بتردد: \- بل نُراهن على الحقيقة، لا على أشخاص\. صمتت روسانا، لكنّ عينيها كانتا تدوران بين الوجوه، كأنها تبحث عن مفتاحٍ لا يُرى\. فيكتور اقترب من الطاولة، انحنى على الرسالة التي كتبتها الغسق بخط يدها الدقيق، ثم تساءل: \- لنفترض أنّها صادقة\.\.\. كيف نصل إليها؟ لا مكان، لا رقم، لا إشارة\. فقط اسم يتردّد في العتمة\. تقدّمت فيرا، وهي تخفي اضطرابها الداخلي الذي صار يخترق صدرها كسيفٍ مُعقوف\. في داخلها، كان الغسق يهمس: "احذري\.\.\. لا تنكشفي قبل الوقت"\. تحدّثت فيرا بهدوء مُفتعل: \- أظن أن الطريقة الوحيدة للتواصل معها\.\.\. هي أن نُغريها بالمعلومة\. إن كانت تسعى للقبض على القاتل، فلا بد أنها تراقبنا\. تتابع كل خطوة\. رمقها إيلياس بنظرة حادة، ثم قال: \- وماذا تقترحين؟ أن نُسرب دليلاً زائفًا؟ ردّت فيرا بسرعة: \- بل دليلاً نصفه حقيقي\. شيءٌ لا يؤذي التحقيق، لكنه يدفعها للظهور\. إن كانت صادقة، ستتواصل\. وإن كانت متورطة، ستُخطئ\. عقّب فيكتور، بعد أن فكّر مليًّا: \- نحن نُخاطر\.\.\. لكننا في النهاية نخاطر بأرواحنا أصلاً\. ثم التفت نحو ثيم وقال: \- حضّروا تقريرًا مختصرًا عن الشاهد الوحيد المتبقي من ملجأ ٧٧\.\.\. سنُسرب وجوده عبر الصحف المحلية، وننتظر\. هزّ ثيم رأسه موافقًا، بينما ليو همس: \- وإن لم تأتِ؟ فأجاب فيكتور بنبرة شبحية: \- ستأتي\.\.\. الغسق لا تُفوّت ضوءًا واحدًا حين يسقط في الظلام\. في تلك الليلة، انتشر في إحدى الصحف الجانبية، خبر صغير يحمل العنوان التالي: "شاهد غامض يظهر فجأة، ويدّعي أنه يملك سرَّ مجزرة ملجأ القضاة سنة 1977\." كانت الكلمات مدروسة، والعبارات غامضة، كأنها نوتة موسيقية لا تكتمل إلا بسطرٍ أخيرٍ لا يُقرأ\. وفي إحدى الأزقة المظلمة من الضاحية الشرقية، امرأة ترتدي معطفًا أسود، ترفع رأسها نحو شاشة معلقة تعرض الخبر\.\.\. شفاهها ترتجف، ثم تنطق همسًا: \- فخّ\.\.\. لكن لا بأس\. حان الوقت أن أُعيد ترتيب الرقعة\. عينها لم تكن سوى فيرا\. وفي اللحظة ذاتها، كانت فيرا الأخرى \- تلك التي في مقر التحقيق \- تراقب انعكاس صورتها على زجاج النافذة، وتسأل في أعماقها: \- كم من الوقت بقي\.\.\. قبل أن يبتلعني الغسق؟ \.\. POV VERA BACKSTORY \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ رُؤْيَةُ فِيرَا: حِكَايَةُ الْمَاضِي: أراقبهم\.\.\. كم هو غريب أن تجد نفسك جالسًا في زاوية غرفةٍ تحقق فيها في جرائم أنت تعرف أنها لم تكن كلها من صنع قاتلٍ واحد\.\.\. بل بعضها من يدك\. يتحدثون عني، وهم لا يعلمون أنني جالسةٌ معهم\. أحفظ تعابير وجوههم، وتصدع أصواتهم، وهذا الارتباك الذي يلفّ أرواحهم\. هل أخبرهم؟ هل أعترف؟ أم أحافظ على ظلي؟ أراقب من مسافة وأستمر في لعبتي حتى النهاية؟ لا أعرف، ولكني أعرف من أكون\. اسمي فيرا\.\.\. ولكن ذاتي الحقيقية\.\.\. تُلقب بـ «الغسق»\. في ليلةٍ مطيرةٍ من شتاءٍ قاسٍ، في حيٍّ مهموشٍ تُغلق فيه الأبواب مبكرًا، وُلدت\. أمي كانت ممسوخة الأحلام، تحملني كما يُحمل العار، وتنظر إليّ بعينين خاليتين كأرضٍ لم تذق مطرًا منذ دهورٍ\. أبي؟ لم أعرف من كان، وقيل إنه رجلٌ مات في أحد السجون\. وعشنا\.\.\. نعم، عشنا في زقاقٍ، وكنا نأكل ما ترفضه المطاعم\. كنت أكبر مما ينبغي لعمري، وأفهم ما لا ينبغي لطفلةٍ أن تفهمه\. رأيت الرجال وهم يدخلون بيتنا، ويخرجون وقلبي يكبر بالكره والألم\. عندما بلغت السادسة، كانت أمي تُرسلني للتسوّل\. وإذا رجعتُ بأقل مما تريد، كنت أتلقى صفعاتها كأنها تسقيني دروسًا في الكراهية\. هذه الذكريات لا تموت\.\.\. لا تضمحل، تسكنني كشبحٍ يُطلّ عليّ كلما أغمضتُ عينيّ\. كلّ ليلةٍ أعود إلى تلك الزاوية المعتمة في الملجأ، أستمع لأصوات النزيف والبكاء، وأحاول أن أفهم لماذا لم يُنقذنا أحد\. الغسق ليست قاتلة، بل حكمًا\. هي النهاية لكلّ من نجا من العقوبة، هي صوت من أُسكتوا\. قتلتُ، نعم، لكنهم كانوا جانين بالقانون وبالفعل\. كانوا ندوبًا في ذاكرة الأبرياء، وكنتُ الدمْلَجَ على أعناقهم\. ولكن الأمور تعقّدت\.\.\. بدأ شخصٌ آخر يُقلدني، يُشوّه صورتي، يترك قطع الشطرنج ويذبح كمن ينتقم لشيءٍ خفي\. ربما يعرفني، ربما يريد إسقاطي، أو تحطيم الصوت الذي خرج من صمتي\. أتساءل\.\.\. هل أنا السبب في كلّ هذا؟ هل وجودي هو ما جعل العدالة تُشوّه؟ الآن، وأنا أراهم يُقلبون الملفات، ويحاولون فهم من يقف خلف كلّ هذا، أُخفي ألمي تحت قناعٍ من الصمت\. لا أحد يعرف، لا أحد يشك، لا أحد يرى النار التي تحترق في داخلي\. كيف أخبرهم؟ كيف أنظر في عيونهم وأقول: "كنت أنا\.\.\. ولكن لست كلّ ما ترون"؟ «كنتُ أفضّل أن أكون صخرةً في وسط البحر، على أن أكون ابنة هذين الوالدين\.» تلك الجملة كانت تُرافقني كظلٍّ معتمٍ في كلّ لحظةٍ أتنفس فيها\. منذ أن كنتُ طفلةً، وأنا أتعرض لكلّ أنواع العقوبات، لسببٍ واحد: أنني لم أكن كاملة\.\.\. في نظرها\. والدتي، كانت مهووسةً بالكمال\. العلامة الكاملة ليست فخرًا\.\.\. بل فرضًا\. كلما أتيتُ بـ «تسعة» في احتبان رقمٍ واحدٍ، كانت تقلب البيت عليّ\. تشدّني من شعري، تصفعني حتى أنزف من أنفي، تضربني بالحزام، تجعلني أركع على الأرض أمامها وأناشدها الرحمة، وهي تصرخ: «من سيُحبكِ إذا لم تكوني ناجحةً؟\!» في كلّ صراخٍ كانت تُلقيه، كنتُ أشعر أنه يخرش روحي\. تركتَ فيها ندوبًا لا تُرى، لكنها كانت تنزف كلّ ليلةٍ وأنا أخنق بكائي تحت الغطاء\. أما والدي أو من كنت اضنه والدي"زوج والدتي" ، فلم يكن أفضل منها\. كان رجلًا بارد العاطفة، لا يُرى في البيت إلا وهو يصرخ، أو يضرب أمي لأسبابٍ تافهة\. مفتاحٌ لم يجده، كوبُ ماءٍ نسيته\.\.\. كلّ شيءٍ كان سببًا لدمٍ جديدٍ\. وأنا\.\.\. كنتُ أرقبهما وهما ينهاران، وأشعر أنني الوحيدة التي تتحمل ذنوبهما كنتُ أُخفي الزرائب الزرقاء التي تتركها أصابعها على ذراعي\. أرتدي كمًّا طويلًا في الصيف، وأُخفي وجهي عن المرآة\. وفي المدرسة\.\.\. هناك كان الجحيم الآخر\. كانت الفتيات يُكنين لي اسمًا: «عيون الهزال»\. لأنّ عينَيّ كانتا بذلك اللون الفريد، الذي لا يشبه أحدًا\. وأنا\.\.\. كنتُ أرتدي ملابس جميلة، لأُخفي بها قباحة الداخل\. كانوا يستهزئون بي، يدفعونني في الممرات، يُمسكون كتبي ويُسقطونها على الأرض\. ولا أحد لا أحد كان يراني\. كلّ من رآني، رآني في هيئة تلك الفتاة التي تتملق النجاح\. لم يروا تحت الكمال\.\.\. ذاك الفجر المذبوح في نفسي\. كلّ مرةٍ كنتُ أصرخ فيها في أعماقي: «أنا أُحارب كي أبقى على قيد الحياة»\.\.\. كانوا يُصفقون لنجاحي\. وفي سنّ التاسعة عشرة، غادرتُ البيت\. لا، لم أُغادر\.\.\. بل فررت\. وفي طريق الهروب، وجدتُ ذاتي في مكانٍ غريبٍ، تحت سقوفٍ معدنيةٍ، وقلوبٍ أبرد من الحديد\. كنتُ أعيش مع القتلة واللصوص والمرتزقة\. ومن بين هذه العيون المرتابة، لاحظني أحدهم، رجلٌ لا يُشبه سائرهم\.\.\. كان يُقال له «الظل»\. قال لي مرةً: "في نهاية الأمر، لا أحد يختار الطريق، بل الطريق هو من يختار من يسير فيه\." علّمني كيف أقرأ الوجوه، وكيف أصمت، وكيف أجعل السكين يتحدث عوضًا عني\. وفي الليالي التي كنا نتقاسم فيها النوح والصمت، كنتُ أعي أن العالم قاسٍ، وأنّ من لا يضرب، يُضرب\. صنعوا مني أداةً\.\.\. ثم ما لبثتُ أن تعلمتُ أن أكون السيناريو والقاتلة، والضحية، والمتفرجة في آنٍ واحدٍ\. اخترتُ اسم «الغسق»، لأنني لا أؤمن بالنور الكامل، ولا بالظلام الكامل\. أنا ما بين ذلك\.\.\. نقطة التوازن الخفية\. تلكم قصتي، ولكنها لم تنتهِ\.\.\. بل تبدأ من هنا\. لكني صمتُّ\.\.\. وتعلمتُ\. أحببتُ الكتابات، وكنتُ أسرق الكتب من المكتبات\. كنتُ أقرأ في زوايا الأزقة والأسطحة، وكلّ جملةٍ كانت تُعلّمني شيئًا عن هذه الحياة التي لم أخترها\. منذ تلك اللحظة، أدركتُ أن العدالة كذبةٌ نبيلة، وأنّ الحق يُنتزع بالقوة\. قررتُ أن أصبح شيئًا لا يُقهر، شيئًا يُرعب الظالمين، ويُحاسبهم بطريقتي\. فدخلتُ عالم الشرطة، وتعلمتُ أساسات التحقيق، لكنني كنتُ أُخفي وجهًا آخر في الظل، وجهًا سميتُه "الغسق"\. كبرتُ\.\.\. ونما الكبرياء مع أوجاعي\. وصار قلبي يُغلق نوافذه، حتى جاءت تلك اللحظة\.\.\. لحظة القطيعة\. قررتُ أن أكون شيئًا لا يتكرر\. لا يُقهر\. لا يُكسر\. قررتُ أن أكون الغسق\. من غرفة التحقيق هذه، ومن بين أعينٍ تبحث عن الجاني، وهي لا تعلم أنه يُجالسها، ويُقدم لها القهوة أحيانًا، ويمسح عنها الغبار في نهاية اليوم\. أستمر في اللعبة، ولكني أسعى هذه المرّة لكشف لاعبٍ آخر\.\.\. وإذا وجدته، فسيكون ذلك آخر شيءٍ يفعله في هذه اللعبة\. وفيرا؟ فيرا هي الوجه الذي أرتديه في النهار، والغسق هو النفس الذي أعيشه في الليل\. فهل أنتم جاهزون لسماع الحقيقة؟ أم أستمر في الكذب حتى آخر نفس؟ ولذلك\.\.\. إذا رأيتموني أقسو، أضرب، أقتل، وأُخفي\.\.\. فلأنني في وقتٍ ما، في بيتٍ ما، تعلمتُ أن الطيب لا ينجو، وأن الخروج من الجحيم\.\.\. يحتاج لجناحي شيطانٍ\. سأُكمل مسيرتي\.\.\. لأكتب نهاية من يستخفي وراء ظلي، وأُثبت أنني كنتُ على حق، ولو كان الطريق معبدًا بالدماء والذنوب\. \.\.\.\. POV VERA BACKSTORY END وفي تلك اللحظة، بين تذكر الجروح وحنين مخنوق لطفولة لم تكن لها، انقطع شرود «فيرا» بنبرة دافئة ومستغربة في آن: «فيرا؟ أين سافرتِ؟» رفعت رأسها متفاجئة، ونظرت نحو «فيكتور»، الذي كان يتفحص ملامحها بانتباه\. عيناه تسألان، لا كلماته\. تماسكت نفسها، وأجابت ببسطة مصطنعة: لم أذهب بعيدًا\.\.\. كنت فقط أرتب أفكاري\. أومأ «فيكتور» برأسه، وعاد يقلب بعض الورق، ثم قال وهو يرفع صوته ليسمع الفريق: يجب أن نحسم أمرنا\. الغسق أرسلت رسالة، وقد تكون فرصتنا الوحيدة للاقتراب من القاتل\. سنرسل رسالة مشفرة إليها، نشير فيها إلى نقطة لقاء، في مكان نحسن فيه المراقبة والاحتواء\. ثيم تقدم نحو اللوح، وقال بنبرة قاطعة: سنستخدم مكانًا مهجورًا في الطرف الشرقي، بناءٌ قديمٌ كان مقرًّا للتدريب الشرطي في السابق\. فيه نقط خروج كثيرة، وكاميراتٌ قديمة يمكن إعادة تشغيلها\. سنركب مايكروفوناتٍ داخليةً ومسجلاتٍ، ونرسل لها مفتاحًا شفريًا تستخدمه للدخول\. «فيرا» أومأت بموافقة، ثم وقفت بهدوء: إذًا، نحن نراهن على شبح\.\.\. ونستعير منه نورًا لنكشف ظلًا آخر\. قطع الصمت رنين هاتف «فيكتور»، فتنفس بعمق، وأجاب باستعجال: «نيسا؟ كيف هي؟ كيف الطفلة؟» صوت نيسا كان هادئًا ومبتسمًا وهي ترد: نائمة كالملائكة، تتنفس بسلام، كأنها لا تعلم ما يجري في هذا العالم المرتبك\. قبل أن يجيب «فيكتور»، أخذ «ثيم» منه الهاتف، وضغط زر المكبر، فانتشر صوت «نيسا» في الغرفة كنسيم ناعم في برد الحقيقة\. كلهم استمعوا، ولكن «ثيم»\.\.\. كان يسمع بقلبه\. عيناه انخفضتا بلطف، وقلبه يضرب كأنه يخشى أن يفضحه نبضه\. لم يعترف\.\.\. لا يجرؤ، لكن كل شيء فيه كان يهتف بها\. روسانا تمايلت برأسها نحو «ثيم»، وهمست بسخرية لطيفة: لا تجيد التمثيل، يا صاحب النبض المرتبك\. فتبسم وهو يغير الموضوع متعمدًا: عندما نراسل الغسق، سنحتاج لمن يفهم طريقة تفكيرها\.\.\. لأنها تفهمنا قبل أن نفهمها\. \. \. \. \. \. \. هنا يمكنني ان أقول إنتهى فصلنا لليوم 💋💅 أتمنى ان ينال اعجابكم قرائي الذين ليسو موجديين أصلا 🫐🩵 المهم استودعتكم الله دمتم في رعاية الله وحفضه 🍎☁

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لــعــبــة الــشــطــرنــج

المؤلف aelure.x
2025/07/17 مستمرة
قائمة الفصول (7)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة