وَبَيْنَمَا نَامُوا جَمِيعًا فِي مَنَازِلِهِم، كَانَتْ الرُّقْعَةُ فِي مَكَانٍ آخَرَ تَسْتَعِدُّ لِتَحَرُّكِ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ\.\.\. وَالظِّلُّ يَزْحَفُ نَحْوَهُمْ فِي هُدُوءٍ، كَمَا يَزْحَفُ اللَّيْلُ عَلَى مَدِينَةٍ أَنْكَرَتِ الْحَقَائِقَ طَوِيلًا\. صَبَاحٌ جَدِيدٌ\.\.\. وَخُطُوَاتٌ تُرْسَمُ عَلَى حَافَّةِ الْغَامِضِ تَدَفَّقَ الضَّوْءُ الْبَاهِتُ مِنْ نَافِذَةِ فِيرَا، لِيَسْتَقِرَّ عَلَى وَجْهِهَا الْهَادِئِ كَمَا لَوْ أَنَّهُ يُنَادِيهَا إِلَى يَوْمٍ لَا يُشْبِهُ غَيْرَهُ\. تَنَهَّدَتْ، نَهَضَتْ مِنْ سَرِيرِهَا، تَغْسِلُ وَجْهَهَا وَتَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ طَوِيلًا، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ مِنْ نَفْسِهَا، وَقَدْ تَاهَتْ فِي الْعُيُونِ الْمُتْعَبَةِ\. فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، كَانَتْ رُوسَانَا تَدُورُ فِي الْمَطْبَخِ، تَحْمِلُ كَأْسَ الْقَهْوَةِ، وَتَحَاوِلُ تَرْتِيبَ فِكْرِهَا بَيْنَ أَصْوَاتِ أُخْتِهَا الَّتِي تَسْتَعِدُّ لِمَغَادَرَةِ الْمَنْزِلِ\. أَمَّا لِيُو، فَكَانَ يَرْبِطُ رِبَاطَ حِذَائِهِ بِطَرِيقَةٍ آليّةٍ، وَعَيْنَاهُ تُثَبِّتَانِ النَّظَرَ عَلَى بَابِ الْغُرْفَةِ كَأَنَّهُ سَيُغَادِرُ إِلَى مَجْهُولٍ\. جَمَعَهُمُ الْمَسَارُ نَحْوَ الْجَامِعَةِ، يَوْمُ الْامْتِحَانِ الَّذِي لَمْ يُخْبِرْهُمْ أَحَدٌ أَنَّهُ سَيَكُونُ بِهَذِهِ الثِّقَلِ\. جَلَسُوا فِي قَاعَاتٍ مُنْفَصِلَةٍ، كُلٌّ مِنْهُمْ يُجَاهِدُ لِكِتَابَةِ الْأَجْوِبَةِ، لَكِنَّ عُقُولَهُمْ كَانَتْ تَسْبَحُ فِي صَوْرِ الْقَاضِي وَقِطَعَةِ الشَّطْرَنْجِ، وَصَوْتِ دَانِيَال، وَظِلِّ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْغَامِضِ الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ مِنَ الْخَلْفِ\. بَعْدَ سَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَبُرُودَةِ الْقَاعَاتِ، وَرَائِحَةِ الْحِبْرِ، خَرَجُوا مِنَ الْجَامِعَةِ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا عَلَى رَصِيفٍ قَرِيبٍ، كَأَنَّهُمْ يُقِيمُونَ طَقْسًا خَاصًّا بَعْدَ كُلِّ امْتِحَانٍ\. رُوسَانَا، وَهِيَ تَتَكِئُ عَلَى عَامُودٍ حَدِيدِيٍّ، هَمَسَتْ وَالضِّحْكَةُ تُجَاهِدُ لِأَنْ تَبْقَى عَلَى شَفَتَيْهَا: "لَمْ أُجِبْ عَنِ السُّؤَالِ الْخَامِسِ\.\.\. عَقْلِي كَانَ مَعَ الْقَاتِلِ\!" فِيرَا، وَهِيَ تُقَلِّبُ الدَّفْتَرَ فِي يَدِهَا بِبُطْءٍ، نَطَقَتْ بِنَبْرَةٍ جَافَّةٍ لَكِنَّهَا مُغْرِقَةٌ فِي الْوَاقِعِ: "عَادَةً، الْقَاتِلُ أَسْهَلُ مِنَ الْمَعَادِلَاتِ\. عَلَى الْأَقَلِّ نَفْهَمُ مَنْطِقَهُ\." أَمَّا لِيُو، فَقَدْ مَدَّ يَدَيْهِ فِي جَيْبَيْهِ وَتَحَدَّثَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، فِيهِ مِزَاحٌ مُقَنَّعٌ بِجِدِّيَّةٍ: "أَنْتُنَّ مَجْنُونَاتٌ\.\.\. لَكِنْ نَحْنُ نَحْتَاجُ أَنْ نَعُودَ إِلَى الْقِسْمِ\. الْوَقْتُ يَنْفَدُ، وَالْقَاتِلُ لَا يَنْتَظِرُ أَحَدًا\." فِي قِسْمِ التَّحْقِيقِ كَانَ "ثَيْم" يُجَالِسُ دَفْتَرَهُ، يَقْلِبُ فِيهِ صُوَرًا وَمُلَاحَظَاتٍ، حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ ببطء، وَنَظَرَ نَحْوَهُمْ بِنَظْرَةٍ غَائِرَةٍ، كَأَنَّهُ أَفَاقَ مِنْ غَوْصٍ فِي ذَاكِرَةٍ دَاخِلِيَّةٍ\. صَوْتُهُ كَانَ مُنْخَفِضًا، لَكِنَّهُ حَمَلَ وَزْنَ التَّفْكِيرِ الْعَمِيقِ: "نَحْنُ نَحْتَاجُ لِزَاوِيَةٍ جَدِيدَةٍ، نَظْرَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ قَوَاعِدِنَا الْمُتَعَوِّدَةِ\.\.\. وَأَعْرِفُ شَخْصًا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ\." تَوَجَّهَتْ نَظَرَاتُهُم إِلَيْهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ تَعْبِيرًا خَاصًّا: فُضُولُ فِيرَا الصَّامِتِ، تَوَقُّعُ رُوسَانَا، وَارْتِيَابُ لِيُو الْمَخْفِيّ\. أَضَافَ ثَيْم، وَفِي صَوْتِهِ نَبْرَةُ شَخْصٍ يَسْتَحْضِرُ شَبَحًا مِنَ الْمَاضِي: "إِسْمُهُ: إِيْلْيَاس\.\.\. كَاتِبٌ سَابِقٌ، وَعَامِلٌ فِي الشُّرْطَةِ الْجِنَائِيَّةِ\. كَانَ يَكْتُبُ الرِّوَايَاتِ النَّفْسِيَّةَ، وَيَحْفُرُ عَبْرَ كَلِمَاتِهِ مَمَرَّاتٍ تُؤَدِّي إِلَى الظِّلِّ\. ثُمَّ تَوَقَّفَ\. لَا أَحَدَ يَعْرِفُ لِمَاذَا\. وَالْآنَ\.\.\. يَعِيشُ وَحْدَهُ فِي حَيٍّ قَدِيمٍ، مَسْكُونٍ بِالصَّمْتِ\." أَمَالَتْ فِيرَا رَأْسَهَا قَلِيلًا، وَسَأَلَتْ بِنَبْرَةٍ حَذِرَةٍ، وَفِيهَا شُكُوكُ الْمُحَقِّقَةِ: "وَلِمَاذَا هُوَ؟ مَا الَّذِي يُمَيِّزُهُ؟" ثَيْم، وَهُوَ يُثَبِّتُ نَظَرَهُ فِي نُقْطَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ عَلَى الْحَائِطِ، نَطَقَ بِصَوْتٍ مَمْزُوجٍ بِالذِّكْرَى وَالْأَلَمِ: "لِأَنَّهُ يَفْهَمُ الظِّلَّ\.\.\. يَكْتُبُهُ، يُحَلِّلُهُ وَفِي يَوْمٍ مَا، كَادَ أَنْ يُصْبِحَ جُزْءًا مِنْهُ\." وَفَجْأَةً، وَكَأَنَّ الْكَلِمَاتِ كَانَتْ قَطْرَاتِ مَطَرٍ عَلَى زُجَاجِ قَلْبِهَا، هَمَسَتْ رُوسَانَا وَفِي عَيْنَيْهَا مَسْحَةُ انْبِهَارٍ: "تَبًّا\.\.\. أُرِيدُ لِقَاءَهُ\." ثَيْم، وَبَعْدَ أَنْ سَادَتْ لَحْظَةُ صَمْتٍ، تَقَدَّمَ خُطْوَةً، وَأَرْتَكَبَ جُمْلَتَهُ الْأَخِيرَةَ كَمَنْ يُشْعِلُ شَمْعَةً فِي نَفَقٍ طَوِيلٍ: "سَنَزُورُهُ اللَّيْلَةَ فَضِلَالُ الْقَضِيَّةِ تَتَّسِعُ، وَنَحْنُ نَحْتَاجُ لِقَلَمٍ تَارَكَ الْكِتَابَةَ\.\.\. لِأَنَّهَا كَانَتْ تَكْتُبُهُ\." وَهَكَذَا\.\.\. يَبْدَأُ صَبَاحٌ جَدِيدٌ، لَكِنَّهُ يُشْبِهُ لَيْلًا يُخْفِي مَا هُوَ أَسْوَدُ مِنَ الظَّلَامِ\.\. عِنْدَمَا يَهْجَعُ الْوَقْتُ\.\.\. وَيَصِيرُ الطَّرِيقُ نَفَقًا نَحْوَ الْمَجْهُولِ فِي مُنْتَصَفِ الْنَهَارِ، حِينَ تَكُونُ الْمَدِينَةُ نَصْفَ نَائِمَةٍ وَنِصْفَ سَاهِرَةٍ عَلَى حَافَّةِ النُّورِ، كَانَتْ خُطُوَاتُ فِيرَا، رُوسَانَا، وَلِيُو تَتَقَاطَعُ فِي أَزِقَّةِ الحَيِّ الْقَدِيمِ، الَّذِي شَاخَتْ جُدْرَانُهُ، وَانْحَنَتْ نَوَافِذُهُ كَأَنَّهَا تَتَفَادَى الْحَقَائِقَ الْقَادِمَةَ\. كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهُمْ يَبْدُو مَسْرَحًا لِحَكَايةٍ قَدِيمَةٍ، أَوْ مَقْطَعًا مِنْ ذَاكِرَةٍ نَسِيَهَا الْجَمِيعُ، عَدَا الشُّقُوقِ فِي الْجُدْرَانِ الَّتِي تَذْكُرُ كُلَّ صَوْتٍ، وَتُرَاقِبُ كُلَّ نَفَسٍ\. تَوَقَّفَ ثَيْم أَمَامَ بَابٍ خَشَبِيٍّ مُقَوَّسٍ، طَلَاؤُهُ مُتَقَشِّرٌ، وَالزَّمَانُ قَدْ نَقَشَ عَلَيْهِ أَثَرَ غِيَابٍ طَوِيلٍ\. رَفَعَ يَدَهُ وَطَرَقَ، طَرْقَةً خَفِيفَةً، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُوقِظَ مَا فِي الدَّاخِلِ مِنْ ذَاكِرَةٍ قَابِلَةٍ لِلِاشْتِعَالِ\. صَمْتٌ\.\.\. لَمْ يَجِبْ أَحَدٌ\. ثُمَّ\.\.\. صَوْتُ مِزْلَاجٍ يُفَكُّ، وَصَرِيرُ بَابٍ يُفْتَحُ بِبُطْءٍ، حَتَّى بَدَتْ وَجْهَةُ الرَّجُلِ\.\.\. وَجْهٌ شَاحِبٌ، أَرْبَكَتْهُ الظِّلَالُ أَكْثَرَ مِمَّا أَرْبَكَهُ الضَّوْءُ\. رَجُلٌ فِي أَوَاخِرِ الثَّلَاثِينَاتِ، نَحِيلُ الْجِسْمِ، عَيْنَاهُ كَأَنَّهُمَا نُقِشَتَا بِقَلَمِ فَحْمٍ قَدِيمٍ، حَادَّتَانِ، لَكِنَّ فِيهِمَا تَعَبٌ يُشْبِهُ سُحُبًا تُظَلِّلُ عَقْلًا لَمْ يَنَمْ مُنْذُ سِنِينَ\. هَمَسَ الرَّجُلُ، وَصَوْتُهُ خَشِنٌ كَمَنْ نَسِيَ كَيْفَ يُخَاطِبُ: "ثَيْم\.\.\. مَا الَّذِي أَتَى بِك إِلَى خُرَابِي؟" تَقَدَّمَ ثَيْم خَطْوَةً، وَفِي صَوْتِهِ نَبْرَةُ صَدَاقَةٍ مَزْجُوجَةٍ بِالذِّكْرَى: "لِأَنَّ خَرَابَكَ، يَا إِيْلْيَاس، قَدْ يَكُونُ الْمِفْتَاحَ لِإِعَادَةِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى نِصَابِهِ\. نَحْنُ فِي خَطَرٍ\.\.\. وَهُنَاكَ لُغْزٌ، وَرَاءَهُ قَاتِلٌ، يَسْتَخْدِمُ اللُّغَةَ كَسِلَاحٍ\. نَحْتَاجُ كَاتِبًا، وَلَوْ كَانَ مَكْسُورًا\." تَنَهَّدَ إِيليَاس، وَفِي تَنَهُّدِهِ طَعْمُ خُذْلَانٍ قَدِيمٍ، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ وَقَالَ بِصَوْتٍ فِيهِ قَبُولٌ صَامِتٌ: "ادْخُلُوا\.\.\. لَا شَيْءَ أَسْوَأُ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ\." دَخَلُوا إِلَى مَكَانٍ يَشْبَهُ مَكْتَبَةً نَامَتْ عَلَيْهَا قُرُونٌ\. كُتُبٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ، أَوْرَاقٌ عَلَى الْأَرْضِ، أَقْلَامٌ مَكْسُورَةٌ، وَبَيْنَهَا فِنْجَانٌ قَدِيمٌ لِلْقَهْوَةِ، فَارِغٌ كَمَا هُوَ\. جَلَسُوا عَلَى كَنَبَةٍ مُهْتَرِئَةٍ، وَبَدَأَ إِيليَاس يَتَجَوَّلُ بَيْنَهُمْ، كَأَنَّهُ يُفَكِّرُ أَيْنَ يَضَعُ كَلِمَاتِهِ\. تَوَقَّفَ أَمَامَ فِيرَا، وَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ نَطَقَ كَمَنْ يَكْتُبُ سَطْرًا فِي رِوَايَةٍ جَدِيدَةٍ: "فَتَاةٌ\.\.\. تَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُرَى، وَفِي صَمْتِهَا، تَسْكُنُ أَصْوَاتٌ قُتِلَتْ وَلَمْ تُدْفَن\." أَمَّا لِيُو، فَقَالَ بِنَبْرَةٍ خَفِيفَةٍ وَفِيهَا قَلِيلٌ مِنَ الْمَزَاحِ: "وَأَنَا؟ هَلْ تَرَانِي بَطَلًا؟" أَجَابَهُ إِيليَاس وَهُوَ يُشِيرُ بِقَلَمٍ كَأَنَّهُ سَيْفٌ: "أَنْتَ مَرْآةٌ مَكْسُورَةٌ كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ فِيهَا، يَرَى مَا يُرِيدُ، لَكِنَّهُ يَجْرَحُ أَصَابِعَهُ\." ثُمَّ جَلَسَ، وَبَدَأَ يَقْرَأُ مُلَخَّصَاتِ الْقَضِيَّةِ، يُقَلِّبُ فِي الصُّوَرِ، وَيُغْمِضُ عَيْنَيْهِ أَحْيَانًا كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ سَمَاعَ شَيْءٍ بَيْنَ أَسْطُرٍ غَيْرِ مَكْتُوبَةٍ\. ثُمَّ هَمَسَ، وَكَلِمَاتُهُ خَرَجَتْ كَالرِّيحِ الْبَارِدَةِ: "هُنَاكَ نَمَطٌ\.\.\. هُنَاكَ صَوْتٌ\.\.\. هَذَا الْقَاتِلُ، يَكْتُبُ قِصَّتَهُ، وَلَا يُرِيدُ أَحَدًا أَنْ يَسْبِقَهُ إِلَى النِّهَايَةِ\. وَإِنْ لَمْ نَفْهَمْ لُغَتَهُ، سَنَكُونُ نَحْنُ النِّهَايَةُ\." وَفِي الزَّاوِيَةِ، كَانَتْ قِطْعَةُ شَطْرَنْجٍ، مَلَكٌ أَسْوَدُ، تَقَعُ تَحْتَ كُتُبٍ مَغْبَرَّةٍ\.\.\. كَأَنَّ الْقَصَّةَ قَدْ بَدَأَتْ مِنْ هُنَا\. تَصَادُمُ الْعُيُونِ وَهَمْسُ الْغُرُوفِ تَوَقَّفَ الزَّمَنُ لِثَوَانٍ\.\.\. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي تَقَاطَعَتْ فِيهَا نَظَرَاتُ "إِيليَاس" وَ"رُوسَانَا"، لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ نَظْرَةٍ\.\.\. بَلْ كَأَنَّهَا خَيْطٌ شَفَّافٌ مِنْ ذَاكِ الذِّكْرَى الَّتِي لَمْ تَحْدُثْ، وَلَكِنَّ الْقَلْبَ تَعَثَّرَ بِهَا\. لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ، رَآهَا\. لَيْسَ كَمَا يَرَاهَا الْآخَرُونَ، بَلْ كَأَنَّهَا سَطْرٌ مَكْتُوبٌ فِي وَرَقَةٍ مُمَزَّقَةٍ وَوَاجَهَتْهُ، تَتَفَتَّحُ فِي ضَجِيجِ الْحَيَاةِ كَزَهْرَةِ نِيسَانٍ جَاءَتْ مُتَأَخِّرَةً\. لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَلَمْ تَنْطِقْ\. وَلَكِنَّ نَبْضًا خَفِيًّا تَسَلَّلَ إِلَى صَدْرِهِ، كَأَنَّهُ صَدًى قَدِيمٌ لِأُغْنِيَةٍ نَسِيَ لَحْنَهَا، لَكِنَّ لَهَا وَقْعًا يُرْبِكُ الْأَعْصَابَ\. "رُوسَانَا"، الَّتِي كَانَتْ فِي ذَاتِ اللَّحْظَةِ تُقَلِّبُ صُورَ الْجَرِيمَةِ عَلَى الْمَكْتَبِ، رَفَعَتْ رَأْسَهَا فَصَادَفَتْ نَظَرَتَهُ، وَفِي عَيْنَيْهَا خَلِيطٌ مِنَ الْقُوَّةِ وَالتَّهَاوِي\. كَأَنَّهَا تُخَاطِبُهُ بِلُغَةٍ لَا تَحْتَاجُ لِلْحُرُوفِ\. أَغْضَضَ بَصَرَهُ بَسُرْعَةٍ، كَأَنَّهُ خَائِفٌ مِنْ حَقِيقَةٍ قَدْ تَظْهَرُ فِي هَذَا الْعُمْقِ\. كَتَبَ شَيْئًا فِي دَفْتَرِهِ، ثُمَّ مَحَاهُ، وَتَنَهَّدَ، كَمَنْ يُقَاوِمُ قَصَصًا كَادَ أَنْ يُؤْمِنَ بِهَا\. بَيْنَمَا فِيرَا تَرَاقِبُ تَفَاعُلَ إِيليَاس، لَمْ يُفَاتِحْهَا بِكَلِمَةٍ، وَلَكِنَّهُ حِينَ مَرَّتْ بِجَانِبِهِ فِي اتِّجَاهِ الْكُتُبِ، شَعَرَ كَأَنَّهُ يَقْرَأُ نَصًّا كَانَ مِنْسِيًّا فِي أَرْوِقَةِ ذَاكِرَتِهِ\. أَمَّا "فِيكْتُور"، فَكَانَ فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ قَادِمًا إِلَى الْمَكَانِ، وَمَعَهُ طِفْلَتُهُ الصَّغِيرَةُ "آنا"، وَقَدْ أَصَرَّ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهَا مَعَهُ هَذِهِ الْمَرَّةِ، رُبَّمَا لِيُحَافِظَ عَلَى قُرْبِهِ مِنْهَا، أَوْ رُبَّمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَثِقُ فِي أَحَدٍ\. "آنا" كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى حِضْنِهِ، وَهِيَ تَرْسُمُ بِأَقْلَامِ أَلْوَانٍ فِي دَفْتَرِهِ الْجَافِّ، وَتُشِيرُ إِلَى الرُّسُومِ وَتُفَسِّرُهَا بِطَرِيقَتِهَا\. وَفِيكْتُور، بِكُلِّ صَلَابَتِهِ وَغُمُوضِهِ، كَانَ يَبْتَسِمُ\.\.\. بِلُطْفٍ نَادِرٍ جِدًّا\. هَمَسَ "ثَيْم"، وَهُوَ يُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ، بِنَبْرَةٍ فِيهَا شُجُونٌ خَفِيَّةٌ: "لَمْ أَرَهُ يَبْتَسِمُ هَكَذَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ\.\.\. آنا هِيَ قِطْعَتُهُ الْمَفْقُودَةُ\." وَثَمَّةَ مَا كَانَ يَدُورُ فِي ذِهْنِ فِيرَا، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى فِيكْتُور وَطِفْلَتِهِ، لَا تُفَسِّرُهُ، لَكِنَّهُ كَانَ شُعُورًا يُشْبِهُ الْغَيْرَةَ\.\.\. لَيْسَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى مَا لَا تَمْلِكُهُ\. "لِيُو" كَانَ يُسَجِّلُ مَلَاحَظَاتٍ بِدِقَّةٍ عَلَى دَفْتَرٍ صَغِيرٍ، يَسْأَلُ إِيليَاس عَنْ مَعَانِي الْكَلِمَاتِ وَرُمُوزِ الْقَاتِلِ، فَيَرُدُّ إِيليَاس بِتَفْسِيرَاتٍ نَفْسِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُشْعِلُ فِي عَيْنَيْ فِيرَا نَارَ التَّحْدِّي\. رُوسَانَا، فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى، كَانَتْ تُحَاوِلُ تَحْلِيلَ شَيْءٍ، لَكِنَّ عَقْلَهَا كَانَ يَعُودُ فَجْأَةً إِلَى تِلْكَ النَّظْرَةِ\. تُقَاوِمُهَا، تُنْكِرُهَا، وَتُلْقِي الْقَلَمَ كَأَنَّهَا تُقْنِعُ نَفْسَهَا أَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ\.\.\. لَمْ يَكُنْ شَيْئًا\. أَمَّا "إِيليَاس"، فَفِي زَاوِيَةِ الْمَكْتَبِ الْقَدِيمِ، بَدَأَ يَكْتُبُ فِي دَفْتَرٍ جَدِيدٍ، وَهُوَ أَوَّلُ دَفْتَرٍ يَلْمَسُهُ مُنْذُ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ\. لَمْ يَفْهَمْ لِمَاذَا يَكْتُبُ، وَلِمَاذَا بَدَأَ مِنْ هُنَاكَ، وَلَكِنَّهُ يَشْعُرُ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا يُشْبِهُ الصَّوْتَ الَّذِي أَضَاعَهُ، وَأَنْ رُوسَانَا\.\.\. لَيْسَتْ جُزْءًا مِنَ الْقَضِيَّةِ فَقَطْ\. وَبَيْنَمَا كَانَ الظَّهِيرُ يُقْبِلُ عَلَى الْمَكَانِ، تَغَيَّرَ نُورُ الْغُرْفَةِ، وَبَدَأَ يَسْقُطُ عَلَى أَكْتَافِ الْجَمِيعِ، كَأَنَّهُ يَحْرُثُ فِيهِمْ تَغْيِيرًا دَاخِلِيًّا تَغْيِيرًا لَا يُقَالُ، وَلَكِنَّهُ يُشْعَرُ بَيْنَ كُلِّ سَطْرٍ، وَكُلِّ نَظْرَةٍ، وَكُلِّ نَفَسٍ يُؤْخَذُ بِحَذَرٍ بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنِ النِّقَاشِ، وَتَصَفُّحِ الْمَلَفَّاتِ، وَرَصْدِ التَّفَاصِيلِ اجْتَمَعَ فَرِيقُ التَّحْقِيقِ مِنْ جَدِيدٍ فِي غُرْفَةِ الْكُتُبِ، الَّتِي أَصْبَحَتْ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ خَلْفِيَّةً صَامِتَةً لِكُلِّ مَا يُقَالُ وَيُخْفَى\. وَقَفَ "إِيليَاس" أَمَامَ سَبُّورَةٍ بَيضَاءَ قَدْ أُحْضِرَتْ خِصِّيصًا، وَبَدَأَ يَرْسُمُ عَلَيْهَا بِيَدِهِ نَقْشًا دَقِيقًا لِرُقْعَةِ شَطْرَنْج، مُفَصَّلَةً بِكُلِّ مَرَاكِزِهَا، أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ خَانَةً، بَيْنَ الأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، كَمَا هِيَ الحَيَاةُ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ\. اسْتَدَارَ نَحْوَهُم، وَبَدَأَ يَتَكَلَّمُ بِنَبْرَةٍ جَادَّةٍ، تَخْتَرِقُ الْهَوَاءَ كَمَنْ يُفَسِّرُ أُسْطُورَةً: "قَبْلَ أَنْ نَفْهَمَ الْقَاتِلَ، يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَ لُغَتَهُ\. وَهُوَ، عَلَى مَا يَبْدُو، لَا يَكْتُبُ كَالْبَشَرِ، بَلْ يُفَكِّرُ كَلَاعِبِ شَطْرَنْجٍ\.\.\. يَزْرَعُ كُلَّ قَطْعَةٍ لِغَرَضٍ، وَيَخْسَرُهَا لِغَرَضٍ أَكْبَر\." خَطَا خُطْوَةً نَحْوَ السَّبُّورَةِ، وَقَالَ بِوُضُوحٍ: "رُقْعَةُ الشَّطْرَنْج تَتَكَوَّنُ مِنْ 8أَعْمِدَةٍ وَ8صُفُوفٍ\. كُلُّ لَاعِبٍ يَبْدَأُ بِسِتَّةَ عَشَرَةَ قِطْعَةً: وَاحِدَةُ مَلِكٍ، وَاحِدَةُ مَلِكَةٍ، وَرُوكَانِ \(قِلْعَتَانِ\)، وَفِيلَانِ، وَحِصَانَانِ، وَثَمَانِيَةُ بَيَادِق\." أَشَارَ بِالطَّبَاشِيرِ إِلَى كُلِّ قِطْعَةٍ، وَأَرْدَفَ: "الْمَلِكُ هُوَ أَهَمُّ قِطْعَةٍ لَكِنَّهُ الأَضْعَفُ\. لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقْتَلَ، لَكِنْ إِذَا تَعَرَّضَ لِـ"كِيش مَاتْ"، تَنْتَهِي اللُّعْبَةُ\. أَمَّا الْمَلِكَةُ، فَهِيَ الأَقْوَى: تَتَحَرَّكُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ وَبِأَيِّ عَدَدٍ مِنَ الْخَطَوَات\." "الْقِلْعَةُ، أَوِ الرُّوكْ، تَتَحَرَّكُ أُفُقِيًّا وَعَمُودِيًّا\. وَالْفِيلُ فِي خُطُوطٍ قُطْرِيَّةٍ\. أَمَّا الْحِصَانُ، فَيَقْفِزُ عَلَى الْقِطَعِ، فِي حَرَكَةٍ شَبِيهَةٍ بِحَرْفِ "L"، وَهُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ\." "أَمَّا الْبَيْدَقُ، فَهُوَ الأَضْعَفُ وَالأَكْثَرُ تَضْحِيَةً\. يَتَحَرَّكُ خُطْوَةً وَاحِدَةً إِلَّا فِي أَوَّلِ دَوْرٍ، وَيُهَاجِمُ قُطْرِيًّا\. لَكِنَّ الْعَجِيبَ فِيهِ، أَنَّهُ إِذَا وَصَلَ إِلَى النِّهَايَةِ\.\.\. يُتَوَّجُ، وَيُصْبِحُ مَلِكَةً\." تَوَقَّفَ لِهُنَيْهَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "فَكِّرُوا مَعِي: القَاتِلُ يَتْرُكُ قِطْعَةَ مَلِكٍ أَسْوَدَ فِي كُلِّ جَرِيمَةٍ\. هَذَا لَيْسَ تَوْقِيعًا فَقَطْ، بَلْ إِعْلَانٌ\.\.\. إِشَارَةٌ أَنَّ الرُّقْعَةَ بَدَأَتْ، وَأَنَّنَا نَلْعَبُ\." سَأَلَتْ "فِيرَا" وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ بِفِطْنَةٍ: "وَمَنْ نَكُونُ نَحْنُ؟ أَبْيَضٌ أَمْ أَسْوَدٌ؟ بَيَادِقٌ أَمْ وُزَرَاء؟" أَجَابَهَا إِيليَاس بِهُدُوءٍ: "فِي لُعْبَةِ هَذَا الْقَاتِلِ، كُلُّنَا نَبْدَأُ بَيْنَ الْبَيَادِقِ\. وَفَقَطْ مَنْ يَصِلُ إِلَى النِّهَايَةِ، هُوَ مَنْ يُصْبِحُ مَلِكًا أَوْ يُقْتَلُ كَمَلِكٍ\." أَضَافَ "ثَيْم" وَهُوَ يُقَلِّبُ فِي صُوَرِ الْجَرَائِمِ: "كُلُّ ضَحِيَّةٍ، كَانَتْ تَقَعُ فِي دَوْرٍ مَعَيَّنٍ\. نَحْنُ نَرَى تَتَابُعًا: قَاضٍ، شُرْطِيٌّ، صَحَفِيٌّ، رَجُلُ أَعْمَالٍ\.\.\. كَأَنَّهُ يَقْضِي عَلَى قِطَعٍ بِتَرْتِيبٍ\." صَمَتَ الْجَمِيعُ، كَأَنَّهُمْ أَخِيرًا رَأَوْا لَوْحَةً كَانَتْ مَخْفِيَّةً\. وَقَفَ "لِيُو" وَهُوَ يُمْسِكُ قَلَمَهُ: "وَمَا دَوْرُنَا؟ كَيْفَ نُسْقِطُ مَلِكًا يُخْفِي وَجْهَهُ وَيُحَرِّكُ قِطَعَهُ فِي الظِّلِّ؟" أَجَابَ إِيليَاس وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كُلًّا عَلَى حِدَةٍ: "بِاللُّغَةِ، وَبِالفَهْمِ، وَبِالْقِرَاءَةِ مَا بَيْنَ السُّطُورِ\. فَهُوَ لَا يَتْرُكُ دَمًا فَقَطْ\.\.\. إِنَّهُ يَكْتُبُ وَيَنْتَقِي كَلِمَاتِهِ بِعِنَايَةٍ\." وَبَيْنَمَا يَسْقُطُ الضَّوْءُ عَلَى سَبُّورَةِ الشَّطْرَنْجِ، كَانَ جَمِيعُهُمْ يَشْعُرُونَ، بِصَمْتٍ، أَنَّهُمْ لَمْ يَعُودُوا مُحَقِّقِينَ\.\.\. بَلْ لَاعِبِينَ فِي لُعْبَةٍ قَتَلِيَّةٍ، حَيْثُ كُلُّ خَطَأٍ\.\.\. نِهَايَةٌ\. عَلَى الرُّغْمِ مِنْ ثِقَلِ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي تَكَشَّفَتْ، كَانَتْ الْأَسْئِلَةُ تُفْرِخُ فِي رُؤُوسِهِمْ كَالضَّوْءِ فِي غُرْفَةٍ مُعْتِمَةٍ\. وَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى وَشَكِ مُغَادَرَةِ الْغُرْفَةِ، وَصَلَتْ رِسَالَةٌ جَدِيدَةٌ عَلَى هَاتِفِ "فِيكْتُور"\.\.\. صُورَةٌ لِقِطْعَةِ شَطْرَنْجٍ، هَذِهِ الْمَرَّةِ\.\.\. الْفِيلُ الأَسْوَدُ، وَمَعَهَا وَرَقَةٌ كُتِبَ عَلَيْهَا: "الْخَطْوَةُ التَّالِيَةُ تَحْتَاجُ إِلَى فِرَاسَةٍ\.\. فَهَلْ أَنْتُمْ جَاهِزُونَ؟" تَبَادَلُوا النَّظَرَاتِ، وَقَلْبُ كُلٍّ مِنْهُمْ يَنْقُرُ كَسَاعَةٍ مُتَوَتِّرَةٍ فَالرُّقْعَةُ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ لُعْبَةٍ، وَإِنَّمَا سِجَالٌ بَيْنَ عُقُولٍ، وَرُبَّمَا أَرْوَاحٍ\. تَقَدَّمَ "فِيكْتُور" وَأَغْلَقَ الْحَاسُوبَ، قَائِلًا بِنَبْرَةٍ حَازِمَةٍ: "نَتَحَرَّكُ فَوْرًا\. لَا وَقْتَ لِلتَّرَدُّدِ\. الْجَرِيمَةُ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ وَلَكِنَّهُ أَعْلَنَ خُطْوَتَهُ القَادِمَةَ\." انْطَلَقُوا جَمِيعًا نَحْوَ الْمَكَانِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ رِسَالَةُ الْقَاتِلِ: قَصْرٌ قَدِيمٌ فِي ضَوَاحِي الْمَدِينَةِ، مَهْجُورٌ مُنْذُ سِنِينَ، كَانَ يَمْلِكُهُ رَجُلُ أَعْمَالٍ غَامِضٍ اخْتَفَى بِطَرِيقَةٍ لُغْزِيَّةٍ مِنْذُ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ\. السَّمَاءُ كَانَتْ مَكْفَهِرَّةً، وَالرِّيَاحُ تَنْشُرُ أَصْوَاتًا غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ بَيْنَ أَغْصَانِ الشَّجَرِ الْيَابِسَةِ\. وَصَلُوا إِلَى الْقَصْرِ، وَمَا إِنْ خَطَوْا فِي الْفِنَاءِ الْمُظْلِمِ، حَتَّى اسْتَقْبَلَتْهُمْ رَائِحَةُ الْعَفَنِ وَالْغُبَارِ وَشَيْءٌ آخَر دَمٌ قَدِيمٌ أَوْ ذِكْرَى مَذْبَحَةٍ مَطْمُورَةٍ\. وَقَفَ "لِيُو" وَقَالَ وَهُوَ يَسْتَنشِقُ الْهَوَاءَ بِنَفَسٍ عَمِيقٍ: "لَا شَكَّ فِي هَذَا إِنَّهُ يَجُرُّنَا إِلَى مَكْرُهُ خُطْوَةً خُطْوَةً\. هَذَا الْمَكَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَصْرٍ إِنَّهُ لَوْحَةٌ، وَنَحْنُ الْأَلْوَانُ عَلَيْهَا\." انْفَصَلُوا فِي فِرَقٍ صَغِيرَةٍ\. "فِيرَا" وَ"إِيليَاس" اسْتَكْشَفَا الْجَنَاحَ الْغَرْبِيَّ، حَيْثُ جُدْرَانٌ مَشْقُوقَةٌ وَأَبْوَابٌ تَصْدُرُ عَنْهَا أَصْوَاتُ أَنِينٍ خَفِيٍّ\. "رُوسَانَا" وَ"ثَيْم" وَجَدُوا أَثَرًا لِدِمَاءٍ قَدِيمَةٍ، قُرْبَ دَرَجٍ مَكْسُورٍ\. أَمَّا "فِيكْتُور"، فَأَمْسَكَ بِيَدِ "آنَا" وَأَمَرَ الْمُرَافِقَةَ بِالِانْتِظَارِ فِي السَّيَّارَةِ\. صَعِدَ وَحْدَهُ إِلَى الْعُلِّيَّةِ، وَكَانَ قَلْبُهُ يُخْفِي شُعُورًا غَرِيبًا، كَأَنَّهُ يَعْرِفُ هَذَا الْمَكَانَ، أَوْ كَأَنَّهُ سَبَقَ أَنْ وَقَفَ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ\. وَبَيْنَمَا كَانَتْ قَدَمَاهُ تَطَآنِ أَلْوَاحَ الْخَشَبِ الْقَدِيمَةِ، لَمَحَ شَيْئًا فِي الزَّاوِيَةِ: مِلَفٌّ أَسْوَدُ عَلَيْهِ وَرَقَةٌ صَغِيرَةٌ كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ دَقِيقٍ: "فِيكْتُور، لَوْ كُنْتَ فِعْلًا تَفْهَمُ اللُّعْبَةَ، فَاسْتَعِدْ لِخَسَارَةِ أَقْوَى قِطْعَةٍ لَدَيْكَ\.\.\. الْفِيلُ\." شَعَرَ بِرُعْشَةٍ بَارِدَةٍ تَتَسَلَّلُ فِي عِرْقِهِ\. تَسَاءَلَ فِي سِرِّهِ: "مَنْ هُوَ الْفِيلُ فِي فَرِيقِنَا؟ وَمَا الَّذِي يُرِيدُهُ مِنِّي؟" وَبَيْنَمَا هُوَ غَارِقٌ فِي تَفْكِيرِهِ، تَعَالَى صُرَاخٌ قَادِمٌ مِنَ الطَّابِقِ السُّفْلِيِّ\.\.\. وَصَوْتُ "رُوسَانَا" يَصِيحُ فِي فَزَعٍ: "فِيرَا\.\.\. إِيليَاس\.\.\. أَحَدُكُمَا سَقَطَ\!" اسْتَدَارَ "فِيكْتُور" مُسْرِعًا، وَقَلْبُهُ يَقْرَعُ كَطَبْلِ إِنْذَارٍ\. لَمْ تَعُدِ الرُّقْعَةُ تَسْتَعِدُّ لِخُطْوَةٍ جَدِيدَةٍ\.\.\. بَلْ بَدَأَتْ\. هَبَّ "فِيكْتُور" كَعَاصِفَةٍ تَجْتَاحُ أَزِقَّةَ الْمَخَاوِفِ، يَخْتَرِقُ الدُّرُوبَ الْمُتَصَدِّعَةَ، وَيَصْعَدُ وَيَهْبِطُ سُلَّمًا أَشْبَهَ بِمُتَاهَةٍ قَدِيمَةٍ، صَوْتُ حِذَائِهِ يَطْرُقُ الْخَشَبَ كَجَلَدِ سَوطٍ عَلَى ظَهْرِ صَبْرٍ مُنْهَكٍ\. بَلَغَ الطَّابِقَ السُّفْلِيَّ، وَرَأَى "رُوسَانَا" مُنْحَنِيَةً عَلَى الأَرْضِ، وَبِجَانِبِهَا جَسَدُ "إِيليَاس" مُلْقًى عَلَى الأَرْضِ، وَيَدُهُ تَضُمُّ كَتِفَهُ بَأَلَمٍ وَاضِحٍ\. لَمْ يَكُنْ يَنْزِفُ، وَلَكِنْ تَعَابِيرَ وَجْهِهِ تُشِي بِنُقْطَةِ ضَعْفٍ ضَرَبَتْهُ فِي لَحْظَةِ غَفْلَةٍ\. "سَقَطَ مِنْ عَلَى الدَّرَجِ الْمُهْتَرِئِ، ظَنَنْتُ أَنَّهُ قُتِلَ\.\.\." نَطَقَتْ "رُوسَانَا" بِنَفَسٍ مُتَقَطِّعٍ وَصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، وَوَجْهُهَا مُمْتَلِئٌ بِالذُّعْرِ وَالْخَوْفِ\. انْحَنَى "فِيكْتُور" إِلَى "إِيليَاس"، وَتَفَقَّدَ نَبْضَهُ، ثُمَّ نَظَرَ فِي عَيْنَيْهِ: "أَنْتَ عَلَى مَا يُرَام، لَكِنَّكَ تَحْتَاجُ لِلرَّاحَةِ\. لَا تَتَحَرَّكْ\." هَزَّ "إِيليَاس" رَأْسَهُ بِهُدُوءٍ، وَقَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ مَمْزُوجٍ بِالسُّخْرِيَةِ: "كَانَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْسِّرَ سُقُوطِي بِخُطْوَةٍ شَطْرَنْجِيَّةٍ\.\.\. لَكِنَّهُ كَانَ فَقَطْ دَرَجًا خَائِنًا\." خَلْفَهُمْ، ظَهَرَ "ثَيْم" يُسَاعِدُ "فِيرَا" عَلَى النُّزُولِ، وَهِيَ تَنْظُرُ نَحْوَ "إِيليَاس" بِشُكُوكٍ صَامِتَةٍ\. كَأَنَّ فِي عَيْنَيْهَا تَسَاؤُلًا: هَلْ كَانَ هَذَا السُّقُوطُ صُدْفَةً؟ أَمْ تَحْذِيرًا مِنِ الْقَاتِلِ؟ فِي غُرْفَةٍ قَرِيبَةٍ، وَبَيْنَ أَكْوَامٍ مِنَ الكُتُبِ الْمُمَزَّقَةِ وَالأَثَاثِ الْمُغَطَّى بِالْغُبَارِ، لَمَحَتْ "رُوسَانَا" شَيْئًا يُشْبِهُ بَطَاقَةً صَغِيرَةً، وَقَدْ كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ مُتْقَنٍ: "إِذَا خَسِرْتَ الْفِيلَ، تَعَلَّمْ كَيْفَ تُرَاوِغُ بِالْحِصَانِ\. وَإِلَّا\.\.\. سَيُقْتَلُ مَلِكُكَ وَهُوَ يُفَكِّرُ أَنَّهُ يَحْكُم\." حَمَلَ "فِيكْتُور" الْبِطَاقَةَ وَقَرَأَهَا بِصَمْتٍ، ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى أَرْضِيَّةِ الْغُرْفَةِ: "ابْدَأُوا بِالتَّفَتُّيشِ\. شَيْءٌ مَا فِي هَذَا الْمَكَانِ يُشِيرُ إِلَى الْخُطْوَةِ التَّالِيَةِ\. وَذَلِكَ الْحِصَانُ\.\.\. لَيْسَ قِطْعَةً فَقَطْ\. إِنَّهُ شَخْصٌ\." تَسَاءَلَ "ثَيْم" وَهُوَ يَنْظُرُ نَحْوَ "فِيكْتُور": "تَعْنِي أَنَّ الْقَاتِلَ سَيَسْتَهْدِفُ أَحَدًا جَرِيئًا، مُبَاغِتًا، يَتَحَرَّكُ بِحُرِّيَّةٍ؟ كَالْحِصَانِ؟" أَجَابَهُ بِوُضُوحٍ: "أَوْ رُبَّمَا شَخْصٌ يَظُنُّ أَنَّهُ خَارِجُ الْخَطَرِ، لِأَنَّهُ لَا يَبْدُو مُهِمًّا\.\.\. وَهُنَا تَكْمُنُ قُوَّةُ الْحِصَانِ فِي اللُّعْبَةِ\." وَبَيْنَمَا كَانُوا يَتَفَقَّدُونَ أَرْجَاءَ الْغُرْفَةِ، بَدَأَ الضَّوْءُ فِي الْغُرُوبِ، وَسَقَطَتْ خُيُوطُ الشَّمْسِ كَأَشْبَاحٍ ذَهَبِيَّةٍ عَلَى جُدْرَانِ الْقَصْرِ الْمُتَآكِلَةِ، وَكَأَنَّ الزَّمَنَ نَفَخَ فِي الْمَكَانِ حَيَاةً قَدِيمَةً تُرَاقِبُهُمْ مِنْ خَلْفِ الظِّلَالِ\. خَطَتْ "فِيرَا" خُطْوَةً إِلَى الْخَلْفِ، فَاصْطَدَمَتْ بِصَدْرِ "ثَيْم" فَاسْتَدَارَتْ بِنَظَرَةٍ مُتَوَتِّرَةٍ، وَفِي لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ، كَأَنَّ عَيْنَيْهِمَا تَشَابَكَتَا فِي حِوَارٍ صَامِتٍ، لَمْ يَقُلْ فِيهِ أَحَدٌ شَيْئًا، وَلَكِنَّ القَلْبَ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي الظِّلِّ\. وَبَيْنَمَا كَانَ هَذَا يَجْرِي، بَعِيدًا فِي غُرْفَةٍ أُخْرَى، وَرَاءَ مِرْآةٍ مُغَبَّشَةٍ، كَانَ شَخْصٌ مَا يُرَاقِبُهُمْ\.\.\. وَيَكْتُبُ شَيْئًا فِي دَفْتَرٍ أَسْوَدَ، تَحْتَ عُنْوَانٍ وَاحِدٍ: "الدَّوْرُ السَّادِسُ\.\.\. وَالْحِصَانُ يَسْقُطُ تَحْتَ الضَّوْءِ الْخَاطِئ\." وَفِي زَاوِيَةِ الْغُرْفَةِ، كَانَتْ تُوجَدُ قِطْعَةُ شَطْرَنْجٍ جَدِيدَةٍ، تَكْتَفِي بِالصَّمْتِ\.\.\. قِطْعَةُ الحِصَانِ، مَصْنُوعَةٌ مِنْ زُجَاجٍ أَسْوَدَ، مَكْسُورَةٍ مِنْ طَرَفِهَا، كَأَنَّهَا لَقِيَتْ مَصِيرًا، أَوْ تُنْبِئُ بِمَصِيرٍ\.\.\. قَرِيبٍ\. تَقَدَّمَ "فِيكْتُور" نَحْوَ الْقِطْعَةِ، وَعَيْنَاهُ تَتَفَحَّصَانِهَا كَمَنْ يَقْرَأُ قِصَّةً فِي مَكْتُوبٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ\. مَدَّ يَدَهُ وَرَفَعَهَا بِلُطْفٍ، ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ وَكَأَنَّهُ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ: "الْحِصَانُ\.\.\. أَكْثَرُ الْقِطَعِ خُبْثًا فِي الرُّقْعَةِ، يَتَحَرَّكُ بِشَكْلٍ لَا يُتَوَقَّعُ، وَيَقْفِزُ عَبْرَ الْحَوَاجِزِ كَأَنَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِالْقُيُودِ\.\.\. وَلِذَلِكَ يُقْتَلُ أَوَّلًا\." سَادَ صَمْتٌ قَلِقٌ فِي الْغُرْفَةِ، حَتَّى قَطَعَهُ "إِيليَاس"، وَهُوَ يَتَّكِئُ عَلَى الْحَائِطِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَيَتَنَفَّسُ بِعُمقٍ: "أَظُنُّنِي فَهِمْتُ مَا يُرِيدُهُ مِنَّا\. إِنَّهُ لَا يُرِيدُنَا أَنْ نُحَلِّلَ الْجَرَائِمَ\.\.\. بَلْ أَنْ نَلْعَبَ مَعَهُ\. وَكُلُّ قَطْعَةٍ يُقَدِّمُهَا، هِيَ إِشَارَةٌ لِخَطْوَةٍ جَدِيدَةٍ، أَوْ شَخْصٍ جَدِيدٍ\." ارْتَفَعَ حَاجِبُ "ثَيْم" وَهُوَ يَسْأَلُ بِكِبْرِيَاءِ خَفِيٍّ: "تَعْنِي أَنَّنَا نُقَارِنُ كُلَّ قِطْعَةٍ بِأَحَدٍ مِنَّا؟ أَمْ أَنَّهُ يَضَعُنَا فِي مَوَاقِعَ مُتَفَاوِتَةٍ، وَيَرَاقِبُ طَرِيقَةَ تَفْكِيرِنَا؟" أَجَابَ "فِيكْتُور" بِنَبْرَةٍ مَسْحُوبَةٍ بِالْهُمُومِ: "كِلَا الأَمْرَيْنِ\. إِنَّهُ لَا يَتَسَلَّى\. إِنَّهُ يُعِيدُ تَشْكِيلَ الْعَالَمِ الَّذِي يَرَاهُ وَيَجْعَلُنَا نَلْعَبُ وَفْقَ قَوَاعِدِهِ\. وَكُلَّمَا قَدَّمَ قِطْعَةً، فَهُوَ يُعْلِنُ عَنْ بَدْءِ مُرَاحَلَةٍ جَدِيدَةٍ\." قَطَعَتْ "فِيرَا" السُّكُونَ، وَهِيَ تَنْظُرُ نَحْوَ النَّافِذَةِ الْمَفْتُوحَةِ بِنَظَرَةٍ سَاهِمَةٍ، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ تَكْتُمُ شُجُونًا عَمِيقَةً: "أَرَى نَفْسِي كَبَيْدَقٍ\.\.\. يُدْفَعُ إِلَى الْمَجْهُولِ، خَطْوَةً بَعْدَ أُخْرَى، وَفِي نِهَايَةِ الرُّقْعَةِ، إِمَّا أَنْ أَصِلَ وَأَتَحَوَّلَ إِلَى مَلِكَةٍ، أَوْ أَنْ أُسْقِطَ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَبْقَى طَيَّ النِّسْيَانِ\." أَنْزَلَ "فِيكْتُور" نَظَرَهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ بِبُطْءٍ نَحْوَ الْبَابِ الْمُتَآكِلِ لِلْقَصْرِ، وَقَالَ وَهُوَ يَخْرُجُ: "يَجِبُ أَنْ نُعِيدَ التَّنْظِيمَ\. هَذِهِ الْخَطْوَةُ كَانَتْ إِشَارَةً\. الْقَادِمُ أَسْوَأ\. وَالْحِصَانُ\.\.\. قَدْ يَكُونُ أَحَدًا قَرِيبًا مِنَّا أَكْثَرَ مِمَّا نَتَوَقَّع\." خَرَجُوا وَاحِدًا تِلْوَ الآخَرِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَحْمِلُ فِي جُعْبَتِهِ أَسْئِلَةً لَا أَجْوِبَةَ لَهَا، وَقَلْقًا يَنْقُرُ فِي صَدْرِهِ كَنَاقُوسٍ خَفِيٍّ يُذَكِّرُهُمْ بِأَنَّهُمْ فِي رُقْعَةٍ لَا يُسَيْطِرُونَ عَلَيْهَا\. \.\.\.✦\.\.\. فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَعْدَ أَنْ تَفَرَّقَ الْجَمِيعُ، وَعَادَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ، كَانَ السُّكُونُ يَغْمُرُ الْمَدِينَةَ كَبَطَّانِيَّةٍ مِنْ الدُّجَى، وَالنُّجُومُ تَمْتَدُّ عَلَى السَّمَاءِ كَجُرُوحٍ قَدِيمَةٍ نَسِيَتْ كَيْفَ تَلْتَئِمُ\. أَمَّا "إِيليَاس"، فَقَدْ وَصَلَ إِلَى شَقَّتِهِ الصَّغِيرَةِ فِي الطَّابِقِ الثَّالِثِ مِنْ عِمَارَةٍ قَدِيمَةٍ تُطِلُّ عَلَى حَانُوتٍ لِلْكُتُبِ الْمُسْتَعْمَلَةِ\. الْجِدْرَانُ بَاهِتَةٌ كَالذِّكْرَيَاتِ الْمَغْبَرَةِ، وَالرِّيَاحُ تَتَسَرَّبُ مِنْ نُقَطِ الضَّعْفِ فِي النَّوَافِذِ كَمَنْ يُهَمْهِمُ بِسِرٍّ لَا يُفْهَم\. فَتَحَ الْبَابَ، وَخَطَا دَاخِلًا بِبُطْءٍ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُوقِظَ أَشْبَاحَ الْمَاضِي الْقَابِعَةِ فِي الزَّوَايَا\. خَلَعَ مِعْطَفَهُ، وَوَضَعَهُ عَلَى الكُرْسِيِّ الْخَشَبِيِّ الَّذِي كَانَ يَصْدُرُ أَنِينًا كُلَّمَا تَحَرَّكَ\. أَشْعَلَ مِصْبَاحًا قَدِيمًا، فَتَنَاثَرَ نُورٌ خَافِتٌ عَلَى الْغُرْفَةِ، كَاشِفًا أَرْوِقَةَ الْوَحْدَةِ فِي عَيْنَيْهِ\. تَقَدَّمَ نَحْوَ رُفُوفِ الْكُتُبِ، وَأَخَذَ دَفْتَرًا أَسْوَدَ، مُهْتَرِئَ الْغِلَافِ، كَانَ يُخْبِئُهُ فِي الدَّرْجِ السُّفْلِيِّ لِمَكْتَبِهِ\. فَتَحَهُ بِيَدٍ مُتَرَدِّدَةٍ، وَتَفَحَّصَ أَوَّلَ صَفْحَةٍ فِيهِ\.\.\. كَانَتْ هُنَاكَ جُمْلَةٌ وَحِيدَةٌ: "فِي كُلِّ كَلِمَةٍ كَتَبْتُهَا\.\.\. كُنْتُ أُخْفِي جُرْحًا أَعْجَزُ عَنْ لَمْلَمَتِهِ\." "يَامَنْ هَوَاهَا قَلْبِي، وَ غَرَقَ فُؤَّدِي بِهَا، آهٍ ياَنَفْسُ أَلَمْ يَكْفِيكِ عِتَّابِي لِنَفْسِي الَّتِي أَبَّتِ النِسْيَّانَ، فَارْحَمِينِي يَا دِكْرَيَاتُ" أَطَالَ النَّظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ، وَدَخَلَ فِي فَلَكِ الذِّكْرَيَاتِ كَمَنْ يَسْقُطُ فِي بِئْرٍ دُونَ قَاعٍ\. POV ILYAS: كَانَ يَوْمًا مَاطِرًا\.\.\. فِي ذَلِكَ الْعَامِ الَّذِي تَخَلَّيْتُ فِيهِ عَنِ الْكِتَابَةِ يَوْمًا كَانَتْ فِيهِ الْحُرُوفُ تُنَازِعُنِي، وَالْوَرَقُ يُبْكِي أَصَابِعَي\. لَمْ يَكُنْ لِأَنَّي فَقَدْتُ الْإِلْهَامَ\.\.\. بَلْ لِأَنَّهُ فَقَدْتُ مَنْ كُنْتُ أَكْتُبُ لَهَا\. "أَمَالْيَا"\.\.\. حُبِّي وَ هَيَامِي الْقَدِيمُ، وَالْوَحِيدُ\. كَانَتْ تُحِبُّ كِتَابَاتِي تُؤْمِنُ بِهَا، تُقْسِمُ أَنَّ فِي كُلِّ نَصٍّ أَكْتُبُهُ مِرْآةً لِنَبْضِهَا\. وَعِنْدَمَا رَحَلَتْ فِي حَادِثِ سَيْرٍ غَبِيٍّ، كَأَنَّ الْعَالَمَ كَتَبَ نِهَايَتَهُ عَلَى حَافَّةِ رَصِيفٍ مُبْتَلٍّ\. يَوْمَهَا، أَحْرَقَتُ كُلَّ مَا كَتَبْتُ، وَأَغْلَقْتُ عَلَى نَفْسِي الْبَابَ، وَتَعَلَّمْتُ كَيْفَ أَصْمُتُ وَأَنَا أَحْتَرِقُ\. كُنْتُ أَسْهَرُ وَ أُرَاقِبُ السَّاعَاتِ كَمَنْ يَنْتَظِرُ عَوْدَةً لَنْ تَأْتِي\. كُنْتُ أُرَاجِعُ صُورَهَا، وَأُكَلِّمُهَا فِي ذِهْنِي، وَأَسْأَلُهَا: "لِمَاذَا تَرَكْتِنِي فِي نُصْفِ السَّطْرِ؟ لِمَاذَا الآن؟ أَلَمْ تُفَكِّرِي بِحَالَتِي مِنْ بَعْدِكِ؟ قَلْبِي\.\.\. عَقْلِي\.\.\. سَعَادَتِي\.\.\. ذَهَبَتْ مَعَكِ ذَهَبَتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ يَوْمًا هُنَا، كَأَنَّنِي كُنْتُ أَحْلَمُ وَفَقَطْ مُنْذُ رَحِيلِكِ، أَغْلَقْتُ نَافِذَةَ الْكِتَابَةِ، وَأَطْفَأْتُ أَنْفَاسَ الْقَلَمِ، مَا عَادَتِ الْحُرُوفُ تُطَاوِعُنِي، وَمَا عَادَ لِلْوَرَقِ صَوْتٌ يَسْمَعُنِي كُلُّ شَيْءٍ صَارَ صَامِتًا، حَتَّى الأَلَمُ أَصْبَحَ يَبْكِي بِلَا صَوْتٍ فِي أَعْمَاقِي كَيْفَ لِي أَنْ أَكْتُبَ وَأَنْتِ كُنْتِ مِحْبَرَةَ قَلْبِي؟ كَيْفَ أَنْسُجُ جُمَلَ العِشْقِ وَأَنْتِ كُنْتِ كُلَّ المعْنَى؟ مَنْذُ أَنْ غِبْتِ، كُلُّ الْكَلِمَاتِ صَارَتْ بَاهِتَةً، كَأَنَّهَا تُعَزِّي فِيَّ وَتَبْكِي كُنْتِ سَبَبَ نُضُوجِ قَلَمِي، وَالآنَ أَنْتِ سَبَبُ ذُبُولِهِ، فَمَا فَائِدَةُ الكِتَابَةِ إنْ لَمْ تَكُنْ لِعَيْنَيْكِ؟ وَمَا قِيمَةُ الحُرُوفِ إنْ لَمْ تَرْتَجِفْ لِصَوْتِكِ؟ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، أَضَعُ رَأْسِي عَلَى وَرَقَةٍ فَارِغَةٍ، وَأَكْتُبُ: "أَنَا لا شَيْءَ بَعْدَكِ\.\.\." ثُمَّ أَبْكِي\.\.\. أَبْكِي كَكِتَابٍ أُغْلِقَتْ آخِرُ صَفْحَاتِهِ فَجْأَةً، وَتُرِكَ وَحِيدًا فِي رَفٍّ مُظْلِمٍ\.\.\. كَانُوا يَقُولُونَ: "الحُبُّ يُلْهِمُ الشُّعَرَاءَ"، وَلَمْ يَقُولُوا: "فَقْدُهُ يَقْتُلُهُم\!" وَأَنَا\.\.\. مُنْذُ فَقَدْتُكِ، قَتَلْتُنِي كُلُّ قِصَّةٍ، وَأَحْيَتْنِي الذِّكْرَى لِتُعِيدَ قَتْلِي\.\.\. فَهَلْ تَسْمَعِينَ صَوْتِي مِنْ بَعِيدٍ؟ هَلْ يَصِلُكِ أَنِينُ قَلَمٍ انْكَسَرَ فِي غِيَابِكِ؟ أَمْ أَنَّكِ نَسِيتِ، كَمَا تُنْسَى الكِتَابَاتُ القَدِيمَةُ فِي أَدْرَاجِ الْمُنْسَيِّينْ؟ لَوْ كُنْتِ تَسْمَعِينَ\.\.\. فَاعْلَمِي، أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَكْتُبُ لِأَحَدٍ، وَأَنَّ أَجْمَلَ قِصَائِدِي، دُفِنَتْ مَعَكِ قَلَمُي أَصْبَحَ سَهْمًا مَسْمُومًا، وَالْوَرَقُ كَفَنًا، وَكُلُّ قِصَّةٍ أَخُطُّهَا تَنْتَهِي بِنَفْسِ الْفَقْدِ\. وَبَعْدَ سَنَةٍ، أُغْلِقُ الدَّفْتَرَ، وَقَرَّرْتُ أَنْ أَكْتُبَ بِنُبْضٍ آخَرَ\.\.\. نَبْضِ التَّحْقِيقِ وَالْعُزْلَةِ لَمْ أَكُنْ أَبَدًا مِثْلَ بَاقِي الْمُحَقِّقِينَ، كُنْتُ أَقْرَأُ الْقَضَايَا كَنُصُوصٍ شَاعِرِيَّةٍ مَكْتُوبَةٍ بِالدَّمِ\. أَفْهَمُ الْقَاتِلَ كَشَخْصٍ مَكْسُورٍ، وَلَيْسَ كَمُجْرِمٍ فَقَطْ\. كُنْتُ أُدْرِكُ أَنَّ خَلْفَ كُلِّ جَرِيمَةٍ، صَوْتًا يَصْرُخُ: "انْقُذُونِي\." POV END فَتَحَ النَّافِذَةَ، وَتَنَفَّسَ الْهَوَاءَ الْبَارِدَ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُطْفِئَ نِيرَانَ الْأَحْرُفِ فِي صَدْرِهِ\. ثُمَّ جَلَسَ و الغُمُوضُ يَرْتَدِي مَلاَّمِحَهُ هَذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ عَوْدَتِ الْحُزْنِ لَهُ فَقِدْ صَارَ مُلاَّزِمُهُ، وَبَدَأَ يُسَطِّرُ فِي الدَّفْتَرِ جُمْلَةً جَدِيدَةً، تَرِجِفُ أَطْرَافُهُ وَهُوَ يَكْتُبُهَا: "رُبَّمَا\.\.\. كَانَتْ الْجَرَائِمُ نَصُوصًا لَمْ تَجِدْ قَارِئَهَا، وَأَنَا، فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ\.\.\. أَبْحَثُ عَنْكِ\." فَسَقَطَتْ دَمْعَةٌ عَلَى الصَّفْحَةِ، تَمَوَّجَ فِيهَا الْحِبْرُ كَمَنْ يُعَانِقُ الْفَقْدَ فِي صَمْتٍ\.\.\. وَبَقِيَ يُحَدِّقُ فِي الْكَلِمَاتِ كَمَنْ يَنْتَظِرُ مِنْهَا أَنْ تُعِيدَ لَهُ نَبْضَ قَلْبٍ مَاتَ مُنْذُ سَبْعِ سَنَوَاتٍ \.\.\.✦\.\.\. فِي الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَانَ "فِيكْتُور" يَصِلُ إِلَى مَنْزِلِهِ الْهَادِئِ، حَيْثُ يَنْتَظِرُهُ صَوْتٌ وَحِيدٌ قَادِرٌ عَلَى تَفْتِيتِ كُلِّ تَعَبِ الْعَالَمِ: ضِحْكَةُ طِفْلَتِهِ\. فَتَحَ الْبَابَ، وَمَا كَادَ يَخْطُو إِلَى الدَّاخِلِ حَتَّى قَفَزَتْ عَلَيْهِ صَغِيرَتُهُ "آنا"، تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَصَوْتُهَا الْفَرِحُ يُغَرِّدُ: "باباااا\! رَجَعْت\! لَاحِظْ مَا رَسَمْتُهُ لَكَ\!" ضَحِكَ "فِيكْتُور"، وَهُوَ يَحْمِلُهَا بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، وَيُقَبِّلُ جَبِينَهَا بِحَرَارَةٍ كَمَنْ يُقَبِّلُ سَبَبَ نَبْضِهِ\. نَظَرَ فِي الرَّسْمَةِ الْمُلَوَّنَةِ الَّتِي سَلَّمَتْهَا لَهُ: قَلْبٌ كَبِيرٌ وَرَجُلٌ بِشَعْرٍ أَسْوَدَ، وَفَتَاةٌ تَرْتَدِي تَاجًا وَتَطِيرُ، وَفِي الأَعْلَى: "بابا بَطَلِي"\. ضَاقَ صَدْرُهُ بِالْفَرَحِ، وَكَأَنَّ كُلَّ سَاعَاتِ التَّحْقِيقِ وَالْجَرَائِمِ تَبَخَّرَتْ فِي نَظْرَةِ ابْنَتِهِ\. جَلَسَا سَوِيًّا فِي الصَّالَةِ، وَهِيَ تَلْعَبُ بِشَعْرِهِ وَتَسْأَلُهُ أَسْئِلَةً غَرِيبَةً كَعَادَةِ الأَطْفَال "بابا\.\.\. هَلِ الشُّرَطِيُّ يُطَارِدُ الْوَحُوشَ؟" ضَحِكَ فِيكْتُور، وَأَجَابَهَا وَهُوَ يُقَبِّلُ أُذُنَهَا: "أَجَلْ، وَلَكِنَّ الْوُحُوشَ الَّتِي نُطَارِدُهَا لَا تَخْتَبِئُ تَحْتَ السَّرِيرِ، بَلْ فِي قُلُوبِ النَّاسِ الَّذِينَ نَسُوا مَعْنَى الْحُبِّ\." سَأَلَتْهُ بِنَظَرَةٍ حَيَرَى: "وَلِمَاذَا الْقِطَطُ لَا تَذْهَبُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ؟" فَرَكْ حَاجِبَهُ بِإِصْبَعِهِ وَتَمَالَكَ ضِحْكَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: "لِأَنَّهَا ذَكِيَّةٌ جِدًّا، تَتَعَلَّمُ بِالنَّظَرِ وَالْحِيلَةِ، وَمَجْرَّدُ أَنْ تَسْتَيْقِظَ، تَعْرِفُ كَيْفَ تَجِدُ طَعَامَهَا وَتَتَجَنَّبَ الْمَاءَ\.\.\. وَذَلِكَ دَرْسٌ لَمْ أَتَعَلَّمْهُ أَنَا حَتَّى الْيَوْمِ\!" قَهْقَهَتْ "آنا"، ثُمَّ تَكَوَّرَتْ عَلَى صَدْرِهِ، وَسَأَلَتْهُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى عَيْنَيْهِ: "وَلِمَاذَا اسْمِي آنا، وَلَيْسَ زَهْرَة؟" قَرَّبَهَا مِنْهُ، وَهَمَسَ بِصَوْتٍ دَافِئٍ مِلْؤُهُ الْيَقِينُ: "لِأَنَّ \(آنا\) فِي لُغَةٍ قَدِيمَةٍ تَعْنِي: النِّعْمَةُ، وَأَنْتِ أَكْبَرُ نِعْمَةٍ فِي حَيَاتِي، أَجْمَلُ مِنْ زَهْرَةٍ، وَأَنْقَى مِنْ الْمَطَرِ\." كَانَ يُجِيبُهَا وَهُوَ يَضْحَكُ، يَخْتَرِعُ أَجْوِبَةً تَجْعَلُهَا تَضْحَكُ بِنَشْوَةٍ كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَخْبِئَ الْعَالَمَ عَنْهَا، وَيَحْفَظَ لَهَا فُقَاعَةَ الطُّفُولَةِ صَافِيَةً نَقِيَّةً\. ثُمَّ أَخَذَهَا لِتَسْتَحِمَّ، وَكَانَ يُغَنِّي لَهَا أُغْنِيَةً قَدِيمَةً مِنْ ذِكْرَيَاتِه، تُضْحِكُهَا لِأَنَّهُ يُخْرِجُ الأَلْحَانَ بِصَوْتٍ مُزْعِجٍ\. وَفِي بَيْنِ نَفَضَاتِ الْمَاءِ وَاللَّعِبِ بِالْفُقَاعَاتِ، كَانَ "فِيكْتُور" يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَفِي عَيْنَيْهِ نُورٌ خَفِيٌّ: نُورُ رَجُلٍ تَعَلَّمَ أَنْ يُنَاضِلَ، لِكَيْ يَكُونَ لَهَا\.\.\. وَيَحْفَظَ ضَحِكَتَهَا\. بَعْدَ أَنْ أَنْهَيَا، جَلَسَتْ فِي حِضْنِهِ، وَكَانَتْ تَلْعَبُ فِي أَزْرَارِ قَمِيصِهِ وَتُقَبِّلُ وَجْهَهُ وَتَقُولُ: "بابا\.\.\. إِذَا أَصْبَحْتُ كَبِيرَةً، هَلْ سَتَتَرُكْنِي؟" وَكَانَ جَوَابُهُ هَمْسَةً دَافِئَةً وَمِلْءَ الْيَقِينِ: "سَأَظَلُّ أُحِبُّكِ حَتَّى وَأَنْتِ فِي السَّمَاءِ، وَأَتْبَعُكِ فِي كُلِّ حُلْمٍ، كَظِلٍّ يُحَاوِلُ أَنْ يَحْمِيكِ حَتَّى مِنَ النُّجُومِ\." وَنَامَتْ فِي حِضْنِهِ، وَهُوَ يُمْسِكُ بِشَعْرِهَا الصَّغِيرِ كَأَنَّهُ يُخَبِّئُ عُمُرًا فِي خُصْلَةٍ\.\.\. وَفِي نَفْسِهِ يُقَاوِمُ أَنْ يَتَذَكَّرَ كَمْ مِنَ الْخَسَارَاتِ عَاشَهَا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَهَا\. لَكِنَّهُ الْيَوْمَ\.\.\. كَانَ فَقَطْ: أَب وَبَعْدَ أَنْ نَامَتْ "آنا"، وَسَكَنَ الْمَنْزِلُ إِلَّا مِنْ صَوْتِ أَنْفَاسِهَا الْهَادِئَةِ جَلَسَ "فِيكْتُور" وَحْدَهُ عَلَى كَنَبَةٍ عَابِثَةٍ بِخُصُولِ شَعْرِهِ، يُحَاوِلُ تَفْكِيكَ سِجِلٍّ قَدِيمٍ جِدًّا\.\.\. فِي ذَاكِرَتِهِ\. كَانَ الضَّوْءُ خَافِتًا، يَتَسَلَّلُ مِنْ مِصْبَاحٍ صَغِيرٍ، وَظِلُّهُ يَتَمَدَّدُ عَلَى الْجِدَارِ كَأَنَّهُ رَجُلٌ أَثْقَلَتْهُ ذُنُوبُ قَرَارَاتٍ لَمْ يَتَّخِذْهَا، وَلَكِنَّ الْوَقْتَ كَتَبَهَا بِاسْمِهِ\. عَيْنَاهُ كَانَتَا سَاهِمَتَيْنِ، تُحَدِّقَانِ فِي لَا شَيْءٍ، كَأَنَّهُ يَرَى خُيُوطًا دَقِيقَةً مِنَ الْمَاضِي تَتَشَكَّلُ أَمَامَهُ وَتَتَلَاعَبُ بِهَا الظِّلَالُ كَبَيَادِقَ عَلَى رُقْعَةٍ قَدِيمَةٍ\. أَسْنَدَ مِرْفَقَهُ إِلَى ذِرَاعِ الْكَنَبَةِ، وَأَسْنَدَ وَجْهَهُ إِلَى كَفِّهِ، وَكَانَ نَبْضُ أُصَابِعِهِ يَخْفِقُ عَلَى جَبْهَتِهِ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يُطْفِئَ نَارًا صَغِيرَةً فِي ذَاكِرَتِهِ تَشَبَّتْ بِكُلِّ جِدَارٍ فِيهِ\. "نَادِي الظِّلِّ" هَكَذَا كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ، فِي الهُمُسَاتِ الَّتِي كَانَ يَسْمَعُهَا فِي طُفُولَتِهِ، وَلَمْ يَفْهَمْهَا حِينَهَا\. وَالدُهُ كَانَ صَمْتُهُ يَحْمِلُ سِرًّا، وَكُلَّمَا سَأَلَهُ عَنْ مِهْنَتِهِ، كَانَ يُجِيبُ بِكَلِمَاتٍ مُبْهَمَة: "العَدَالَةُ أَعْمَى، وَأَحْيَانًا نَحْنُ مَنْ نَجْعَلُهَا تُبْصِرُ بِطُرُقٍ أُخْرَى\." لَمْ يَفْهَمْ فِيكْتُور مَعْنَى ذَلِكَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ اسْمُهُ عَلَى الرُّقْعَةِ، لَيْسَ كَقُطْعَةٍ يُدِيرُهَا هُوَ، بَل كَقُطْعَةٍ يَنْتَظِرُونَ مِنْهَا أَنْ تُحَرِّكَهُمْ\. "البِيشُوبُ الصَّامِتُ\.\.\." هَكَذَا كُتِبَ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ اللَّقَبَ يُعَبِّرُ عَنْهُ: رَجُلٌ يَرَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَلَكِنَّهُ يَتَحَرَّكُ عِنْدَمَا يَحِينُ الْوَقْتُ "هَلْ كَانَ وَالِدي ذُو وَجْهَيْنِ، ياَ إلاَّهِي سَاعِدْنِي" تَنَهَّدَ بِعُمْقٍ، وَحَاوَلَ أَنْ يُغَيِّرَ تَفْكِيرَهُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ\.\.\. أَنَّ مَاضِي وَالِدِهِ لَمْ يَمُتْ، بَلْ يَزْحَفُ نَحْوَهُ، وَأَنَّ مَا تَرَكُوهُ فِي الْقَصْرِ الْقَدِيمِ لَا يَزَالُ يَتَنَفَّسُ فِي كُلِّ جَرِيمَةٍ، فِي كُلِّ قَطْعَةِ شَطَرَنجٍ، فِي كُلِّ رَقْمٍ سَبْعَة يُرْسِلُهُ الْقَاتِلُ كَتَوْقِيعٍ مَسْمُومٍ\. وَمِنْ غُرْفَةِ ابْنَتِهِ، سَمِعَ حَفِيفَ غِطَائِهَا، فَانْتَصَبَ بِلُطْفٍ، وَدَخَلَ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّهَا دَافِئَةٌ\.\.\. وَآمِنَةٌ\. نَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَتَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ فِي عَيْنَيْهِ\. كَأَنَّ تِلْكَ الظِّلَالَ كُلَّهَا، بَقِيَتْ فِي الْكَنَبَةِ، وَأَنْفَاسَهَا الصَّغِيرَةُ أَجْبَرَتْهُ عَلَى أَنْ يَتَذَكَّرَ، أَنَّهُ لَمْ يُولَدْ لِيَكُونَ نَسْخَةً مِنْ مَاضٍ قَاتِلٍ\.\.\. بَلْ حَارِسًا لِمُسْتَقْبَلٍ أَنْقَى\. وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يُغْمِضْ عَيْنَيْهِ لَيْلَتَهَا\. كَانَ يَعْرِفُ، أَنَّ الرَّقْعَةَ تَتَحَرَّكُ وَهُوَ أَحَدُهَا\. وَفِي الصَّبَاحِ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ: هَلْ يُجَارِي مَا خَطَّهُ الظِّلُّ؟\.\.\. أَمْ يَصْنَعَ لِنَفْسِهِ قَاعِدَةً جَدِيدَةً؟ \.\.\.✦\.\.\. صَبَاحٌ جَدِيدٌ الْسَاعَةُ 9:00 بَيْنَمَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي عَالَمِهِ الْخَاصِّ، يَتَجَهَّزُ لِيَوْمٍ آخَرَ، أَوْ يَتَخَبَّطُ فِي أَفْكَارٍ قَلِقَةٍ، رَنَّ هَاتِفُ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ\.\.\. نَغْمَةٌ وَاحِدَةٌ، رَنَّتْ فِي خَمْسَةِ مَنَازِلَ فِي آنٍ وَاحِدٍ\. "مُكَالَمَةٌ طَارِئَةٌ: يُرْجَى فَتْحُ الرَّابِطِ الْمُرْفَقِ حَالًا\. الْبَثُّ مُبَاشِرٌ\." كَانَتِ الرِّسَالَةُ مُقْتَضَبَةً، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ كَفِيلَةً بِأَنْ تُسْقِطَ جَمِيعَ الْأَلْوَانِ مِنْ وُجُوهِهِم\. "فِيكْتُور" تَجَمَّدَ فِي مَكَانِهِ، وَنَظَرَ إِلَى الْهَاتِفِ كَمَنْ يَرَى شَبَحًا وَكَانَتْ ابْنَتُهُ تُنَادِيهِ مِنَ الْغُرْفَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُجِبْ\. "فِيرَا" وَقَفَتْ وَسَطَ غُرْفَتِهَا وَفِي عَيْنَيْهَا رُعْبٌ لَمْ تَعْهَدْهُ فِي نَفْسِهَا، أَمَّا "رُوسَانَا" فَتَسَاقَطَ مِنْ يَدَيْهَا الْكُوبُ وَانْكَسَرَ، وَهِيَ تُحَاوِلُ فَهْمَ مَا تَرَاهُ عَلَى الشَّاشَةِ\. "ثِيم" كَانَ فِي سَيَّارَتِهِ، وَأَوْقَفَهَا فُجْأَةً عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، وَعَيْنَاهُ تَتَّسِعَانِ، وَيُفَعِّلُ صَوْتَ الْهَاتِفِ بِرُعْبٍ\. "لِيُو" صَاحَ بِلَا وَعْيٍ: "لَا يُمْكِن\.\.\.\!" ثُمَّ جَرَى نَحْوَ جِهَازِ التِّلْفَازِ وَشَغَّلَهُ، وَالْكَهْرَبَاءُ تَكَادُ تَرْتَعِشُ مِنْهُ\. أَمَّا "إِيلْيَاس"، فَقَدْ كَانَ جَالِسًا أَمَامَ نَافِذَتِهِ، يَقْرَأُ قِصَّةً قَدِيمَةً، وَعِنْدَمَا رَأَى الرِّسَالَةَ، أَسْقَطَ الْكِتَابَ، وَقَامَ مُتَثَاقِلًا، كَمَنْ يَسِيرُ نَحْوَ مِقْصَلَتِهِ\. تَفَاعَلُوا كُلُّهُمْ\.\.\. فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَكَأَنَّ يَدًا خَفِيَّةً سَحَبَتْهُمْ نَحْوَ قَدَرٍ مَكْتُوبٍ\. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَشْعَلَ جِهَازَ التِّلْفَازِ، وَأَصْوَاتُ الْأَخْبَارِ تَخْتَرِقُ جُدْرَانَ الْمَكَانِ: "عَاجِلٌ: جَرِيمَةُ قَتْلٍ بَشِعَةٌ فِي قَصْرِ دِيلْمَارْكْ\.\.\. وَفِي الْمَكَانِ وُجِدَتْ رُقْعَةُ شَطَرَنجٍ أُخْرَى، وَعَلَيْهَا كَانَتْ تَكْتُبُ: ' اللُّعْبَةُ لَمْ تَنْتَهِي\. " وَتَجَمَّدَتِ الصُّوَرُ عَلَى الشَّاشَاتِ، وَفِي عُيُونِهِمْ شَرَارَاتٌ مِنْ خَوْفٍ\.\.\. أَمْ رُبَّمَا نُذُرُ قَدَرٍ قَادِمٍ، لَا مَفَرَّ مِنْهُ\. إِلَى هُنَا\.\.\. يُطْفَأُ الضَّوْءُ، وَيَبْدَأُ السُّكُونُ يَسْتَعِدُّ لِرَعْشَةٍ جَدِيدَةٍ هنا ننهي فصلنا استودعكم الله دمتم في رعاية الله وحفضه كانت معكم زينب 🤭🦋💋
aelure.x