"خُيُوطُ صَامِتَةٌ فِي زَوَايَا المَسَاءِ" نَظَرَتْ لَهُ "فِيرَا" وَعَيْنَيْهَا يَمْلَؤُهُمَا فَرَاغٌ بَارِدٌ، كَأَنَّهَا تَسْتَحْضِرُ ظِلًّا مَرَّ مِنْ حَيَاتِهَا دُونَ أَنْ يَتْرُكَ أَثَرًا\. تَمْتَمَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ لَكِنَّهُ حَادٌّ كَالشَّفْرَةِ: "وَأَنَا لَا أُحِبُّ الرِّجَالَ كَثِيرِي الْكَلَامِ مِثْلَكَ يَا سَيِّدِي\." سَادَ صَمْتٌ مُتَوَتِّرٌ فِي الْغُرْفَةِ\. ارْتَفَعَتْ حَاجِبَا "فِيكْتُور" بِدَهْشَةٍ وَاضِحَةٍ، لَمْ يَعْتَدْ أَنْ يُقَاطِعَهُ أَحَدٌ، وَبِالْأَخَصِّ فَتَاةٌ فِي عُمْرِهَا، تُوحِي مَلَامِحُهَا الْبَرِيئَةُ الْهَادِئَةُ بِأَنَّهَا سَتَصْمُتُ وَتُذْعِنُ، لَكِنَّهَا فَجَّرَتْ شَيْئًا آخَرَ تَمَامًا\. صَفَّى حَلْقَهُ، وَاسْتَجْمَعَ شَتَاتَ كَرَامَتِهِ الَّتِي خُدِشَتْ لِلتَّوِّ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ حَاوَلَ أَنْ يُعِيدَ بِهَا تَوَازُنَهُ: "حَسَنًا\.\.\. لِنَعُدْ إِلَى الْمَوْضُوعِ الْأَسَاسِيِّ\. سَأُقَسِّمُ عَلَيْكُمْ الْمَهَامَّ، رَغْمَ أَنَّنِي لَا أُوَافِقُ عَلَى وُجُودِ فَتَاتَيْنِ، لَكِنْ\.\.\. مَاذَا عَسَانِي أَنْ أَقُولَ؟ لَقَدْ أَرْسَلُوا لِي غَبِيًّا لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ رَصَاصَةٍ وَمِفْتَاحِ تَحْقِيقٍ\." ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْجَمِيعِ بِعَيْنٍ ثَاقِبَةٍ وَأَضَافَ: "رُوسَانَا، لِيُو، سَتَكُونَانِ مَعًا\. أَمَّا أَنْتِ يَا فِيرَا، فَسَتَأْتِينَ مَعِي\." تَبَادَلَتْ "فِيرَا" وَ"رُوسَانَا" نَظْرَةً قَصِيرَةً مَشْحُونَةً، قَبْلَ أَنْ تَهُزَّ رُوسَانَا كَتِفَيْهَا بِلَا مُبَالَاةٍ وَتَقُولَ بِابْتِسَامَةٍ مَائِلَةٍ: "طَالَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مَعَكِ، فَأَنَا مُوَافِقَةٌ\." ضَحِكَ "لِيُو" بِخُفُوتٍ، لَكِنَّ "فِيكْتُور" تَجَاهَلَهُمَا، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ حَقِيبَتِهِ ثَلَاثَةَ مِلَفَّاتٍ وَوَزَّعَهَا\. "لِيُو، رُوسَانَا، سَتَبْدَءُونَ بِالْتَّحْقِيقِ فِي جَرِيمَةِ الْقَاضِي\. أُرِيدُكُمَا أَنْ تُجْرِيَا مُقَابَلَةً مَعَ زَوْجَتِهِ السَّابِقَةِ وَخَادِمِهِ الشَّخْصِيِّ\. أُشِيعَ أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ لَاحَظَ تَصَرُّفَاتٍ مُرِيبَةً قَبْلَ يَوْمِ الْجَرِيمَةِ، وَرُبَّمَا يَمْلِكُ مَا يُسَاعِدُنَا\." سَحَبَ نَفَسًا عَمِيقًا وَأَرْدَفَ: "سَأَعْتَمِدُ عَلَى قُدْرَتِكُمَا فِي الاسْتِفْزَازِ، وَاسْتِخْرَاجِ الْأَسْرَارِ مِنْ تَحْتِ الرَّمَادِ\. رُوسَانَا، أَنْتِ تَعْرِفِينَ كَيْفَ تَلْعَبِينَ دَوْرَ الصَّدِيقَةِ، وَلِيُو\.\.\. أَنْتَ تُجِيدُ الظُّهُورَ بِدَوْرِ الْمُحَقِّقِ الْبَارِدِ\." ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى "فِيرَا" وَقَالَ: "أَمَّا نَحْنُ، فَلَدَيْنَا زِيَارَةٌ خَاصَّةٌ الْيَوْمَ\." لَمْ تُجِبْهُ، فَقَطْ رَفَعَتْ رَأْسَهَا قَلِيلًا لِتُتَأَمَّلَهُ بِصَمْتٍ\. لَكِنْ صَوْتًا جَدِيدًا قَاطَعَ الْمَشْهَدَ: "هَلْ سَتُغَادِرُ دُونَ أَنْ تُعَرِّفَنِي عَلَى الزَّهْرَةِ الَّتِي سَتُرَافِقُكَ يَا فِيكْتُور؟" الْتَفَتَ الْجَمِيعُ إِلَى مَصْدَرِ الصَّوْتِ\. كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْبَابِ، رَجُلٌ فِي نِهَايَةِ الثَّلَاثِينَاتِ، طَوِيلُ الْقَامَةِ، يَرْتَدِي مِعْطَفًا رَمَادِيًّا دَاكِنًا فَوْقَ قَمِيصٍ أَبْيَضَ وَسُتْرَةٍ سَوْدَاءَ أَنِيقَةٍ\. وَجْهُهُ يَحْمِلُ مَلَامِحَ ذَكَاءٍ حَادٍّ، عَيْنَاهُ رَمَادِيَّتَانِ كَسَمَاءٍ مُلَبَّدَةٍ بِالْعَوَاصِفِ، وَشَعْرُهُ الْأَسْوَدُ مُسَرَّحٌ بِعِنَايَةٍ إِلَى الْخَلْفِ\. قَالَ "فِيكْتُور" مُبْتَسِمًا: "أَخِيرًا وَصَلْتَ، يَا ثَيْمْ\. كُنْتُ عَلَى وَشْكِ الِاتِّصَالِ بِكَ\. الْجَمِيعُ، هَذَا ثَيْمْ إِيفَانْز، مُهَنْدِسُ بَرْمَجِيَّاتٍ جِنَائِيٌّ، وَصَدِيقِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ\. هُوَ الْمَسْؤُولُ عَنْ تَحْلِيلِ الْبَيَانَاتِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ\." تَقَدَّمَ ثَيْمْ بِخُطُوَاتٍ ثَابِتَةٍ، صَافَحَ رُوسَانَا ثُمَّ لِيُو، وَتَوَقَّفَ أَمَامَ فِيرَا: "أَنَا مُعْتَادٌ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَ آلَاتٍ صَمَّاءَ، لَكِنْ يَبْدُو أَنَّكِ مُخْتَلِفَةٌ\.\.\. غَامِضَةٌ أَكْثَرَ مِنْ شَفْرَةٍ غَيْرِ قَابِلَةٍ لِلْكَسْرِ\." رَفَعَتْ فِيرَا حَاجِبَهَا بِاسْتِهْزَاءٍ طَفِيفٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تُعَلِّقْ\. ضَحِكَ فِيكْتُور وَقَالَ: "لَا تُحَاوِلْ يَا ثَيْمْ، لَنْ تُفْلِحَ\. فِيرَا لَدَيْهَا مَنَاعَةٌ ضِدَّ الْمُجَامَلَاتِ\." جَلَسَ الْجَمِيعُ، وَبَدَأَ دَانِيَالُ بِعَرْضِ مَا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ: "تَمَكَّنْتُ مِنِ اخْتِرَاقِ كَامِيرَاتِ الْمُرَاقَبَةِ فِي الْمِنْطَقَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ مَنْزِلِ الْقَاضِي\. هُنَاكَ رَجُلٌ غَامِضٌ، كَانَ يُرَاقِبُ الْمَكَانَ قَبْلَ يَوْمَيْنِ مِنَ الْحَادِثَةِ\. مَلَامِحُهُ غَيْرُ وَاضِحَةٍ، لَكِنَّ طَرِيقَةَ مَشْيِهِ تُشِيرُ إِلَى إِصَابَةٍ قَدِيمَةٍ فِي السَّاقِ\." فَتَحَ الْحَاسُوبَ الْمَحْمُولَ، وَبَدَأَ عَرْضَ مَقَاطِعِ الْفِيدْيُو، بَيْنَمَا كَانَ الْجَمِيعُ يُرَاقِبُ بِتَرَكُّزٍ\. ثُمَّ قَالَ: "هَذَا مَا أَثَارَ شُكُوكِي أَكْثَرَ\.\.\. فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَظْهَرُ هَذَا الرَّجُلُ، يَتْرُكُ خَلْفَهُ شَيْئًا صَغِيرًا، كَأَنَّهُ تَوْقِيعٌ\. قِطْعَةُ شَطْرَنْجٍ\.\.\. الْمَلِكُ الْأَسْوَدُ، دَائِمًا\." سَادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ فِي الْقَاعَةِ، فَقَطْ صَوْتُ تَشْغِيلِ الْفِيدْيُو كَانَ يَمْلَأُ الْجَوَّ\. قَطَعَ فِيكْتُور الصَّمْتَ: "هَذَا لَيْسَ قَاتِلًا عَادِيًّا، بَلْ لَاعِبٌ\.\.\. يَصْنَعُ لَوْحَتَهُ بِكُلِّ دِقَّةٍ، وَيُرْسِلُ تَحْذِيرَاتِهِ بِلُغَةِ مَنْ يَفْهَمُ الْقَوَاعِدَ\." هَمَسَتْ فِيرَا، وَكَأَنَّهَا تَتَحَدَّثُ لِنَفْسِهَا: "وَكَأَنَّنَا بَيَادِقُ فِي لُعْبَتِهِ\." هَزَّ ثَيْمْ رَأْسَهُ مُوَافِقًا: "لَكِنَّنَا سَنُقْلِبُ الطَّاوِلَةَ، وَنَكْسِرُ قَوَاعِدَهُ\." وَقَفَتْ فِيرَا فَجْأَةً، نَظَرَتْ إِلَى فِيكْتُور، ثُمَّ قَالَتْ: "مَتَى سَنُغَادِرُ؟" "الآن\. لَدَيْنَا زِيَارَةٌ لِشَخْصٍ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ بَعْدُ\.\.\. ابْنَتِي\." بَدَتِ الصَّدْمَةُ وَاضِحَةً عَلَى وَجْهِ فِيرَا، لَكِنْ سُرْعَانَ مَا أَخْفَتْهَا خَلْفَ قِنَاعٍ جَامِدٍ\. "لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَبٌ\." "نَعَمْ، هَلْ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ؟" نَظَرَ ثَيْمْ إِلَى فِيكْتُور بِدَهْشَةٍ: "هَلْ تَتَحَدَّثُ عَنْ\.\.\. آنا؟" أَوْمَأَ فِيكْتُور بِرَأْسِهِ، فَتَنَهَّدَ ثَيْم: "هَذَا مُثِيرٌ\." تَقَدَّمَتْ فِيرَا، خَطَتْ إِلَى الْخَارِجِ، وَفِي قَلْبِهَا شُعُورٌ غَرِيبٌ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِمَّا اعْتَادَتْهُ فِي عَالَمِهَا\. بَيْنَمَا بَدَأَتْ رُوسَانَا وَلِيُو طَرِيقَهُمَا نَحْوَ الْمَنْزِلِ الْقَدِيمِ لِلْقَاضِي، بِخُطُوَاتٍ حَذِرَةٍ، تُرَاقِبُهَا الشُّكُوكُ\. أَمَّا فِيرَا، فَدَخَلَتْ عَالَمًا لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُهُ، عَالَمًا يُعِيدُ رَسْمَ هُوِيَّتِهَا مِنْ جَدِيدٍ، حَيْثُ الْحَقِيقَةُ لَمْ تَعُدْ هَدَفًا\.\.\. بَلْ فَخًّا\. كَانَ "ثَيْمْ" يَهُمُّ بِمُغَادَرَةِ ٱلْمَبْنَى بَعْدَ ٱلِٱجْتِمَاعِ، خُطُوَاتُهُ بَطِيئَةٌ كَأَنَّهَا مُحَمَّلَةٌ بِثِقَلِ ٱلتَّوَقُّعَاتِ ٱلَّتِي لَمْ يَعْتَدْهَا\. أَخْرَجَ سِيجَارَةً وَلٰكِنَّهُ لَمْ يُشْعِلْهَا، فَقَطْ وَضَعَهَا بَيْنَ شَفَتَيْهِ كَعَادَتِهِ حِينَ يَكُونُ مُشَوَّشَ ٱلتَّفْكِيرِ\. وَبَيْنَمَا كَانَ يَعْبُرُ ٱلْرَّصِيفَ، رَأَى عَلَى ٱلنَّاصِيَةِ فَتَاةً تَجْلِسُ أَمَامَ مَحَلٍّ صَغِيرٍ لِلْوُرُودِ\. كَانَتْ تُغَنِّي بِصَوْتٍ خَافِتٍ، تُمْسِكُ وَرْدَةً وَاحِدَةً وَتُدِيرُهَا بَيْنَ أَصَابِعِهَا بِحَنُوٍّ غَرِيبٍ\. تَوَقَّفَ فَجْأَةً\. شَعَرَ بِشَيْءٍ يَشُدُّهُ نَحْوَهَا\. شَعْرُهَا ٱلطَّوِيلُ ٱلْأَسْوَدُ مَرْبُوطٌ بِإِهْمَالٍ، وَعَيْنَاهَا بِلَوْنِ ٱلْعَسَلِ تَلْمَعَانِ تَحْتَ ضَوْءِ ٱلشَّمْسِ\. بَدَتْ كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنْ حِكَايَةٍ خُرَافِيَّةٍ هَرَبَتْ مِنْ كِتَابٍ قَدِيمٍ، وَلٰكِنَّ ٱبْتِسَامَتَهَا ٱلْوَاقِعِيَّةَ كَفِيلَةٌ بِإِذَابَةِ ٱلْجَلِيدِ فِي قَلْبِ أَيِّ قَاتِلٍ مَحْتَرِفٍ\. ٱقْتَرَبَ مِنْهَا، ٱشْتَرَى مِنْهَا كُلَّ مَا عِنْدَهَا مِنْ وَرْدٍ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ: "مَا ٱسْمُكِ؟" رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا وَأَجَابَتْ بِصِدْقٍ دُونَ تَصَنُّعٍ: "نِيسَا\. وَأَنْتَ؟" لَمْ يُجِبْ\. فَقَطْ ٱبْتَسَمَ، ثُمَّ ٱسْتَدَارَ وَذَهَبَ وَفِي قَلْبِهِ شُعُورٌ غَرِيبٌ\. شَيْءٌ كَأَنَّهُ ٱسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمٍ طَوِيلٍ\. فِي مَكَانٍ آخَرَ، كَانَ "فِيكْتُور" يَقُودُ سَيَّارَتَهُ وَمَعَهُ "فِيرَا"\. لَمْ تَكُنْ تُبَادِلُهُ ٱلْحَدِيثَ، فَقَطْ تُرَاقِبُ ٱلطَّرِيقَ بِصَمْتٍ، كَأَنَّهَا تَحْفَظُ تَضَارِيسَ ٱلْمَدِينَةِ ٱلْجَدِيدَةِ\. قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ بَدَا أَكْثَرَ دِفْئًا مِنَ ٱلْمُعْتَادِ: "لَمْ أَظُنَّ أَنَّكِ سَتُوَافِقِينَ عَلَى ٱلذَّهَابِ مَعِي\." نَظَرَتْ إِلَيْهِ، ثُمَّ عَادَتْ لِتَنْظُرَ إِلَى ٱلْأَمَامِ: "لِأَنِّي لَا أَتَهَرَّبُ مِنْ وَاجِبَاتِي، سَيِّدِي\." صَمَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ تَابَعَ: "سَتُقَابِلِينَ شَخْصًا مُهِمًّا ٱلْيَوْمَ\." دَخَلُوا حَيًّا سَكَنِيًّا هَادِئًا، ثُمَّ تَوَقَّفَ أَمَامَ حَضَانَةٍ صَغِيرَةٍ مُزَيَّنَةٍ بِرُسُومَاتِ أَطْفَالٍ\. عِنْدَ دُخُولِهِمَا، خَرَجَتْ مُعَلِّمَةٌ بِٱبْتِسَامَةٍ وَاسِعَةٍ وَقَالَتْ: "آَنَا\! وَالِدُكِ جَاءَ\!" خَرَجَتِ ٱلصَّغِيرَةُ تَرْكُضُ بِخُطًى غَيْرِ مُتَّزِنَةٍ، وَلٰكِنَّهَا سُرْعَانَ مَا تَوَقَّفَتْ حِينَ رَأَتْ "فِيرَا"\. عُمْرُهَا لَا يَتَجَاوَزُ ٱلْخَمْسَ سَنَوَاتٍ، شَعْرُهَا ٱلْكُسْتَنَائِيُّ ٱلْمُجَعَّدُ يَتَطَايَرُ حَوْلَ وَجْهِهَا ٱلْمُمْتَلِئِ، عَيْنَاهَا بِلَوْنِ ٱلْبَنَفْسَجِ ٱلْغَامِقِ، تَمَامًا كَـ "فِيكْتُور"، وَشَفَاهُهَا ٱلصَّغِيرَةُ تَرْتَجِفُ مِنَ ٱلْمُفَاجَأَةِ\. قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: "بَابَا\.\.\. مَنْ هَذِهِ؟" جَثَا "فِيكْتُور" عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَفَتَحَ ذِرَاعَيْهِ: "تَعَالَي يَا دُمْيَتِي هَذِهِ صَدِيقَتِي فِيرَا\." تَرَدَّدَتْ، ثُمَّ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ وَٱحْتَضَنَتْهُ بِقُوَّةٍ\. وَقَفَتْ "فِيرَا" فِي مَكَانِهَا، تُشَاهِدُ ذَلِكَ ٱللِّقَاءَ بِشُعُورٍ غَرِيبٍ\.\.\. حَنِينٍ لَمْ تَعْرِفْهُ، وَوَجَعٍ خَفِيٍّ لَا تَعْلَمُ سَبَبَهُ\. حِينَ رَفَعَتْ "آنَا" رَأْسَهَا، مَدَّتْ يَدَهَا لِتُمْسِكَ بِيَدِ "فِيرَا" وَقَالَتْ بِخَجَلٍ: "هَلْ تُحِبِّينَ ٱلرَّسْمَ؟ لَدَيَّ دَفْتَرُ أَلْوَانٍ كَبِيرٌ\.\.\." ٱنْحَنَتْ "فِيرَا" قَلِيلًا وَقَالَتْ بِٱبْتِسَامَةٍ نَادِرَةٍ: "أُحِبُّهُ كَثِيرًا، هَلْ تُرِينِي رُسُومَاتِكِ؟" \.\.\. فِي ٱلْجِهَةِ ٱلْأُخْرَى، كَانَتْ "رُوسَانَا" تَتَجَوَّلُ مَعَ "لِيُو" فِي شَوَارِعِ ٱلْعَاصِمَةِ\. كَانَتْ مُتَخَفِّيَةً بِبَارُوكَةٍ شَقْرَاءَ وَنَظَّارَاتٍ شَمْسِيَّةٍ، بَيْنَمَا تَنَكَّرَ "لِيُو" فِي هَيْئَةِ مُصَوِّرٍ صَحَفِيٍّ، يَحْمِلُ كَامِيرَا ٱحْتِرَافِيَّةً عَلَى كَتِفِهِ\. "ٱنْظُرْ، ٱلْهَدَفُ يَدْخُلُ ٱلْمَقْهَى\." نَطَقَتْ "رُوسَانَا" وَهِيَ تُرَاقِبُ رَجُلًا بَدِينًا يَرْتَدِي بَدْلَةً بَاهِظَةَ ٱلثَّمَنِ\. قَالَ "لِيُو": "خُطَّةُ \(ٱلنَّادِلَةِ ٱلْغَبِيَّةِ\)؟" أَوْمَأَتْ، ثُمَّ دَخَلَتِ ٱلْمَقْهَى وَتَقَدَّمَتْ بِخُطًى وَاثِقَةٍ\. لَبِسَتْ مِئْزَرَ ٱلنَّادِلَاتِ وَسُرْعَانَ مَا تَقَمَّصَتِ ٱلدَّوْرَ\. أَمَّا "لِيُو"، فَكَانَ يُلْتَقِطُ صُوَرًا بِزَوَايَا مَحْسُوبَةٍ، يُظْهِرُ كَأَنَّهُ يُصَوِّرُ مَبْنًى مُقَابِلًا، وَلٰكِنْ فِي ٱلْحَقِيقَةِ يُصَوِّرُ كُلَّ تَحَرُّكٍ دَاخِلِيٍّ\. ٱقْتَرَبَتْ "رُوسَانَا" مِنَ ٱلْهَدَفِ وَقَالَتْ بِٱبْتِسَامَةٍ: "طَلَبُكَ سَيِّدِي؟" نَظَرَ لَهَا ٱلرَّجُلُ بِٱحْتِقَارٍ: "قَهْوَةٌ سَوْدَاءُ\." أَحْضَرَتْهَا لَهُ، وَفِي لَحْظَةِ وَضْعِ ٱلْكُوبِ عَلَى ٱلطَّاوِلَةِ، أَسْقَطَتْ قِطْعَةَ سُكَّرٍ صَغِيرَةً فِي حِجْرِهِ مُتَعَمِّدَةً\. "أُوه\! عُذْرًا\!" ٱنْحَنَى ٱلرَّجُلُ لِتَنْظِيفِهَا، وَفِي تِلْكَ ٱللَّحْظَةِ، مَرَّتْ "رُوسَانَا" يَدَهَا عَلَى هَاتِفِهِ وَسَحَبَتِ ٱلْبِطَاقَةَ ٱلذَّكِيَّةَ ٱلصَّغِيرَةَ ٱلْمُثَبَّتَةَ فِي حَامِلِهِ ٱلْجَانِبِيِّ دُونَ أَنْ يُلَاحِظَ\. أَوْمَأَتْ لِـ "لِيُو"، ثُمَّ خَرَجَتْ\. قَالَ وَهُوَ يُلْحِقُ بِهَا: "دَائِمًا مُبْدِعَةٌ\." ٱبْتَسَمَتْ: "تَدَرَّبْتُ عَلَى يَدِ أَفْضَلِ لِصٍّ فِي أُورُوبَّا، لَا تَنْسَ ذٰلِكَ\." \.\.\. فِي نِهَايَةِ ٱلْيَوْمِ، ٱلْتَقَى ٱلْجَمِيعُ مُجَدَّدًا فِي ٱلْمَكْتَبِ\. جَلَسَ "فِيكْتُور" وَطِفْلَتُهُ عَلَى رُكْبَتِهِ، بَيْنَمَا وَقَفَتْ "فِيرَا" بِجَانِبِهِ، صَامِتَةً\. وَدَخَلَ "ثَيْمْ" بِخُطًى هَادِئَةٍ، وَلٰكِنَّهُ بَدَا شَارِدًا بَعْضَ ٱلشَّيْءِ\. هَمَسَ فِي أُذُنِ "فِيكْتُور": "وَجَدْتُ شَيْئًا جَمِيلًا ٱلْيَوْمَ\.\.\. رُبَّمَا يُعِيدُ لِي إِيمَانِي بِٱلْحُبِّ\." أَجَابَهُ "فِيكْتُور" مُبْتَسِمًا: "أَخِيرًا\.\.\. ٱلْمُهَنْدِسُ وَقَعَ\." ٱبْتَسَمَ "ثَيْمْ"، وَأَخْرَجَ وَرْدَةً حَمْرَاءَ مِنْ مِعْطَفِهِ، وَضَعَهَا عَلَى ٱلطَّاوِلَةِ\. نَظَرَ ٱلْجَمِيعُ إِلَيْهِ بِدَهْشَةٍ، وَلٰكِنَّهُ قَالَ: "لَا تَسْأَلُوا\. فَقَطِ ٱنْتَظِرُوا\." فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَانَ "ثَيْم" يُقَلِّبُ بِبُطْءٍ الْوَرْدَةَ الْحَمْرَاءَ الَّتِي أَحْضَرَهَا\. رَفَعَهَا إِلَى أَنْفِهِ، ثُمَّ قَالَ وَكَأَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ: "عِطْرُهَا يُشْبِهُ ذَاكِرَةً قَدِيمَةً\.\.\. لَكِنَّ الْأَمْرَ الْغَرِيبَ أَنَّهَا الْوَرْدَةُ ذَاتُهَا الَّتِي كَانَتْ تَرْسِلُهَا لِي قَرِيبَةٌ فَقَدْتُهَا مُنْذُ سَبْعِ سَنَوَاتٍ\." فِي لَحْظَةِ صَمْتٍ خَفِيفَةٍ، رَفَعَت "فِيرَا" نَظَرَهَا نَحْوَ الْوَرْدَةِ الْحَمْرَاءِ الَّتِي وَضَعَهَا "ثَيْمْ" عَلَى الطَّاوِلَةِ، تَجَمَّدَتْ عَيْنَاهَا عَلَيْهَا لِبِضْعَةِ ثَوَانٍ، قَبْلَ أَنْ تَهْمِسَ بِصَوْتٍ مَسْمُومٍ بِالذِّكْرَى: "هَذِهِ الْوَرْدَةُ\.\.\. أَعْرِفُهَا\. إِنَّهَا مِثْلُ الَّتِي كَانَتْ تُزْرِعُهَا ابْنَةُ عَمِّي فِي حَدِيقَةِ جَدَّتِي، نَفْسُ النَّوْعِ، نَفْسُ الْعِطْرِ، حَتَّى الطَّعْمُ إِذَا عَضَضْتَ تِلْكَ الْوَرْدَةَ الْمَجْنُونَةَ\." اِقْتَرَبَ مِنْهَا "ثَيْمْ" بِاهْتِمَامٍ وَقَالَ: "وَهَلْ يُمْكِنُكِ أَنْ تَذْكُرِي اسْمَهَا؟ أَوْ أَيْ مَعْلُومَاتٍ أُخْرَى؟ لَعَلَّنَا نَبْدَأُ مِنْ هُنَاكَ خَيْطًا جَدِيدًا\." فَجْأَةً، قَاطَعَتْهُ فِيرَا وَهِيَ تَحْمِلُ نَظْرَةَ سُخْرِيَّةٍ بَارِدَةٍ: "مَعْلُومَاتٍ؟ أَمْ تَرِيدُ تَفَاصِيلَ عَنْ تُرَابِ الْحَدِيقَةِ وَسُعَالِ الْجَدَّةِ أَيْضًا؟ نَحْنُ فِي تَحْقِيقٍ، وَلَيْسَ فِي جَلْسَةِ اِخْتِيَارِ عَرُوسٍ لِقَلْبِكَ الْوَحِيدِ يَا سَيِّدَ ثَيْمْ، عَلَيْكَ أَنْ تَرْكِزَ، لَا أَنْ تَقَعَ فِي كُلِّ زَهْرَةٍ تَمُرُّ بِجَانِبِكَ\!" اِنْفَجَرَتْ رُوسَانَا بِالضَّحِكِ، وَكَذَلِكَ لِيُو، حَتَّى فِيكْتُور كَتَمَ بَسْمَةً صَغِيرَةً، وَتَحَوَّلَ وَجْهُ "ثَيْمْ" إِلَى دَرَجَةِ الطَّمْطُمَةِ الْأَسْطُورِيَّةِ، قَبْلَ أَنْ يَتَنَفَّسَ عَمِيقًا وَيَقُولَ: "عَلَى الْأَقَلِّ، أَنَا سَقَطْتُ فِي شَيْءٍ جَمِيلٍ\. أَنْتُمْ سَقَطْتُمْ فِي وَحْلِ الْقَضَايَا\." ثُمَّ صَفَّقَ فِيكْتُور بِيَدَيْهِ قَائِلًا: "حَسَنًا، عُدْنَا لِلْجَدِّ\. رُوسَانَا، لِيُو، مَاذَا وَجَدْتُمَا؟" تَقَدَّمَتْ رُوسَانَا بِمِيلِهَا الْمُعْتَادِ نَحْوَ الطَّاوِلَةِ، وَوَضَعَتْ بَطَاقَةً صَغِيرَةً عَلَى الْمَكْتَبِ: "بِطَاقَةُ تَخْزِينٍ مِنْ هَاتِفِ الْخَادِمِ الشَّخْصِيِّ لِلْقَاضِي، وَجَدْنَاهَا فِي جَيْبِ مَعْطَفِهِ، بِمُسَاعَدَةِ طَرِيقَةِ الْفَتَاةِ الْغَبِيَّةِ، كَمَا تُسَمِّيهَا\." تَدَخَّلَ لِيُو: "الْبِطَاقَةُ تَحْتَوِي عَلَى سِجِلَّاتِ مُكَالَمَاتٍ، وَثَمَّةَ مَكَالَمَةٌ غَامِضَةٌ مِنْ رَقْمٍ مَجْهُولٍ، تَكَرَّرَتْ قُبَيْلَ الْجَرِيمَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، دُونَ صَوْتٍ، فَقَطْ أَصْوَاتُ تَنَفُّسٍ، وَأَحْيَانًا صَفِيرٌ خَفِيفٌ\." أَخَذَ "ثَيْمْ" الْبِطَاقَةَ، وَقَالَ: "سَأُحَلِّلُهَا، وَأُحَاوِلُ رَبْطَ الرَّقْمِ بِمُزَوِّدِ الشَّبَكَةِ\." فِيكْتُور وَضَعَ ابْنَتَهُ فِي رُكْنٍ، مَعَ لَعِبَةٍ كَبِيرَةٍ، ثُمَّ تَفَرَّغَ لِلْحِوَارِ: "فِيرَا، أَنْتِ كُنْتِ مَعِي، وَسَمِعْتِ أَقْوَالَ الْمُدَرِّسَةِ\. هَلْ شَكَلَ لَكِ شَيْءٌ غَيْرَ طَبِيعِيٍّ؟" قَالَتْ: "نَعَمْ\.\.\. الطِّفْلَةُ عِنْدَهَا رَسْمَةٌ لِرَجُلٍ أَسْوَدَ الشَّعْرِ، مَكْسُوٍّ بِالْدِّمَاءِ، تَحْتَ قَدَمِهِ رَقْعَةُ شَطَرَنْجٍ، قَالَتْ إِنَّهَا رَأَتْهُ فِي الْحَلِمِ\." اِشْتَعَلَتْ الْغُرْفَةُ بِالصَّمْتِ، قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ فِيكْتُور الطَّاوِلَةَ بِرِفْقٍ: "نَحْنُ نَتَعَامَلُ مَعَ شَخْصٍ لَا يَقْتُلُ لِأَجْلِ الْقَتْلِ، بَلْ لِيُرْسِلَ رِسَالَةً، رِسَالَةً لُغَتُهَا الشَّطَرَنْجُ، وَقَوَاعِدُهَا الدَّمُ\." قَاطَعَهُ صَوْتُ هَاتِفِ "ثَيْمْ"، فَأَجَابَ، وَبَعْدَ ثَوَانٍ صَاحَ: "فِيكْتُور\! لَقَدْ وَقَعَتْ جَرِيمَةٌ أُخْرَى\.\.\. النَّفْسُ الطَّرِيقَةِ\!" اِنْتَقَلَ الْجَمِيعُ فَوْرًا إِلَى مَسْرَحِ الْجَرِيمَةِ الثَّانِي، وَكَانَ مَرْكَزًا تَدْرِيبِيًّا قَدِيمًا، مُهْجُورًا، تَخْتَلِطُ فِيهِ رَائِحَةُ الرُّطُوبَةِ بِالدِّمَاءِ\. فِي الْوَسَطِ، وُجِدَتْ جُثَّةُ "آدَمْ فِيرْنَانْدِيز"، لَاعِبِ الْكُرَةِ الْمَشْهُورِ، مُتَمَدِّدَةً دَاخِلَ دَائِرَةٍ مَرْسُومَةٍ بِالْدِّمَاءِ، وَذِرَاعَاهُ مَفْتُوحَتَانِ كَالصَّلْبِ\. عَلَى صَدْرِهِ، مَحْفُورٌ بِالْسِّكِّينِ:" ♞ " أَصَابِعُهُ السَّبْعَةُ قُطِعَتْ وَضُعَتْ فِي صُنْدُوقٍ زُجَاجِيٍّ، وَدَاخِلَ فَمِهِ وُجِدَتْ وَرَقَةٌ صَغِيرَةٌ كُتِبَ عَلَيْهَا: سَبْعَةُ أَسْبَابٍ\.\.\. سَبْعَةُ سَكَاكِينٍ\.\.\. سَبْعَةُ أَسْرَارٍ دُفِنَتْ، وَالْآنَ تُكْشَفُ بِالْدَّمِ\. قَالَ فِيكْتُور بِنَبْرَةٍ غَامِقَة: "الْقَاتِلُ يَتَنَقَّلُ، وَيَخْتَارُ ضَحَايَاهُ بِوِفْقِ رُمُوزٍ شَطَرَنْجِيَّةٍ\.\.\. الْقَاضِي كَانَ الْمَلِك، وَهَذَا الْحِصَان\." أَضَافَ ثَيْمْ: "آثَارُ الْأَحْذِيَةِ نَفْسُهَا، الْكَمِيرَاتُ مَعَطَّلَةٌ، وَوُجِدَتْ زُجَاجَةُ عِطْرٍ يُسْتَخْدَمُ عَادَةً لِتَعْقِيمِ أَدَوَاتِ الْجَزَّارِينَ\." هَمَسَتْ فِيرَا: "نَحْنُ نُحَارِبُ عَقْلًا يُفَكِّرُ بِالدِّقَّةِ نَفْسِهَا الَّتِي يَفْتَحُ بِهَا لُعْبَةَ شَطَرَنْجٍ\. يَضَعُ كُلَّ قِطْعَةٍ فِي الْمَكَانِ الْمُنَاسِبِ\.\.\. قَبْلَ أَنْ يُحَرِّكَهَا\." اِرْتَفَعَ صَوْتُ السُّكُونِ فِي الْمَكَانِ، وَبَدَأَ كُلٌّ مِنْهُمْ يُفَكِّرُ فِي دَوْرِهِ وَفِي أَيِّ نُقْطَةٍ عَلَى الرَّقْعَةِ سَيُهَاجِمُ الْقَاتِلُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَطَعَ شُرُودَهُمْ "فِيكْتُور" بِصَوْتِهِ الْحَازِمِ: "انْتَهَى الْوَقْتُ لِلتَّفْكِيرِ، عَلَيْنَا أَنْ نَتَوَجَّهَ إِلَى مَسْرَحِ الْجَرِيمَةِ\. الْمَكَانُ لَمْ يَكُنْ مُتَاحًا سَابِقًا، لَكِنَّهُمْ فَتَحُوهُ لَنَا صَبَاحَ الْيَوْمِ\. سَنَسْتَغِلُّ كُلَّ دَقِيقَةٍ هُنَاكَ\." تَحَرَّكَ الْجَمِيعُ فِي صَمْتٍ، وَتَسَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَلَفَّهُ\. بَيْنَمَا كَانَ "فِيكْتُور" يَجْمَعُ أَشْيَاءَهُ، أَلْقَى نَظْرَةً سَرِيعَةً عَلَى سَاعَتِهِ، ثُمَّ تَنَهَّدَ وَقَالَ فِي سِرِّهِ: "آنا\.\.\. أَرْجُو أَنْ تَكُونِي عَلَى خَيْرٍ، لَنْ أَتَأَخَّرَ\." ثُمَّ أَخْرَجَ هَاتِفَهُ، وَأَرْسَلَ رِسَالَةً سَرِيعَةً إِلَى الْمُرَبِّيَةِ: "ضَعِي لَهَا سِتْرَتَهَا الْوَرْدِيَّةَ، وَأَخْرِجِيهَا لِلْحَدِيقَةِ لِسَاعَةٍ، لَا تَتْرُكِيهَا تُشَاهِدُ الْأَفْلَامَ الْمُرْعِبَةَ مَعَكِ\. سَأَكُونُ مَعَكُمْ فِي الْمَسَاءِ\." لَمْ يَكُنْ سَهْلًا عَلَى "فِيكْتُور" أَنْ يَتَقَسَّمَ بَيْنَ أَبُوَّتِهِ وَالْعَمَلِ الَّذِي يَأْكُلُهُ مِنَ الدَّاخِلِ\. كَانَ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ يُرَاهِنُ عَلَى حَيَاتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ\. خَرَجُوا جَمِيعًا، وَرَكِبُوا السَّيَّارَاتِ الَّتِي انْتَظَرَتْهُمْ أَمَامَ الْمَقَرِّ\. جَلَسَتْ "فِيرَا" بِجَانِبِ "فِيكْتُور" فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ، فِي حِينِ قَادَ السَّائِقُ بِهُم بِاتِّجَاهِ الْحَيِّ الرَّاقِي الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ الْقَاضِي\. كُنْتُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَشُمَّ رَائِحَةَ السُّكُونِ فِي الْمَكَانِ، رُغْمَ كُلِّ مَا فِي الْهَوَاءِ مِنْ أَثَرٍ لِشَيْءٍ غَامِضٍ\. سَأَلَتْهُ "فِيرَا"، وَهِيَ تُحْوِّلُ وَجْهَهَا نَحْوَهُ: "كَيْفَ فَقَدْتَ زَوْجَتَكَ؟" تَجَمَّدَ "فِيكْتُور" لَحْظَةً، وَبَدَتْ عَلَى مَلامِحِهِ غَمَامَةُ وَجَعٍ قَدِيمٍ\. "قُتِلَتْ\. أَمَّا الْقَاتِلُ\.\.\. فَلَمْ نَجِدْهُ حَتَّى الْيَوْمِ\." گذِبَ فَزَوْجَتُه خَانَتْهُ وَ لَمْ تَمُتْ صَمَتَتْ "فِيرَا"، وَأَدَارَتْ وَجْهَهَا نَاحِيَةَ النَّافِذَةِ، لَكِنَّهَا أَحَسَّتْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُخَبِّئُ لَهَا مَعْنًى أَعْمَقَ\. وَصَلُوا إِلَى الْبِنَايَةِ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا جُثَّةُ الْقَاضِي\. بِنَايَةٌ قَدِيمَةٌ، بِطَابِقٍ أَعْلَى مُهْمَلٍ، وَأَدْرَجٍ خَشَبِيٍّ يُصْدِرُ صَرِيرًا فِي كُلِّ خُطْوَةٍ\. أَرَاهُمْ "فِيكْتُور" الْغُرْفَةَ الَّتِي وُجِدَتْ فِيهَا الْجُثَّةُ\. كَانَتْ جُدْرَانُهَا مَطْلِيَّةً بِلَوْنٍ بَاهِتٍ، وَتَغْطِيهَا رُسُومٌ عَجِيبَةٌ، كَأَنَّهَا مُحَاوَلَاتُ رَسْمٍ فِي لَحْظَةِ جُنُونٍ\. عَلَى الْأَرْضِ، ظَلَّتْ آثَارُ الدَّمِ بَاهِتَةً، مَعَ بَقَايَا وَرَقَةٍ مُمَزَّقَةٍ كَانَتْ فِي جَانِبِ الْغُرْفَةِ\. فَتَحَ "فِيكْتُور" الْمِلَفَّ، وَقَالَ: "الْقَاضِي وُجِدَ مُعَلَّقًا، كَأَنَّهُ انْتَحَرَ، لَكِنَّ كُلَّ دَلِيلٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ\. لَا دَمَاءَ تَحْتَهُ، وَأَصَابِعُهُ قُطِعَتْ بِدِقَّةٍ\. وَوُجِدَتْ هُنَاكَ قِطْعَةُ شَطْرَنْجٍ\.\.\. الْمَلِكُ الْأَسْوَدُ\." رَكَزَ "ثَيْمْ " الْكَمِيرَا الْخَاصَّةَ بِهِ، وَبَدَأَ يُصَوِّرُ الْمَكَانَ\. فِي حِينٍ كَانَتْ "فِيرَا" تُحَاوِلُ أَنْ تَتَصَوَّرَ الْمَشْهَدَ وَفْقًا لِمَا تَعَلَّمَتْهُ\. "كَيْفَ دَخَلَ؟ كَيْفَ خَرَجَ؟" سَأَلَتْ\. أَشَارَ "فِيكْتُور" إِلَى النَّافِذَةِ: "النَّافِذَةُ الْوَحِيدَةُ فِي الْغُرْفَةِ كَانَتْ مَفْتُوحَةً\. عَلَى الْمَا بَدَا، تَسَلَّلَ مِنْهَا، وَتَسَلَّقَ الْجِدَارَ الْمُقَابِلَ\. كَانَ يَعْرِفُ تَفَاصِيلَ الْمَكَانِ بِدِقَّةٍ\." وَبَيْنَمَا كَانُوا يَتَنَقَّلُونَ فِي الْغُرْفَةِ، عَثَرَ "؟ثَيْمْ " عَلَى شَيْءٍ فِي الزَّاوِيَةِ: "انْظُرُوا\! رَقْمٌ مَحْفُورٌ عَلَى الْأَرْضِ\.\.\. سَبْعَة\." تَجَمَّدَ الْجَمِيعُ\. "الرَّقْمُ السَّابِعُ\.\.\. مَرَّةً أُخْرَى\." هَمَسَتْ "فِيرَا"\. فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْمَقَرِّ، بَقِيَ "فِيكْتُور" صَامِتًا\. عِنْدَمَا وَصَلُوا، وَقَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ، اسْتَأْذَنَ مِنْهُمْ، وَقَالَ: "لَا يُمْكِنُنِي الْبَقَاءُ أَكْثَرَ، عَلَيَّ أَنْ أُقَابِلَ شَخْصًا\." غَادَرَ بِسُرْعَةٍ، وَقَادَ سَيَّارَتَهُ نَحْوَ حَيٍّ هَادِئٍ، حَيْثُ كَانَ الْبَيْتُ الَّذِي تَقِيمُ فِيهِ ابْنَتُهُ "آنَا"\. دَخَلَ وَجَدَهَا فِي الْحَدِيقَةِ تَلْعَبُ فَوْقَ الْعُشْبِ، تُصْدِرُ ضَحِكَةً نَقِيَّةً، بِيَدِهَا دُمْيَةٌ قَدِيمَةٌ\. جَثَا إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَفَتَحَ ذِرَاعَيْهِ\. رَكَضَتْ إِلَيْهِ: "أَبِي\!" ضَمَّهَا بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ قُوَّةٍ\. وَهَمَسَ: "كُلُّ هَذَا الْعَالَمِ لَا يُسَاوِي شَيْئًا إِذَا لَمْ تَكُونِي أَنْتِ فِيهِ، يَا صَغِيرَتِي\." وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، كَانَتْ "فِيرَا" جَالِسَةً أَمَامَ الْمِلَفِّ، تَقْرَأُ، تُحَلِّلُ، تُفَكِّرُ، وَفِي عَيْنَيْهَا لَمْعَةٌ غَامِضَةٌ\. "إِذَنْ\.\.\. هُوَ لَا يَخْتَارُ ضَحَايَاهُ عَبَثًا، وَلَا يَتْرُكُ الرَّقْمَ 7 صُدْفَةً\. كُلُّ شَيْءٍ\.\.\. مُرَتَّبٌ، وَكُلُّ قِطْعَةٍ عَلَى الرُّقْعَةِ لَهَا وَقْتُهَا\." مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، كَانَتْ خُطُوطُ الدِّمَاءِ تَكْتُبُ لُغَةً لَا يَفْهَمُهَا سِوَى لَاعِبٍ وَاحِدٍ فِي الطَّرِيقِ لِعَوْدَتِهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ "فِيكْتُور" إِلَى مَنْزِلِهِ، رَنَّ هَاتِفُهُ\. كَانَ "زِيُوس"، مُسَاعِدُهُ الْأَمِينُ: "سَيِّدِي\.\.\. عَثَرْنَا عَلَى شَيْءٍ عَجِيبٍ\. وَثِيقَةٌ قَدِيمَةٌ كَانَتْ مَخْفِيَّةً فِي مَكْتَبِ الْقَاضِي، وَفِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى مَكَانٍ\.\.\. سَمَّاهُ التَّلُّ السَّابِعُ\." تَجَمَّدَ "فِيكْتُور" فِي مَقْعَدِ السَّيَّارَةِ، عَيْنَاهُ تَتَّسِعَانِ، وَصَوْتُهُ يَخْرُجُ هَادِئًا لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ بِالرِّيَبَةِ: "كَرَّرَ الْقَاتِلُ رَقْمَ 7 أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ\.\.\. وَالْآنَ يُظْهِرُ تَلًّا سَابِعًا؟ أَرْسِلْ لِي الْمَوْقِعَ، سَأَذْهَبُ فَوْرًا\." كَانَ الْمَكَانُ فِي طَرَفِ الْمَدِينَةِ، خَلْفَ جُرُوفٍ صَخْرِيَّةٍ تُطِلُّ عَلَى بُحَيْرَةٍ صَغِيرَةٍ، تَجِدُ فِي أَعْلَاهَا بَيْتًا قَدِيمًا بِنَافِذَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ وَسَطْحٍ تَآكَلَ بِفِعْلِ الزَّمَنِ\. نَزَلَ "فِيكْتُور" وَمَعَهُ "فِيرَا" وَ"زِيُوس"، وَكَانَتْ الرِّيَاحُ تَعْصِفُ فِي ذَلِكَ الْمَسَاء\. قَالَ "زِيُوس" وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى لَوْحَةٍ صَدِئَةٍ: "مَكْتُوبٌ هُنَا: مَلْجَأُ الْقُضَاةِ السَّابِقِينَ – مُؤَسَّسٌ سَنَةَ 1977\. لَكِنَّهُ أُغْلِقَ بَعْدَ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي ظُرُوفٍ غَامِضَةٍ\." فَتَحُوا الْبَابَ بِصَعُوبَةٍ، وَكَانَ الدَّاخِلُ يَفُوحُ بِرَائِحَةِ رُطُوبَةٍ قَدِيمَةٍ، وَهَوَاءٌ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ مُنْذُ قُرُونٍ\. مَشَوْا فِي مَمَرٍّ طَوِيلٍ، تُضِيئُهُ مَصَابِيحُهُمُ الصَّغِيرَةُ، إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى قَاعَةٍ وَاسِعَةٍ، تَغْطِيهَا الْغُبَارُ، وَفِي وَسَطِهَا\.\.\. لَوْحَةُ شَطْرَنْجٍ مَرْسُومَةٌ عَلَى الْأَرْضِ بِالدَّمِ الْجَافِّ\. هَمَسَتْ "فِيرَا"، وَعَيْنَاهَا تَتَّسِعَانِ: "إِنَّهُ هُنَا\.\.\. كَانَ هُنَا\." فِي إِحْدَى الزَّوَايَا، وَجَدُوا قَفَصًا صَغِيرًا، وَفِيهِ\.\.\. قِطْعَةُ شَطْرَنْجٍ مِنْ خَشَبٍ أَسْوَدَ، عَلَيْهَا رَقْمٌ مَحْفُورٌ بِدِقَّةٍ: 7\.7 قَالَ "فِيكْتُور" بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ: "سَبْعَة نُقَط\.\.\. السَّابِعَةُ مِنهَا\. لَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى الضَّحِيَّةِ الْقَادِمَةِ؟" فِي الطَّابِقِ السُّفْلِيِّ، وَبَعْدَ أَنْ دَفَعُوا بَابًا صَدِئًا، وَجَدُوا غُرْفَةً تَحْتَوِي عَلَى أَرْشِيفٍ قَدِيمٍ\. سَحَبَ "زِيُوس" دَفْتَرًا بُنِّيًّا قَدِيمًا، وَفِيهِ صُوَرٌ لِقُضَاةٍ سَابِقِينَ، وَبِجَانِبِ كُلِّ وَاحِدٍ، رَقْمٌ\. تَجَمَّدَ "فِيكْتُور" عِنْدَ الصَّفْحَةِ السَّابِعَةِ\. وُجِدَتْ صُورَةُ وَالِدِهِ\. قَالَ فِي هَمْسٍ: "لَمْ يَقُلْ لِي أَحَدٌ إِنَّهُ عَمِلَ قَاضِيًا\.\.\." أَجَابَتْ "فِيرَا" بِصَوْتٍ خَفِيفٍ: "أَوْ لَعَلَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا لَكَ أَنْ تَعْرِفَ\." الْمَكَانُ مُمْتَلِئٌ بِالدَّلَائِلِ الْمُبَعْثَرَةِ، وَكُلُّ رُكْنٍ يَحْمِلُ سِرًّا دَفِينًا، وَكُلُّ نَفْسٍ يَتَرَدَّدُ فِيهِ صَدَى الْقِصَاصِ عِنْدَمَا غَادَرُوا الْبَيْتَ الْمَهْجُورَ، كَانَتِ السَّمَاءُ قَدْ أَظْلَمَتْ كُلِّيًّا، وَفِي الْجُرُفِ الْمُقَابِلِ ظَهَرَ شَخْصٌ يَرْتَدِي مِعْطَفًا طَوِيلًا، وَفِي يَدِهِ قِطْعَةُ الْفِيلِ\. "غَرَانْتِيل\.\.\. أَيْنَ تَبْدَأُ اللُّعْنَةُ" فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَفِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَجْرًا، صَدَرَ تَبْلِيغٌ غَرِيبٌ إِلَى مَقَرِّ الشُّرْطَةِ مِنْ مَدِينَةٍ بَعِيدَةٍ تُسَمَّى "غَرَانْتِيل"، وَهِيَ مَدِينَةٌ تَقَعُ فِي أَقْصَى الْجَنُوبِ، مَعْرُوفَةٌ بِجَوِّهَا الْكَئِيبِ، وَبِأُسْرَةٍ نَافِذَةٍ تُدْعَى "عَائِلَة دِيلْمَارْكْ"\. الرِّسَالَةُ كَانَتْ مُقَصَّةً مِنْ صَحِيفَةٍ قَدِيمَةٍ، وَكُتِبَ فِي أَسْفَلِهَا بِخَطٍّ يَدَوِيٍّ مُتَعَثِّرٍ: "إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَفْهَمُوا الْمَلِكَ، فَابْدَؤُوا بِاللَّوْحَةِ الَّتِي رُسِمَتْ فِي غَرَانْتِيل\.\.\. لَا يَزَالُ الدَّمُ يَجِفُّ هُنَاكَ\." أَمَرَ "فِيكْتُور" بِتَجْهِيزِ فَرِيقٍ صَغِيرٍ لِلسَّفَرِ، وَاخْتَارَ مَعَهُ "فِيرَا" وَ"ثَيْمْ "، وَتَرَكُوا "رُوسَانَا" وَ"لِيو" يُكْمِلَانِ التَّحْقِيقَ فِي مَسَارِ "زَوْجَةِ الْقَاضِي"\. بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ بِالْقِطَارِ، وَصُعُودِهِمْ جِبَالًا يَكْسُوهَا الضَّبَابُ، وَصُولًا إِلَى الْوَادِي، دَخَلُوا مَدِينَةَ "غَرَانْتِيل"\. كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا يُشْبِهُ الصُّورَ الْبَالِيَةَ، الْبُيُوتُ مُتَصَدِّعَةٌ، وَالنَّاسُ يَمْشُونَ بِصَمْتٍ، وَكَأَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ ذُنُوبًا قَدِيمَةً\. اسْتُقْبِلُوا فِي بَيْتِ السَّيِّدَةِ "إِيلْيَانْ دِيلْمَارْكْ"، امْرَأَةٌ عَجُوزٌ، بِعَيْنَيْنِ زَجَاجِيَّتَيْنِ، تَجْلِسُ فِي قَصْرٍ شَاحِبٍ، وَأَمَامَهَا دَفْتَرُ شَطْرَنْجٍ قَدِيمٌ، قِيلَ إِنَّهُ لِزَوْجِهَا الرَّاحِلِ، أَحَدِ أَقْوَى لَاعِبِي الشَّطْرَنْجِ السَّابِقِينَ، وَالَّذِي\.\.\. اخْتَفَى فِي ظُرُوفٍ غَامِضَةٍ مُنْذُ 17 سَنَةً\. سَأَلَهَا "فِيكْتُور" وَهُوَ يُطَالِعُ الْجُدْرَانَ الْمُمْتَلِئَةَ بِصُوَرِ الْقُضَاةِ وَاللَّوَائِحِ الْقَدِيمَةِ: "مَا عِلَاقَةُ هَذَا الْمَكَانِ بِالْقَاضِي "يُوسُف رَاحِلْ"؟" هَزَّتْ رَأْسَهَا بُطْئًا، وَقَالَتْ: "كُلُّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ إِلَى هُنَا\.\.\. لَعِبُوا الشَّطْرَنْجَ فِي قَاعَةٍ سِرِّيَّةٍ تَحْتَ الْقَصْرِ، وَكُلُّ مَنْ خَسِرَ\.\.\. فَقَدَ شَيْئًا مِنْ نَفْسِهِ\." أَشَارَتْ بِإِصْبَعِهَا الْهَزِيلِ نَحْوَ اللَّوْحَةِ الْكَبِيرَةِ فِي الْحَائِطِ: "انْظُرُوا\.\.\. كَانُوا سَبْعَةً، وَكُلَّمَا يُقْتَلُ أَحَدُهُمْ، تَظْهَرُ قِطْعَتُهُ عَلَى اللَّوْحَةِ بِدَمٍ حَقِيقِيٍّ\." فِي اللَّيْلِ، دَخَلَ "فِيكْتُور" وَ"فِيرَا" الْقَاعَةَ السِّرِّيَّةَ تَحْتَ الْقَصْرِ\. كَانَتْ غُرْفَةً مُتَشَعِّبَةً، تَحْتَوِي عَلَى لَوْحَةِ شَطْرَنْجٍ حَقِيقِيَّةٍ كَبِيرَةٍ، وَعَلَيْهَا سَبْعُ قِطَعٍ\. كُلُّ قِطْعَةٍ حُفِرَ عَلَيْهَا اِسْمٌ: رَاحِل – كَامِينُو – دِيلْمَارْكْ – إِيفَانْس – فِيكْتُور – … – ؟ تَجَمَّدَ "فِيكْتُور"، وَقَالَ: "اسْمِي؟ كَيْفَ كُتِبَ هُنَا؟\!" وَبَيْنَمَا كَانُوا يُفَكِّرُونَ فِي السِّرِّ، رَنَّ هَاتِفُ "فِيرَا"\. صَوْتُ "رُوسَانَا" كَانَ مُضْطَرِبًا: "فِيرَا\.\.\. جَاءَ شَخْصٌ إِلَى مَنْزِلِ زَوْجَةِ الْقَاضِي، وَأَطْلَقَ النَّارَ\! أَظُنُّهُ أَرَادَ تَخْوِيفَنَا\.\.\. وَتَرَكَ قِطْعَةَ "الْحَصَانِ"\.\.\. بِهَا رَقْمٌ 6\!" أَغْلَقُوا الْمِلَفَّ، وَعُيُونُهُمْ تَتَطَايَرُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ\. اللَّوْحَةُ\.\.\. تَمْتَلِئُ\. وَالدَّمُ\.\.\. يَكْتُبُ الْبَقِيَّةَ\. فِي غُرْفَةِ التَّحْقِيقِ، وَبَيْنَ أَصْوَاتِ الْمَحَاضِرِ الْمُرْتَفِعَةِ وَالْأَورَاقِ الْمُبَعْثَرَةِ، صَرَخَ صَوْتٌ عَبْرَ الْهَاتِفِ الذَّكِيِّ لِفِيرَا: "فِيرَا\.\.\. جَاءَ شَخْصٌ إِلَى مَنْزِلِ زَوْجَةِ الْقَاضِي، وَأَطْلَقَ النَّارَ\! أَظُنُّهُ أَرَادَ تَخْوِيفَنَا\.\.\. وَتَرَكَ قِطْعَةَ الْحَصَانِ\.\.\. بِهَا رَقْمٌ 6\!" تَجَمَّدَتِ الْأَنْفَاسُ فِي الْغُرْفَةِ، وَتَلَاقَتْ الْعُيُونُ بِصَدْمَةٍ وَرُعْبٍ\. أَغْلَقُوا الْمِلَفَّ، وَعُيُونُهُمْ تَتَطَايَرُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ\. اللَّوْحَةُ\.\.\. تَمْتَلِئُ\. وَالدَّمُ\.\.\. يَكْتُبُ الْبَقِيَّةَ\. هَبَّ فِيكْتُورُ وَصَاحَ بِغَضَبٍ مَكْبُوتٍ: "إِلَى مَنْزِلِ زَوْجَةِ الْقَاضِي فَوْرًا\! لَا تَدَعُوا شَيْئًا يَمُرُّ عَلَيْنَا\!" لَكِنْ\.\.\. لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ قَدْ سَبَقَهُمْ خُطُوَاتٍ\. فِي مَنْزِلُ الزَّوْجَةِ السَّابِقَةِ لِلْقَاضِي دَخَلَتْ رُوسَانَا وَلِيُو الْمَكَانَ بِحَذَرٍ، يَتَقَدَّمُهُمَا شُعُورٌ بِالْخَوْفِ وَالذَّهُولِ\. كَانَ الْبَيْتُ سَاكِنًا، لَكِنْ رَائِحَةُ الْبَارُودِ وَالدَّمِ تَزْحَفُ مِنْ تَحْتِ الْأَبْوَابِ\. جَسَدُ زَوْجَةِ الْقَاضِي كَانَ مُلْقًى عَلَى الأَرِيْكَةِ، وَعَيْنَاهَا مُتَّسِعَتَانِ، كَأَنَّهَا رَأَتِ الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ\. فِي يَدِهَا قِطْعَةُ الْحَصَانِ، وَعَلَيْهَا رَقْمٌ 6 مَنْحُوتٌ بِدِقَّةٍ\. قَالَ لِيُو، وَهُوَ يُفَتِّشُ الْمَكَانَ: "غَرِيب\.\.\. كَانَ يُرَتِّبُ قَتْلَهُ وَفْقًا لِقِطَعِ الشَّطْرَنْج، وَنَحْنُ بَعْدُ فِي الرَّقْمِ 7 فِي الْقَضِيَّةِ السَّابِقَةِ\.\.\. هَلْ تَرَاجَعَ؟" رُوسَانَا، وَهِيَ تَرْفَعُ فِرَاشَ السَّرِيرِ، هَتَفَتْ: "وَجَدْتُ شَيْئًا\! هُنَا، تَحْتَ الْفِرَاشِ\.\.\. وَرَقَةٌ مَطْوِيَّةٌ، وَعَلَيْهَا كَلِمَاتٌ مَكْتُوبَةٌ بِالْقَلَمِ الْأَحْمَرِ: هُوَ لَيْسَ غَاضِبًا، هُوَ يَتَذَكَّر\.\.\. وَيَحْكُم\." تَنَفَّسَ لِيُو بُطْئًا: "أَرَادَ أَنْ يُوهِمَنَا\.\.\. وَيَشْتِّتَ خُطَانَا\.\.\. فَذَهَبْنَا نَبْحَثُ عَنِ اللُّغْزِ وَتَرَكْنَا الحَقِيقَةَ تَمُوتُ فِي لُعْبَةِ الشَّطْرَنْج، الْـحَصَانُ قُوَّتُهُ فِي حَرَكَتِهِ الْمُفَاجِئَةِ، يَقْفِزُ فَوْقَ الْحَوَاجِزِ، وَيَضْرِبُ فِي الزَّاوِيَةِ\. وَالرَّقْمُ 6\.\.\. هُوَ تَرْقِيمٌ عَكْسِيٌّ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الْخُطُوَاتِ الْمُتَبَقِّيَةِ قَبْلَ النِّهَايَةِ\. الْقَاتِلُ يَبْدُو أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ قَطَعَ الشَّطْرَنْجِ كَتَسَلْسُلٍ زَمَنِيٍّ لِلْجَرَائِمِ، كُلَّ قَضِيَّةٍ هِيَ خَطْوَةٌ فِي اللُّعْبَةِ\. الْمَلِكُ = الْقَاضِي الْـحَصَانُ = اللَّاعِب وَزَوْجَةُ الْقَاضِي الرَّقْمُ 6 = قَدْ يَكُونُ دَلِيلًا أَنَّنَا فِي الْخُطْوَةِ السَّادِسَةِ، وَمَا يَنْتَظِرُنَا أَكْثَرُ دَمَوِيَّةً\." أَنْهَىَ لِيُو تَحْلِيلَهُ بَيْنَمَا فِيكْتُور، فِي السَّيَّارَةِ مَعَ ثَيْمْ وَفِيرَا، تَلَقَّى الِاتِّصَالَ، فَصَمَتَ طَوِيلًا، ثُمَّ هَمَسَ: "اللَّعْنَةُ\.\.\. قَادِمُونَ يَا وُحُوشَ الْمَاضِي\.\.\. لَنْ نَدَعَكُمْ تُكْمِلُونَ اللَّوْحَةَ\." \_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_\_ بَعْدَ سَاعَاتٍ مِنَ التَّحْقِيقِ الْمُرْهِقِ وَالْوُجُوهِ الْعَابِسَةِ فِي أَرْوِقَةِ الْجَرِيمَةِ، عَادَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقِ إِلَى مَنْزِلِهِ، يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ خَلِيطًا مِنَ الْأَسْئِلَةِ وَالتَّعَبِ وَالذِّكْرَيَاتِ الَّتِي لَا تَتَفَكَّكُ بِسُهُولَةٍ\. فِي شَقَّتِهِ الْفَاخِرَةِ، وَفِي غُرْفَةِ الْحَمَّامِ الْمَكْسُوَّةِ بِالرُّخَامِ الأَسْوَدِ، وَقَفَ "فِيكْتُور" تَحْتَ الْمَاءِ السَّاخِنِ\. كَانَ يَنْزَلُ عَلَى جِسْمِهِ بِبُطْءٍ، يُجَاوِرُ كُلَّ عَضَلَةٍ مَشْدُودَةٍ، وَيَتَدَفَّقُ فَوْقَ جَسَدٍ كَأَنَّهُ نُحِتَ بِالدِّقَّةِ\. الْبُخَارُ يَمْلَأُ الْمَكَانَ، وَالشُّعْرُ الْأَسْوَدُ الْمَبْلُولُ يَنْزَلُ عَلَى وَجْهِهِ، يُغَطِّي جَبِينَهُ الَّذِي يُخْفِي تَجَاعِيدَ قَلَقٍ قَدِيمٍ وَ جُرْحُ يَدِه مِنَ الْكَتِفِ حَتَى كَفِهِ\. عِنْدَمَا خَرَجَ، كَانَ يَلُفُّ مِنْشَفَةً قَطَنِيَّةً بِيضَاءَ حَوْلَ خَصْرِهِ، وَيَتَوَجَّهُ نَحْوَ غُرْفَةِ النَّوْمِ، حَيْثُ نَامَتْ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةُ "آنَا" بَعْدَ أَنْ قَرَأَ لَهاَ قِصَّةً قَصِيرَةً عَنِ الْفُرْسَانِ\. قَبَّلَ جَبِينَهاَ، وَجَلَسَ إِلَى الْكُرْسِيِّ الْجِلْدِيِّ الْمُقَابِلِ لِلشُّرْفَةِ، يُقَلِّبُ فِي دَفْتَرٍ قَدِيمٍ، فِيهِ كِتَابَاتٌ وَأَسْمَاءٌ مِنْ مَاضٍ يُطَارِدُهُ\.\.\. مَاضٍ لَمْ يَطْلُبْهُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُجْبَرُ عَلَى حَمْلِهِ\. أَمَّا "فِيرَا"، فَفِي شُقَّتِهَا الْمُتَوَاضِعَةِ، كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى أَرِيكَةٍ صَغِيرَةٍ، تَلْبَسُ مِلَفًّا رَمَادِيًّا، وَفِي يَدَيْهَا كُتُبُ الْجِرَاحَةِ الْجِنَائِيَّةِ\. كَانَتْ تُرَاجِعُ لِامْتِحَانٍ قَادِمٍ، وَلَكِنَّ ذِهْنَهَا يَشْرُدُ كُلَّ دَقِيقَةٍ النُّورُ فِي الْغُرْفَةِ خَافِتٌ، وَالصَّمْتُ فِي زَوَايَاهَا عَمِيقٌ\. عَلَى الْجِدَارِ صُوَرٌ قَدِيمَةٌ لِطُفُولَةٍ بَاهِتَةٍ، وَفِي صَدْرِهَا قَلْبٌ يُرِيدُ الْفَهْمَ\.\.\. لَكِنَّهُ يَخَافُ الْإِجَابَةَ\. فِي الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الْمَدِينَةِ، كَانَتْ "رُوسَانَا" تَحْمِلُ طَاجِنَ الْكَعْكَةِ الْمَخْبُوزَةِ بِالْفَانِيلْيَا وَتَدْخُلُ بِهِ إِلَى الْمَطْبَخِ، تَلْبَسُ مَرْيُولَ الطَّهْوِ، وَتَضْحَكُ مَعَ أُخْتِهَا\. وَبَيْنَ ضَحْكَةٍ وَقِطْعَةِ كَعْكٍ، كَانَتْ تَكْتُبُ أَفْكَارًا سَرِيعَةً فِي دَفْتَرٍ صَغِيرٍ، تَسْتَعِيدُ بِهَا مَشَاهِدَ مِنْ مَكَانِ الْجَرِيمَةِ\. لَيْلًا، وَعَلَى سَطْحِ الْبَيْتِ، جَلَسَتْ تُرَاجِعُ مَا كَتَبَتْ وَأَمَامَهَا مِصْبَاحٌ صَغِيرٌ يُنِيرُ دَفَاتِرَهَا وَأَحْلَامَهَا\. فِي مَنْزِلٍ رِيفِيٍّ صَغِيرٍ، كَانَ "لِيُو" يَجْلِسُ أَمَامَ الْمِرْآةِ، يَتَفَقَّدُ خُدُوشَ وَجْهِهِ، ثُمَّ يَسْحَبُ سِلَاحَهُ وَيَشْرَعُ فِي تَنْظِيفِهِ بِدِقَّةٍ، كَأَنَّهُ يَغْسِلُ ذُنُوبَهُ\. بَعْدَهَا، يَخْرُجُ إِلَى الْفِنَاءِ، يَتَدَرَّبُ عَلَى التَّصْوِيبِ وَكُلُّ طَلْقَةٍ يُطْلِقُهَا تُقَرِّبُهُ مِنْ شَبَحٍ يُطَارِدُهُ فِي نَوْمِهِ\. فِي اللَّيْلِ، يَسْتَمِعُ إِلَى تَسْجِيلٍ قَدِيمٍ لِوَالِدِهِ يَتَكَلَّمُ عَنِ العُدَالَةِ، وَيَتَسَاءَلُ: هَلْ كَانَتْ حَقًّا تَسْتَحِقُّ كُلَّ ذَلِكَ الدَّمِ؟ أَمَّا "ثَيْم"، فَكَانَ يَجْلِسُ فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ، أَمَامَهُ وَرْدَةٌ حَمْرَاءُ، كَأَنَّهَا تُذَكِّرُهُ بِوَعْدٍ قَدِيمٍ\. يُقَلِّبُهَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَيَشُمُّهَا كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ اسْتِعَادَةَ شَيْءٍ مَفْقُودٍ\. عَلَى الْحَائِطِ، صُوَرٌ قَدِيمَةٌ لِضَحَايَا، وَفِي دَفْتَرٍ سِرِّيٍّ، رُسُومٌ لِوُجُوهٍ بِلَا مَلَامِحٍ\.\.\. يُجَاهِدُ لِأَنْ يَتَذَكَّرَهَا، أَمْ لِأَنْ يَنْسَاهَا؟، لَكِنْ فِي خَضْمِ هَذِهِ الاَفْكَارْ يَتَذَكَرُ مَلاَمِحَ نِيسَا فَيَبْتَسِمُ وَبَيْنَمَا نَامُوا جَمِيعًا فِي مَنَازِلِهِم، كَانَتْ الرُّقْعَةُ فِي مَكَانٍ آخَرَ تَسْتَعِدُّ لِتَحَرُّكِ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ\.\.\. وَالظِّلُّ يَزْحَفُ نَحْوَهُمْ فِي هُدُوءٍ، كَمَا يَزْحَفُ اللَّيْلُ عَلَى مَدِينَةٍ أَنْكَرَتِ الْحَقَائِقَ طَوِيلًا\. \. \. \. \. \. \. \. \. هُناَ نَصِلُ لِنِهَايَةِ الْفَصْلِ\. ✨ أَتَمَنَىَّ أَنْ يُعْجِبَكُمْ 💋 وَ الاَن إِسْتَوْدَعْتُكُم الله\.\.\.\.\.\.\. 🍬 كَانَتْ مَعَكُم زَيْنَبْ 🍎
aelure.x