عمن تتحدث؟

عمن تتحدث؟

11 3

"كلما أجبتك، ازداد سؤالك اتساعًا... فإلى متى سنظل نطارد الحقيقة بأسئلة لا تنتهي؟" ______________________________ وأقول لكم : لم يأتِ الأشقر باحثًا عن إجابة حقًا. ولم يكن كمن يهتم بالفن، ولا بمن ينشأه... بل كان مجرد فضول من حرك قدميه، حتى توقفتا أمام باب تلكَ المكتبة لا شيء يوحي بأنها مختلفة. الباب زجاجي باهت، والخطّ المنقوش أعلاه بالكاد يُقرأ: (مكتبة السراب) لا صوت خلف الباب، لا إشارة، لا دلالة على أنه المكان الذي يقصده، لكنه لم يتراجع. دَفع الباب، ورنينٌ خافت استقبله كهمسةٍ لا أحد سواك يسمعها. الهواء بالداخل بارد قليلًا، يشبه رائحة الكتب القديمة التي تُفتح بعد نومٍ طويل، وأثر حبرٍ جفّ منذ سنين. رجل بعيون زرقاء يجلس على الكرسي خلف المكتب  بيده كتابٍ مهترئ عنوانه ليس واضحًا لم يرفع نظره فورًا، بدا غارقًا في القراءة، أو ربما متظاهرًا بها. انتظر الأشقر لحظة، ثم اقترب بخطوتين، وسأل: "هل المعرض هنا؟" أجابه الرجل دون أن يبدّل ملامحه: "الطابق العلوي، آخر الممر." ثم عاد للنظر في الصفحة التي لم يقلبها. لم يُضف شيئًا. لم يسأل عن الاسم، ولا الغاية ، ولم يظهر أي اهتمام. شعر الأشقر للحظة أنه اقتحم مكانًا لا يخصه،لكنه شكر الرجل بصوت خافت، وتوجّه نحو الدرج وما إن صعدت قدماه الدرجة الأولى، حتى اختلف الهواء من حوله. لم يكن التغيّر واضحًا... لكنه محسوس! كما لو أن جدارًا شفافًا مرّ به دون أن يراه. تردّد، كاد يلتفت، لولا أن صوتًا خافتًا، كأنما خرج من بين الجدران، تسلّل إلى سمعه: "يا له من بشري ضعيف..." لم يعرف من قالها. لم يتأكد حتى إن كان سمعها حقًا، لكن قلبه انكمش. التفت ببطء، فلم يكن هناك أحد على الدرج. ولا الرجل خلف المكتب قد غيّر وضعيته. الكتاب لا يزال بين يديه، والصفحة لم تُقلب. شعر بشيء بارد يمر على رقبته، كأن الظلال تزحف. أكمل الصعود — لا لأنه أراد، بل لأن العودة لم تعد ممكنة. مع كل خطوة، كان الضوء يبهت. والجدران تضيق، أو لعلها تتنفس وتتمدّد... وتعود. وحين وصل إلى آخر الدرَج، لم يجد الطابق العلوي. بل وجد مكتبة أخرى — أغمق، وأوسع، وأقلّ واقعًا. كتبٌ معلّقة في الهواء، ترفرف أوراقها كأنها تئنّ. وظلالٌ تتراقص حول الرفوف، كأن أحدهم أطلق الموسيقى ولم يسمعها سواه. في الزاوية، كان هناك طفل. يتكوّر على نفسه، رأسه بين ذراعيه، ويداه تغطيان أذنيه بإحكام، كمن يُحاول الهرب من صوتٍ لا ينقطع. لم يكن يبكي. كان يرتجف. يهمس لنفسه، يكرر جملة واحدة، جعلت الأشقر يشعر كأنه حُبِس فجأة في كابوسٍ لم يصنعه. كلماتٌ خرجت مرتجفة، مشوشة، لكنها... كانت واضحة بما يكفي لتزلزل داخله: "ليام... كل ما تراه ليس إلا محض خيال يصنعه عقلك... لأنك الوحيد هنا." ثم أضاف بصوتٍ أوهن، كمن يذكّر نفسه بما قيل له مرارًا: "سيدي قال إنه كذلك... لذا يجب أن أتوقف عن توهّم الأمور." كان الأشقر في حالةِ صدمة مما يحدث يعجز عن تصديق ما تراه عينيه وتزايدت الأسئلة التي تجول خاطره تردد قليلًا لكنه أغلق عينيه متنهدًا و أقدم بخطواتٍ ثابته لمضجع ليام لكن ليام رفع رأسه فجأة، وعيناه متسعتان برعبٍ نقي، كأن الأشقر كان جزءًا من كابوسه. "ابتعد!" صرخها بصوتٍ حاد، ثم تراجع إلى الحائط المرتجف خلفه، "لا تلمسني... أنتم لا تفهمون شيئًا! أنتم الظلال!" الأشقر لم يفهم، لكن شيئًا بداخله لم يرد التراجع. لم يعد يشعر أنه يملك السيطرة على ما يقول، أو ما يفعل! بل كأن أحدهم يملي عليه الحنان. جثا على ركبتيه، وصوته خرج هادئًا، منخفضًا، كأنّه يتحدّث لنفسه: "أنا صدقًا... لا أريد أن أؤذيك." "ما اسمك؟" سأله عن اسمه كمن لم يسمعه يخاطب به نفسه منذ ثوان مضت تردّد ليام في إجابته بداية ، ثم قال: "ليام." ثم رفع ليام نظره قليلًا يحاول أن يرى الأشقر أمامه ولمح إبتسامة هادئة و جميلة من خلال ذلكَ الظل الأسود الذي يحيط كيان الأشقر " أنتَ ما اسمك؟" الأشقر رمش للحظة، لا يعلم بما يجيبه لذا جلس أمامه بهدوء ثم قهقه قائلًا : " لا أعلم.. هل ستمنحني واحدًا؟ " حركَ ليام رأسه نافيًا، ليبعثر الأشقر شعره بحنان بينما يضحك، ثم سأل: "ليام... من هو سيدك؟" امال ليام رأسه بمرح، ونطق الاسم كمن يهمس باسم محبب: "هينري." ثم... توقّف كل شيء. الصمت لم يكن غياب الصوت فقط — بل كأن الزمن ذاته قرر أن يتجمّد. حتى الورق الذي كان يرفرف من الكتب العائمة... توقف في منتصف الهواء، كأن أحدهم أوقف الفيلم. ليام لم يعد يتنفس، وعينا الأشقر لم ترمش. لكنه... كان واعيًا. يسمع كل شيء. يرى كل شيء. خطوات هادئة هبطت من العتمة، كأنها تُخترَع لحظة بلحظة. من بين الظلال، ظهر هينري. لم يكن كما رآه من قبل. لا كرسي، لا كتاب، لا نظرة باردة. بل كيان طويل القامة، كل خطوة منه تُعيد ترتيب الجدران. وقف أمام المشهد، نظر إلى الأشقر وليام، ثم قال بصوتٍ بدا كأنه قادم من تحت الأرض: " صدقًا إن البشر يثيرون المتاعب أينما حَّلوا" قلب هينري عينيه بضجر و تذمر واضح و نادى على تيمين ليتحرك أحد الكتب من الرفوف و يقف أمامه بهيئة رجل قصير القامة : " لم يكن خطأي ذلكَ الرجل غريب لم أستطع منعه و قد تعدى الوهم بسهولة!" حدق به هينري بنوعٍ من الغضب ليبرر تيمين نفسه بسرعة " لا يد لي في الأمر ليس كما لو أن أي من حراس المكتبة سوف يسمحون بدخول غريب إلا إن كانت نير هي المسؤولة " تنهد هينري ناظرًا للأشقر "غريب... لا اسم له؟" اقترب هينري منه، والظل يتموّج خلفه كستارة ماء،ثم همس كمن يتذوّق الاسم أكثر مما ينطقه: "ليس من عادة نير أن تترك شخصياتها دون اسم. بل تمنحهم أسماءً تحمل مفاتيح وجودهم." ثم نظر إلى الأشقر نظرة طويلة، قبل أن يتابع: "فمن تكون أنت... حتى تمنحك كاتبتنا هذه الحرية؟" كاتبة ؟ مهلًا ألم تقل تلك السيدة العجوز ذات الأمر ؟ هل ما يعيشه حقيقة أم مجرد قصة خياليه في عقل أحدهم؟ وهاقد تشكل السؤال في عقله الآن! فكيفك يحصل على الإجابة؟ عمن يتحدث هذا الهينري وأين هو الآن؟ ______________________________ يتبع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

منسيُّ بالأسم.

المؤلف نِير
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة