"أحيانًا، لا تبدأ الحياة حين نولد... بل حين نعرف أننا لم نكن أحياء حقًا." ______________________________ لم يخطُ خارجَ الحقل لأنه أراد، بل لأن شيئًا ما في داخله... أزاحه بلطف، كمن يستدعيه من نومٍ طويل. ترك الحقل خلفه، وكانت السنابل تتحرّك خلفهُ بلا صوت، كأنها تودّعه دون عتاب. الشمس، كما هي، لم تتغيّر. لكنه المتغير هنا. مرّت به الأرض من عشب إلى تراب، ومن تراب إلى حصى، حتى صار أمام طريقٍ ضيق، تتناثر على أطرافه حجارة سوداء، تغوص فيها آثار أقدامٍ سابقة. و لأول مرة، شعر الأشقر أن ما تحته... يحمل تاريخًا. كان الجو أدفأ، والهواء أقرب إلى الطين والرطوبة. ونداء أخر مر على مسمعه. وإن ود وصفها بدقة لقال أنها صرخة... صرخة قصيرة، مخنوقة، تلتها أنفاس متلاحقة، ونداء مضطرب: "هل من أحد هناك؟! ساعدوني!" ركض الأشقر وتلكَ القطة تلاحقه. ركض كما لم يفعل من قبل، كأن ساقيه تعرفان الطريق، لكن صدره لم يعتد أن يحمل هذا الوزن. رأى رجلًا طويلًا ، جسده مُنهك، ويحمل امرأة تتدلّى فوق كتفه كأغنية مكسورة. كانت أنفاسها خفيفة، وفي عينيها بريقٌ موجع، كأن الحياة توشك أن تخرج منها. مدّ يد العون دون أن ينطق بكلمة، حمل عنه الثقل، وشاركه الألم كمن يعرفه منذ زمن. "نحتاج الوصول إلى المدينة،" قال الرجل، وهو يلهث. "طفلي... على وشك المجيء." كان الأشقر يتحرك دون رغبةٍ منه كما لو أن هناكَ متحكمًا في كل تصرفاته!. حتى رآها... رآها من بعيد، ثم من قريب... ثم من الداخل لم تكن مدينة. بل تجربة كاملة، تشبه أن تولد من جديد في عالم لا يُشبهك. كانت المدينة... مفعمةً بالصوت، بالصخب، بالحركة. أضواء لا تُشبه شمس الحقل، بل تُشبه النبض المتسارع، تشبه حمى الحواس حين تتفتح لأول مرة. الطرقات تعبق برائحةٍ غريبة، لا هي طين ولا قمح ولا شجر، بل مزيجٌ من دخانٍ ودواء، وحكايات تُطبَخ على الأرصفة. بواباتٌ تُفتح وحدها، أصوات لا تأتي من أفواه بشر ناطقة، مقاعد، آلات، جدران تلمع دون سبب. كل شيء يتحرك. يتنفس. ينبض بالحياة. وفي عيني الأشقر... كان كل هذا أشبه بعاصفة تجتاح داخله المتقشّف. في الحقل، كل شيء كان صامتًا. ساكنًا. بلا أسماء، بلا ملامح، بلا ضرورة. كما لو أنه منفى للاشيء. أو ريفٌ سكنته المنسيات. أما هنا... فلكل شيء اسم. لكل وجه معنى. لكل حركة دلالة. كأن حبر سحري هو العمود الفقري لهذا المكان. شعر بالتيهِ، كمن دخل حكاية مكتوبة بلغة لا يفهمها، لكنّه مجبرٌ على قراءتها بصوتٍ عالٍ. وبينما كان يحاول أن يفهم... أن يُمسك طرفًا من الخيط، جاءت عضة تلك القطة. كأنها اليد الوحيدة التي امتدّت إليه من ماضيه لتبلغه بحضور الممرضة. ذات الابتسامة متعبة، لكنها حقيقية. والغريب في الأمر أنه تعرف عليها دون أن تنطق بكلمة كما لو أن عقله مذكرة لكاتب هارب... قالت بصوتها: "دكتور آصف، نقلنا المريضة للحجرة (3)." توقف الزمن عند تلكَ الكلمة بالنسبة للأشقر. آصف؟ ما هذا؟ اسم؟ علامة؟ كلمة تخص شخصًا دون غيره؟ سمعها، وشعر بصدى غريب في صدره، كأن عقله يتلمّس معنى جديدًا للعالم. في الحقل، لم يناده أحد باسمه. وفي الحقيقة... لم يكن له اسم. كانوا ينادونه بـ"الأشقر". صفة تخصه لكنها لا تميزه، لا أكثر. لكن هنا... هذا الرجل له اسم. آصف. شعر برغبة أن ينطقها... أن يملك شيئًا كهذا. "آصف..." ردّدها بينه وبين نفسه، كأنها تعويذة، أو جرسٌ يُعلّق حول عنق قلبه ليذكّره أنه ليس وحده. عيناه كانت تحدق بتلك القطة التي تقف امام أقدامه قد أتت معه من الحقل لكنها لا تشبهه أو تشبه من يسكن الحقل في أي شيء. و ما أن دخل المدينة حتى بدأ يدرك ذلك بهدوء. لم يدرِ كم مضى من الوقت. جلس في الردهة، يده تحترق ببقايا حرارة يد المرأة، وأنفاسه ما تزال غير معتادة على صخب المدينة. حتى عانق صوت صاخب هدوء ما حوله! " ليا أين كنتِ؟ توقفي عن الهرب! يا الاهي لِمَ علي إيجادك دومًا في هنا؟ لم أعد أسكن هنا كما تعلمين" مراهقة؟ أو ربما طفلة؟ أخذت تلك القطة التي ظنها رفيقة دربه و جزء من ماضيه.. لكن هي الأخرى تملكُ اسمًا ؟ أم كان لقب؟ لا علم له لكنه شعر أن تلكَ القطة تفوقه منزلةً مما هز كيانه و بعثر أيسره؟ لِمَ بخل عليه كاتب حكايته باسم؟ لِمَ عجزت اليد التي خطته عن منحه كيانًا؟ لِمَ جعلته أبكمًا و هو يجيد الحديث؟ ثم خرجت النقالة لتعيده لواقعه مجددًا، تحمل المرأة... والطفل. كان الطفل صغيرًا جدًا، لكنه صرخ. أغمض عينيه يشفق على حاله؟ يغبط حديث الولادة ذاك لقدرته على الصراخ! صرخته كانت مثل قطرة في بركة راكدة. هزّت شيئًا بداخل الأشقر. بكى الرجل. وضمّ المرأة، ثم قبّل جبين الطفل. و تلكَ التي عانقتها عاطفة الأمومة حتى فاضت مدّت يدها إلى الأشقر، كانت يدها شاحبة، لكنها ثابتة. وابتسمت له، ثم قالت: "شكرًا... آه ليتك تعلم أنني شعرتُ وكأنك الملاك الذي رأيته في منامي... يلفكَ ذات الضوء، ونفس الأمان." لم يعرف بماذا يجيب عليها. لم تخرج الكلمات من فمه بتاتًا. لكن في داخله، كان شيء جديد يولد. شعورٌ يشبه الأمل، والرغبة أو... سعي لاسمٍ لم يُكتب بعد. ______________________________ يتبع
نِير