" الضوء لا يوقظ دائمًا... أحيانًا، هو أول منام. " ______________________________ الحقل يمتدّ بلا نهاية، بحرٌ من سنابل القمح الراكعة للريح. كل شيء فيه أصفر. الشمس لا تغيب، والظل لا يتحرك. تحت شجرة قديمة تقف وحيدة في وسطه، استلقى الفتى ذو الشعر الأشقر. لا يعرف كم من الوقت مرّ، ولا إن كان الوقت هنا يُقاس. كان يراقب السحاب، أو ما يشبهه، ويفكّر... لا بشيء على وجه التحديد. القطة السوداء التي تزوره كل يوم، حسب ما يشعر، تمددت قربه، وراحت تنظّف مخلبها بعناية. كل شيء هادئ. لا أحد يطلبه، لا أحد يناديه. حتى اسمه... اسمه؟ لحظة. لماذا لا يعرف اسمه؟ ارتفع فجأة جرس داخلي، لم يكن جرسًا حقيقًا، بل إحساسًا يشبه الوخز. قبل أن يتمكّن من البحث عن ذلك الشعور، جاءه صوت: "أيها الأشقر، ساعدني." رفع رأسه، ورآها. امرأة مسنّة، ظهرها مقوس، تحمل سلة قمح وتجرّ عصا خشبية. كانت ترتدي رداءً بسيطًا، لكن ما شدّه هو... تلك الابتسامة. كانت دافئة. لا تُشبه حرارة الشمس، بل دفء يشبه حضنًا نسيه منذ زمن طويل. "ساعدني بلَمّ السنابل، سأسقطها جميعًا إن مشيت وحدي." نهض من مكانه، كما لو أنه كان ينتظر طلبًا كهذا ليشعر بالحياة. مشى بجانبها، تحت الشمس التي لا تتغيّر. "هل كنتِ هنا دائمًا؟" "كنتُ هنا، منذ أن كُتبت." لم يفهم. لكنه لم يسأل. "وأنت؟" "أنا؟ لا أدري. أظنني... دائمًا كنت هنا." حمل معها السنابل، وبدأ يجمعها في السلة. "هل لديكِ اسم؟" توقفت، نظرت إليه، وابتسمت. "لا. لكن الكاتبة حين أوجدتني، كتبت أنني العجوز ذات الابتسامة المريحة، التي تحمل في داخلها حكمة قد تريح بطلنا." شعر أن قلبه تسرّب منه شيء. بطل؟ من؟ الكاتبة؟ "أي كاتبة؟" نظرت لمكان ما، نحو جهةٍ لا يمكنه رؤيتها، وقالت: "هي التي تكتبنا. تنام الآن تحت البحر، بعيدًا عننا... بعيدًا جدًا." بقي واقفًا، يحمل سنبلة بيده، كأنها كل ما يملكه. لم يفهم تمامًا. لكن شيئًا ما بدأ يتحرك بداخله. إحساسٌ خام، يشبه الحاجة، أو الجوع... أو الحنين. "لماذا لا نذهب لها؟" "لأن لا أحد يصلها. والبحر... لا يُسبَح فيه ولا تبحرُ به." أبتسمت بخفة كما لو أن ما قالته طبيعي ليس غريب بتاتًا "لكن..." صوته اختفى. كان هناك شعور جديد يتكوّن بداخله. سؤالٌ لم يُسأل من قبل. من أنا؟ لم يكن سؤالًا يطرحه على الآخرين. بل كان، لأول مرة، موجَّهًا له. لم تكن له ذكرى، ولا حلم، ولا شعور بانتماء. فقط هذا المكان. وهذه القطة. وهذه الشمس التي لا تغيب. "هل تساءلتِ يومًا من نكون؟" سألها بينما كانت ترتّب السنابل في السلة، بتأنٍ يشبه الطقوس القديمة. "كثيرًا. ثم توقفت." "لماذا؟" "لأني فهمت أن السؤال أكبر من قدرتي... وأني وُصفت بالحكمة، لا بالمغامرة." أعاد النظر فيها. لم تكن تشبهه، لا في نظرتها، ولا في وقفتها، ولا في عمق كلامها. بدت وكأنها تحمل على كتفيها ألف مشهد لم يُعرض بعد. لكنه لا... لم يكن يحمل شيئًا. "هل أنا حقيقي؟" هذه المرة لم ترد. وضعت السلة جانبًا، وجلست قربه. سألت : "أنت تشعر؟" أجابها : "نعم." سألت مجددًا : "تتساءل؟" فأجابها : "كثيرًا." أبتسمت بخفةٍ و أعادت سؤاله : "تتألم؟" صمت طويلًا. ثم قال: "لا أدري. لكنّي... أشعر بشيء يضغط على صدري." العجوز أغلقت عينيها للحظة. كأنها تصغي لصوت لا يُسمع. "هذا يعني أن الحكاية بدأت، يا ولدي." سألها مستغربًا : "أي حكاية؟" رفعت يدها وأشارت إلى الأفق، جهة لا يبدو فيها شيء إلا المزيد من الصفار. "هناك، خلف هذا الحقل، يبدأ الطريق." عقدَ حاجبيه متهجمًا ثم قال : "لكن لا يوجد شيء هناك." حدقت في عينه قليلًا ثم قهقهت قائلةً : "أعرف." نال منه الغضب نوعًا ما ثم سأل بنبرة منزعجة : "كيف أعرف إلى أين أذهب؟" أجابته : "عندما تشعر أنك تضيع، اتبع ذلك." التفت نحو القطة، فوجدها تحدّق إليه بطريقة مختلفة، كأنها كانت تسمعه طوال الوقت، وتفهم أكثر منه. الشمس لا تتحرك. الحقل لا يتغيّر. لكن داخله... كل شيء بدأ بالتحوّل. قام من مكانه، ونظر إلى العجوز. "شكرًا." هي لم تردّ. فقط رفعت يدها، كمن يودّع شخصًا يعرف أنه لن يعود كما كان. ربما لن يعود إلى هنا أبدًا ربما لن يكون ريف اللاشيء مسكنه مجددًا... كانت تشاهده و هو يمشي بعيدًا عنها. أما هو لم يكن يعلم— أن كل خطوة نحو حافة الحقل، كانت تكتبه... للمرة الأولى. ______________________________ يتبع
نِير