" لا تكتفِ بقول (لا أفهم) لتُغلق الأبواب التي تخشى دخولها!." ______________________________ نُقلت تلك المرأة إلى غرفة الأمومة دون أن تسمع ردًا من الأشقر على كلماتها... فقد انحنى لها بوجهٍ تملؤه الحيرة، ثم هرب من المستشفى، باحثًا عن مخبأ، عن طريقٍ يعيده لحقله، لمساحته الآمنة! فهذه المدينة لم تكن أرضًا يرتاح لها قلبه، الضجيج فيها يتسلّل لعظامه، وشعور القلق يبعثر كيانه بالفعل... ماذا يجب أن يفعل؟ وإلى أين يذهب؟ لا يعلم. هربه لم يكن قرارًا، بل غريزة. وهو يخطو على الأرصفة، لم يكن يدري أيسير على أرضٍ حقيقية،أم فوق سطرٍ في كتابٍ لا يعرفه... وبينما الغربة تتمدّد في روحه، اصطدم بجسدٍ خفيف، وارتفعت في الهواء أوراق مبعثرة، تطايرت حوله كفراشاتٍ مذعورة. انحنى تلقائيًا، التقط إحداها دون تفكير، وبجانبها لمح بطاقة صغيرة تتدلّى من زيّ مدرسي، عليها اسم... بلغة لم يفهمها. تثبّت بها لحظة، وسؤالٌ موجع سكن عينيه: "حتى هذا الفتى... له اسم؟" رفع بصره إلى صاحبها — فتى مراهق، لم يكن غاضبًا ولا مستغربًا، فقط... بدا عليه الضيق، ضيقٌ مهذّب، يرتديه كسترةٍ مدروسة. تردّد الأشقر، ثم سأل بنبرة خافتة: "ما اسمك؟" أجابه الفتى دون أن ينظر إليه: "أمي تمنعني من إخبار الغرباء..." " آسف." اعتذر الأشقر بخجل، وواصل مساعدته في لملمة الأوراق، لكن عينيه لم تبتعدا عن الكلمات المكتوبة، النوتات المرسومة، العبارات الصغيرة التي ترافق الألحان... كانت غريبة... لكن مفهومة. والأغرب، أن الكلمات خرجت من فمه فجأة، دون أن يختارها، همسًا أولًا، ثم بثقةٍ أكبر: "تابع، لا تتوقف... هناك من يحتاج أن يسمعك." توقف الفتى لحظة، حدّق فيه بدهشة قصيرة، ثم تابع جمع أوراقه. أما الأشقر، فقد ظلّ في مكانه، يشعر أن الكلمات خرجت من مكان لا يعرفه... كأنه جسرٌ بين كاتبٍ غائب، وعالمٍ يُكتب الآن. ربما لا يملك اسمًا بعد... لكنه — وللمرة الأولى — منح أحدهم شعورًا. و بقي واقفًا مكانه، يراقب الفتى وهو يبتعد بخطواتٍ واثقة، يحمل أوراقه كأنها كنز صغير انتُزع من الفوضى. لم ينادِه، لم يسأله إلى أين يذهب... لكنه شعر أن ما حدث الآن هزّ شيئًا داخله، كما فعلت صرخة الطفل، وابتسامة تلك المرأة. تلاقت تلك اللحظات الثلاث، رغم بعدها، كأنها تقول له شيئًا واحدًا: "لا تنتظر أن يمنحك أحد اسمك... ابحث عنه." للحظة، كان الأشقر يظن أن المدينة تتنفس من حوله بشكل مختلف،أن كل شيء يتحرّك بإيقاع لم ينتبه له من قبل. أدار رأسه ببطء... ثم قرر أن يتوقّف عن الهرب — ولو للحظة. أن ينظر... فقط ينظر. خطا خطوة. ثم أخرى. تأمل الأرصفة، الواجهات، الأشجار المزروعة داخل أحواض، بائعًا على زاوية شارع يعرض كتبًا مستعملة، امرأةً تُطعم طيورًا لا تلتفت إليها، ورجلًا يكتب شيئًا في دفتر صغير... كان يراها... دون أن يرفع صوته أو يُحدث ضجيجًا.. كانت المدينة كما هي، لكن عينيه اختلفتا. وبينما استدار ليتبع طريقًا لا يعرفه، توقّف فجأة أمام جدارٍ رمادي، مغطّى بعشرات الأوراق الصغيرة، كلها تحمل عبارات قصيرة، أمنيات؟ رسائل؟ صرخات صامتة؟ اقترب ببطء. وبدأ يقرأها. واحدة كُتب عليها: "أنا لست بخير، لكن لا أحد يسأل بشكلٍ يكفي لأقول الحقيقة." وأخرى: "كم عدد الأرواح التي نحتاجها لنغفر لأنفسنا؟" وثالثة أكثر خفوتًا: "كلما كتبتُ أكثر... اختفيتُ أقل." مدّ إصبعه، ولمس ورقة كُتب فيها بخط صغير ومنحني: " ليس عليّ أن أكون مفهومًا... كي أكون حقيقيًا." ابتسم... للمرة الأولى لم تكن ابتسامة سخرية ولا ارتباك. بل شيء يشبه الفهم. وبينما كانت عيناه تتنقّلان من ورقة إلى أخرى، توقفتا فجأة أمام لوحة صغيرة معلقة في زاوية الجدار رُسمت بعناية، بألوان هادئة، كأن الضوء نفسه مرّ عبر الماء قبل أن يلامسها. كانت الفتاة في اللوحة مستلقية، شعرها الأسود الطويل يطفو من حولها بانسيابٍ ناعم، وعيناها مغمضتان، كما لو أنها نائمة في أعماق البحر... أو غارقة في حلمٍ بعيد. لم تكن المياه مرئية تمامًا، لكنها موجودة في الهدوء، في الذوبان، في انعكاس الضوء حولها. حولها الكثير من الورد، لا يبدو مزروعًا، بل عائمًا،كأن أحدهم خبأ بهم ذكرياته وحنينه... وتركهم يحومون حولها. اقترب منها الأشقر بخطوة، وبقي ينظر إليها بصمتٍ طويل،كان في ملامحها شيء لا يعرفه... لكنه يفتقده. أحسّ لوهلة أنها ليست لوحة، بل شخصٌ مألوف جدًا. خفَض نظره، وقرأ التوقيع أسفل اللوحة: ليور فالير حروف مبعثر رتبت لتكون اسمًا لفنانٍ ما... لكنها علقت في حلقه. "ليور..." نطقها بصوت خافت، ثم أعاد قراءتها. كأن شيئًا فيه يعرف هذا الاسم دون أن يتذكّره. إلى جانب اللوحة، كان هناك سهم صغير مرسوم على الحائط، تتبّعه بعينيه، فوجد ورقة أخرى لصقها أحدهم حديثًا، كأنها دعوة شخصية: "معرض ليور فالير... التفاصيل الكاملة في مكتبة (السراب)، الطابق العلوي، جناح الفن الرمزي." ظلّ واقفًا لحظة. ثم... تحرّك. لم يخطط لذلك، لم يُفكر. لكنه سار في الاتجاه الذي يشير إليه السهم، كأن قدميه تعرفان الطريق قبل عقله. خطوة واحدة فقط، لكنها كانت تحمل احتمالات كثيرة. ربما... اسم. ذكرى. إجابة. أو سر يبعثره مجدداً... ______________________________ يتبع
نِير