جانفي| 13 بينما أمشي مخفضة رأسي فجأة يمر على يساري فاروق الذي كان أيضا يمشي مخفضا رأسه التقت عيوننا معا للحظة و أكمل طريقه، انتبهت أن له نفس نظرات السيدة التي جاءت لمنزلنا، كان من الغريب جدا أن أم آمال لم تعرفني عليها و عندما رأيتها لم تقدمنا لبعض لم أسأل، لماذا لم أسأل؟ بينما أنا عند عتبة باب قسمنا كانت نوال تقف متوجهة نحو لوحة الإعلانات مندهشة كأنها جسد بلا روح ، أنا أعرف أنها فتاة غريبة الأطوار لكن تصرفها هذا يخيفني حقا ، قلت في نفسي دعني من هذه المجنونة و أردت الذهاب لمقعدي ، جاءت أمامي و أوقفتني ، اعترضت طريقي تلك المجنونة ، تكاد عيناها تخرجان من مكانهما، ثم بدأت تشاجرني و عيناها امتلأتا بالدموع ، حتى جاء المشرف و رأى ما حصل و كالعادة يساء فهمي و ظن أنني من ظلمتها لأنها كانت تبكي ، ذهبنا للإدارة و حوصرنا بين أسئلة الاستجواب، نفيت كل تلك الاتهامات التي وجهت الي بسرعة دفعة واحدة فإذا بالمشرفة تسأل نوال فصدم الكل من إجابتها التي كانت : -شاجرت هبة فور ما رأيتها عند باب القسم ذاهبة الى مقعدها لأنني كنت أقرأ ما علق على لوحة الإعلانات، كنت قد سمعت أن أعلى علامة في بحث مادة العلوم الطبيعية هي خمسة من عشرة و عندما علقت القائمة قرأتها فإذا باسم هبة يترأسها ثم فاروق ثم رمزي ثم اسمي، و كلنا تحصلنا على نفس العلامة لماذا اسمي هو الرابع ؟ على أي أساس رتبت الأسماء؟ هنا عرفت أن هذه الفتاة تافهة و أنها لا تطاق ، هاجمتني بسبب فكرها المنغلق و قلبها الضيق، إني حقا مندهشة منها، فكيف لفتاة مجتهدة أن تكون بهذه الصفات. تلاميذ آخر زمن ... عدنا للقسم ، وجدت أستاذ الفيزياء قد بدأ الدرس. لم تتح لي الفرصة أن أقرأ الورقة التي علقت على لوحة الإعلانات، و المفاجئة الكبرى أنه قسمنا الى مجموعات من أجل البحث و كنت أنا و نوال ، رمزي و فاروق و مجد في نفس المجموعة . شعرت بالإحباط حينها. اجتمعنا في المكتبة لكي ندرس و الكل متجهم في وجه أخيه ، أخذ مجد يتناول الموضوع الذي اختاره الأستاذ و يقسم المهام علينا و يحاول تلطيف الجو بمزاحه ، لكن الكل بقي على تلك الحالة . لا أدري في تلك اللحظة كان فاروق يلعب بالسيالة فابتسمت تلقائيا، و عندما نظر الي الكل ماعدا هو بقيت مبتسمة و لم أخف تلك الابتسامة، تلك اللحظة التي ضحكت فيها بعفوية و رقة في آن واحد. في تلك اللحظة التي شددت فيها انتباهه دون أن أقصد ، دون أن أفهم لماذا ضحكت. طريقته تلك و أسلوبه في الحديث و في التعامل تعجبني، ماذا عن اعجابي برمزي ؟ لكن... لدي تفسير و سبب لإعجابي برمزي ، و ليس لدي سبب لضحكتي العفوية لمجرد أنه كان يلعب بالقلم... ليس لدي تفسير لماذا ألتقي بفاروق صدفة ، بينما أنا التي تخطط و ترسم الصدف للقاء رمزي . أسبح عكس التيار مع فاروق بينما الأمر مختلف مع رمزي . و أنا أتذكر الطريق الذي استطعت أن أرسمه معه هو طريق العودة من المدرسة الى المنزل ، أنا فقط أعجبت به شكلا ، لكنه مثل فاروق فظ و متعجرف...وسيم ... سليط اللسان، لكن رمزي كتاب مفتوح بالنسبة لي عكس فاروق فهو غامض جدا. يبدو أنه بذاته سبب و تفسير لضحكتي تلك. كان هدوءه في تلك اللحظة سلاما بالنسبة لي . عمت ضحكاتنا المكتبة بعد أن ضحكت، لقد لطفت الجو دون أن أشعر ، لقد نظرا الي و ابتسما لما كان الجميع يضحك، ارتبكت كثيرا كما لاحظت أن نوال تنظر الى رمزي لكنني لم أنزعج . بقي مجد ينظر الينا و يضحك كالساذج . ناديته بصوت مرتفع: مجد! - ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟ -أريد أن أصبح معلما في الطور الابتدائي، رد بحماس. رأيت في عينيه الإصرار و الحلم الصادق .كما لم أره من قبل ، كان هادئا طوال الفصل الدراسي السابق و تحصل على المرتبة السابعة ، لطيف و متميز، خجول قليلا ربما لأنه مهذب كثيرا. نموذج التلميذ المتفوق و قدوة للأستاذ المستقبلي ، أنا أرى فيه المعلم الحنون المعطاء من خلال صدقه . هذا الفتى صادق . -ماذا عنك يا نوال ؟ سألها مجد -ماذا ؟ تقول نوال -ماذا تريدين أن تصبحي في المستقبل؟ أعاد طرح سؤاله -أنا .... لم أفكر بعد ، لكنني أريدها أن تكون مهنة سهلة فالتعليم صعب ، تخيل نفسك تتعامل مع أربعين رأسا عنيدا صبيانا و صبيات ليعطيك الله صبرا ، تضحك و تسخر. -حقا ليعطيني الله صبرا فالتعامل معك أنت فقط يتعبني يا ذات الرأس العنيد المراهقة المقبلة على سن الشباب فما بالك بأطفال صغار، يضحك مجد. ضحك الجميع بصوت عال بينما تجهم وجه نوال و لم تستطع أن تتحدث فبقيت صامتة . كنت دائما ما أتسائل عن سبب تسمية والدي مجد له بهذا الاسم ، عنما أراه من دون نظارات لا يبدو جزائريا ظننت في البداية أنه سوري ثم بعد تفكير طويل تخليت عن الأمر . عملنا بجد و لم نتكاسل في أداء البحث، كانت تجربة رائعة ، أشعر أن علاقتنا تحسنت كثيرا، كنا فريقا. لكن علاقتي مع مريم تصبح سيئة يوما بعد يوم بسبب المشروع، فقد ذهبت و سألت الأستاذ و طلبت منه أن يضمها الى مجموعتنا فرفض، لهذا السبب لم تعد تتحدث معي و أصبحت تتجاهلني لأنها قالت لي لو أنك تحدثت مع الأستاذ لضمني للمجموعة . تعبت من هذا الضغط . إن ضغط البكالوريا يزداد يوما بعد يوم، نحن في شهر جانفي ، مرت خمسة شهور بسرعة ، لقد تخاذلت كثيرا فلم أعد أكتب كل ما أمر به من يوميات . قررت أن أضع الحب جانبا و أركز مع دراستي، كيف لي أن أركز ففاروق نقاطه أعلى مني، دائما ما أشعر أنه ستكون بيننا أحداث في المستقبل ، هذا الفتى مغرم بي، هذا ما ألاحظه. بعد مرور شهرين : مارس| 2 لم أعد الأولى على مستوى قسمي و لا حتى على مستوى الأقسام النهائية، نعم إن الذي نال المرتبة الأولى في الفصل الأول كان فاروق ، و من سيأخذها في الفصول القادمة أكيد سيكون فاروق ، سأحرص على أن أحسن درجاتي ، لقد سجلت في مسابقة مادة العلوم الفيزيائية الفردية ، إنه مجرد امتحان شامل للفصلين الدراسيين ، درست و أخذت كتب التمارين من مكتبة المدرسة و تفاديت أن أقتني الكتب من مكتبة الحي لأن فاروق يعمل هناك . ذهبت اليوم الى مكتبة البلدية كي أدرس تحضيرا للمسابقة التي تبقى لها خمسة أيام ، قضيت اليومان الماضيان في الدراسة فقط ، الحمد لله بقيت بعض النقاط الأساسية فقط لمراجعتها، فجأة جلس أحدهم بجواري و أخذ يصدر صوتا بنقره على أزار الحاسوب ، كان ذلك مزعجا خاصة أن الهدوء يعم المكتبة، لم أرفع رأسي و لم أستدر نحوه ثم استجمعت شجاعتي و قررت أن أتحدث معه: -يا فلان أيمكنك أن تجلس على مقاعد الطاولة قرب خزانة الكتب فإنها بعيدة و هادئة و لن تزعج أحدا هناك . قلتها ببرودة و أنا غاضبة في داخلي أشتعل . -اذن اجلسي أنت هناك ، فإنها بعيدة و هادئة و لن تنزعجي من أي أحد ، رد علي . كان يرتدي قبعة لم تكن عيناه ظاهرتان من وجهه، و حين التفت الي ، كان فاروق ، هه فمن غيره يرد بقوة و لسانه سليط إلى هذا الحد، كان علي أن أحزر. -ما الذي تفعله هنا؟ سألته خطف نظرة خفيفة على أوراقي ، ثم نظر الي بمكر مع ابتسامة مائلة ، بقي يحدق بي و قال: -حسنا إذا! سأذهب الآن و أعدك أننا سنلتقي قريبا، يبدو أن الصدفة عاشقة لنا . -اذهب... نع...م ! اذهب كي أرتاح من سلاطة لسانك . ذهب حقا ، بقيت أنظر اليه شاردة ، أحفظ طريقة مشيه. عدت الى المنزل بعد صراع طال مع نفسي، فمنذ أن غادر فاروق المكتبة لم أستطع التركيز في دراستي . بقيت لمدة ساعتان في مكتبة البلدية ثم رجعت للدار، وجدت أمي قد وضعت لي كتبا خارجية لمادة العلوم الفيزيائية على سطح مكتبي، تساءلت من أين اشترت هذه الكتب، ثم هرعت نحوها و سألتها نفس السؤال ... فإذا بها تقول أنها اشترتهم البارحة من مكتبة الحي . كيف أصف خوفي و هلعي حين سمعت هذا الكلام يخرج من فمها ، ففاروق يعمل هناك!!! و أنا لا أريده أن يسمع بأمر المسابقة ، بقيت أتساؤل في داخلي: هل لها علاقة بما حدث صباحا؟ عدت الى غرفتي ، رجعت و سألتها إن كانت قد تحدثت عن أمر المسابقة في المكتبة، قالت و هي تشاهد مسلسلها المفضل : لا . أنا لست متأكدة مما تقول لأنها كانت تبدو مشغولة البال. بعد 4 أيام : يوم المسابقة، مارس|7 جمعنا نحن التلاميذ في قاعة هذا اليوم، اتجهت باحثة عن الطاولة التي تحمل اسمي، جلست، كنت أول الحاضرين، ثم دخل بعض الطلاب حتى أوشك العدد أن يكتمل... فجأة، يدخل زميلي فاروق و يا لها من صدفة كان مقعده بجانبي، جلس بجواري و قال: -كيف كانت كتب الفيزياء؟ لقد انتقيتها خصيصا لك . صدمت. لن يمر اليوم على خير، انه يوم نهايتك فاروق) اجتزت الامتحان في توتر، لا أدري ان كان فاروق عبقري أم أنه درس منهج المواد في فصل الصيف! لم يلبث سوى نصف الوقت و خرج، آمل أن أنجح في هذه المسابقة و أتأهل الى مسابقة بين الثانويات . عندما أنهيت الإجابة على أسئلة الامتحان خرجت مسرعة أبحث عن فاروق فوجدته في نهاية الممر، كان يقف وقفة السايكو، المسافة بين رجليه واسعة بمقدار بلاطتين، رأسه للأسفل يميله بزاوية معينة، يرتدي سروال الجينز الأسود مع قميص صوفي أسود و معطف أسود ، كان الممر الطويل مظلما كأن غبارا رماديا صار في الفضاء ، كان فاروق يبدو طويلا و نحيلا بفعل هذه المؤثرات، و أنا كنت أتقدم مهرولة و رحت أتخيل أنني صرخت في وجهه و أبرحته ضربا، و حين وصلت، أمسكته من ذراعه و رحت أهمس( تعال، تعال من هنا!) خرجنا الى الساحة و بدأت أصرخ عليه و أقول : -اسمع يا هذا كيف تقول أنك من اختار كتب الفيزياء لي؟ -اهدئي...، فاروق . -لن أهدئ! (صرخت) فأنت دائما ما تزعجني بتصرفاتك.. ترهقني طريقة التعامل معك، أفكر كثيرا كيف أبدأ حديثا معك ....( أبكي ) لماذا أنت دائما سليط اللسان هكذا؟ تبدو شخصا غامضا لكنك ذو وجه عادي ، لكن ملامحك باردة فقط عندما تكون معي ، بالمناسبة .. أين قبعتي الصوفية التي أخذتها و لم ترجعها ؟ أرجعها الآن . -حسنا آنسة مرهقة بسببي ، لماذا تصرخين ؟ تحدثي بهدوء، لماذا انفعلت هكذا ؟ أم أنك تغارين.... لم يكمل كلامه حتى صرخ الكل : هآآآآآآآآ يا له من موقف محرج، لقد أسيئ فهمنا . -ما هذا ، لماذا تتشابكان الأيدي ؟ و لماذا تغار هبة عليك؟ ما الذي يحدث بينكما؟ قالت نوال . -بل قولي ما الذي حدث بينهما و نحن لا نعلم، قال رمزي. بقيت أنا و فاروق نحدق ببعض بينما هم يتساءلون ثم جاءتني لحظة إدراك بأننا حقا نتشابك الأيدي ، نزعت يدي بسرعة و نظرت خلفي و قلت: -ما هذا يا رب ! جماعة ، لما أنتم مجتمعون هنا ؟ -لقد اجتمعنا بعد انتهاء مسابقة الفيزياء، قال مجد . و أنا أتقدم خطوات : -تعال أنت دائما ما أتساءل عن تسمية والديك لك بهذا الاسم ، لماذا ؟ -ماذا ؟! قال مجد بتعجب . -لماذا سماك والداك مجد؟ قلت -اه، ربما والداي متأثران بسبيستون لأنهما من الجيل الذهبي ، يضحك . ضحك الكل و أنا الوحيدة التي كنت غاضبة . - لا، لا ، لو سمياك كونان فأنت تشبهه بنظاراتك هذه ، يضحك رمزي . الكل يضحك مجددا . -لا ، إنما يا أصحاب فأنتم لا تعرفون عني معلومة و ها أنا سأكشفها لكم الآن ، تحدث مجد مع تعديل نظارته بإصبعه السبابة . -ماذا ؟ خيرا ؟! نوال مذعورة . قلت أن لهذه الفتاة تصرفات غريبة . -أنا في الحقيقة لست جزائري، أنا فلسطيني . والدي جاءا للدراسة هنا في الماضي فتعارفا و تزوجا و سمياني مجد بعد أن ولدت ، بكل بساطة . الكل اندهش . -هل لديك اخوة ، قال فاروق . اندهش الكل مجددا ففاروق لم يتحدث قط معهم ، فرح مجد الساذج و قال: -فاروق.. أنت توجه الحديث الي! كم أنا سعيد فقد حلمت أن أتحدث مع عبقري القسم و أتناقش معه في مادة من المواد ، لماذا تسأل عن إخوتي ؟ مجد و عيناه تكادان تخرجان من مكانهما بسبب الفضول مقدما رأسه للأمام. -أكيد سأل كي يتنمر عليهم إن علم أن والداك سميا اخوتك بأسماء شخصيات الأنمي عدنان و لينا، توم و هاك ، عامر و زين ، يقول رمزي و يسخر قليلا للمتعة. -لا، لا أظن ذلك ، مجد بجدية. - بلى ... ، رمزي بابتسامة ماكرة خفيفة . -ضحك فاروق. بقي الكل متعجبا من أمر هذا الشاب الذي يتفاعل اليوم معنا بكل أريحية و بشكل عادي ، عادي جدا . -كم عمرك فاروق ؟ يسأل رمزي -واحد و عشرون ، يجيب فاروق . لم تخطر ببالي فكرة أنه أكبر منا جميعا فأنظاره في الجامعة ، في الصباح بعد انتهاء المسابقة عندما قلت : [...فأنت دائما ما تزعجني بتصرفاتك.. ترهقني طريقة التعامل معك، أفكر كثيرا كيف أبدأ حديثا معك .... ( أبكي) لماذا أنت دائما سليط اللسان هكذا؟ تبدو شخصا غامضا لكنك ذو وجه عادي ، لكن ملامحك باردة فقط عندما تكون معي ...] كنت أقصد شيئا آخر ... أحبك فاروق
Elanissa_Miss