عائلة لطيفة، ولكن..

عائلة لطيفة، ولكن..

32 2

نستمع إلى هدير المطر وهو ينهمر بغزارة في ليلة من ليالي الشتاء القارسة، وصوت الرياح العاتية يعزز من قوة الصوت، مثل الأمواج التي تضرب الصخور بقوة. وبينما يتساقط المطر بشدة، يبدو وكأنه يحمل معه بكاءً هادئًا لطفلتين صغيرتين، يشبه لحن الأمواج المتلاطمة في البحر. وفي مساء اليوم الخامس عشر من شهرِ مارس، وُلِدَت بطلة رِوايتنا، ووُلِدَت أختها في ذات الوقت بفروق ثوانٍ. أمسَك والدلهما إبراهيم الفتاة الأولى التي أخرجها الأطباء أولًا وشعر وكأنّه مُمسك بجوهرةٍ ثمينة وقال بعدما كبَّر في أُذنها: اللهم بارِك، زي القمر، نسخة مُصغَّرة من مَها. كانت الفتاة تتمتع بعينين زرقاوين تشبه أعيُن والدتها "مها"، وشعر بُني اللون، يبدو أنها ترثت بعض صفات والدتها. فور ما أنهى كلماتِه أعطته الممرضة الفتاة الأُخرى فأمسك بها برفق وحنان، وتعامل معها بنفس الطريقة اللطيفة التي تعامل بها مع أختها وقال بابتسامةٍ ساحرة: والسُكر دي بقى نُسخة منِّي أنا. وكانت عيناها بُنيَّة مائلة للون العسل، بُنيَّة الشعر وهادئة الملامح كأبيها. هرول مسرعًا لغرفةِ حبيبته حتى يطمئن قلبه عليها، وعندما دلف قال بحُبٍّ: يا حبيبة الفؤاد. فرحت مها بسماعها صوته العذب بالاسم الذي يلامس قلبها دائما. فأكمل قائلًا: بقى عندنا بنتين زي القمر، إيه رأيك أنتِ تسمّي واحدة، وأنا واحدة، وكدا نبقى متعادلين. أومأت بالموافقة وبدأت مها في التأمل في اسم للفتاة، حتى ابتهجت مها وهي تعلن بسعادة بعدما عثرت على الاسم المناسب: هسمّيها حور. مرت بضع دقائق حتى وجد إبراهيم الاسم المناسب لفتاته الصغيرة وقال بسعادة: وأنا هسمّيها وعد، علشان كل لما أنادي عليها.. افتكر اللحظة دي. وجّهت نظرتها نحوه بدهشة وعدم فهم فوقف مستقيمًا وأخرج من جيب بنطاله الخلفيّ عُلبة صغيرة، ثم جلس على ركبةٍ واحدة ونطق وهو يحدّق في عينيها بحبٍ بالغ: حُبي ليكِ بيتجدد ويزيد كل ثانية يا مها، وأنتِ فعلًا.. حبيبة الفؤاد والروح. أنهى كلماته وأمسك بيدها بلُطفٍ وحنان، ووضع الخاتم الرقيق على إصبعها، كان الخاتم لامعًا وجاذبًا للنظر على الرُغم من رقته. نظرت إليه بامتنانٍ والسعادة تعلو وجهها وعلى ثغرها ابتسامة يُقسم أنه يود أن يُحارب العالم أجمع، ليرى فقط تلك الابتسامة على ثغرها. وجد في عينيها بريقًا يضيء ليس فقط وجهها، بل العالم بأسره. فجأة ودون أي تحذير، قاطع تلك اللحظة الرائعة، ظهور "قاسم" الأخ الأكبر لإبراهيم كالريح المفاجئة في الغرفة، معبرًا عن سخريته بكلماته: إيه يا عم إبراهيم، أنتَ لسّه ليك في الشقاوة ولا إيه. انتهى اليوم وعاد إبراهيم مع زوجته إلى منزلهما، وكل منهما يحمل طفلته، يشعران وكأنّ معهما الشمس والقمر. مَرّت الأيام بسرعةٍ فائقة، ومع مرور الأيام كان الحب يتزايد بداخل قلب كل من مها وإبراهيم، عاشا معًا في سعادة لا مثيل لها، عائلة لطيفة تغمرها السعادة والحب. حتى جاء اليوم الذي أنتهى فيه كل شيء. بعد مرور تسعة أعوام، في منزل إبراهيم. : وعد، حور يلّا اصحوا. هكذا قالت "مها" والدة الطفلتين "وعد" و"حور" اللتين تبلغ كل منهما من العمر تسعة أعوام. بدأت وعد أن تستيقظ بانزعاجٍ من ضوء الشمس الذي تسلل إلى عينيها. فقالت وعد بسعادة ممزوجة بانزعاج، وهي تمسح آثار النوم من عينَيها: صباح الخير يا ماما. أردفت "مها" بحُبٍّ قبل أن تخرج من الغرفة: صباح النور يا حبيبة ماما، يلّا صحّي حور وتعالوا علشان نفطر. أنهت حديثها، وخرجت من الغرفة، وبدأت "وعد" في إيقاظ "حور". على مائدة الطعام. كان "إبراهيم" جالسًا على مائدة الطعام وبجانبه زوجته مها وقال باهتمامٍ وتُزيّن ثغره ابتسامة صغيرة: عايزين تخرجوا فين النهارده يا حبايبي. أجابه الفتاتان معًا بحماس وهما ينظران لبعضهما بسعادة: عايزين نروح الملاهي. ابتسم "إبراهيم" ابتسامة تملأ وجهه، معبّرًا عن موافقته بقوْله: حاضر. بعد مرورِ القليل من الوقت، بعد انتهائهم من تناول الطعام، بدأوا في اختيار الملابس بحماس وحب، مستعدين للمغامرة التي تنتظرهم، ومعهما مها لتساعدهما. وفور ما انتهوا جميعًا قال  "إبراهيم" بحُبٍ: ها جاهزين؟ أجاب الجميع بحماسٍ وسعادة: جاهزين. في السيارة حدث تشاجر بين "حور" و "وعد"، وكانت "حور" سببًا في ذلك. ونتج عن ذلك فقدان والدهم لتركيزه، واصطدامهم بسيارة بسبب عدم رؤية الطريق بوضوح، لكن لحسن الحظ، زوجته وابنتيه نجوا بجروح طفيفة ونُقِلوا جميعًا إلى المستشفى. في المستشفى. بعدما عادت إلى وعيها، واطمأنت على صحة ابنتيها، سألت الطبيب عن حالة زوجها بقلق ملحوظ، قائلة: أرجوك يا دكتور طمنّني، إبراهيم كويس..صح؟ أجابها الطبيب بشفقة وقلب يملؤه الأسى: زوج حضرتك.. دَخل في غيبوبة. _____________________________________ منة الله هاني: وَتِين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحبك عهدًا ووعدًا

المؤلف Menna hany
2024/06/09 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة