طَوْق نجاةٍ.

طَوْق نجاةٍ.

18 1

تجري الأيام كالنهر وتمضي الشهور كالريح، وما زالت مها تتصرف بنفس الطريقة السلبية مع وعد، تتحكم في حياتها بلا هوادة، دون معرفة ما ترغب فيه وما تنفر منه. في يومٍ مشمس، خرجت مها مع ابنتيها للتسوق واقتناء ملابس جديدة. وقفت مها أمام متجر الملابس، وهمست الرياح برقة وسحر، بينما انغمست مها في اختياراتها مع ابنتها، وكانت وعد تتابع بصمت. وفي تلك اللحظة، لفتت نظرها فستانٌ يشع بألوانه الهادئة وجماله الرقيق. ظلت وعد واقفة أمام الفستان متأملة فيه بابتسامة، وكأنها ترى نفسها ترتديه، ولكن صوت والدتها كان كفيلًا بإحضارها إلى واقعها المُرّ، حيث تخلت عن الفستان وانصرفت نحو القطعة الأخرى التي اختارتها لها والدتها. كانت تلك القطعة ضيقة جدًا، كأنها عقدة ضيقة لا تُفكّ، ارتدت الفستان الذي أعطته لها والدتها، كان قصيرا وضيقا كالقيود، لم تجد الراحة فيه. خرجت من غرفة تجربة الملابس، مرتدية ذلك الفستان بخجل وارتباك. تلقت تعليقًا ساخرًا من والدتها، قائلة: الفستان كويس، بس أنتِ إللي محتاجة تخسّي شوية. شعرت وعد بحزنٍ وألم يمزّق قلبها، حين رأت سيدة مُسنة تتندر من كلام والدتها بابتسامة ساخرة، فامتلأت عيناها بالدموع، وتجلى الحزن على وجهها، حتى شعرت والدتها بالضيق قليلًا. فحاولت تبرير كلماتها بأنها كانت تمزح، متسائلة: أنتِ زعلتِ ليه؟، أنا كنت بهزر بس. أجابتها بصوت مرتجف وعيناها تحتشدان بالدموع وهي تحاول كبح دموعها: لأ مازعلتش، أنا هدخل أغيّر هدومي. _________________________________________ إيه يــا عم مش تحاسب، ده التيشيرت لِسه جايباه بـ 350 جنيــه. هتعمل فيها الحركة بتاعة الأفلام بقى ونتعرف والتلزيق دا، هات 350 جنيه حق التيشيرت يَالَا. انتهت من حديثها وهي تنظر إليه، رأته ينظر إليها بفاهٍ مفتوح، لا يُصدق أن هذه الفتاة تنطق تلك الكلمات! كل ما يعلمه عن الفتيات هو أنهن كائنات رقيقة، لكن تلك الفتاة ليست كباقيهن بالطبع. : أيوه يعني حضرتك أخدتلي كام صورة دلوقتي، أنتَ هتفضل تبُص كدا كتير ما تجيب الـ 350 جنيه وخلّصنا بقى ورايا مشاوير. واصل النظر إلى الخلف، وظنّ أنها كانت تتحاور مع شخص آخر، ثم تساءل قائلًا : هو أنتِ بتكلميني أنا كدا؟ أجابته بابتسامة ساخرة: أنتَ أكيد شايف إني بكلمك أنتَ، ولا إيه؟ يعني أنتِ عايزة إيه، القهوة وقعت بالغلط أعمل إيه يعني؟ بينما كانت تنظر إليه بتعجب وغضب متزايد يشبه انفجار البركان بداخلها، ردت عليه بكلماتها: حسبي الله ونعم الوكيــل، يعني أنتَ الغلطان ومش معترف بغلطك، على فكرة بقى أنا لو ماكُنتش متأخرة كان زماني دلوقتـ.. عجزت عن إكمال حديثها عندما رأته وهو يبتعد نحو مكان آخر، فانفجرت قائلة بغضب: ناس غريبة والله! أنهت حديثها واتجهت نحو المستشفى التي تعمل بها. عندما دَلفت إليها، وجدت الأنوار مُطفأة، ولمحت ضوءًا خافتًا يتأجج تدريجيًا بواسطة الشموع. كانت الأجواء لطيفة للغاية، ولكن لمن؟ لـسلمى، التي لا تدرك معنى اللُطف! بعد تفكير، قالت سلمى: : إيه دا، هو النهارده عيد ميلاد حد وأنا معرفش ولّا إيه؟ فأردفت صديقتها بخيبةِ أمل: دا عيد ميلادك أنتِ يا سلمى! فور قولها هذه الكلمات بدأت الأضواء تشتعل وكانت السعادة تملأ المكان بعد مرور القليلِ من الوقت كانت سلمى وصديقاتها يقفون أمام طاولة كبيرة تتوسطها كعكة عيد ميلاد بدء الجميع في الغناء لها وكانت الأجواء رائعة. كانت سلمى كانت تقف بصحبة إحدى صديقاتها، وتستمع لقصتها حول لقائها بالشخص الذي التقت به قبل مجيئها إلى لمستشفى، ثم قالت : يا بنتي دا هو الغلطان! أبقت صديقتها على صمتها لبعض الوقت، ثم قررت أن تقدم لها نصيحتها، قائلة: يا سلمى هو فيه بنوتة رقيقة تتكلم بالطريقة دي برضو؟ أبدت سلمى غضبا شديدا في ردها : قصدك إيه يعني هـا؟ قصدك إني مش رقيقة، طب على فكرة بقى هو إللي رِخم ومستفز! كانت تنوي أن تُكمل، إلا أن صديقتها قاطعتها وهي تتباعد قليلًا، قائلة في دهشة : دكتور بلال!، أخيرًا حضرتك رجعت عندما التفتت سلمى لترى الطبيب، فازدهرت بالدهشة حيث أنه كان الرجل الذي قابلته قبل ذلك بلحظات. انتقل إليها وعبّر بسخرية في كلامه: بقى أنا رخم ومستفز؟ ثم أجابت الأخرى بانزعاجٍ: ما أنتَ لو كنت جيبت الـ 350 جنيه مَكُنتش قولت أنا كدا. أضاف الطبيب بلال محاولاً تجنب الغضب: لو حابّة إنك تكمّلي في المستشفى دي يُستحسن متتكلميش بالأسلوب دا معايا تاني، تمام؟ عندما لم تُجب، قرر أن يتركها ويرحل إلى مكتبه، وفي ذلك الحين أضافت: برضو مستفز! _____________________________________ ها يا حور مش قولتِ إنك عايزة تيجي مصر علشان جامعتك، هتدخلي كلية إيه بق؟ اه صح، أنتِ لِسه مقولتليش مجموعك. أجابتها حور بلا مبالاة: أنا جيبت 63 في المِيّة يا ماما. صُدمت مها بشدة؛ لأن حور كانت دائمًا تحرص على دراستها، لكنها تراجعت مؤخرًا، فَصاحت مها في عجبٍ: نعم!، ليه كدا يا حور مش كل شوية تقوليلي إنك بتذاكري ورايحة الدرس يا ماما جاية من الدرس يا ماما! ألقَت حور هاتفها على الفِراشِ بضجر، فقالت مُحاولةً تهدئة والدتها: يا ماما الإمتحان كان صعب على فكرة، أكيد وعد جابت مجموع أقل يعني. كان وعد تستمع لحديثهم بسبب صوتهم المرتفع، لكنها تدخلت في حديثهم، قائلة: ماما، أنا جيبت 96 في المِيّة. كانت تتمنى أن ترى نظرة الفخر في عينِ والدتها، لكن حدث ما لم تتوقعه. مها لن تُنكِر أنها شعرت بالسعادة لوهلة، لكنها وجدت شيئًا بداخلها يرغمها ألّا تظهر ذلك، فلم تُبدِ أيَّةَ رد فعل، شعرت وعد بالحزنِ يغمرها، فقررت الخروج. وفور خروجها سمعت والدتها تقول بغضبٍ موجّهةً حديثها إلى حور: ليه هي تجيب المجموع دا وأنتِ لأ يا حور، ده أنا كنت بعطيكِ دروس وهي لأ، إزاي يا حور! حاوَلت حور أن تُهدئ والدتها قائلة: يا ماما الإمتحان كان صعب أوي. صمتت قليلًا ثم استأنفت قائلة: أنا آسفة يا ماما، خلاص بقى إيه إللي هيحصل يعني. نظرت لها مها بخيبةِ أمل وتركتها وابتعدت عن الغرفة. ________________________________________ أنتِ كويسة يا وعد؟ سألت نغم عن وعد عندما التقيا في المسجد. أجابتها وعد بحزن يحاول أن يظل مكتومًا في دواخلها، دون أن تظهره بوضوح: آه.. الحمد لله. فقالت نغم بحنانٍ، وهي تنظر بحزنٍ لصديقتها وهي على علمٍ بحزنها من أمرٍ ما: قولي بقى إيه اللي مزعلك. لقد سكنت عيناها بامتنان وحب صادق وأجابَتها: ماما بتفرق بيني وبين أختي يا نغم، بس قبل حادثة بابا مكانِتش كدا. أخرَجَت تنهيدة مليئة بالحزن واستأنفت حديثها قائلة: بابا كان معايا دايمًا عُمرُه ما سابني لوحدي، هو كان روحي يا نغم، ولما راح.. روحي راحت معاه. ماما بتحب حور أكتر مني، شايفة إن حور أحلى مِني، دايمًا لما  من حور أكتر لدرجة إن.. حور كرهتني بس والله أنا بحبها. كادت دمعة أن تخرُج من عينيها لكنها تماسكت أو.. حاولت أن تتماسك لكنها لم تستطع. عانقتها نغم بحزن وهي تتمنى أن يحدث شيئًا يُسعدُ صديقتها، ويُعيد البسمة إلى ثغرها. _________________________________________ في مكانٍ آخر، مجهول. : إزّاي شركته لِسه شغالة لحد دلوقتي، مين يعني إللي بِيديرها وهو مش موجود. انقطع حديثه بوميض صوت رجل واثّر النظر إليه وهو يدخل إلى مكتبه دون استئذان معبرًا بجمود وثقة: أنا إللي بَدِيرها. فوجئ الآخر ونظر إليه بتعجب لا يصدَّق، قائلًا: قاسم! أجاب قاسم بثبات، وكانت ملامح الثقة تتربع على وجهه: آه قاسم، والنهارده نهايتك يا جِبريل. عندما انتهى من حديثه، دخلت فرقة الشرطة المكتب وقامت بإلقاء القبض على جبريل وفريقه ونقلهم إلى قِسم الشرطة. ______________________________________ في قِسم الشرطة. نرى جبريل جالسًا على مقعدٍ أمام مكتبِ الضابط، مُحاولًا تبرير أفعاله، قائلًا: يا باشا أنا مَعملتش حاجة أنتوا جيبتوني هِنا ليه؟ وضع الضابط الأوراق التي بيده جانبًا، ثم أجابه بجمودٍ: أنتَ مُتّهم بتجارة السِلاح دا غير الأدوية إللي كنت بتبيعها منتهية الصلاحية.. ولو أنا كمّلت وقُلت باقي الحاجات إللي أنتَ بتعملها كدا هنقعد للصبح هتنورنا هِنا كام يوم كدا، وهتتحول للنيابة. رمقه جبريل بغضبٍ، وغمرهُ غيظٌ شديدٌ، قائلًا: يا حضرة الظابط أنا مظلوم، أنا مَعملتش حاجة! رمى الضابط نظرة استهزاء إليه، ثم أمر جنوده قائلًا: خُدوه على الحَجز.  قام الجنود بتنفيذ الأوامر المُسندة إليهم بسُرعةٍ. نظر قاسم الى الضابط نظرةً شاكرة، تم قال بامتنانٍ: والله يا عُديّ بيه أنا مش عارف من غير حضرتك كنت هعمل إيه، شكرًا لحضرتك. ابتسم إليه الضابط "عُديّ" ابتسامة صغيرة تُزين ثغره، قائلًا بعمليةٍ: متشكُرنيش يا أستاذ قاسم، دا حضرتك ساعِدتني جدًا انهى كلامه، وعبّر قاسم عن شكره للضابط  مرة أخرى، ثم غادر. _______________________________________ يلّا يا وعد علشان نصلّي المغرب. قالت "نغم" ذلك  بحنينٍ، وهي توقظ وعد التي ذهبت في غفوة عميقة بعد بُكائها. بدأت وعد تفتح عينيها ببُطء وتستعد لأداء الوضوء. بعد إنتهاء الصلاة. وعد ونغم كانا يجلسان مع مجموعة من الفتيات، بينهن صغيرات وبينهن بعض الكبيرات قليلًا. بدأت نغم بالتحدث قائلة: حد فيكم فاكر إحنا اتكلمنا عن إيه الدرس اللي فات؟ بدأت جميع الفتيات في رفع أيديهن للإجابة، واختارت نغم إحداهن، قائلة: جاوبي يـا.. ضُحى. ردت الطفلة بابتسامة سعيدة: كان عن الصلاة. ألقت  نغم نظرة مشجعة باتجاهها قائلة: بالظبط كدا، المرّة إللي فاتت إتكلمنا عن الصلاة تحبّوا نراجع اللي أخدناه ولا نتكلم عن حاجة تانية؟ ردت فتاة أُخرى عليها: ممكن نراجع إللي أخدناه. أومأت لها بالموافقة  ثم قتحدثت بلطف: الصلاة هي عِماد الدين، وللصلاة أجر عظيم بس مش معنى كدا إننا نصلّي بسرعة علشان نخلّصها وخلاص، لأ.. صمتت برهة ثم استأنفت حديثها قائلة: تخيّلي إنك بتحكي لصديقتك نفس القصة يوميًا و 5 مرات، شيء مُزعج صح؟، يبقى إزاي وإحنا بنصلي نقرأ نفس السِور القصيرة لـ ربنا ونخلص صلاتنا بسرعة. لازم منتسرعش في قراءة القرآن،  ولا نتسرع في وقت الركوع والسجود؛ لإن عند ركوعك وسجودك تخيلي إن السيئات موضوعة أكتافك وتتساقط وأنتِ ساجدة. ومهم جدًا عدم الإلتفات ورفع البصر، لازم نخشع في الصلاة. ربنا جعل لِنا 24 ساعة في اليوم، على الأقل لو في كل صلاة 5 دقائق.. مش هياخدوا وقت أبدًا، ربنا بيكون شايفنا وإحنا بنصلي وكل دا هناخد عليه أجر كبيـر جدًا. يلّا بقى نبدأ في حفظ القرآن. عند انتهاء كلامها، كانت وعد تنظر إليها بحبٍ، تشعر أحيانًا كأنها طوق نجاتها. بالنسبة لوعد، فـَ نغم لا يمكن تعويضها. ! _________________________________ في مكانٍ آخر. : أنا لازم أهرب من هِنا، مستحيل أقعد هِنا ثانية كمان! بعد مضي فترة قصيرة. خلاص، جاتلي فكرة.. ________________________________ منة الله: وَتين ♡

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أحبك عهدًا ووعدًا

المؤلف Menna hany
2024/06/09 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة