التاسع، والأخير

التاسع، والأخير

246 5

عادا أخيراً بعد نهاية جولتهما إلى منزل وحيد، وجلسا خارج غرفته حيث جثته التي لم يعلم أحد بوجودها حتى كما لم يعلم بوجوده أصلاً، أحاط عزيز هبةً بذراعه وقال لها: "تشعرين بالجوع، أليس كذلك؟" ردت: "أجل، وأشعر أيضاً بأن هذا لم يعد يهمني!" -رائع، وهو المراد! =إنني الآن أشعر بأنني أتألم كما لم أتألم قبلاً في حياتي كلها! -وهو المراد أيضاً! أنا مثلكِ قد وصلت إلى أقصى مرحلةٍ من الألم؛ بطني تصرخ من أجل الطعام، وروحي تصرخ من الدنيا، وعقلي يصرخ من الخوف، ورغم ذلك...فأنا الآن أشعر بشكل ما....أنني أولد من جديد! =...وأنا كذلك يا عزيز! -هذا الألم...ربما يكون من أفضل ما شعرت به في حياتي، إنني الآن أشعر أن روحي تسمو، وأنني وجدت  سلاماً رائعاً بداخلي ،وأن كل شيء في هذه الحياة حقاً لا قيمة له على الإطلاق، إنني أرى الآن نوراً يحيط بكل شيء أمامي، وأول ما أراه يحاط بهذا النور هو ألمي! =....وأنا كذلك نوعاً ما يا عزيز! -....أهم وأعذب ما حدث لي في هذه الحياة يا هبة أنني أحببتكِ! =وأنا كذلك يا عزيز؛ إنني أشعر حقاً بأن هذه اللحظات اللي قضيتها معك هي جوهر حياتي البائسة كلها! -إن الحب حقاً لشيء رائع يا هبة، وإنني أرجو للصالحين من أهل المدينة أن يتمتعوا بتجربته؛ فأنا الآن لا أرى في الحياة ما هو أهم منه، أو منكِ! =وأنا أيضاً يا عزيزي! صمتا لبضع ثوان، ثم قال عزيز ببعض الفضول والأسف: "سنموت دون أن نعرف حكايات بعضنا!" قامت هبة وتوجهت نحو الجيتار، وجلست بجانبه لتعزف لحناً في قمة الأسى، ثم علقت بعد انتهائها عليه قائلة: "هذه الألحان يا عزيز هي حكايتي!" ثم ناولته الجيتار قائلةً: "لم لا تقص علي حكايتك أيضاً؟!" ابتسم عزيز، وأخذ منها الجيتار ليعزف لحناً لا يقل قسوة وأسى عن لحن هبة، ثم علق بعد انتهائه قائلاً: "هذه الألحان يا هبة هي حكايتي!" ثم قام ليعيده مكانه، وعاد ليجلس ويحيطها بذراعه، وهذه المرة ألقت هبة برأسها على صدره، وقالت: "المهم في كل هذا أننا جربنا الحب، وأننا سنموت عليه!" -كنت أود حقاً أن أحبكِ في ظروف أفضل من تلك يا هبة! =وأنا كذلك يا عزيز، صدقني! -أملنا الوحيد الآن أن نجتمع بعد الموت، علنا نحيا بعده في زمان ومكان آخرين أتمتع فيهما برؤيتكِ بالثوب الأزرق! ابتسمت هبة كاشفة عن أسنانها وقالت: "وأنا أيضاً أشاركك أمنيتك؛ عَلِّي أراك بالمعطف في زمان ومكان آخرين!" ابتسم عزيز بدوره وضمها أكثر، وقال: "هذا الحب حقاً يستحق أن نموت لأجله! إنني لا أستطيع أن أصف عذوبته يا هبة، وأشعر بالضيق أنني لا أقدر حقاً على الإفصاح بكل ما يحمله قلبي لكِ في هذه اللحظات من المشاعر!" =وأنا مثلك يا عزيزي، لكن ليس عليك أن تهتم أو تشعر بالضيق؛ فأنا أعلم أننا في زمان ومكان آخرين سنكون قادرين على البوح بكل ما نرغب في البوح به، وأن العصافير ستحيطنا مغردةً أينما نكون معاً! -آمل حقاً أن نستيقظ في زمان ومكان أفضل من هذين، هذه هي أمنيتي الأخيرة! =وأمنيتي أنا الأخرى! -...أحبكِ جداً يا هبة! =وأنا أحبك بدرجة لا أستطيع وصفها بالكلمات يا عزيز! -...وإذن، أراكِ في الناحية الأخرى! =أجل، إلى لقاء قريب يا محبوبي! وساد بينهما الصمت، ومرت الثواني تليها الدقائق تليها الساعات وقد استسلما للجوع والألم، والحب والموت... ثم ماتا. أما عن مصير براءة فقد ظل مجهولاً، وإلى الآن لا نعلم حقاً ما إذا كان جوهرها سيقويها على مواجهة فساد النفوس في البيئة التي تحيا فيها، أم أن الفساد سيطولها أيضاً! وإلى هنا تنتهي القصة يا رفيقي، دعنا الآن نغلق هذه الصفحات ونعود إلى حياتنا الروتينية التي ننسى فيها الموت ونخافه في الوقت ذاته دون تقدير حقيقي له!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صفوة الفقراء

المؤلف محمد تامر
2024/06/05 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة