الرابع

الرابع

268 8

سألهما وحيد عن نفسيهما، فتحدث كل منهما بكلمات قليلة عن نفسه مع التحفظ على ماضيه؛ فابتسم لهما قائلاً: "أرى أنكما لا تحبان النظر خلفكما!" أجابته هبة: "أجل، لا فائدة من ذلك سوى أنه يجلب للمرء مزيداً من الألم ليس إلا؛ فلو أن الماضي كان حزيناً سيحزنك، ولو أنه كان سعيداً فسيحزنك الفارق الشاسع بينه وبين ما تحياه الآن؛ وهذا ما يجعلني أفضل ألا آتي على ذكره أبداً!" =إن تفكيرك هذا يعجبني حقاً أيتها الشابة، واحتراماً له سأتفق معه، يكفيكما فقط أن تعرفا أنني أحب الموسيقى كما يبدو لكما ولكن الأمر أن هذا الجيتار العتيق هو الذي استطعت أن أبتاعه بما كان لدي، ومنذ اشتريته وهو مصدر رزقي الوحيد؛ سكان المدينة يميلون لامتلاك الذوق الموسيقي و...كل تلك الأمور التي تظهرهم بشكل متحضر كما تعلمان! رد عزيز: "أجل، يتحضرون بينما نتعفن نحن هنا!" =أوه، ولكنني أفضل أن أتعفن وأنا بهذه الحال يا صديقي؛ فالمدينة أصبحت منافقة جداً في نظري بعد أن كشفت عن وجهها الحقيقي، دائماً ما أظن أن كوننا بعيدين عنهم هو فرصتنا لنظل أنقياء! -رغم أنني أشاركك القناعة ذاتها تقريباً، إلا أنني أشعر أحياناً أن هذا النقاء لن يفيدنا بشيء إذا بدأنا حقاً نشعر بالجوع! =أتعلم؟ إنني أؤمن أن هذه الحياة ليست لنا، وعن نفسي فأنا أحيا منتظراً فرصة حقيقية لأموت؛ ما كنت لأجرؤ على قتل نفسي بالطبع ولهذا أنتظر! إنها النهاية الوحيدة الحقيقية لهذه المعاناة وليس من المفترض أن تكون سعيدةً على الإطلاق، المهم أنك لن تكون موجوداً لتشعر بها، ولن يكون هنالك أحد آخر أصلاً يشعر بها! -....لا أظنني أستطيع أن أجادلك...ليس هنالك للأسف خطأ واحد في كلامك! الأمر فقط أنني...أتساءل أحياناً لِمَ نحن؟! لِمِ كل هذا؟! كل ما في الدنيا يجعل أسئلتك تزداد وتزداد ليس إلا! =ربما نحن مختارون يا رجل! ربما هذه هي مهمتنا؛ أن نكشف المدينة على حقيقتها! -لصالح من؟! =لصالحنا في المقام الأول بكل تأكيد! إنك تحيا دون حاجتك إلى المدينة لأنك تشمئز من أن تشعر بأنك محتاج إليها، إننا الآن يا صديقي نتمتع بأقصى درجات الحرية، وهو أمر لن يستطيع أهل المدينة أن يدركوه ولو بعد ألف عام! أنا لا أقول أن حياتنا نعيم...أقول فقط بأن قلوبنا ونفوسنا في نعيم حتى لو على حساب أبداننا! -لكن روحي تتألم! =هذا لأنك تخشى الموت، بمجرد أن تبدأ بانتظاره سيزول الألم! -...لا أظنني سأكون قادراً على فعل ذلك قبل مرور وقت طويل! =ولا بأس إذن، دع الوقت يمر ويعلمك دروسه، ودعنا الآن ننشغل بما بين أيدينا طالما أننا لا زلنا أحياء...انظرا يا رفيقَيّ إلى هذا الجيتار إذ أنني سأعلمكما الآن كيف تستخدمانه كي نتناوب العمل به!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صفوة الفقراء

المؤلف محمد تامر
2024/06/05 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة