لا تأتي الرياح دائماً بما تشتهي السفن، أليس كذلك؟ بالطبع لا تفعل...فقد مات وحيد! كان ذلك في صباح أحد الأيام إذ أن بطلينا استيقظا ولم يجداه قد استيقظ بعد؛ فانتظراه لكن انتظارهما طال أكثر من المعتاد؛ فقاما إلى غرفته ليجداه لا يصدر أصواتاً أو حركة على الإطلاق؛ فاقترب عزيز منه أكثر واكتشف أن أنفاسه قد انقطعت! جلس على الأرض يبكي من الصدمة، وفهمت هبة الأمر فشرعت في البكاء هي الأخرى، واقتربت من عزيز وجلست بجانبه، وفي استسلام غير متوقع أرخت رأسها على كتفه ولكنه لم يرى أن الوقت مناسب للتعجب أو الاستنكار؛ فأحاطها بذراعه وقربها منه، وازدادت دموعه قائلاً: "لماذا حقاً ينتهي كل شيء؟!" قالت هبة من بين دموعها: "أتعلم؟ إنني أحسده!" -...والآن أنا حقاً مثلكِ! =كان من السذاجة أن نظن بأن هذه السعادة البسيطة ستستمر بأية حال! -لا...لقد استمتعنا بما كان ينبغي أن نستمتع به من اللحظات، وقد كان هذا كافياً لبعض الوقت، لكن نهايته أتت ليس إلا، وعلينا أن نتقبل ذلك! =تقبله أنت الآن يا عزيز...إني أشعر أن الدنيا تتهاوى من تحتي! -....إنني حقاً حزين يا هبة وأعلم أنكِ كذلك، لكنني أريدكِ فقط أن تهدئي من روعك قليلاً قدر إمكانكِ كيلا يصيبك مكروه من فرط الحزن! =....أتخشى علي؟! -بالطبع أفعل، من بجانبي سواكِ الآن؟! =....ومن بجانبي أنا الأخرى سواك؟! ظهر شبح ابتسامة على وجه عزيز، وأخذ يربت على كتفها لبرهة من الزمن كانت دموعهما خلالها لم تجف بعد، وسادها صمت قطعه فجأة بقوله: "لا مكان لنا في هذا المنزل بعد الآن يا هبة....سنعود إلى الشوارع!" ردت من بين دموعها: "أعلم ذلك....كانت الشوارع وستظل هي منزلنا الوحيد!" -سنترك المكان والجيتار كذلك، سنتجول لبعض الوقت في الشوارع...وفي نهاية الأمر سنعود إلى هنا، لن نتسول! =ولكن كيف سنأكل؟! -....هذه الدنيا ليست مكاننا يا هبة، ليس بعد الآن! تبادلا النظرات لبضع ثوان، ثم ابتسمت هبة من بين دموعها قائلة: "ربما كان ينبغي لذلك فعلاً أن يحدث منذ البداية!" رد عزيز بابتسامة مماثلة: "نعم، ربما عندئذ فقط سنحيا كما ينبغي أن نحيا!"
محمد تامر