الفصل الأول- الجزء الثالث
---
صعدنا الدرج حتى وصلنا إلى الطابق الثالث، ثم توقف نيرامارو-كن أمام باب يحمل الرقم 315.
أدخل المفتاح في القفل، وأدار المقبض، ثم فتح الباب.
"وصلنا."
دخلتُ خلفه، وأخذتُ أول نظرة على الغرفة.
كانت الغرفة أكبر مما توقعت.
أمام المدخل مباشرة امتدت غرفة جلوس صغيرة تحتوي على أريكة وطاولة مستطيلة تحيط بها كرسيين متقابلين، بينما كانت نافذة واسعة في الجهة المقابلة تسمح بدخول ضوء الشمس وتطل على أحد شوارع أستيريا المزدحمة.
وعلى جانبي غرفة الجلوس، كان هناك بابان متقابلان، يؤدي كل منهما إلى غرفة نوم منفصلة.
فتحتُ أحدهما قليلًا، فألقيتُ نظرة سريعة إلى الداخل.
كان هناك سرير مرتب بعناية، وخزانة صغيرة بجانبه، بالإضافة إلى مكتب بسيط ونافذة تطل على المدينة.
أغلقتُ الباب، ثم نظرتُ إلى الغرفة الأخرى.
كانت مطابقة تقريبًا.
أما الحمام، فكان في نهاية الممر الصغير، مشتركًا بين الغرفتين.
وضعتُ حقيبتي على الأرض، ثم تنفستُ براحة.
"ليست سيئة."
"ألم أقل لكِ؟"
التفتُّ إليه.
كان نيرامارو-كن قد وضع حقيبته جانبًا، ثم بدأ ينظر حوله بفضول.
"حسنًا إذًا، لنسرع بترتيب ما نحتاجه من أجل أن نتوجه إلى مركز التسجيل."
"حاااضر!"
أجاب نيرامارو-كن بمرح، ثم حمل حقيبته واتجه بها إلى غرفته كأنه رجل آلي.
"أنت حقًا..."
تنهدتُ في داخلي، وأنا أتساءل إن كان جادًّا فيما يفعله.
لكن لسبب ما، شعرتُ بابتسامة خفيفة ترتسم على وجهي.
بدأتُ بإخراج بعض أغراضي من حقيبتي، وحاولتُ ترتيبها فوق المكتب، بينما انشغل نيرامارو-كن في غرفته.
لم تمر سوى لحظات حتى سمعتُ صوتًا غريبًا قادمًا من غرفته.
"هاه؟"
توقفتُ عن ترتيب أمتعتي ورفعتُ رأسي.
ثم سمعتُ صوت ارتطام خفيف، أعقبه صوت ضحكة قصيرة.
عبستُ باستغراب.
ما الذي يفعله؟
تركتُ ما بيدي، واتجهتُ نحو غرفته.
وقفتُ أمام الباب، ثم فتحته قليلًا ونظرت إلى الداخل.
تجمدت في مكاني.
كان نيرامارو-كن يقفز فوق السرير بسعادة، ثم ارتمى عليه وبدأ يتدحرج فوق المرتبة.
"هذا رائع!"
حدقتُ فيه للحظات.
"نيرامارو-كن... ما الذي تفعله هناك؟"
توقف للحظة، ثم نظر إليّ، قبل أن يعود إلى القفز فوق السرير كطفلٍ وجد لعبة جديدة.
"أوه... ميساكي، هذا السرير مذهل جدًا! أستطيع القفز عليه بسهولة. أترغبين في الانضمام؟"
بقيتُ أشاهده للحظات، وأنا أحدّق فيه بغرابة، قبل أن أتنهد وأقول:
"أرجو، حين تنتهي من أفعالك الطفولية، أن تسرع في إنهاء عملك، لأن أمامنا أمورًا أهم علينا القيام بها."
"آه... أجل... بالطبع لا عليكِ... هههه"
بقي يقفز على السرير بسعادة دون توقف، وكأن حديثي معه قبل قليل لم يحدث أصلًا.
راقبتهُ للحظات، ثم تنهدتُ وأنا أشيح بنظري عنه.
يبدو أنه لا فائدة من محاولة إيقافه...
عدتُ إلى غرفتي، وبدأتُ بترتيب ملابسي وأغراضي استعدادًا للخروج. وبعد أن انتهيتُ من ترتيب معظم أشيائي، كان لا زال نيرامارو-كن لم ينتهي من الترتيب، حيث اضطررتُ في النهاية إلى مساعدته في ترتيبها أيضًا لكسب الوقت.
وبعد مرور بعض الوقت، خرجنا أخيرًا من الفندق.
لكن ما إن التفتُّ إليه حتى توقفتُ للحظة.
كان يرتدي عباءة سوداء طويلة تغطي معظم جسده، حتى إن مظهره جعلني أشعر وكأنه خرج للتو من منظمة غامضة.
"نيرامارو-كن... لماذا ترتدي هذه العباءة؟"
رفع يده وأمسك طرفها، ثم سحبها قليلًا ليغطي بها فمه، وقال بنبرة واثقة:
"هيهي... لأنني أبدو رائعًا بها. ألست كذلك؟"
حدّقتُ فيه بصمت.
لا أعتقد أن هناك إجابة أخرى يمكن أن أتوقعها منه.
وقبل أن أقول شيئًا، انطلق صوت إعلان من أحد مكبرات الصوت القريبة:
"جرّبوا الآن حلوى نجمة السُّكّر! طعمها الساحر سيجعلكم ترغبون بالمزيد!"
اتسعت عينا نيرامارو-كن فور سماعه الإعلان، ثم التفت بسرعة نحو مصدر الصوت.
"حلوى!"
وقبل أن أستوعب ما يحدث، كان قد بدأ بالركض نحو المكان.
"مهلًا، نيرامارو-كن!"
توقف فجأة، ثم التفت إليّ.
"انتظريني هنا قليلًا يا ميساكي! سأعود بسرعة!"
ثم أشار إلى متجر الحلوى بحماس، واختفى بين المارة.
بقيتُ واقفة في مكاني، أحدّق في الاتجاه الذي ذهب إليه.
...هل يعقل أن يكون هذا الشخص في السادسة عشرة فعلًا؟
بقيتُ واقفة في مكاني للحظات، أحدّق في الاتجاه الذي اختفى فيه نيرامارو-كن، قبل أن أتنهد.
"هذا الشخص..."
وضعتُ يدي على جبيني، ثم استدرتُ لأبحث عنه بعيني.
لكنني توقفت فجأة.
كان هناك شيء غريب يحدث في الساحة.
تجمّع عدد كبير من الناس في مكان واحد، وارتفعت أصواتهم وسط ضجيج الشوارع. وعندما اقتربتُ قليلًا، اتضح لي أن هناك حلبة دائرية مرتفعة أُقيمت في منتصف الساحة، تحيط بها حواجز خشبية بسيطة.
وفي داخلها، وقفت امرأة ترتدي زيًا غريبًا لم أره من قبل، أشبه بزيّ المهرجين في العروض الشعبية وتضع نظارة شمسية على عينيها، وقد أمسكت بميكروفون سحري صغير أمام فمها.
رفعت يدها بحماس وصاحت:
"أيها السيدات والسادة! هل أنتم مستعدون؟!"
تعالت أصوات الجمهور.
"المسابقة مستمرة!"
رفعت المرأة يدها نحو الرجل الواقف في الطرف الآخر من الحلبة.
"من يستطيع هزيمة بطلنا الحالي... أو إخراجه من حدود الحلبة، سيحصل على الجائزة الكبرى!"
أشارت إلى صندوق زجاجي موضوع بجانبها.
توقفت عيناي عليه.
"والجائزة هي..."
أخرجت منه شيء أشبه ببوصلةٍ كبيرة بحجم الكف، يعلوها غطاء معدني منقوش بخطوطٍ فضية خافتة تنساب فوق سطحه ببطء، وكأن الضوء نفسه محفور داخل المعدن.
"الخريطة الضوئية المتطورة!"
بدأ الجمهور بالهمهمة.
خريطة ضوئية؟!
تذكرت مباشرة الخريطة الضوئية الذي رفضت أخذه من أمي بسبب عنادي.
تابعت المرأة بحماس:
"إنها ليست خريطة عادية! يمكنها تجسيد أي مدينة موجودة على خريطتها في صورة ثلاثية الأبعاد، كما يمكنها التحدث مع مستخدمها والإجابة عن أسئلته وكأن هناك شخصًا حيًا بداخلها!"
اتسعت عيناي قليلًا.
خريطة تتحدث... وتجسد مدن كاملة؟ هل هذا ممكن حتى؟
ابتسمت المرأة وهي تلاحظ دهشة الجمهور، ثم رفعت البوصلة الكبيرة أمامهم.
"لكن هذا ليس كل شيء!"
ضغطت بإبهامها على جانب الجهاز.
صدر صوت طَق خافت، وانفتح الغطاء المعدني ببطء.
في اللحظة التالية، انبعث ضوء أزرق ناعم من داخله، وبدأت خيوط ضوئية تتجمع فوق سطحه، لتتشكل أمام أعيننا خريطة ثلاثية الأبعاد معلّقة في الهواء.
ارتفعت الهمهمات بين الجمهور.
"إنها قادرة على عرض التضاريس، تحديد المواقع، وإظهار المدن والقرى والمناطق المسجلة فيها!"
ثم ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت:
"والأهم من ذلك..."
توقفت للحظة، وكأنها تتعمد زيادة الترقب.
"يمكنها تحديث بياناتها تلقائيًا عند اكتشاف مناطق جديدة!"
يا للروعة! إنها أشبه بمرشدٍ كامل أستطيع حمله بيدي!
لو استطعتُ الحصول عليها... حينها لن أقلق بشأن الضياع مجددًا.
لكن قبل أن أتمكن من الاستمتاع بالفكرة أكثر، رفعت المرأة صوتها بحماس:
"وبالطبع تبلغ قيمتها السوقية ثلاثين قطعة ذهبية كاملة!"
ساد الصمت للحظة.
ثلاثون قطعة ذهبية؟!
اتسعت عيناي.
هذا المبلغ... يكفيني ثلاثة أشهر على الأقل اذا احتجت بيعها لاحقاً!
بدأ الجمهور بالهمهمة من جديد، بينما بقيتُ أحدّق في الخريطة الضوئية وكأنها تحولت فجأةً إلى كنزٍ أسطوري.
خطوتُ خطوة إلى الأمام، عاقدة العزم على المشاركة.
لكن قبل أن أتقدم كثيرًا، سمعت صوتًا خشنًا، ورأيت رجلًا يسبقني. كان طويلاً، عريض المنكبين، شعره مزيج من الأحمر والأسود كأنه نار مشتعلة، وثيابه مكونة من سترة جلدية داكنة وسروال متين، مع وشاح أحمر يرفرف خلفه.
قفز إلى الحلبة بثقة، ثم وقف مقابل خصمه.
المقنع الحديدي.
كان ضخمًا، أضخم من أن يكون إنسانًا عاديًا، جسده بالكامل مغطى بدروع حديدية داكنة، وخوذته الحديدية لا تترك مجالًا لرؤية ملامحه. كان يقف كتمثال لا يتزحزح، كغوريلا حديدية تنتظر الفريسة.

رفع الرجل ذو الشعر الأحمر والأسود يده، وابتسم ابتسامة متغطرسة.
"سمعت أنك قوي أيها المقنع، لكن اسمح لي أن أخبرك شيئًا. أنا لست كأولئك الضعفاء الذين واجهتهم!"
توهجت أطرافه فجأة. قبضتاه، قدماه، ثم جسده كله بدأ يشتعل بنار برتقالية، وبدت حركاته كأنها أكثر مرونة من قبل.
رفعت المذيعة الميكروفون السحري أمام فمها، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة وهي تستشعر حماس الجمهور المتصاعد.
"يا لها من ثقة! يبدو أن لدينا متنافسًا جديدًا لا يعرف معنى التراجع!"
تعالت أصوات الجمهور من حول الحلبة، بينما وقف الرجل ذو الشعر الأحمر والأسود في مكانه، وقد اشتعلت النار حول جسده بصورة أكثر وضوحًا.
رفع قبضته أمام وجهه، ثم قال بثقة:
"سأنهي أمرك بسرعة وأحصل على تلك الخريطة القيمة."
ساد صمت قصير.
عندها حرّك المقنع الحديدي رأسه نحوه ببطء، وقال ببرود:
"هلمّ إليّ."
اتسعت ابتسامة الرجل.
"هذا ما كنت أنتظره!"
انطلق كالسهم.
اشتعلت النار حول قبضته، ثم اندفع بها مباشرة نحو صدر المقنع الحديدي.
"خُذ هذه!"
بوووم!
انفجرت النيران لحظة اصطدام قبضته بجسد المقنع، وتصاعدت موجة من الغبار والدخان غطّت الحلبة بأكملها.
تراجع الرجل عدة خطوات، ثم رفع قبضته وهو يضحك.
"هاهاها! هل رأيتم ذلك؟!"
تعالت صيحات الجمهور.
رفعت المذيعة ميكروفونها بحماس:
"يا لها من ضربة مباشرة! لقد أصاب صدر البطل بكل قوته! هل انتهت المواجهة بهذه السرعة؟!"
بدأ الغبار بالانقشاع تدريجيًا.
لكن شيئًا ما ظهر من خلاله.
ظل المقنع الحديدي واقفًا في مكانه.
لم يتحرك.
لم يسقط.
بل لم يتراجع حتى خطوة واحدة.
توقفت ضحكة الرجل.
"ماذا...؟"
رفع المقنع رأسه قليلًا، وكأن شيئًا لم يحدث.
اتسعت عينا المذيعة.
"مستحيل!"
تعالت همهمات الجمهور.
"لم يتحرك!"
"لم يتأثر بالضربة!"
"هل كان ذلك مجرد خدعة؟!"
تغيّرت ابتسامة الرجل، وحل محلها تعبير أكثر جدية.
"يبدو أنني استهنت بك أيها المقنع الحديدي."
خفض جسده قليلًا.
"لكنني لن أكرر الخطأ نفسه!"
وانطلق مجددًا.
هذه المرة لم تكن ضربة واحدة.
ركلة!
ثم لكمة!
ثم ركلة أخرى!
تتابعت ضرباته بسرعة هائلة، حتى أصبح جسده أشبه بلهب يتحرك في جميع الاتجاهات.
"خذ هذه!"
بووم!
"وهذه!"
بووم!
"وهذه أيضًا!"
بووم!
كانت قبضاته وركلاته ترتطم بجسد المقنع الواحدة تلو الأخرى، بينما كان يصرخ مع كل ضربة بكل ما يملك من قوة.
لكن...
المقنع لم يتحرك.
ولا حتى قيد أنملة.
استمر الرجل في الهجوم، حتى بدأت أنفاسه تتقطع.
"هااا... هااا..."
تراجع عدة خطوات، وجثا على ركبته من التعب.
رفع رأسه ببطء.
كان المقنع لا يزال واقفًا أمامه.
بلا خدش.
بلا أثر.
وكأن كل تلك الضربات لم تكن سوى طرق خفيف على باب.
"هذا... مستحيل!"
قبض الرجل على أسنانه.
"كيف يمكن لشخص أن لا يتأثر بكل هذه الضربات؟!"
ساد الصمت للحظة.
ثم جاء صوت المقنع الهادئ:
"ما الأمر؟"
رفع رأسه قليلًا.
"لا تقل لي أن هذا كل ما لديك؟"
اشتدت ملامح الرجل غضبًا.
"ماذا قلت؟!"
رفع يده، وبدأت النيران تتجمع حول كفه.
"تعال الآن..."
اشتدت النيران، وارتفعت حول ذراعه.
"...فآكاردو!"
فجأة ظهرت في يده عصا طويلة من اللهب، كان طرفها يأخذ شكل أفعى نارية ضخمة، حتى إن رأسها بدا وكأنه حي، وعيناها المتوهجتان تحدقان مباشرة في المقنع الحديدي.
خفضت المذيعة صوتها دون أن تشعر.
"أفعى النار..."
ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهها.
"ليس سيئًا."
لكنها سرعان ما رفعت صوتها من جديد، والتفتت نحو الجمهور.
"أيها السيدات والسادة! يبدو أن متنافسنا قد قرر استخدام سلاحه الحقيقي!"
تعالت أصوات الجمهور بحماس.
نظرتُ إلى المذيعة باستغراب.
لماذا قالت ذلك لنفسها؟
وقبل أن أتمكن من التفكير في الأمر أكثر، قطع أفكاري صوت الرجل.
"دعني أُريك قوتي الحقيقية، أيتها الغوريلا الحديدية!"
رفع عصاه أمامه بثقة.
وفجأة، تحركت الأفعى النارية عند رأس العصا.
تمدد رأسها من الطرف، وانطلقت نحو المقنع الحديدي بسرعة هائلة، قبل أن تلتف حول جسده وتطوّقه بالكامل.
اشتعلت النيران حوله، وتصاعد الدخان من جسده.
قهقه الرجل بثقة.
"هاهاهاها! أشعر بألم نيران فآكاردو، أيها الغوريلا!"
لكن...
لم يصدر عن المقنع أي صوت.
ثم حدث شيء جعل الساحة بأكملها تصمت.
ضغط هائل.
انفجر من جسد المقنع الحديدي ضغطٌ غريب اجتاح المكان، حتى إن الهواء نفسه بدا وكأنه أصبح أثقل.
يا لها من هالة...!
توقفت أصوات الجمهور.
تجمدت المذيعة في مكانها.
أما الرجل ذو الشعر الأحمر، فتراجعت ابتسامته ببطء.
"مـ... ما هذا؟"
ارتجفت يداه.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
"هذا الضغط..."
بدأ جسد المقنع يتغير.
تحول لون جلده تدريجيًا إلى لون فولاذي قاتم، وبدت عضلاته أكثر صلابة، بينما اشتدت الهالة المحيطة به بصورة جعلت الأرض تحت قدميه ترتجف.
ثم رفع رأسه.
"غوريلا؟!!!" قالها المقنع بصوتٌ غاضب.
تجمد الرجل.
شدّ المقنع الحديدي جسده.
لدرجة أن الأفعى النارية قد مزقت بقوة الشد، حتى انقطع رأسها الناري وسقط على الأرض قبل أن يتلاشى إلى شرارات.
ثم بدأ بالمشي.
خطوة.
ثم أخرى.
كان الرجل عاجزًا عن الحركة بسبب انكسار سلاحه، والهالة القوية التي تحيط المقنع الحديدي.
اقترب المقنع منه حتى أصبح أمامه مباشرة.
ثم قال بصوت منخفض، لكنه حمل من القوة ما جعل الرجل يرتجف:
"من الذي تدعوه بالغوريلا..."
رفع قبضته.
"...أيها الأفعى المقرفة؟!"
"انتظر..."
رفع الرجل يديه في محاولة للتراجع.
لكن الوقت كان قد انتهى.
قبضة واحدة.
مدوية.
دوووم!
انطلقت الضربة نحو جسده، فطارت به بعيدًا عبر الحلبة، واخترق السياج الخشبي قبل أن يرتطم بقوة بجدار أحد المتاجر القريبة.
ساد الصمت.
تطاير الغبار في المكان.
ولم يتحرك الرجل مجددًا.
وقف المقنع الحديدي وسط الحلبة، ثم عاد كل شيء إلى هدوئه وكأن شيئًا لم يحدث.
بقيت المذيعة صامتة لثوانٍ، قبل أن تتمتم لنفسها بنبرة عاتبة:
"ذلك الأحمق، لقد فقد السيطرة على نفسه مجدداً."
ثم رفعت الميكروفون فجأة، وصاحت بأعلى صوتها:
"أيها السيدات والسادة!!!"
رفعت يدها نحو المقنع.
"لدينا فائز!"
انفجر الجمهور بالهتاف.
"الفائز هو..."
توقفت لحظة، ثم صاحت:
"المقنع الحديدي!!!"
أشعر أن هناك أمرًا غريبًا بينهما، لكنني لا أملك دليلًا على ذلك.
مهما يكن.
تقدمتُ نحو الحلبة، وصعدتُ الدرجات الصغيرة المؤدية إليها، ثم وضعتُ يدي على السياج الخشبي وقفزتُ من فوقه، لأهبط بهدوء على أرض الحلبة.
رفعتُ رأسي، ونظرتُ إلى المقنع الحديدي الواقف أمامي.
كان لا يزال واقفًا في مكانه، تمامًا كما كان في القتال السابق. ذراعاه متقاطعتان، وجسده الضخم أشبه بجدار فولاذي يستحيل تحريكه.
ساد الصمت للحظة، قبل أن تبدأ همسات الجمهور بالانتشار من حولي.
"فتاة؟"
"هل ستقاتل المقنع الحديدي؟"
"هذا مستحيل..."
رفعت المذيعة يدها بحماس، وقالت بصوت مرتفع:
"مفاجأة غير متوقعة! يبدو أن منافستنا التالية شابة صغيرة! هل ستتمكن من تحقيق ما عجز عنه الآخرون؟!"
وقبل أن أجيب، جاءني صوت المقنع الحديدي من أمامي.
"أنتِ جريئة جدًا أيتها الصغيرة... هل أنتِ متأكدة من أنك تريدين قتالي؟"
نظرتُ إليه للحظات، ثم أجبتُ بكل هدوء:
"كون قدميّ لامستا أرض الحلبة يعني أنني متأكدة تمامًا من رغبتي في قتالك... أيها الغوريلا المقنع."
ساد الصمت.
صمتٌ كامل.
حتى أصوات الجمهور اختفت لثانية، وكأن الجميع احتاج إلى لحظة ليستوعب ما سمعه للتو.
ثم انفجرت الساحة بالضجيج.
"م-ماذا يجري؟!"
صرخت المذيعة وهي تحدق بي بدهشة:
"المشاركة الشابة تقوم باستفزاز المقنع الحديدي بكل برود!"
"ما الذي تفكر فيه تلك الغبية؟!"
"هل تريد الموت لهذه الدرجة؟!"
"يا إلهي، أخشى على هذه الفتاة!"
أما المقنع الحديدي فلم يتحرك.
بقي واقفًا في مكانه، لكن شيئًا ما تغير.
بدأت هالته بالارتفاع تدريجيًا، وأصبحت الأجواء المحيطة به أكثر ثقلًا، حتى شعرتُ أن الهواء نفسه أصبح أثقل.
رفع رأسه ببطء.
"غوريلا...؟"
ترددت كلمته بين أرجاء الحلبة.
ثم قبض يده.
طَق!
صدر صوت مفاصل أصابعه بوضوح.
"هل أغضبك ذلك؟ إن كنت تشعر بالإهانة بسبب دعوتي لك بالغوريلا، فهذا شعوري عندما دعوتني بالصغيرة."
ساد الصمت للحظات، وبقي المقنع الحديدي يحدق بي من خلف قناعه. ثم أنزل يده ببطء، وتلاشت الهالة الثقيلة التي كانت تحيط بجسده شيئًا فشيئًا.
"فهمت."
جاء صوته هذه المرة أكثر هدوءًا.
"إذًا كنتِ تردين على استفزازي."
"بالضبط."
بقي صامتًا للحظات، ثم أطلق ضحكة قصيرة.
"هاه... لم أتوقع أن تكوني بهذه الجرأة."
رفع رأسه قليلًا، ثم قال بنبرة مختلفة تمامًا عن السابق:
"أحترم ذلك."
تفاجأتُ قليلًا.
كنت أتوقع أن يزداد غضبه، لكنه بدلًا من ذلك بدا وكأنه تخلّى عن انزعاجه تمامًا.
ثم وضع يده على ذراعه وقال:
"لا أحب الأشخاص الذين يدخلون الحلبة وهم يرتجفون خوفًا، لكنكِ دخلتِ أمامي دون تردد رغم رؤيتكِ لقوتي الحقيقية، ثم وقفتِ أمامي ووجهتِ لي إهانة مباشرة."
توقّف لحظة.
"لذلك، قبل أن نبدأ... أريد أن أعرف اسمك."
نظرتُ إليه للحظات، ثم أجبت:
"ميساكي رينا."
"رينا؟!..."
تغيرت نبرة صوته بشكل واضح، حتى إنني شعرتُ بالدهشة من رد فعله المفاجئ.
ثم أطلق ضحكة قصيرة خلف قناعه.
"هاه... رينا إذاً."
لم أفهم سبب ضحكته، فحدقتُ فيه باستغراب.
"هل تعرف هذا اللقب؟"
رفع يده إلى قناعه، ثم هز رأسه قليلًا.
"لا... فقط تذكرت شيئًا قديمًا."
"شيئًا قديمًا؟"
"نعم."
عاد صوته إلى هدوئه، ثم أضاف بنبرة تحمل شيئًا من الغموض:
"لم أتوقع أن أسمع هذا اللقب مجددًا."
توقفتُ للحظة.
هذا غريب...
لكن قبل أن أتمكن من سؤاله أكثر، رفع يده وأشار بها نحوي.
"على أي حال، ميساكي رينا... سأكون سعيدًا بمواجهة شخص يحمل هذا اللقب."
ثم اتخذ وضعية القتال من جديد.
"فلنرَ ما تستطيعين فعله."
لم أنتظر أكثر من ذلك.
دفعتُ طاقة الآنا إلى كامل جسدي، وشعرتُ بالقوة تنتشر في عضلاتي وأطرافي دفعة واحدة. انخفضتُ قليلًا، ثم اندفعتُ من مكاني بسرعة هائلة.
"بدأت!"
صرخت المذيعة بحماس، بينما تعالت أصوات الجمهور.
اختفيتُ من أمام المقنع الحديدي في لحظة، ثم ظهرتُ خلفه مباشرة. استدرتُ بجسدي، ووجهتُ ركلة قوية نحو رأسه.
دوااام!
ارتطمت قدمي بقناعه.
لكن...
لم يتحرك.
بقي واقفًا في مكانه وكأن شيئًا لم يحدث.
"يا لها من ركلة مباشرة!" صاحت المذيعة. "لكن المقنع الحديدي لم يتحرك حتى!"
تراجعتُ عنه بسرعة، وحدقتُ فيه.
حتى مع تعزيز جسدي بالكامل...
لم أستطع تحريكه.
قبضتُ يدي.
إذن هذه هي قوته الحقيقية.
لا يمكنني العبث معه بالقوة الغاشمة.
مددتُ يدي إلى جانبي، وركزتُ طاقة الآنا فيها.
"تعال الآن..."
تجمعت قطرات الماء في الهواء أمامي، وبدأت تدور حول بعضها بسرعة، ثم تكثفت شيئًا فشيئًا حتى تشكل منها سيف بلوري أزرق شفاف.
"ليڤي!"
ظهر السيف في يدي، وكان الماء ينسكب من نصله باستمرار، يتدفق على جانبيه قبل أن يتساقط على أرض الحلبة.
تعالت همسات الجمهور.
"استدعت سلاحها!"
"إنه سيف من الماء؟!"
رفعتُ ليڤي بيد واحدة، ووجهتُ نصله نحو المقنع الحديدي، ثم أخذتُ خطوة واحدة إلى الأمام.
راقبني المقنع للحظات، ثم قال:
"تستطيعين استدعاء سلاح الآنا وتقنية التعزيز بهذا العمر..."
توقف قليلًا.
"يا لها من موهبة تمتلكينها."
ابتسمتُ.
"أنت لم ترَ شيئًا بعد."
"أوه؟!"
صرخت المذيعة بحماس. "يبدو أن منافستنا لم تفقد ثقتها بنفسها! هل كانت تلك الركلة مجرد اختبار؟!"
اندفعتُ.
هذه المرة كانت سرعتي أكبر.
اختفى جسدي من أمامه، ثم ظهر إلى جانبه. حاول رفع يده لصد السيف، لكنني غيرت اتجاه الضربة في اللحظة الأخيرة.
شـــــرر!
مرّ ليڤي عبر يده، تاركًا جرحًا سطحيًا على طبقة الفولاذ التي تغطيها.
"لقد أصابته!"
صاحت المذيعة.
"المنافسة وجدت أخيرًا طريقة لاختراق دفاع المقنع الحديدي!"
لم أتوقف.
درتُ حوله، ثم وجهتُ ركلة خلفية قوية إلى جانبه.
دوااام!
تحرك جسده عدة خطوات إلى الخلف.
اتسعت عيناي.
لقد نجحت!
تحرك أخيرًا.
لكنني لم أترك له فرصة لاستعادة توازنه. انخفضتُ بسرعة، ولمستُ أرض الحلبة بيدي، وتركتُ كمية صغيرة من الماء تنتشر فوقها. لم يكن هناك ما يلفت الانتباه في ذلك، فقد جعلت لون الماء شفافًا جدًا حيث لا يرى.
ثم عدتُ إلى وضعيتي، ورفعتُ ليڤي أمامي.
في اللحظة التالية، اندفع المقنع الحديدي نحوي.
لم يكتفِ بالوقوف هذه المرة.
رفع قبضته وضرب بها أرض الحلبة.
دواااام!
اهتزت الأرض تحت قدمي.
شعرتُ بشيء يتحرك في الأسفل.
قفزتُ إلى الجانب بسرعة.
وفجأة...
طَخ!
اخترقت قطعة فولاذية حادة أرض الحلبة في المكان الذي كنت أقف فيه قبل لحظة.
"ماذا؟!"
تعالت صيحات الجمهور.
"لقد اخترق أرض الحلبة!"
قالت المذيعة بسرعة:
"المقنع الحديدي لا يكتفي بالدفاع! إنه يستخدم الفولاذ لمهاجمة خصمته من الأسفل!"
ضرب الأرض مرة أخرى.
طَخ!
ظهرت قطعة فولاذية ثانية.
ثم ثالثة.
ثم رابعة.
لم يعد هناك مكان آمن.
قفزتُ إلى الأعلى، وتفاديتُ واحدة بصعوبة، لكن قطعة أخرى اندفعت نحوي مباشرة.
"هناك أخرى!"
صرخت المذيعة.
لم يكن لدي وقت للتفكير.
درتُ في الهواء، ثم هبطتُ بقدمي على الأرض قبل أن أقفز مرة أخرى. ظهرت قطعة فولاذية ضخمة من تحتي مباشرة، فدفعتُ نفسي إلى الأعلى قبل أن تصلني.
لكن واحدة أخرى ظهرت بسرعة أكبر.
لم أستطع تغيير مساري.
استخدمتُ ليڤي كحاجز، فاصطدمت القطعة الفولاذية بنصله، ودفعني الاصطدام إلى الأعلى.
ارتفعتُ في الهواء.
"لقد أصبحت في الأعلى!"
قالت المذيعة.
"لكن هل ستتمكن من الهبوط بأمان؟!"
لن أكتفي بالهرب.
أمسكتُ ليڤي بكلتا يدي، ثم استدرتُ في الهواء.
بدأتُ أطلق القواطع المائية من نصله واحدًا تلو الآخر.
"القاطع المائي!"
انطلقت الشفرات المائية من السيف، متجهة نحو المقنع الحديدي من عدة زوايا.
"واحد! اثنان! ثلاثة!"
كانت المذيعة تعد الهجمات بحماس.
"القواطع قادمة من الأعلى! المقنع الحديدي محاصر!"
رفع ذراعيه.
طَخ! طَخ! طَخ!
اصطدمت القواطع الفولاذية بجسده، لكنها لم تستطع اختراق دفاعه.
"صدها جميعًا!"
صاحت المذيعة.
هبطتُ على أرض الحلبة، ثم اندفعتُ نحوه مباشرة وأطلقت المزيد من القواطع.
واحدة.
اثنتان.
ثلاث.
أربع.
لكنه صدها كلها.
"إنه لا يزال صامدًا!"
كانت صيحات الجمهور تزداد.
"هل ستستمر ميساكي بهذه الطريقة؟!"
غيرتُ اتجاهي فجأة، وانخفضتُ إلى الأرض، ثم زحلقتُ بين قدميه.
أصبحت خلفه مباشرة.
مددتُ يدي.
"خذ هذه!"
اندفعت كرة مائية مركزة من كفيّ واصطدمت بظهره.
بووووم!
تقدم المقنع الحديدي عدة خطوات إلى الأمام، وفقد توازنه للحظة.
"لقد نجحت!"
صرخت المذيعة.
لكنه استعاد توازنه بسرعة.
ثم استدار نحوي.
وفي اللحظة التالية...
اندفع نحوي بقبضة هائلة.
"هجوم مباشر!"
صرخت المذيعة.
لم أستطع الابتعاد.
وضعتُ يدي على ذراعه لحظة وصولها، واستخدمتها كمسند، ثم قفزتُ فوقها.
درتُ في الهواء.
ثم وجهتُ ركبتي مباشرة نحو قناعه.
دواااام!
ارتد جسده إلى الخلف.
"ياااا لها من ضربة!"
تراجع المقنع الحديدي عدة خطوات، وكاد أن يسقط.
لكنه استعاد توازنه في اللحظة الأخيرة.
وقفتُ على الأرض، وأخذتُ نفسًا عميقًا.
لن أتمكن من هزيمته بهذه الطريقة.
لكن...
ليس عليّ هزيمته.
يكفي أن أخرجه من الحلبة.
نظرتُ إلى الأرض.
ثم إلى المقنع.
وتذكرتُ الماء الذي تركته في بداية القتال.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهي.
وجدتها.
رفعتُ كلتا يدي أمامي.
بدأ الماء يتجمع بين كفيّ.
كمية صغيرة في البداية...
ثم أكبر.
وأكبر.
حتى أصبحت كتلة ضخمة من الماء تدور أمامي بعنف.
اتسعت عينا المذيعة.
"انتظروا!"
تراجعت خطوة.
"إنها تجمع كمية هائلة من الماء!"
تعالت أصوات الجمهور.
"ما هذه الهجمة؟!"
"هل ستطلقها كلها؟!"
ثبّتُّ قدميّ.
ثم صرخت:
"تيار الماء!"
دفعتُ كلتا يدي إلى الأمام.
بووووووووووووم!
انفجر تيار مائي هائل من كفيّ، واندفع نحو المقنع الحديدي كعاصفة جارفة.
"إنها هجمة ضخمة!"
صرخت المذيعة بأعلى صوتها.
"تيار الماء يتجه مباشرة نحو المقنع الحديدي!"
رفع المقنع الحديدي ذراعيه أمام جسده.
ثم تصلب.
تحول جسده بالكامل إلى كتلة فولاذية صلبة.
اصطدم تيار الماء به.
دوااااااااام!
انفجرت المياه في جميع الاتجاهات، وارتفعت سحابة ضخمة من الرذاذ فوق الحلبة.
لكن...
لم يتراجع.
"لقد صمد!"
صرخت المذيعة بدهشة.
كان المقنع الحديدي يتقدم وسط التيار.
خطوة.
ثم أخرى.
وأخرى.
"إنه يتقدم!"
بدأ الجمهور بالصراخ.
"المقنع الحديدي يشق طريقه عبر الهجمة!"
ضغطتُ على أسناني، وواصلتُ دفع الماء بكل ما أملك.
لكنني لم أحاول إيقافه.
كنت أنتظر.
حتى خطا فوق المكان الذي تركتُ فيه الماء في بداية القتال.
انزلقت قدمه.
اتسعت عيناي.
الآن!
أوقفتُ تيار الماء فورًا، ثم اندفعتُ إلى الجانب بأقصى سرعتي.
"ماذا تفعل؟!"
كان المقنع الحديدي لا يزال يحاول استعادة توازنه.
كنت خلفه.
مددتُ يدي.
"تيار الماء!"
اندفعت المياه من يداي مجدداً.
بووووم!
اصطدمت بظهره ودفعته إلى الأمام.
"انتبه!"
صرخت المذيعة.
تقدم المقنع الحديدي خطوة.
ثم أخرى.
"الخط أمامه!"
كان الجمهور كله يصرخ الآن.
حاول المقنع تثبيت قدميه.
لكنه كان قد فقد توازنه.
خطا خطوة أخيرة.
وتجاوز الخط الأبيض.
ساد الصمت.
توقفتُ عن التنفس للحظة.
هل...
هل خرج فعلًا؟
نظرتُ إلى قدمه.
كانت خارج حدود الحلبة.
وفجأة انفجرت المذيعة بالصراخ:
"لقد خرج!"
رفعت ذراعيها إلى السماء.
"لقد تجاوز المقنع الحديدي حدود الحلبة!"
ثم استدارت نحو الجمهور، وصرخت بكل حماس:
"الفائزة هي ميساكي ريناااااااااااااااااا!"
انفجرت الساحة بالهتاف والتصفيق.
"مستحييييييل!"
"لقد هزمته!"
"لا! لقد أخرجته!"
"يا لها من حيلة!"
أما المذيعة فلم تتوقف عن الصراخ من شدة حماسها.
"يا لها من مواجهة! لقد شاهدنا سرعة، وسيف الآنا، وتقنيات مائية مذهلة، والأهم من ذلك... عقلًا لم يعتمد على القوة وحدها!"
ثم أشارت نحوي بكلتا يديها.
"ميساكي رينا لم تحاول هزيمة المقنع الحديدي!"
ابتسمت.
"بل جعلته يهزم نفسه!"
تعالت صيحات الجمهور من جديد.
رفعتُ يدي إلى جبيني ومسحتُ العرق، ثم نظرتُ إلى المقنع الحديدي.
كان لا يزال واقفًا خارج الحلبة.
نظر إليّ للحظات.
ثم ضحك.
"يبدو أنكِ خدعتِني فعلًا."
ابتسمتُ.
"قلت لك... أنت لم ترَ شيئًا بعد."
ثم نزلتُ من الحلبة، واتجهتُ نحوه بخطوات مترددة.
وما إن وقفتُ أمامه حتى انحنيتُ قليلًا.
"أنا أعتذر."
بدا عليه الاستغراب.
"عن ماذا؟"
رفعتُ رأسي نحوه.
"عن وصفي لك بالغوريلا."
ساد الصمت للحظة.
"كنتُ غاضبة لأنك دعوتني بالصغيرة، لكن ذلك لا يبرر أن أصفك بذلك."
"أنتِ..."
رفعتُ رأسي، فرأيتُ المقنع الحديدي يرتجف قليلًا، وكأنه يحاول كتم شيء ما. ثم تحدث بسرعة مفاجئة:
"أنتِ قوية جدًا! وتستحقين أن تنضمي إلى-"
طاخ!
قبل أن يتمكن من إكمال جملته، هوت المذيعة بميكروفونها مباشرة فوق رأسه.
"آخ!"
تراجع المقنع الحديدي خطوة، ووضع يده فوق رأسه بألم واضح.
تجمدتُ في مكاني.
لحظة...
هل تألم فعلًا؟
نظرتُ إلى المذيعة، ثم عدتُ بنظري إلى المقنع الحديدي.
ذلك الرجل الذي لم تحركه ركلتي، ولم تؤثر فيه أي من هجماتي... تألم من ضربة ميكروفون؟!
"وأنت أيضًا! لا تبدأ بإفساد الإعلان!"
"أعتذر بشدة!"
قالت المذيعة وهي تنظر إليه بانزعاج، ثم التفتت إليّ فورًا وكأن شيئًا لم يحدث.
"على أي حال!"
وفي تلك اللحظة، رفعت المذيعة صندوق الجائزة عاليًا.
"والآن، كما وعدنا!"
فتح الصندوق، وظهر بداخله الجهاز اللامع.
"الخريطة الضوئية المتطورة، التي تبلغ قيمتها ثلاثين قطعة ذهبية!"
ارتفعت أصوات الجمهور مجددًا.
"وأصبحت ملكًا للفائزة!"
أشارت نحوي.
"ميساكي رينا!"
صفق الجمهور بحماس، بينما بقيتُ أنظر إلى المذيعة بقلق.
من تكون هذه المرأة بحق الجحيم...؟
"تفضّلي، إنها لكِ."
أخذتُها منها بحذر، وما إن استقرت في يدي حتى تراجعت المذيعة بضع خطوات إلى الخلف.
وفي اللحظة التالية...
مرّ شيء أسود أمام عينيّ بسرعة خاطفة.
"ماذا...؟"
لم أستوعب ما حدث إلا بعد أن اختفت الخريطة من يدي.
كان شخصًا يرتدي عباءة سوداء، وقد انتزعها مني في غفلة، ثم اندفع مبتعدًا بسرعة لا تكاد تُصدّق.
"توقّف!"
صرختُ دون تردد، وانطلقت خلفه.
شقّ طريقه بين الحشود بخفة مذهلة، بينما كنت ألاحقه بأقصى سرعتي.
"أعدها إليّ!"
لم يجب.
كان سريعًا جدًا.
لكنني لم أكن مستعدة للسماح له بالفرار ومعه جائزتي.
شدَدتُ قبضتي، وزدتُ من سرعتي، متجاهلةً أصوات الجمهور المندهشة من حولي.
كان بيننا بضعة أمتار فقط...
ومع ذلك، كلما اقتربتُ منه، كان يندفع إلى الأمام بسرعة أكبر.