الوصول إلى استيريا

الوصول إلى استيريا

2 0

الفصل الأول- الجزء الثاني

---

توقّف القطار أخيرًا في المحطة المركزية الواقعة في قلب أستيريا، وأُعلن عبر مكبرات الصوت عن وصوله إلى عاصمة مملكة إيريديان.

بعد لحظات، نزلتُ من القطار، وحملتُ حقيبتي على ظهري قبل أن أتوقف عند أحد الشوارع.

أخذتُ نفسًا عميقًا.

وأخرجته ببطء.

أخيرًا... وصلت.

رفعتُ رأسي، وبدأتُ أتأمل ما يحيط بي.

كانت أستيريا أكبر بكثير مما تخيلت.

مبانٍ شاهقة تمتد على جانبي الشوارع، ومتاجر لا يبدو أن لها نهاية، بينما كانت أعداد هائلة من الناس تتحرك في كل اتجاه. عربات تمر بين الشوارع، وأصوات الباعة والمارة تختلط ببعضها، وحتى من داخل المحطة كان من الممكن رؤية حركة المدينة التي لا تهدأ.

لطالما عُرفت أستيريا بأنها المدينة التي لا تنام، بسبب كثرة سكانها والسياح الذين يتوافدون إليها كل عام.

لكن يبدو أن الازدحام سيكون أشد من المعتاد هذه المرة، فموعد اختبارات الصيادين كان يقترب، ومعه بدأت أعداد المتقدمين والزوار من مختلف أنحاء المملكة بالتوافد إلى العاصمة.

ابتسمتُ دون أن أشعر.

هذه هي أستيريا...

المكان الذي لطالما تخيلت أنني سأصل إليه يومًا.

المكان الذي ستبدأ فيه رحلتي لأصبح صيادة.

أخرجتُ ورقة من حقيبتي، ونظرت إليها بثقة.

خريطة أستيريا.

حسنا... دعنا نرى أين يقع مركز التسجيل في اختبارات تجنيد الصيادين.

حدقتُ فيها للحظات.

ثم رفعتُ عيني نحو الشوارع الممتدة أمامي.

أعدتُ نظري إلى الخريطة.

ثم إلى الشوارع.

ثم إلى الخريطة مرة أخرى.

"...حسنًا."

أين أنا بالضبط؟

قلبتُ الخريطة إلى الجهة الأخرى، ثم أعدتها إلى وضعها السابق.

حدقتُ في الخطوط والرموز المرسومة عليها لعدة ثوانٍ، محاوِلةً أن أجد أي شيء مألوف يمكن أن يدلني على موقعي.

لا شيء.

"هممم..."

رفعتُ الخريطة قليلًا، ثم نظرت إلى الشوارع من حولي.

أيُّ واحد منها هو الطريق الصحيح؟

كان من المفترض أن يكون الأمر بسيطًا. أصل إلى مركز المدينة، أفتح الخريطة، وأتبع الطريق حتى أصل إلى مركز التسجيل.

لكن المشكلة الوحيدة...

أنني لم أكن أعرف كيف أقرأ الخريطة أصلًا.

"...أنا ضائعة."

بقيتُ صامتة للحظات، أحدق في الخريطة وكأنني أنتظر منها أن تخبرني بما يجب أن أفعله.

وفجأة، تذكرتُ شيئًا.

"ميساكي، خذي هذه معكِ."

كان صوت أمي.

تذكرتُها وهي تمد إليّ جهازًا صغيرًا ذا شاشة مضيئة.

"إنها خريطة ضوئية. ستُظهر لكِ المكان من حولكِ بشكل ثلاثي الأبعاد، وستحدد موقعكِ والطريق الذي يجب أن تسلكيه."

ثم نظرت إلي بتلك الإبتسامة الهادئة.

"أعتقد أنكِ ستحتاجين إليها في أستيريا."

عبستُ حينها، ودَفعتُ يدها بعيدًا برفق.

"لا أحتاج إليها! أستطيع معرفة طريقي بنفسي."

كنتُ قد ظننت أنها تستخف بي.

كنت مقتنعة بأنني قادرة على التعامل مع الأمر وحدي، وأنها تبالغ في قلَقها عليّ كعادتها.

لكن الآن...

نظرتُ إلى الخريطة الورقية التي بين يدي.

ثم إلى الشوارع المتشعبة من حولي.

ثم أغمضتُ عيني للحظة.

"...كانت تعرف."

بدأت ملامح الإحراج تظهر على وجهي.

"كانت تعرف أنني سأضيع."

لو كانت أمي هنا الآن، لربما قالت لي شيئًا من قبيل:

"أوه؟ أين ذهبت ثقة الفتاة الكبيرة التي قالت إنها لا تحتاج لخريطة ضوئية لتعرف طريقها؟"

تخيلتُ صوتها الساخر للحظة، وفركتُ رأسي بقوة محاولةً طرد تلك الصورة من ذهني.

"لا تضحكي عليّ في خيالي أيضًا..."

تنهدتُ، ثم طويتُ الخريطة وأعدتها إلى حقيبتي.

حسنًا.

لقد أخطأتُ.

لكن الاعتراف بالخطأ لن يجعلني أصل إلى مركز التسجيل.

نظرتُ حولي، وبدأتُ أبحث بين المارة عن شخص يمكنني سؤاله.

لا بد أن هناك شخصًا يعرف الطريق.

تقدمتُ بضع خطوات، ثم توقفت.

لحظة...

ماذا سأقول له؟

مرحبًا، أنا ضائعة ولا أعرف قراءة الخريطة، هل يمكنك إرشادي إلى مركز التسجيل؟

تخيلتُ نفسي أقولها لأحد الغرباء، فشعرتُ بالإحراج فورًا.

"لا..."

هززتُ رأسي.

"هذا سيجعلني أبدو غبية."

وضعتُ يدَي على خصرَي، وأخذتُ نفسًا عميقًا.

يجب أن أجد الطريق بنفسي.

فأنا على وشك أن أصبح صيادة.

لا يمكن أن تكون أول مشكلة أواجهها في العاصمة هي... خريطة.

"يبدو أنك تواجهين وقتًا عصيبًا."

"وااااه!!"

قفزتُ خطوة إلى الخلف من شدة المفاجأة، واستدرتُ بسرعة نحو مصدر الصوت.

وما إن رأيته حتى اتسعت عيناي.

"أنت؟!"

كان الفتى الذي قابلته في القطار يقف أمامي، يحمل حقيبته على ظهره، وعلى وجهه تلك الابتسامة المشرقة نفسها التي رأيتها بعد أن استعاد وعيه.

لم أشعر بوجوده على الإطلاق.

"مرحباً مجدداً."

رفع يده ولوّح لي بابتسامة مشرقة.

"آه... أهلاً، لكن منذ متى وأنت هنا؟"

"منذ قليل. رأيتك تتحدثين مع نفسك بغرابة، وتفركينَ شعركِ وأنت تحدقين في الخريطة، فأعتقدت أن لديكِ مشكلة معها."

"ما-هل رأيتني؟!"

"لست أنا فقط بل الجميع."

تجمدتُ في مكاني.

... الجميع؟!

أشاح الفتى بنظره قليلًا، ثم أشار بعينيه إلى ما حولنا.

التفتُّ خلفي ببطء.

عندها فقط لاحظتُ أن عددًا كبيرًا من المارة كانوا ينظرون نحوي، وبعضهم يبتسم، بينما كان آخرون يضحكون وهم يتابعون ما كنت أفعله قبل قليل.

اتسعت عيناي.

...كانوا يراقبونني طوال ذلك الوقت؟!

شعرتُ بحرارة تصعد إلى وجهي.

"كنتِ تثيرين الإنتباه بسبب تصرفاتك الغريبة لذلك كان الجميع ينظرون إليك هكذا."

قالها وهو ينظر إلى الأشخاص من حولنا من دون أن تتزحزح إبتسامته ولو قليلًا.

لم أجد ما أقوله، فاشتد إحراجي أكثر.

أمسكتُ بذراعه بسرعة، ثم سحبته معي بعيدًا عن المكان.

"تعال!"

تحركتُ بخطوات سريعة، محاوِلةً الابتعاد عن أنظار الناس بأسرع ما يمكن.

"إلى أين؟"

"أي مكان، فقط ابتعد عن هنا!"

ظل الفتى يبتسم وكأنه يجد ما يحدث مسليًا، بينما كنتُ أتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعني.

---

أبتعدنا عن الشارع المزدحم، ووصلنا إلى مكان فيه شجرة كبيرة يظل ظلها على مقعد، وكان عدد الأشخاص في المكان قليلًا مقارنة بالشوارع الرئيسية.

تركتُ ذراعه ثم أخذت نفسًا عميقًا.

"الآن يمكنني التحدث بهدوء."

نظر إلي الفتى بإبتسامة خفيفة.

"هل هدأتِ الآن؟"

"أجل."

"هذا جيد."

جلستُ على المقعد تحت ظل الشجرة، بينما بقي الفتى واقفًا أمامي.

نظرتُ إليه قليلًا، ثم ترددتُ قبل أن أفتح الموضوع.

"بالمناسبة..."

"نعم؟"

"بما أنك رأيتني أحاول معرفة الطريق، هل تعرف أين يقع مركز التسجيل لاختبارات الصيادين؟"

أومأ الفتى دون تردد.

"بالطبع."

ارتحتُ قليلًا.

"حقًا؟ إذًا هل يمكنك أن تدلني عليه؟"

"بالتأكيد."

ثم أضاف ببساطة:

"أنا ذاهب إلى هناك أيضًا."

"..."

رمشتُ عدة مرات.

هو أيضًا؟

"انتظر... أنت ذاهب إلى مركز التسجيل؟"

"أجل."

حدقتُ فيه باستغراب.

منذ أن رأيته في القطار، لم أشعر بأي آنا حوله على الإطلاق.

ليس ضعيفة... بل لم أشعر بأي أثر لها من الأساس.

وهذا غريب جدًا.

فقد استطعتُ استشعار آنا الرجل الذي كان في القطار بسهولة، رغم أنه لم يكن يجيد استخدامها جيدًا.

أما هذا الفتى، فلم أستطع الشعور بأي شيء منه.

والأغرب من ذلك كله أن حالته في القطار لم تكن توحي إطلاقًا بأنه يستعد لاختبارات الصيادين.

لقد كان يعاني من دوار الحركة لدرجة أنه فقد وعيه!

نظرتُ إليه من جديد، محاوِلةً فهم الأمر.

"هل ستشارك في اختبارات الصيادين؟"

ابتسم الفتى وأومأ برأسه.

"هذا صحيح."

بقيتُ صامتة للحظات.

هذا لا يبدو منطقيًا إطلاقًا...

إذا كان مستخدمًا للآنا، فلماذا لا أستطيع استشعارها؟

وإذا لم يكن كذلك...

فكيف ينوي أصلًا المشاركة في الاختبارات؟

بقيتُ أنظر إليه للحظات، لكنني سرعان ما تراجعت عن التفكير في الأمر.

لا يهم.

سواء كان قادرًا على المشاركة أم لا، فهذا ليس شأني.

والأهم الآن أنني بحاجة إلى الوصول إلى مركز التسجيل بأي طريقة.

"حسنًا، إذًا لنذهب معًا."

اختفت ابتسامة الفتى وظل يحدق بي للحظات.

"أتريدين الذهاب الآن؟"

"أجل، ألا تريد ذلك أيضاً؟"

نظر إلى حقيبته المعلقة على ظهره.

"حسنا... فكرتُ فقط أن استئجار غرفة في أحد الفنادق أولًا سيكون أفضل. يمكننا وضع حقائبنا وترتيب أمتعتنا والراحة قليلًا قبل أن نذهب إلى هناك. لكن إن أردتِ الذهاب الآن، فليس لدي مشكلة، سأدلكِ على الطريق."

أنه محق... كيف لم أفكر بذلك من قبل؟!

منذ أن غادرتُ القطار، كان كل ما يشغل تفكيري هو الوصول إلى مركز التسجيل في أسرع وقت ممكن. لدرجة أنني نسيتُ أن عليّ وضع حقائبي وترتيب أمتعتي أولًا.

نظرتُ إلى حقيبتي، ثم تنهدتُ بهدوء.

"أنت محق، دعنا نبحث عن فندق مناسب أولًا."

ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة، وأومأ برأسه بحماس.

"بالطبع، أعرف فندقًا بالفعل قريبًا من أحد مراكز التسجيل."

اتسعت عيناي قليلًا.

"حقًا؟!"

"بالطبع."

"هذا مذهل... لكن كيف تعرف عن الأماكن هنا؟ هل زرت أستيريا من قبل؟"

هز رأسه نافيًا، ثم أشر بأصبعه على رأسه.

"كلا، لقد حفظتُ الخريطة كاملةً في عقلي."

"حفظتها؟!"

حدقتُ فيه بعينين متسعتين، بينما بقي هو واقفًا أمامي بهدوء وكأنه لم يقل شيئًا غريبًا على الإطلاق.

نظرتُ إلى الشوارع الممتدة من حولنا، ثم عدتُ بالنظر إليه.

"لكن ألا تخشى أن تنسى الطرق لاحقًا؟"

"أنسى؟ لا تقلقي بشأن ذلك، من المستحيل أن أنسى شيئًا."

بقي إصبعه على رأسه للحظة، ثم أنزله وكأنه أنهى حديثه تمامًا.

يا له من شخص... لقد استهنت به كثيرا.

نظرتُ إليه مجددًا، محاوِلةً أن أجد في ملامحه أي علامة تدل على أنه يبالغ أو يمزح، لكن وجهه بقي هادئًا كعادته، تعلو شفتيه تلك الابتسامة الغامضة التي لا تفارق وجهه.

يبدو أنني بحاجة إلى إعادة النظر في حكمي عليه. ربما هذا الشخص أخطر... أو أذكى بكثير مما كنت أعتقد.

نهضتُ من المقعد، وعدلتُ حقيبتي على كتفي.

لحظة...

"صحيح، نسيتُ أن أسألك عن اسمك."

توقف للحظة.

لم يجب مباشرة.

اختفت ابتسامته قليلًا، وبقي ينظر إليّ للحظات دون أن يقول شيئًا، ومن بعدها أخفض رأسه قليلًا، وكأنه يفكر في شيء ما.

"أسمي..."

رمشتُ بعيني باستغراب.

"هل هناك خطب؟ إن كنت لا تريد أن-"

"نيرامارو."

توقف كلامي في منتصف الجملة.

"هاه؟"

التفت إليّ، وكانت ابتسامته قد اختفت للحظة، وحل محلها تعبير هادئ.

"نيرامارو، هذا هو اسمي."

حدقتُ فيه للحظات، فقد أجابني بشكل مفاجئ قبل أن أتمكن حتى من إكمال كلامي.

نيرامارو...

حفظتُ الاسم في ذهني، ثم ارتسمت على وجهي ابتسامة صغيرة.

"آه، نيرامارو-كن إذًا... سررتُ بمعرفتك."

أعاد ابتسامته المعتادة، وأومأ برأسه.

"وأنا أيضًا، ميساكي."

ميساكي؟

كان من المعتاد في قريتي أن نستخدم ألقاب التشريف عند مخاطبة من لا تربطنا به علاقة قريبة، وخصوصًا عند التعارف الأول. لذلك بدا الأمر غريبًا قليلًا أن يناديني باسمي مباشرة.

لكنني سرعان ما صرفتُ النظر عن الأمر.

ربما هذه عادته في الحديث...

ثم بدأنا السير معًا، بينما أخذتُ أراقب الطريق من حولي.

على الأقل، لن أضطر إلى القلق بشأن ضياعي مرة أخرى... طالما أن هذا الشخص يعرف الطريق.

---

بعد عدة دقائق من المشي، وصلنا أخيرًا إلى الفندق.

رفعتُ رأسي ونظرتُ إلى المبنى أمامي.

كان الفندق أكبر مما توقعت، بواجهة حجرية أنيقة ونوافذ واسعة تعكس أشعة الشمس، بينما علّقت فوق المدخل لافتة كبيرة تحمل اسم الفندق.

"هذا هو؟"

"أجل."

أشار نيرامارو-كن إلى المبنى بثقة.

"إنه قريب من أحد مراكز التسجيل، لذلك سيكون مناسبًا لنا."

دخلنا إلى الفندق، فوجدنا ردهة واسعة تعج بالحركة. مسافرون يحملون حقائب، وعائلات تتحدث فيما بينها، وشباب يحملون معدات السفر، وبدا واضحًا أن معظم الموجودين هنا قدموا إلى العاصمة بسبب اختبارات الصيادين.

تقدمتُ نحو مكتب الاستقبال، بينما تبعني نيرامارو-كن بهدوء.

"مرحبًا، نريد استئجار غرفتين."

ابتسمت موظفة الاستقبال بأدب، ثم ألقت نظرة على سجل الحجوزات أمامها.

"غرفتين منفردتين؟"

"أجل."

بدأت تقلب صفحات السجل، ثم توقفت.

"للأسف، جميع الغرف المنفردة محجوزة بالكامل."

"ماذا؟"

لم أستوعب ما قالته للحظة.

"هل أنتِ متأكدة؟"

"نعم. منذ إعلان موعد اختبارات الصيادين، امتلأت معظم الغرف في فنادق العاصمة بسرعة. وقد حجز القادمون من المدن والمقاطعات الأخرى الغرف قبل وصولهم بأسابيع."

ثم أضافت:

"وهذا الفندق تحديدًا يقع بالقرب من أحد مراكز التسجيل، لذلك كانت الغرف المنفردة أول ما تم حجزه."

نظرتُ إلى نيرامارو-كن، ثم عدتُ بنظري إلى موظفة الاستقبال.

"إذًا... هل بقي أي شيء؟"

"لدينا غرف كبيرة فقط."

"غرف كبيرة؟"

أومأت.

"نعم. إنها غرف مخصصة عادةً للعائلات أو مجموعات المسافرين، وتحتوي على عدة أسرّة ومساحة واسعة."

شعرتُ بالارتياح للحظة.

"حسنًا، لا بأس. كم سعر الغرفة؟"

توقفت الموظفة للحظة قبل أن تجيب:

"أرخص غرفة متبقية تكلف عملتين ذهبيتين لليلة الواحدة."

...

ساد الصمت للحظات.

حدقتُ في الموظفة، غير قادرة على استيعاب الرقم الذي سمعته للتو.

"عملتان ذهبيتان؟!"

أومأت الموظفة بهدوء.

"نعم."

وضعتُ يدي على حقيبتي بشكل غريزي.

عملتان ذهبيتان...

هذا المبلغ يعادل تقريبًا خمسةً وتسعين بالمئة من كل ما ادخرته طوال حياتي!

دفعه مقابل ليلة واحدة يعني أن معظم مدخراتي ستختفي في لحظة.

"هل أنتِ متأكدة من السعر؟"

"للأسف. هذه هي الغرف الوحيدة المتبقية لدينا، وبسبب اقتراب اختبارات الصيادين ارتفعت أسعار الإقامة في العاصمة بشكل ملحوظ."

ثم أضافت:

"معظم الفنادق القريبة من مراكز التسجيل ممتلئة أصلًا، والغرف المتبقية تُحجز بسرعة."

تنهدتُ.

كنتُ أتوقع أن يكون العثور على مكان للإقامة أمرًا بسيطًا، لكن يبدو أنني كنتُ مخطئة مرة أخرى.

التفتُّ إلى نيرامارو-كن.

كان واقفًا بجانبي بصمت، ثم اقترب مني قليلًا وهمس في أذني:

"أنا لا أملك هذا المبلغ."

"ماذا؟!"

نظرتُ إليه بدهشة.

"لم أتوقع أن يكون سعر الليلة الواحدة مرتفعًا إلى هذا الحد... إنه تقريبًا بنفس سعر تذكرة السفر في القطار."

عقدتُ حاجبيّ باستغراب.

"هاه؟ لكن تذكرة القطار تكلف عشرين قطعة فضية فقط. ماذا تقصد بقولك إن سعر الغرفة مثل سعر التذكرة؟"

نظر إليّ للحظات، ثم أجاب بكل جدية:

"أليست تذكرة القطار قطعتين ذهبيتين أيضًا؟"

...

تجمدتُ للحظة.

ثم اتسعت عيناي ببطء.

"أنت..."

اقتربتُ منه وهمستُ بغضب:

"لا تقل لي إنه قد تم خداعك!"

"تم خداعي؟!"

بدا عليه الذهول.

ثم وضع يده على ذقنه، وكأنه بدأ يفكر في الأمر للمرة الأولى.

"أيُعقل أن يكون الرجل الذي أعطاني التذكرة قد خدعني فعلًا؟"

ضربتُ جبهتي بيدي وتنهدتُ بعمق.

"أنت أحمقٌ جدًا."

ثم أنزلتُ يدي ببطء، ونظرتُ إلى العملات الموجودة في حقيبة جيبي.

عملتان ذهبيتان...

حتى لو دفعتُهما، فلن يتبقى لي سوى القليل جدًا من مدخراتي.

والأسوأ من ذلك أن نيرامارو-كن لا يبدو أنه يعرف قيمة المال.

يبدو أن وصولي إلى العاصمة لم يكن سوى بداية سلسلة جديدة من المشاكل.

وبينما كنتُ غارقة في أفكاري، شعرتُ بنيرامارو-كن يقترب مني قليلًا.

"لدي فكرة."

رفعت رأسي ونظرتُ إليه.

"ما هي؟"

اقترب أكثر، ثم همس بجانبي:

"ما رأيك في أن نستأجر الغرفة معًا ونتقاسم تكلفتها؟"

...

لم أفهم ما قاله في البداية.

رمشتُ مرة.

ثم رمشتُ ثانية.

وببطء، بدأت كلماته تستوعبها أفكاري.

نستأجر الغرفة... معًا؟

اتسعت عيناي فجأة.

"هاه؟!"

تراجع نيرامارو-كن قليلًا من ردة فعلي، ثم نظر إليّ باستغراب.

"ما الخطب؟ لماذا تغير لون وجهك؟"

حدقتُ فيه غير مصدقة.

هل كان يتحدث بجدية فعلًا؟

"هل... هل أنت تعي ما تقوله جيدًا؟"

"أجل. بما أن معظم الفنادق في العاصمة ستكون محجوزة، والغرف المتبقية ستكون باهظة الثمن، فإن استئجار غرفة واحدة وتقاسم تكلفتها بيننا سيكون الحل الأفضل."

توقفتُ عن الكلام للحظة، أحدّق فيه غير مصدقة.

"لكننا لا نستطيع مشاركة الغرفة!"

"ولماذا؟"

"لأن..."

ترددتُ قليلًا، ثم قلت بحزم:

"لأننا رجل وامرأة! وأيضًا بالكاد نعرف بعضنا!"

رفع نيرامارو-كن حاجبه قليلًا.

"أعرف ذلك."

"إذًا كيف تقترح الأمر بهذه البساطة؟!"

بقي نيرامارو-كن هادئًا للحظات، ثم أجاب:

"كوننا لا نعرف بعضنا جيدًا، وأننا من جنسين مختلفين، لا يغير حقيقة أننا نواجه المشكلة نفسها."

"ماذا تقصد؟"

"أنتِ لا تملكين ما يكفي لدفع تكلفة الغرفة وحدك، وأنا أيضًا لا أملكها، والغرف المنفردة محجوزة بالكامل. وبما أن الغرف الكبيرة هي الخيار الوحيد المتبقي، فلا أرى سببًا يجعل معرفتنا ببعضنا عاملًا حاسمًا في هذا الأمر."

توقف للحظة، ثم تابع بهدوء:

"سواء كنا نعرف بعضنا منذ سنوات أو التقينا قبل دقائق، المشكلة التي أمامنا لن تتغير. نحن بحاجة إلى مكان للإقامة، وتقاسم تكلفة الغرفة سيجعل الأمر أسهل علينا نحن الاثنين."

فتحتُ فمي لأجيبه، ثم أغلقته مجددًا.

كان منطقه... مزعجًا في بساطته.

لكنه لم ينتهِ بعد.

"بالإضافة إلى ذلك، لن نضطر إلى البقاء في الغرفة طوال الوقت. سنضع أمتعتنا ونستريح قليلًا، ثم نذهب إلى مركز التسجيل."

ثم أضاف بهدوء:

"وإذا كنتِ قلقة بشأن الخصوصية، يمكننا استخدام غرفتين منفصلتين، ويلتزم كل واحد منا بمساحته الخاصة."

التفت نيرامارو-كن نحو موظفة الاستقبال.

"المعذرة، لكن كم سريرًا تحتوي عليه تلك الغرفة؟"

أجابت الموظفة:

"سريران. إنها غرفة مخصصة لشخصين."

"وهل السريران موجودان في الغرفة نفسها، أم أن هناك غرفتين منفصلتين؟"

"هناك غرفتان منفصلتان، تحتوي كل واحدة منهما على سرير وخزانة، بالإضافة إلى حمام واحد واسع. وإذا أردت، يمكنني أن أريك الغرفة، فلا مشكلة في ذلك."

أومأ نيرامارو-كن برأسه بهدوء.

"فهمت."

ثم التفت إليّ بابتسامة خفيفة.

"إذًا لا توجد مشكلة، صحيح؟"

بقيتُ صامتة.

لم يكن يحاول إقناعي بأي طريقة غريبة، بل كان يعرض الأمر وكأنه مسألة حسابية لا أكثر.

ومع ذلك، بقي شيء واحد يزعجني.

"لكن..."

نظرتُ إليه بتردد.

"ماذا لو حدث شيء؟"

"مثل ماذا؟"

"لا أعرف..."

لم أستطع إكمال الجملة.

تنهد نيرامارو-كن بهدوء.

"إذا كنتِ لا تشعرين بالأمان معي، فلا داعي لأن تفعلي ذلك."

ثم تابع:

"لكن في هذه الحالة، علينا أن نجد فندقًا آخر بسرعة. وكلما تأخرنا، زادت احتمالية ألا نجد غرفة مناسبة أصلًا."

عضضتُ شفتي قليلًا.

كان هذا هو الجزء الذي لم أستطع إنكاره.

لم أكن مرتاحة للفكرة، لكن البحث عن فندق آخر قد ينتهي بنا إلى المشكلة نفسها، وربما بأسعار أعلى.

يا له من موقف مزعج...

وبعد لحظات من التفكير، تنهدتُ باستسلام.

"حسنًا، لا بأس، سأقبل هذا الاقتراح، لكن... إن حاولت فعل أي شيء غريب، فلا تلومني على ما سيحدث."

"حسنًا، حسنًا."

أجابني بهدوء دون الحاجة إلى النظر إلي حتى، وكأن تهديدي لم يكن يستحق كل هذا القلق.

ضيّقتُ عينيّ نحوه.

"لا تقلها بهذه الطريقة."

"كيف؟"

"وكأنك لا تأخذ كلامي على محمل الجد."

"بل آخذه."

ثم أضاف بكل بساطة:

"ولهذا لن أفعل شيئًا غريبًا."

"..."

لم أعرف ماذا أقول له.

في النهاية، لم يكن أمامي خيار أفضل، خصوصًا أننا نحتاج إلى مكان نرتاح فيه الليلة قبل بدء اختبارات الصيادين غدًا.

التفتُّ إلى موظفة الاستقبال.

"حسنًا، سنأخذ الغرفة."

ابتسمت الموظفة وأومأت برأسها.

"بالطبع. سأجهز إجراءات الحجز فورًا، لكن قبل ذلك يجب أن نتأكد من أعماركما."

توقفتُ للحظة.

"أعمارنا؟"

أومأت موظفة الاستقبال، ثم نظرت إلينا بالتناوب.

"نعم. الفندق لديه بعض الإجراءات الخاصة بالقاصرين، لذلك أحتاج إلى معرفة أعماركما أولًا."

"أنا في السادسة عشرة."

أجبتها دون تردد.

ثم التفتت الموظفة إلى نيرامارو-كن.

"وأنت؟"

"السادسة عشرة أيضًا."

رفعت الموظفة حاجبيها قليلًا.

"إذًا أنتما كلاكما دون السن القانوني لاستئجار غرفة بمفردكما."

اتسعت عيناي قليلًا.

كنتُ قد نسيت تمامًا أن مثل هذه الأمور قد تكون مشكلة أيضًا.

لكن نيرامارو-كن لم يبدُ عليه القلق إطلاقًا.

"نحن هنا للمشاركة في اختبارات الصيادين التي ستُقام غدًا."

"اختبارات الصيادين؟"

"نعم."

تغير تعبير الموظفة قليلًا، ثم نظرت إلى سجل الحجوزات أمامها.

"في هذه الحالة، توجد استثناءات للمشاركين في الاختبارات، لكن يجب أن أتأكد من بعض المعلومات أولًا."

تنفستُ الصعداء.

يبدو أن الأمر لن يكون معقدًا بعد كل شيء.

لكن الموظفة رفعت رأسها مجددًا.

"هل تربطكما صلة قرابة؟"

"كـ-"

كدتُ أجيب، لكن في اللحظة نفسها رفع نيرامارو-كن قفا يده ووضعه على فمي.

"مـم؟!"

نظرتُ إليه بدهشة.

ثم أجاب الموظفة بكل هدوء:

"نعم، نحن أبناء عم."

رمشتُ بعيني عدة مرات.

أبناء عم؟!

حدقتُ فيه بنظرة متفاجئة، بينما أبعد يده عن فمي وكأنه لم يفعل شيئًا غريبًا.

تابع حديثه:

"جئنا معًا من منطقتنا للمشاركة في الاختبارات، ولهذا سنقيم في الغرفة نفسها لهذه الليلة فقط."

نظرت الموظفة إلينا للحظات، ثم إلى سجلها مرة أخرى.

"حسنًا. بما أنكما من المشاركين في الاختبارات وبينكما صلة قرابة، فيمكنني إتمام الحجز وفق الإجراءات الخاصة بالمشاركين."

ثم أضافت:

"بقيت الخطوة الأخيرة فقط. تكلفة الغرفة لليلة واحدة هي عملتان ذهبيتان."

أخرجتُ عملة ذهبية من حقيبتي ووضعتها على مكتب الاستقبال.

"هذه حصتي."

أخرج نيرامارو-كن عملة ذهبية أخرى ووضعها بجانب عملتي.

"وهذه حصتي."

نظرت الموظفة إلى العملتين، ثم أخذتهما وأومأت برأسها.

"حسنًا، تم الدفع."

ثم سلمتنا مفتاح الغرفة.

"غرفتكما هي 315."

أخذ نيرامارو المفتاح.

"شكرًا لك."

أما أنا، فبقيت أحدق فيه بصمت.

ما إن ابتعدنا عن مكتب الاستقبال بضع خطوات حتى اقتربتُ منه وهمست بغضب:

"لماذا قلت إننا أبناء عم؟!"

نظر إليّ بهدوء.

"لأنها سألت إن كانت بيننا صلة قرابة."

"وكان بإمكاني الإجابة!"

"كنتِ ستقولين الحقيقة."

"بالطبع!"

"وهذا كان سيعقد الإجراءات."

"كيف ذلك؟"

"لأنها كانت ستضطر إلى التأكد من وجود استثناء يسمح لشخصين في مثل عمرنا باستئجار غرفة معًا، وربما كانت ستطلب وثائق إضافية أو ترفض الحجز حتى تتأكد من الأمر."

صمتُّ للحظة.

"لكنها قالت إن هناك استثناءات للمشاركين في الاختبارات."

"صحيح، لكنها لم تكن قد قررت بعد إن كانت تنطبق علينا. لم أرغب في إضاعة الوقت بالمجادلة معها."

نظرتُ إليه بضيق.

رغم أن طريقته في التصرف كانت مستفزة، إلا أن منطقه كان مفهومًا.

"كان بإمكانك على الأقل أن تخبرني قبل أن تقول إننا أبناء عم."

"لم يكن لدي وقت."

"بل كان بإمكانك أن تهمس لي."

"كنتِ ستتكلمين قبل أن أفعل."

"..."

لم أجد ردًا مناسبًا.

يا له من شخص...

ثم أشار إلى الدرج.

"هيا، لنضع أمتعتنا أولًا. لا يزال علينا الذهاب إلى مركز التسجيل."

تنهدتُ وأنا أتبعه.

ليلة واحدة فقط.

غرفة واحدة، لكن غرفتا نوم منفصلتان.

وغدًا تبدأ اختبارات الصيادين.

حاولتُ إقناع نفسي بأن الأمر لن يكون بهذه الصعوبة...

لكنني لم أستطع التخلص من شعور غريب بأن هذه اليوم سيكون أطول مما أتوقع.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صياد الشياطين

المؤلف Abood Obidat
2026/08/23 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة