الفصل الأوّل- الجزء الأول
---
ميساكي رينا
منذ فجر التاريخ، كانت الحرب بين البشر والشياطين حقيقة لا تتغير، صراعًا لا يعرف النهاية، تتعاقب فيه الأجيال بينما يبقى العدو نفسه.
سقطت ممالك، واندثرت حضارات، وسالت دماء لا تحصى، ومع ذلك لم تنطفئ شعلة المقاومة يومًا، لأن استسلام البشرية لم يكن يعني الهزيمة فحسب... بل فنائها.
فالشياطين لم تكن تسعى إلى احتلال الأراضي أو فرض سيطرتها على الممالك، بل كانت ترى البشر مصدرًا لقوتها. فكلما التهم شيطانٌ إنسانًا، تضاعفت قوته وازدادت قدراته، حتى إن بعض الشياطين التي عاشت لقرون أصبحت كوارث تمشي على الأرض، قادرةً على محو مدنٍ كاملة من الوجود.
ولم يكن ذلك مصدر تفوقهم الوحيد، فأعدادهم كانت تفوق أعداد البشر بأضعاف، كما أن أعمارهم الطويلة منحتهم خبرةً قتالية تراكمت عبر مئات السنين.
ولهذا، لم يكن الإنسان العادي يملك أي فرصة أمام شيطانٍ مخضرم.
لكن البشرية لم تُترك وحدها في مواجهة ذلك الظلام.
فمنذ القدم، ظهرت كائنات أسطورية تُعرف باسم وحوش الآنا.
لم تكن تخضع لأحد، ولم يكن أحد يعرف أصلها أو سبب وجودها. كانت تختار أطفالًا من البشر بإرادتها، وتمنحهم جزءًا من قوتها، لينشأ بينهما رابطٌ فريد يزداد قوةً مع مرور الزمن.
أما أولئك الذين ينجحون في إتقان هذه القوة بعد سنواتٍ من التدريب، فيصبحون الصيادين... السيف الذي يحمي البشرية، والخط الفاصل بين بقاء البشر وسقوطهم في ظلام الشياطين.
هم الأمل الأخير للبشرية.
لكن لا يمكن لأي شخص أن يصبح صيادًا بمجرد حمل هذه القوى.
البداية تكون عندما تختاره إحدى وحوش الآنا، فتمنحه جزءًا من قوتها، لتنشأ بينهما رابطة لا تتكرر مع أحدٍ آخر.
بعد ذلك يبدأ طريقٌ طويل من التدريب والاختبارات، فالقوة وحدها لا تكفي. على المرشح أن يتعلم السيطرة على قوة وحش الآنا، وأن يصقل مهاراته في القتال حتى يصبح قادرًا على مواجهة الشياطين.
وعندما يجتاز جميع الاختبارات، يُعترف به رسميًا كصياد.
منذ تلك اللحظة، يصبح مسؤولًا عن حماية البشر، والقضاء على الشياطين، والدفاع عن الممالك في مواجهة كل تهديد.
ولهذا... كان الصيادون بالنسبة لجميع الناس أبطالًا.
أما بالنسبة لي... أنا ميساكي رينا.
فهم الحلم الذي أسعى إليه منذ سنوات.
طالما أردت أن أصبح صيادة.
أريد أن أقاتل الشياطين، وأن أحمي الأبرياء من المصير الذي حصد أرواح عددٍ لا يُحصى من البشر.
أريد أن أكون الشخص الذي يقف في وجه الظلام عندما يعجز الآخرون عن ذلك.
لكن... إن قلت إن هذا هو السبب الوحيد، فسأكون أكذب على نفسي.
هناك هدفٌ آخر أخفيه في أعماقي.
أريد أن أصبح واحدةً من أفضل الصيادين في العالم.
ليس من أجل الشهرة، ولا من أجل الألقاب، بل لأنني أؤمن أنه إذا أصبح اسمي معروفًا في كل أنحاء القارة، فسيصل حتمًا إلى الشخص الذي أبحث عنه.
أخي راين.
لا أعلم أين هو الآن، ولا إن كان لا يزال يتذكرني بعد كل هذه السنوات، لكنني لم أتوقف يومًا عن الإيمان بأننا سنلتقي مجددًا.
وعندما يأتي ذلك اليوم... أريده أن ينظر إليّ بفخر، لا كالأخت الصغيرة التي كانت تعتمد عليه، بل كصيادة استطاعت أن تشق طريقها بنفسها، وتصبح شخصًا يستحق أن يبتسم له.
لهذا... لن أتراجع مهما كان الثمن.
---
فتحت عيني على صوت صفير القطار، فوجدت ضوء الصباح قد تسلل إلى العربة وأغرق المقاعد بضوء ذهبي هادئ.
للحظة، نسيت أين كنت، ثم تذكرت الرحلة التي بدأت منذ ساعات طويلة، فاعتدلت في مقعدي ونظرت من النافذة.
كانت المناظر قد تغيرت تمامًا. اختفت القرى الصغيرة التي مررنا بها في الصباح، وحلت محلها طرق واسعة ومبانٍ أكثر كثافة، وبدأت أبراج عالية تظهر في الأفق وتزداد وضوحًا مع اقتراب القطار.
وعلى امتداد الأرض، كان نهر طويل يشق طريقه بين الحقول، يلمع سطحه تحت أشعة الشمس وكأنه يرسم الطريق إلى العاصمة.
ابتسمت دون أن أشعر.
أستيريا... عاصمة مملكة إيريديان، والمدينة التي ستبدأ فيها رحلتي كصيادة.
لا أصدق أنني سأصل إلى هناك قريبًا لتحقيق حلمي.
بقيت أراقب الأبراج البعيدة للحظات، متخيلة كل ما ينتظرني هناك.
كيف ستكون العاصمة؟ كم عدد الصيادين الذين سألتقي بهم؟ وهل سأتمكن فعلًا من تحقيق هدفي؟
كانت عشرات الأفكار تدور في رأسي، حتى قطعها صوت امرأة جاء من مكان قريب.
"هل أنتَ بخير؟"
التفتُّ نحو الصوت.
كان صوت إحدى مضيفات القطار. تقف بجانب أحد المقاعد، حيث جلس فتى شاب بدا عليه التعب الشديد.
انحنت قليلًا نحوه، وقد بدا القلق واضحًا على وجهها.
"هل تحتاج إلى شيء؟ بعض الماء ربما؟"
نظرت إليه من مقعدي.
كان من الواضح أن الفتى لا يشعر بخير. بشرته شاحبة، وعيناه تتحركان بلا توقف، حتى بدا وكأن العالم من حوله يدور فعلًا.
أما أكثر ما لفت انتباهي فيه، فكان شعره البرتقالي وعيناه باللون نفسه، وهو لون جعل ملامحه أكثر تميزًا وسط ركاب القطار.
رفع رأسه ببطء، وحاول أن يركز نظره على النادلة، لكنه سرعان ما أغلق عينيه من جديد.
"أنا... بخير."
لم تبدُ المضيفة مقتنعة بكلامه.
"لا تبدو بخير إطلاقًا."
ابتسم الفتى ابتسامة خفيفة، محاولًا أن يبدو طبيعيًا رغم شحوب وجهه.
"لا مشكلة... على ما أظن أنني مصاب بدوار الحركة."
نظرت إليه باستغراب.
"على ما تظن؟ ألم تكن تعلم ذلك مسبقًا؟"
"لا، فهذه أول مرة لي أركب فيها قطارًا."
"هكذا إذن..."
سكتت للحظة، ثم نظرت حولها قبل أن تعود إليه بنظرها.
"لكن ألا يوجد أحد معك؟ والداك، أو أحد أصدقائك؟"
"لا... ركبت القطار وحي-"
قبل أن ينهي جملته، تغيرت ملامحه فجأة، ووضع يده على فمه بعدما اشتد شعوره بالغثيان.
اتسعت عينا المضيفة، فأمسكت بالكأس بسرعة.
"انتظر قليلًا! سأحضر لك كوبًا من الماء."
ثم أسرعت نحو عربة الخدمة، بينما بقي الفتى في مقعده يحاول أن يتمالك نفسه.
راقبتُ المشهد بصمت، لكن لم أستطع منع نفسي من الابتسام.
كان شعره البرتقالي مبعثرًا قليلًا، وعيناه البرتقاليتان تتحركان بشكل حلزوني، وكأنهما جزء من لعبة مضحكة مرسومة بعناية.
لسبب ما، شعرتُ بأن منظره بدا مضحكًا نوعًا ما.
بعد لحظات، عادت مضيفة القطار وهي تحمل كوبًا من الماء، ووضعته أمامه.
"تفضل، لكن اشرب ببطء، وحاول أن ترتاح حتى نصل إلى العاصمة."
أمسك الفتى بالكوب.
"شكرًا لك..."
وما إن رفع الكوب نحو فمه حتى اهتز القطار فجأة، فارتجفت العربة للحظة.
"أوه-!"
أمسكت المضيفة أحد المقاعد بقوة حتى لا تسقط من الاهتزاز.
أما الفتى... فانسكب الماء بالكامل على وجهه وملابسه.
بقي للحظة جامدًا في مكانه، والماء يقطر من شعره البرتقالي ووجهه، بينما اتسعت عيناه البرتقاليتان في صدمة.
وضعت يدي على فمي، محاولة جاهدةً ألا أضحك.
أما الموظفة، فحدقت فيه للحظة قبل أن تتنهد.
"أظن أنني سأحضر لك منشفة أيضًا."
"لا أرى بأن لذلك فائدة..."
"هاه؟ لماذا؟"
نظر إليها الفتى بعينين نصف مغمضتين، ثم قال بصوت خافت:
"لقد... قُضيَ عليّ... تمامًا."
وما إن أنهى جملته حتى مال رأسه إلى الجانب، وأغلق عينيه، ثم انسدح بجسده على كامل المقعد.
حدقت فيه النادلة لثوانٍ، ثم قالت بذهول:
"أيها الفتى؟! هل أنت بخير؟!"
لم يجب.
بقي نائمًا في مكانه، مبللًا بالكامل، وكأن روحه قد غادرت جسده قبل أن نصل إلى العاصمة.
هذا الاهتزاز قضى عليه بالكامل حقًا.
تنهدت.
لم أعتقد يومًا أن دوار الحركة قد يجعل الشخص يفقد وعيه هكذا، إلا إن كانت حالته خاصة.
بدأ بعض الركاب القريبين يلتفتون نحوهم، بعدما جذب صوت المضيفة انتباههم.
"ماذا حدث؟"
"هل أُغمي عليه؟"
نهض رجل من مقعده واقترب قليلًا، بينما بدأت امرأة تجلس في الجهة المقابلة تنظر إليه بقلق.
"هل يحتاج إلى طبيب؟"
نظرت المضيفة حولها بتوتر.
"لا أعلم... كان يعاني من دوار الحركة، لكنه فقد وعيه فجأة."
ازدادت الهمسات في العربة.
بعض الركاب أطلوا من مقاعدهم ليروا ما يحدث، بينما اقترب آخرون بحذر.
كان الوضع قد خرج عن السيطرة.
وقفتُ من مقعدي واقتربت منهم بهدوء.
"لا حاجة للقلق، سيكون بخير."
قلت ذلك بصوت مرتفع قليلًا حتى يسمع الجميع، ومظهرة ابتسامة خفيفة على وجهي لمحاولة طمأنتهم.
"ومن تكونين يا صغيرة؟"
صغيرة؟!
هل نعتني ذلك الرجل بالصغيرة لتوه؟!
قد أكون قصيرة قليلًا، لكن هذا لا يعني أنني صغيرة!
عمري ستة عشر عامًا، أي لم يتبقَ سوى عامين حتى أبلغ سن الزواج القانوني! فكيف ينعتني بالصغيرة؟
...مهلًا، لماذا أشعر أني أدافع عن نفسي أكثر من اللازم؟!
وإلى من أوجه هذا الكلام أصلًا...؟
هززت رأسي بسرعة محاولةً طرد الفكرة من رأسي.
لا يهم.
الأهم الآن هو هذا الفتى.
عدت بنظري إليه، فوجدته لا يزال فاقدًا للوعي، بينما كانت النادلة تراقبه بقلق.
"اسمي ميساكي، ميساكي رينا... ثم إنني لست صغيرة."
ابتسم الرجل بسخرية، رافعًا يديه إلى مستوى كتفيه.
"هه، هذا ما يقوله الصغار دائمًا."
قررتُ تجاهل رده والاقتراب من الفتى أكثر، حتى وقفت أمامه مباشرة.
كان لا يزال غارقًا في النوم على الكرسي، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الإرهاق والانزعاج، بينما تناثرت قطرات الماء على بشرته واختلطت بعرقه.
حتى وهو فاقد الوعي، كان لا يزال يشعر بالانزعاج من دوار الحركة.
وضعتُ يدي خلف أذن الفتى، وأغمضت عيني للحظة، مركزةً طاقتي في تلك المنطقة.
لم تمضِ سوى لحظات حتى تشكلت فوق كفي كرة صغيرة من الماء، مائلة إلى الخضرة، تدور ببطء حول يدي.
انفصلت منها خيوط مائية دقيقة، تسللت إلى داخل أذنه حتى وصلت إلى موضع الجهاز الدهليزي.
"هذا... هل يمكن بأنكِ صيادة؟!"
كان صوت المضيفة مرتجفًا من شدة الدهشة، وبدأ الركاب الآخرون يطلقون همهمات مختلفة غير مصدقين ما يرون.
"ليس بعد."
توقفتُ للحظة، ثم أضفت:
"لكن أنوي أن أصبح كذلك."
"هذا لا يعقل! كيف يمكن لصغيرة مثلك أن تكون بهذا المستوى من التحكم بالآنا؟!"
علق الرجل بدهشة هو الآخر.
وبعد لحظات، انتهيتُ من تنظيم المستقبلات الدهليزية لدى الفتى، ثم سحبتُ طاقتي تدريجيًا.
ومن ثم التفتُ إلى ذلك الرجل المزعج ونظرت إليه بجدية غير معتادة.
"قبل أن أجيبك على هذا السؤال... هل تستطيع إخباري أولًا كيف لا يمكن لبالغ مثلك أن يتحكم بآناه مثل الصغيرة التي أمامك؟"
تجمدت تعابير الرجل، وأبعد نظره عني محاولًا إيجاد الكلام المناسب في هذا الوضع.
"في الواقع..."
قمت بمقاطعة كلامه بسرعة، وقلت له بكل ثقة:
"في الواقع، أستطيع استشعار الآنا الخاصة بك بوضوح. وهذا يعني أنك من مستخدمي الآنا، لكنك لا تجيد استخدامها، أليس كذلك؟ إن كان الأمر كذلك، فأرجو ألا تناديني بالصغيرة مجددًا."
ساد الصمت للحظات.
بدا الرجل وكأنه لم يتوقع كلامي، فظل ينظر إليّ بصمت قبل أن تتغير ملامح وجهه، ثم تنهد وخفض رأسه قليلًا.
"أعتذر."
كانت نبرته مختلفة هذه المرة، خالية تمامًا من السخرية أو الاستعلاء.
"لقد أخطأت في الحكم عليكِ، ولم يكن من الصواب أن أقلل من شأنكِ لمجرد صغر سنكِ."
رفع رأسه ونظر إليّ بجدية.
"لن أناديكِ بالصغيرة مجددًا."
ابتسمت له ابتسامة لطيفة.
"لا بأس إذًا، أتفهم ذلك."
ثم أملت رأسي قليلًا، قبل أن أضيف بنبرة هادئة:
"وأنا أيضًا أعتذر. ربما كنتُ قاسية في ردي، ولم يكن من اللائق أن أتحدث معك بتلك الطريقة."
خفضت عيني للحظة، ثم رفعت نظري إليه مجددًا.
"لذلك... أعتذر عن قلة احترامي ومبالغتي في ردة الفعل يا سيدي."
"آه، لا بأس أيضًا."
وقبل أن أقول شيئًا آخر، سمعت صوتًا خافتًا قادمًا من المقعد.
التفتُّ نحوه.
تحرك الفتى قليلًا، ثم عبس وهو يفتح عينيه ببطء.
يبدو أنه بدأ يستيقظ.
"أمي..."
كانت أول كلمة خرجت من فمه، بصوت خافت مشوش.
هل كان يحلم بوالدته أثناء فقدانه الوعي؟
ظللتُ أراقبه بصمت، بينما رفع يده إلى رأسه وكأنه يحاول استيعاب ما يحدث حوله.
"أين... أنا؟"
خرج صوته ضعيفًا ومشوشًا.
نظرتُ إلى المضيفة، ثم إلى الرجل، قبل أن أعود بنظري إليه.
يبدو أنه لم يدرك بعد أن جميع الأنظار كانت متجهة نحوه.
اقتربت منه خطوة.
"هل تشعر بتحسن؟"
رفع الفتى عينيه نحوي.
مما جعل عيناي تلتقي بعينيه للحظة، وعندها فقط أدركت أن عينيه تبدوان أجمل مما ظننت عندما كنت أراه من المقعد، وربما كان قربه قد جعلني ألاحظ تفاصيل لم أنتبه إليها.
أبعدت نظري عنه بسرعة، وانشغلتُ بالنظر إلى الجانب دون سبب واضح.
"من أنتِ؟"
أعدتُ نظري إليه، وقد بدا أن وعيه بدأ يعود إليه شيئًا فشيئًا.
"اسمي ميساكي، لقد كنتَ تعاني من دوار الحركة بشكل سيء، ثم فقدت وعيك. لذلك ساعدتك على التخلص من ذلك الدوار المزعج حتى ولو بشكل مؤقت، لكن يبدو أنك بخير الآن."
"دوار الحركة؟"
كرر الفتى الكلمة وكأنه يحاول استرجاع ما حدث.
وفجأة، اتسعت عيناه وكأن شيئًا ما تذكره للتو.
"آه!"
تغيرت ملامحه بالكامل، وارتسمت على وجهه ابتسامة مشرقة.
"أنتِ... أنتِ ساعدتني؟!"
وقبل أن أتمكن من الإجابة، مد يديه وأمسك بيدي بكلتا يديه فجأة.
"شكرًا جزيلًا لكِ!"
حدق بي بعينين مليئتين بالامتنان، ثم تابع بحماس واضح:
"حقًا شكرًا لكِ! لا أصدق أن ذلك الدوار اختفى أخيرًا بعد كل هذا الوقت! لن تصدقي حجم المعاناة والجحيم الذي عشته خلال تلك الساعات الطويلة. أنا ممتنٌ كثيرًا لكِ حقًا!"
تفاجأت من ردة فعله المفاجئة، وبقيت للحظة أحدق فيه دون أن أعرف كيف أجيبه.
"...لا داعي لكل هذا."
قلت ذلك بهدوء، ثم أشرتُ بنظري إلى المضيفة والركاب حولنا.
"إن كنت تريد شكر أحد فلا تنسَ أن تشكرهم أيضًا."
تبع الفتى نظرتي، فرأى النادلة واقفة بالقرب منا، وعددًا من الركاب الذين كانوا لا يزالون يتابعون ما يحدث بفضول.
"لقد كانوا قلقين عليك عندما فقدتَ وعيك."
ثم أعدتُ نظري إليه.
"لذلك، اشكرهم بدلًا مني."
نظر الفتى حوله للحظات، وكأنه لم ينتبه إلى وجود كل هؤلاء الأشخاص من قبل.
بدت على وجهه الدهشة، ثم اتسعت ابتسامته مجددًا.
أفلت الفتى يدي، ثم نهض من مقعده.
عندها فقط أدركتُ أنه كان يمسك بيدي طوال ذلك الوقت.
توقفتُ للحظة، ونظرتُ إلى يدي دون أن أشعر، ثم شعرتُ بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجهي.
لماذا شعرتُ بالحرج؟!
إنه مجرد فتى أمسك يدي بعفوية، حتى إنه لم يبدُ وكأنه أعطى الأمر أي أهمية... فلماذا إذًا ما زلتُ أشعر بهذا الإحراج؟!
حاولت تجاهل الأمر، وراقبتُ الفتى الذي بدا أنه استعاد حيويته بالكامل، فقد وقف أمام المضيفة والركاب بابتسامة صادقة، ثم خفّض رأسه قليلًا وأغمض عينيه للحظة، وكأن تلك الحركة كانت طريقته الخاصة في إظهار امتنانه.
"أعتذر منكم جميعًا على الإزعاج الذي سببته لكم، وأشكركم على قلقكم واهتمامكم بي. أنا ممتن حقًا لهذا."
رفع رأسه مجددًا، وفتح عينيه، ولا تزال الابتسامة على وجهه.
تبادل بعض الركاب النظرات، ثم ابتسم أحدهم ولوّح بيده.
"لا مشكلة، المهم أنك بخير."
أومأ الفتى بابتسامة مشرقة.
"شكرًا لكم."
راقبته بصمت.
من المدهش كيف انتقل من شخص بالكاد يستطيع فتح عينيه قبل لحظات إلى هذا النشاط كله.
يبدو أنه تعافى تمامًا.
وبينما كنت أراقبه، انطلق صوت المذيعة عبر مكبرات الصوت في العربة:
"السادة الركاب، نحن على وشك الوصول إلى محطة أستيريا المركزية، عاصمة مملكة إيريديان. بعد بضع دقائق، نرجو منكم الالتزام بمقاعدكم حتى الوصول..."
يبدو أننا أوشكنا الوصول.
عدتُ إلى مقعدي، وألقيتُ نظرة أخيرة من النافذة، حيث بدأت معالم العاصمة بالظهور من بعيد.
وأخيرًا... سأخطو أول خطوة لهدفي!