الليلة السوداء

الليلة السوداء

3 0

المقدمة

---

تلك الليلة، هطل المطر على قرية ثيرين بهدوءٍ متواصل، بينما كانت قطراته تنقر أسطح المنازل الحجرية والأسقف الخشبية بإيقاع رتيب. ابتلت الشوارع المرصوفة بالحصى، وانعكست عليها أضواء النوافذ القليلة. وبين الحين والآخر، كان وميض برقٍ خافت يشق السماء، يتبعه دويُّ رعدٍ بعيد لا يلبث أن يتلاشى في الأفق. هبت ريح باردة من الشرق، فتمايلت أغصان الأشجار واهتزت أضواء مصابيح الشوارع المنعكسة على الطرق المبتلة، بينما خيم سكون الليل على القرية، ولم يبقَ سوى خرير المطر وصوت الرعد البعيد.

كان هناك فتى دون الثامنة من عمره يركض. حذاؤه يغوص في الماء مع كل خطوة، وملابسه المبتلة تلتصق بجسده. كان يلهث، وأنفاسه البيضاء تتلاشى في الهواء البارد. المطر يضرب وجهه فيجبره على التحديق بعينين نصف مغمضتين.

"يا الهي!... لقد تأخرت كثيراً... لا أصدق بأني قد نمت داخل المكتبة طوال هذا الوقت! أمي ستكون قلقه علي كثيرا إن لم أسرع."

انزلقت قدمه على حجر مبلل، فسقط بقوة.

"آااه...!"

ارتطمت ركبته اليمنى بالحصى الخشن، فانشق الجلد وتدفق دم رقيق اختلط بمياه المطر. شعر بوخز في كفه عندما حاول أن يسند نفسه، فوجد جرحًا سطحيًا تنزف منه قطرات حمراء سرعان ما ذابت في الماء.

"ايت..ايت...ايت... لا وقت للألم الآن."

نهض مسرعًا متجاهلًا الألم، لكن الجرح أصبح أكثر وضوحاً مع كل خطوة، كأنهُ يفتح نفسه مجدداً كلما ثنى ركبته.

"يجب ان أصل بسرعة إلى المنزل!"

مع مرور دقائق قليلة ترك خلفه آخر بيوت المدينة، وتوجه نحو التلة الصغيرة شرقاً، حيث يقف منزله وحيداً، محاطاً بأشجار البرتقال القديمة، بعيداً عن الجيران والطرقات العامة.

"لقد وصلت أخيرًا!"

اقترب من الباب. توقف للحظة، يلهث، يضع يده على ركبتيه من التعب.

نظر إلى النافذة من مكانه، فاستبدّ به القلق.

لماذا الأضواء مطفأة؟... عادةً تكون مضائة دائما حيثما أعود.

وضع يده نحو مقبض الباب وقام بدفعه بهدوء، ودخل إلى الداخل.

"لقد عدت..." قال بصوتٍ مرتفع وتظهر على وجهه ابتسامة لطيفة، "اعتذر عن التأخر بشدة لكنني غفيت في المكتبة دون أن أشعر."

ضغط على مفتاح المصباح عدة مرات، لكنه لم يعمل، فتبدلت ابتسامته بملامح قلق.

"هل تعطل المص-"

حينما نظر أمامه، قطع كلامه ضوء القمر الذي تسلل إلى الداخل.

هناك... في منتصف الصالة...

رأى والدته ملقاة على الأرض، ذراعاها ممدودتان كأنها حاولت الزحف. بقعة دم حمراء تتسع تحت جسدها، تخرج من جرح في صدرها. عيناها مفتوحتان، تنظران إلى السقف، لكنهما لا ترى شيئاً.

"أمي؟!"

اقترب راكضًا، وجثا بجانبها، أمسك بيدها وهزها.

"أمي! استيقظي!"

لم تستجب.

جسدها كان باردًا.

لامست يده الدم، فتجمد في مكانه.

"لا... لا..." همس بصوت مكسور.

نظر إلى جرحها، إلى وجهها، إلى عينيها المغلقتين.

"أمي... لا... أرجوكِ استيقظي..."

وفجأة، شعر بثقل في الغرفة. حسّ بوجود شيء خلفه. التفت ببطء.

كان هناك رجل. طويل، يقف في زاوية الغرفة، يراقبه بصمت. عيناه برتقاليتان تتوهجان في الظلام، كجمرتين مشتعلتين.

في يده سيف طويل، كان يتخذ شكل طائرٍ مهيب يشبه العنقاء، وأجنحته تمتد على امتداد النصل وكأنها تحترق في صمت. قطرات الدم كانت تنزلق عليه كما لو أنها تذوب قبل أن تسقط.

لم يصرخ. لم يستطع. صوته مات في حلقه. لكن عينيه، عيناه الصغيرتان اللتان تشبهان عيني الرجل بشكلٍ مريب، كانتا تحدقان إليه وكأنه يريد أن يحرقه بنظراته.

"مـن... أنت؟" خرجت الكلمات مرتجفة من بين شفتيه.

الرجل لم يتكلم. فقط أدار رأسه قليلاً، كأنه يتأمل الفتى، كأنه فضولي ليرى ما سيفعل.

نهض ببطء. رجفاته كانت واضحة. دم ركبته كان يسيل على الأرض، تاركاً أثراً خلفه.

"هل انت من فعل ذلك بها؟!" صوته ارتفع، لكنه كان مكسوراً، كطفل يحاول أن يكون شجاعاً.

الرجل حدق به بصمت.

"هيا أجب!!!" أصبح صوته أكثر حدة.

صمتٌ قصير قبل أن يتكلم الرجل أخيرا.

"ألا تستطيع معرفة ذلك؟... نعم أنا من قتلتها."

في تلك اللحظة، انفجر الغضب داخله.

اندفع نحوه دون تفكير.

لكن الرجل تحرك في لحظة واحدة فقط.

ركلة سريعة ومباشرة استقرت في معدته.

توقف العالم لثانية.

اتسعت عينا الفتى، وانحنى جسده للأمام بقوة، ثم طرح إلى الخلف بعنف واصطدم بالحائط.

سقط أرضًا وهو يلهث، يحاول إدخال الهواء إلى صدره الذي انغلق فجأة، لكن الألم كان يقطع أنفاسه.

رفع الرجل نظره إليه بهدوء بارد.

"هل انتهيت بهذه السرعة؟"

حاول الفتى أن ينهض من جديد.

"سوف... أقتلك..." همس بصوت متقطع، كلمات بالكاد تخرج من حلقه.

ارتعشت يداه وهو يضغط على الأرض، وكأنها لم تعد تطيعه. جسده كله كان يرفض الوقوف، لكنّه شدّ على أسنانه، ورفع نفسه ببطء شديد، مترنحًا وكأنه يحمل وزنًا لا يُحتمل.

"آه..."

خرجت منه أنّة مكتومة وهو يثبت قدمه أولًا، ثم الأخرى، لكنه كاد يسقط مجددًا. تمايل جسده للحظة، قبل أن يستعيد توازنه بصعوبة.

رفع رأسه ببطء.

عيناه كانتا غارقتين بالغضب، رغم الألم الذي يشد صدره ويكسر أنفاسه.

"سأقتلك... سأقتلك... سأقتلك... سأقتلك..."

اتسعت حدقتاه فجأة، وكأن شيئًا داخله انكسر تمامًا.

توقّف لحظة قصيرة... صمت فيها كل شيء داخله.

ثم انفجر.

"أقسم... سأقتلكككك!!"

صرخ بأعلى ما يملك من قوة. صرخةٌ اخترقت صمت المنزل، كأنها آخر ما تبقى له من شجاعة.

اندفع للأمام دون أي تفكير، جسده يتجاوز الألم كأنه لم يعد موجودًا.

ركض نحوه بكل ما تبقى فيه من قوة، خطواته غير ثابتة، لكنها تزداد سرعة مع كل ثانية، وكأن الغضب وحده هو ما يدفعه إلى الأمام.

"هذا يكفي الآن."

أغمض عينيه للحظة، كأن الصراخ يزعجه. ثم فتحهما ببطء.

وفجأة، شعر الفتى بثقل هائل يضغط على جسده. لم يستطع الوقوف. انبطح أرضاً بقوة، وكأن يداً عملاقة سحقت ظهره. الأرضية الباردة تحت خده، والدم الذي لطخ يديه، ورائحة أمه التي ما زالت عالقة في الهواء. جسده كله مرتجف، وعظامه تؤلمه من ذلك الضغط.

"يا للضعف..." قال الرجل بصوت بارد، يتقدم خطوة.

رفع رأسه بصعوبة بالغة. عيناه ملتهبتان، دموعه تنهمر على الأرض. نظر إلى أمه ملقاة هناك، إلى الدماء التي ما زالت تتسع، إلى عينيها اللتين لا ترى.

أنا... لا أستطيع حتى حمايتها...

مد الرجل يده، وبدأ ضوء برتقالي يتجمع في كفه، يتوهج بقوة وحرارة. الفتى شعر بالحرارة تلسع وجهه، ورأى الضوء يكبر. حاول أن يتحرك، أن يهرب، لكن جسده كان مشلولاً تحت ذلك الثقل.

لماذا... لماذا حصل هذا؟ ما الذي فعلته لأستحق كل هذا؟ هل هذا بسبب تأخري؟ هل... أنا أحلم؟

أسئلة تتزاحم في رأسه كأمواج لا تنتهي.

أنا فقط... كنت أحاول أن أساعد الجميع... هل كان هذا خطأ؟

لكن الكلمات ضاعت في ظلمة قلبه عندما ظهر شريط حياته البآئس أمام عينيه.

هذا صحيح... حياتي... وجودي هنا... كُلَهُ خطأ...

ومع آخر شعاع من الأمل المفقود، حاول أمساك يد أمه بصعوبة، حتى مع احتراق جلده من الحرارة المنبعثة من تلك الطاقة القاتلة...

لا أريد... أن أموت... أمي...

أطلق الرجل الطاقة البرتقالية نحو الفتى، وقبل أن تصل إليه اختفت فجأة في الهواء، ليخيم صمتٌ ثقيل على المكان.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صياد الشياطين

المؤلف Abood Obidat
2026/08/23 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة