لم اراجع الاخطأTT
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"
("لا تنسوا متابعة الحساب، والتصويت والتعليق بين الفقرات، أحب أسمع رأيكم")
2023/6/6
تداخلت رائحة الأمونيا اللاذعة مع الرائحة المعدنية الثقيلة للدم في ردهة الطوارئ، وسط طنين خافت لأجهزة المراقبة الطبية المتوزعة في شتى الاتجاهات
انفتح الحاجز الزجاجي آلياً ببطء ليلج من خلاله شابان، أحدهما يجر خطاه بوهن وقد ارتسم الألم على تقاسيم وجهه، ويده معتصرة خصره بقوة رغم ارتجافها الشديد كان قميصه الأبيض قد تلوث ببقع قرمزية أخذت تتناثر على الأرض، وجبينه يتصبب عرقاًكان يجر قدمه بخوار شديد، ملقى بكامل ثقله على رفيقه، وكان جسده قد استسلم تماماً للجاذبية، و أنفاسه متهدجة ومتقطعة، والآخر يصارع الزمن لإنقاذ رفيقه كانت ذراع المصاب تتدلى على كتفه كحبل مرتخٍ، بينما يحكم قبضته على جسد المصاب ليمنعه من الانهيار محاولاً موازنة خطواتهما المتعثرة، بارزةٍ عروق رقبته من فرط الإجهاد بينما يطمئن رفيقه بأن كل شيء سيكون بخير، ساعياً للفت انتباهه كي لا يفقد وعيه
"ريمن، افتح عينيك... لا تخذلني الآن!!"
تفجر صوت أحدهما مرتجفاً مهدداً صديقه، رفع المصاب رأسه ببطء ناحية رفيقه:
"أنت تشد قبضتك بقوة... أيها المتدرب الفاشل"
تأججت الحمم داخل المقصود غضباً، هو يصر على استفزازه حتى وهو بهذا الحال، تصادمت مقلتاهما ببعض، وكان منظرهما لا ينبئ بخير بالنسبة للكادر الطبي، أحد أطباء هذا الصرح الطبي المشهور بافتعاله للمشاكل أتى ليتشاجر في مكان عملهمبينما كانت الردهة هادئة على غير عادتها، فجر صوت هذين الاثنين انتباه الممرضين والأطباء في المكان، وكانا على وشك الانفجار ببعضهما كبركانين هائجين، تقدم أحد الممرضين مساعداً الشاب فكسر حدة النظرات كجدار فاصل بينهما مهدئاً الوضع مؤقتاً، أمسك الممرض بـ "ريمن" ليساند الآخر للوصول إلى أحد الأسرة الفارغة، لينتفض "ريمن" ألماً عندما قام الممرض بإمساكه ليعض على شفتيه كاتماً هذا الألم،وما إن ارتمى جسده على المضجع الشاحب، انطلقت من فاهه آهة مكتومة فجرح خصره لم يكن تمزقاً في الجلد، بل كان كطعنة تنهش أحشاءه مع كل شهيق، استسلم ليد صديقه التي أراحته على الفراش لتصفع رئتيه رائحة المعقمات التي تملأ هذا الفراش المشؤوم برزت ثنيات حادة بين حاجبيه، فهو رغم كونه طبيباً لكنه لم يحب هذه الرائحة مطلقاً، وحتى الدماء التي ملأت قميصه الأبيض يمقتهماأمسك صديقه بقميصه ليكشف عن جرحه ليبدأ بالتعاون مع الطبيب على تعقيمه وخياطته، تناول قطعة من القطن المبللة بمحلول مطهر يتجهز لتنظيف وتعقيم الجرح، لينظر "ريمن" إليه باستنكار ليشتد صوته مع أنفاسه المتقطعة موجهاً الكلام نحو الطبيب المسؤول:
"هل يقوم متدرب بخياطة جرح كهذا؟"
أجاب المتدرب بهدوء وقبضته اشتدت على قطعة القطن وقال بجمود لا يخلو من التعب:
"ارتح.. أنا فقط أقوم بتعقيمه حتى يجهز الطبيب"
معلناً استياءه من صديقه الذي يغتنم كل الفرص للتقليل منهأخذ الطبيب خياطة الجرح، ومع أول غرزة شعر ريمن ببرودة المعدن تخترق لحمه كصاعقة ضربت جسدهوما إن انتهى الطبيب من تضميد الجرح انتزع قفازاته الطبيه وهو ينضر نحو المستلقي" لحسن حضك ان الجرح كان سطحي وبذلك فان التأمه سياخذ أسبوعين في القليل" قال كلماته وأعطى تعليماته المعتاد وما انصرف مبتعداً تاركاً الاثنين بمفردهما، رفع المصاب رأسه محاولاً النهوض متجاهلاً الألم الذي اجتاحه وتعليمات الطبيب، إلا أن الأرض دارت به وشعر بثقل مفاجئ في أطرافه، إلا أن هناك ما أدى إلى إصراره على النهوض ومغادرة المكان مسرعاًرفع يده ممسكاً جرحه بقوة إلى أن يد صديقه امتدت ليجبره على الاستلقاء مجدداً وهو يقطب حاجبيه قائلاً:
"لا تعاند... إن جرحك لم يلتئم بعد"
نظر الآخر له بسخط وهو يعتصر ألماً:
"لا.. أهتم"
ليدفع يده مصراً على النهوض رغم ثقل جسده
"لقد تم القبض عليه..."
تفوه المتدرب وهو يجلس على الكرسي بهدوء واضعاً يده على رأسه ليأخذ نفساً عميقاً متجهزاً لردة فعل الآخراستدار ريمن بصعوبة نحو رفيقه ليفقد توازنه على غرة هل هو حقاً ينهار بسبب مريض؟ هل هو خائف على نفسه أم أنه لا يرغب بتكرار أخطائه؟ نهض الآخر من كرسيه مسرعاً لإمساك ريمن:
"ريمن، لا تحمل نفسك ما لا طاقة لك به"
أخذ يهدئ به وهو يريحه على السرير، لكن ريمن لم يكن في وعيه الكامل، متسائلاً عن شعوره الغريب، ما هذه السكينة الغريبة التي اجتاحته؟ هو تأكد أن هذا الشخص لن يقدم على شيء متهور، لكن هذا لن يستمر وسيخرج عاجلاً أم آجلاًجلس ريمن على حافة السرير وعيناه تسرحان في الفراغ ليقطع شروده صوت رفيقه:
"ريمن..."
انتقلت خضراوياه اللتان بان الاضطراب على محياهما نحو المتحدث، ليس وكأنهما تلك العينين الواثقتين اللتين استهزأتا به، أكمل الآخر مضيفاً:
"كيف تشعر الآن؟"
بينما كان يحاول الحفاظ على ملامحه المتجهمة، فاجأ الآخر "ريمن" بسؤال عن حاله كأن الخصومة لم تكن، فما كان منه إلا أن أطلق ضحكة مصطنعة معترفاً بانهزامه أمام هذا اللطف المفاجئ
"ما هذا التغير أيها المتدرب؟"
بدا الامتعاض على وجه المتدرب ليقترب منه بحدة، هو حتى تجاهل سؤاله تماماً:
"لماذا تستمر بمناداتي بالمتدرب؟ أنا لست متدرباً في قسم الطب النفسي حتى!"
هاج وكان السخط يملأ صوته، تقلصت حدقتا "ريمن" يجهل سبب غضب الآخر منه بسبب كلمة يمازحه بها:
"ران، هل يغضبك حقاً أن أناديك بهذا؟"
استقام قليلاً في جلسته ليضع يده على السرير، ارتخت عينيه وارتفع حاجباه بحنو وهو ينظر إلى صاحبه الذي بدأت أعصابه بالهدوء وهو يتكئ على كرسيه مجداداً، أجابه بمرارة:
"نعم"
أكمل الآخر كاتماً ضحكته:
"ليكن.. أيها المتدرب"
اتسعت عينا رايزن بحنقه:
"أيها الحقير، هل تجد في استصغار الناس متعة؟"
وهو من ظن أنه أخيراً قد تغير، إلا أن رايزن قد أخذ كفايته من التقليل من إمكانيتهدوت قهقهة ريمن العالية في وجه رفيقه المشمئز منه:
"لهذا مات مريضك أيها المعتل"
تفوه رايزن بكلماته بحدة التي أصابت ريمن كسهام مسمومة، ليتصبب جبينه عرقاً وهو يعتصر كفه بشدة مقاومة رغبته الملحة في توجيه لكمة لوجه رفيقه استقام بجلسته بحركة سريعة متجاهلاً الألم والثقل كأنه لم يكن، والنقمة تنهش بداخله لذكره مريضه لسبب تافه وأيضاً لومه على لقائه حتفه، تفجر غضبه قولاً:
"وما دخل مريضي بهذا أيها التافه؟"
زم رايزن شفتيه قبل أن يطلق زفيراً يشبه الضحك بصوتاً جافاً خالياً من أي تعاطف نحو صديقه المضطرب، بالرغم من كون كلماته السابقة انطلقت دون وعي ورغبة منه:
"أنت من سمم عقله باليأس والترهات حتى أوديت به إلى الهلكة"
لم ينبس ريمن ببنت شفة من وقع الكلمات عليه، كان كطعنة غادرة في الظهر شلت تفكيره وألجمت لسانه فلم يستطع الدفاع عن نفسه أو تبرير أفعاله، تصلب جسد رايزن وهو يرى ريمن يحاول التناسي والتماسك بكبريائه الزائف، لينهض مقترباً منه واضعاً يده على كتفه هامساً بصوت يقطر مرارة:
"أنت لا تدرك الكارثة بعد، أليس كذلك؟"
ابتلع ريمن ريقه بصعوبة، ليردف رايزن بقسوة لم يعهدها فيه من قبل:
"لقد تم القبض على شقيقه، والجميع يتحدثون... عن الطبيب النفسي الذي دفع مريضه للانتحار ومحاولات شقيقه المستميتة للانتقام منه، والسكين الذي استقر في خصرك وسط المستشفى كدليل على فشلك"
رفع ريمن رأسه ناحيته وقد بدأت كلمات رايزن بتذكيره بكل ما فعله بذاك المريض:
"أتظن أن المدير سوف يسمح لمثلك بتشويه سمعة مشفاه العريق؟"
أثبت رايزن سوداوية بعيني ريمن المرتعشتين وأكمل:
"أخبرني يا ريمن، كيف ستكمل حياتك الآن؟ وكيف ستنظر في مرآتك بعدما انهار شرفك المهني وأصبحت قصتك على كل لسان؟ لقد انتهيت كطبيب قبل أن يلتئم هذا الجرح حتى"
رفع رايزن يده عن كتف ريمن وتراجع للخلف تاركاً المكان وكلماته التي وجدت مستقرها في فؤاد "ريمن"، جاعلاً إياه يغرق في حقيقة أن الطعنة التي في جسده ليست هي ما سيقتله، بل الفضيحة التي ستلاحق اسمه
**************************************
خرج" رايزن" خارجاً ليتناسى أمر صديقه الطائش محاولاً استنشاق بعض الهواء في حديقة المستشفى الشاسعة، وما إن خطا خطوة خارج المبنى ليرى سيارة مدير هذا المستشفى تتوقف أمامه، ليسعق من مجيئه بهذه السرعة، نظر رايزن لساعة يده ليرى أن الحادثة لم يمر عليها سوى ساعتين كيف قطع مسافة ثلاث ساعات من مكانه بساعتين؟ هل حلق فوق الطريق أم ماذا؟ارتجل المدير من السيارة بحركة سريعة مرتدياً بذلته المرتبة بعناية كعادته، كما لو أنه قد تجهز لمشاكل طبيبه المعتل مسبقاً، لتصطدم زرقاواه بقامة رايزن وثيابه المبعثرة المملوءة بدماء ريمن، ليتفحصه من أخمص قدمه لرأسه بنظرة لم تخلُ من القرف ليجتازه متجاهلاً نظراته له، هرول رايزن خلفه محاولاً اللحاق بخطواته المتباعده، كان عليه تشتيته بأي ثمن عن المخبول "ريمن"، وإلا ستكون هذه نهاية مسيرته المهنية:
"سيدي، كيف أتيت بهذه السرعة؟ ألم تكن في مستشفى الضاحية؟ ظننتك ستشرف عليه اليوم"
انفرج الباب الزجاجي آلياً ليُهندم المدير ربطة عنقه متجاهلاً صوت رايزن الذي بدا أنه لم يهتم لسؤاله، فهو يعرف حركاتهم الدائمة في محاولة تغطية مشاكل بعضهم البعض، ليتجه مباشرة نحو الملاذ الآمن الأخير لريمن، المكان الذي ظن أن المدير لن يقدر على مشاجرته فيه، إلا أنه يبدو من تضاريس وجه المدير التي يملأها الحنق ،بانه قد سأمليهم باتجاه الردهة وصدره يعلو ويخفض بسرعة بينما ابيضت مفاصل أصابعه من شدة الضغط بارزة عروق يده، إذ إنه عازم على طرد هذا السافل، توقف رايزن عند البوابة متنهداً ليهرش رأسه بشدة، لقد أخفق في استبقائه ليكسب رفيقه قليلاً من الوقت ليجمع شتات نفسه أو ليرتاح من جرحهوقف المدير أمام سرير ريمن متأملاً حالته المزرية، ملابسه الطبية التي تملأها الدماء، وجهه المتجهم، لينظر له باستهزاء، لكن رغم وقوفه وقامته المهيبة وعلو ثرثرة الممرضين عن ظهور المدير في الطوارئ وفي هذا اليوم من الأسبوع، لم ينتبه "ريمن" المستلقي على ظهره ناظراً للسقف بشرود، وكلمات رايزن لا تزال تتردد في ذهنههمهم المدير بصوت مرتفع راغباً بلفت انتباه الشارد انتقلت خضراوياه بسرعة نحو الواقف ليحاول ترتيب هندامه وكلماته بسرعة أثناء اعتداله جالساً ممسكاً بخصره، لتستقر نظرات المدير نحو خصره لترتفع إحدى زوايا شفتيه مطلقاً سخريته على ريمن وعلى حظه العاثر الذي جعله يوظف مثل هذا الطبيب الفاشل في مشفاه، اقترب المدير ببطء واستشعر ريمن وطأة خطواته الثقيلة كأنها تمر فوق أعصابهقال المدير بحزم واضعاً كفه فوق كتف "ريمن":
"ريمن، أظن أنه قد انتهى وقتك هنا لم أعد مستعداً للتغطية على حماقاتك أو إصلاح كوارثك"
ليتسمر ريمن في مكانه ويده تعتصر خصره، وتمتم بكلمات متقطعة ساعياً للدفاع عن نفسه:
"أنا..."ليقاطعه المدير عاصراً كتفه بقوة وبصوت هادر كالرعد:
"اصمت! لا أريد سماع المزيد، أنت مطرود...."
أخذ ينظر نحوه بزرقاويه المتوسعة من شدة النقم، ليميل رأسه نحو الأرض متنهداً بعمقمتراجعاً للخلف تاركاً إياه خلفه، لم يفهم ريمن أحداث اليوم التي تداخلت ببعض وتسارع الأحداث وتركهم له بعد صعقه بكلامهم الجارح والمؤذي، وجرحه الذي ينهش جسده، وتفكيره المنصب بشقيق مريضه الذي يلاحقه، والآن طرده من وظيفته!انتصب جسده بهدوء وعيناه فارغتان كمرج أخضر مهجور، لم يكن ذلك السكون سلاماً بل كان جموداً موحشاً، ففقدان وظيفته التي جاهد وعمل شاقاً للحصول عليها بهذه السهولة ليس بأمر هين عليه، أسند جسده على حافة السرير لينهض مستقيماً مع انعواج جسده قليلاً ناحية اليمين باتجاه جرحه فهو لم يجد وقتاً ليلتئم قليلاً، أخذ يعرج ويجر جسده باتجاه الخارج، محاولاً اللحاق بالمدير الذي بدا في عجلة من أمره، فـ "ريمن" قد أربك جدوله، الى ان ريمن كان كالسلحفاة امامه
~أنتهى~
اعطوني رأيكم بالبارت🫣
EINO