03|المجهول

03|المجهول

10 0

إذا كانت لديكَ فرصةٌ للفرار من هذا العالم هل ستهرب، أم ستبقى لاكتشاف المزيد؟

​أشجانٌ اختلطت بفرحٍ، لتكون لنا حكايةً شيقة، تُكتب سطورُها بين حينٍ وآخر لتكون في النهاية لغزاً يقسمُ قلبكَ إلى جزئين، ويفتحُ إليك ذكرياتٍ لم تكن بعقلك أبداً.

​استنشقت بيري ماء أنفها لتستدير نحوه وتقول له: "هل تريد تناول الطعام؟". رَفَّت عينا لياندر لينبسَ لها: "وكم أشتهي لُقمةً هنية من تحت يديكِ الجميلتين".

​في رُكنٍ ما بين أجواف هذا المطبخ العتيق الذي يغزوه طابعٌ دكتاتوري رزين، يكسوه ألوان البُنِّ المحروقة بموقدٍ، كانت مساحته كبيرة نوعاً ما لتسمح بتحرير حركة الخادمات؛ بابهُ المطل على الحديقة الداخلية المكسوة بنباتات رقيقة ونادرة، وهنالك بابٌ آخر لا يدخله أحدٌ من الخدم سوى كبارِهم، ليكون محطة فضولٍ ومغامرة للمقتولة.

​يجلسُ لياندر على كُرسيٍ خشبيٍ من طرازٍ حديث، ويتكئ على ظهره المزود بِوسادات لتدعم راحة الظهر، يداه المتشابكتان ببعضهما البعض وكأن هنالك ما يوتره بشيءٍ عميق، اقترب من الطاولة التي أمامه ليسند يديه عليها ويتحدث إلى عمته التي تجهز له البيض بالزبدة. كانت مواضيعهم عشوائية نوعاً ما، تتمحور حول ذكريات الماضي ورحلة بيري في القصر وصولاً إلى هيلكوان المتفحم.

​سأل لياندر بدهشة: "عمتي هل بحق خالق السماء، أنتِ من فعلتِ به هكذا!؟ أقدر دافعكِ وانتقامكِ لكن هذا تشويه بكل ما تحمله الكلمة".

نظرت له بيري ومقلتاها تعلنان البرودة والحقد عنواناً لهما، زادت قبضتُها على يدها لتردف بحزم: "لياندر... كُلُّ ما أُجرمَ به كان يستحقه وقليلٌ عليه بعد، ألم أقل لك ماذا فعل بابنتي؟ هل تريد مني أن أذهب إليه وأطبطب عليه وأقول له لماذا فعلت هذا؟ لا يجوز فعله أنت أخطأت هيَّا اعتذر منها وسترجع على قيد الحياة! إنه فاز بسحقٍ من تحتَ يدي أليس ذلك شرفاً له؟ أوليس؟".

​وهنا كان لياندر يتمنى الموت على أنه قال ذلك الكلام وخاصة لأمٍ عرفت معنى الفقدان في عمرٍ صغير، انتصب من على كرسيه ليذهبَ إلى بيري ويأخُذَها بين ذراعيه، مسد على ظهرها بيده الكبيرة وكأنه يحمي ألماً خالداً في جسدها وليس في عضوٍ واحد، وكأن الوجعَ مقيمٌ في دواخل عظامها. تكلم بصوتٍ هادئٍ حانٍ: "آه عمتي أنا أعتذر لكِ بشدة، لم أقصد أن أقلل من حزنكِ، وأنتِ محقة لكنكِ جبارة بنفس اللحظة لتكوني امرأة قوية، معتزة بشرفها، مقتدية بعقلها".

​أفسحت مجالاً بينها لتنظرَ له بنصف عينين، وكانت هنالك ابتسامة على شفتيها وقالت: "لياندر عليَّ أن أعيد تربيتكَ من جديد حقاً!". سرقت ضحكةً من فاهه وكأنها صوتُ أنغامٍ رجولية تليقُ به حقاً. كانت عيناهما بهيتين وحسنتين جداً، وكأنك تنظر إلى لوحةٍ رسمها الفنانُ بكل شاعرية لديه، لِتخلِقَ لديك شعوراً جميلاً يجعَلُكَ مبتهجاً طوال اليوم.

​بعد فترةٍ وجيزة كان لياندر يتجول في أرجاء القصر الكبير، كان يحوي لوحاتٍ ضخمة وشاهقة بها رسوماتٌ غريبةٌ نوعاً ما، لكنه لم يهتم بها، وأخذ وجهته إلى غرفة الملك السابق "كروانس". أدار المقبض ببعضٍ من الهدوء، ودلف إلى الغرفة؛ كان على المكتب البعض من الأوراق المبعثرة، إضافة إلى فنجان القهوة الذي يحتوي على بقايا بُنٍّ مطحون.

​سرقَ رمقاتٍ من الطاولة وتوجهَ بعدها إلى النافذة التي كانت تظهر هيئة الجناح الجنوبي المدمر بالكامل. قال وهو في أتم تركيزه: "في قلبها رفقٌ عظيم، لكن إذا مسَّ أحدٌ مِلكَها تصبح شيطاناً عتيداً". كان يقف بطولهِ الشامخ، شعرهُ الأنيق المماثل للون عينيه يضرب به ضوء الشمس ليمنحهُ لمعاناً، مد يده إلى ذقنه الكثيفة يفرُكُها، وعيناه اللتان كان يزينهما إطارٌ طبي بديع يجعل من تقاسيم وجهه أكثر إثارة ووسامة؛ من ينظر له يقول إنه ولد ليكون ملكاً لا عالم جيولوجيا حية.

​استدار بظهره العريض لينظرَ إلى لوحةٍ جدارية أخرى، تقلص حجم بؤبؤيه بالنظر لها مما سبب انكماشاً ما بين حاجبيه، وكأنه يحدق في العدم دون استنتاج شيء.

لم يبقِ نظره معلقاً عليها، لأن بيري قد طلبته ليأتي إليها وينظر من النافذة الضخمة المطلة على القصبة. قالت له: "أنظر هنالك رجلٌ غريب، ذو رداءٍ رث... لماذا أهلُ القرية متجمهرون حوله؟". فأجابها: "لا بُدَّ أن لديه ما يقوله من الخرافات المهترئة، البشر يحبون من ينخر في عقولهم اللاشيء كنقار الخشب".

​ثار فضول بيري، فأخذت معطفها وذهبت اتجاه الباب لتخرج إلى وسط المدينة، فتبعها لياندر وتجاوزها بفضلِ طوله. وصلا للرجل، ليلتفتَ الجميع لهما، وخاصةً لبهاء لياندر الذي لم تألفه هذه القرية. تكلم الرجل مشيراً إلى بيري بأصبعه: "هذه.. هذه.. المرأة بها شجنٌ يقطعُ قلبها في كُلِ لحظة، لكن.... هُنالكَ قوةٌ جبارة تحت يديها تخدمُ بها من يُظلم".

اندهشت بيري وقالت: "ماذا!؟ ما الذي تقوله يا هذا؟ ومن أين لك بهذا الحديث؟ وكأنكَ تعيشُ في أعماقِ قلبي!".

​نظرَ لها لياندر وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة: "وأنا أيُها الرجل؟ هل يوجد لديك شيءٌ لتقوله؟". رفعَ حاجبه بنبرةِ تحدٍ، وكان تحديق الرجل به غير طبيعي؛ وجهه مشدود وكأن صدمةً حلت عليه، ويده ارتفعت إلى فاهه وقال: "أنت... أنتَ لديك حكايةٌ تختبئ تحت أركان هذا القصر، لتكون عزةً لك ونقمة بذات الوقت. أسرارُكَ به وموطِنُكَ له، لا تكن ضحية لهذا المكان بل كن ملكاً به وأرستقراطياً عليه.. لا تكن عبده، بل كن سلطانه الذي تأمره".

​بعد هذه الكلمات أخذ الرجل نفسه ورحل عن مدينة باث التي تقطن بين جبلين من أُرتيسترا. هكذا كان الموقع؛ مليئةً بالأسرار، محفوفةً بالتاريخ والأساطير، تحتضن المغامرات والحكايات.

#أمسية دموية سعيدة

#08:00

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

08:00

المؤلف 5ryannov_watt
2025/09/22 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة