♤
♤
♤
خرجت ليانثا مع ابنها المعتوه، تقابلا بوجه الخادمة التي كانت ملامحها هادئة، مسدلة وراء هذا الوجه المسالم عالماً أليماً يغرز السكاكين في القلب.
تقف أمام من كانوا يجلسون بأمان في غرفة المعيشة، كانت تنظر لهم بعينين مملوءتين بالخذلان، التعاسة، والفقدان.
استنشقت نفساً عميقاً تحاول منع دموعها من السقوط بعدما سيطرت على ذرفها، نظروا لها باستغراب شديد لا يعرفون حجم المجزرة التي افتعلها ابن السيد كاليون.
• اليوم أيها الملك.... وأنت تتناول الطعام بكل شهية، وتتحدث مع هؤلاء البشر....
لم تستطع إكمال كلماتها؛ لأن البكاء قد داهمها. مشاعرها ليست مستقرة بتاتاً؛ يا إلهي هل تنتظر منها أن تصرخ وتنوح وتبكي وتكسر كل شيء أمامها، وأن تكون قوية في هذه اللحظة؟ نعم أيها القارئ إنني أوجه لك هذا السؤال: ماذا كنتَ أو كنتِ ستفعل لو وضعتَ مكان الخادمة بيري؟ لنرى كم بطلاً وبطلة لدينا.
• وجدتُ ابنتي غارقة بدمائها، منحورة العنق، مشقوقة اليدين.
• أهذا طبيعي؟ لا... وأنا لا أعرف بأي قوة أقف أمامك الآن وأتحدث عما رأيته.
• وأنا أعرف من فعل هذا لأنه اعترف بلسانه!!!
وقف الملك بذهول مما قالته، لا يصدق أن جريمة قد اُرتكبت في قصره المقدس.
يا لها من سخرية حقاً.
• ماذااا تقولين أنتِ؟ جريمة قتل وبمنزلي! يا إلهي بحق خالق السماوات والأرض أتظنين أني أصدقكِ أنتِ أيتها الخادمة؟ هه حقاً اخترعي كذبة غيرها للضحك.
كان هذا حديث الملك الساخر، ولماذا؟ لا نعلم، أو ربما لدينا القليل من المعرفة.
في ليلة من الليالي، كان القمر بدراً منيراً، يضيء السماء وما حولها ويبعث القليل من ضوئه إلى الأرض، كان الملك يتجول في القصر بتمام الساعة الحادية عشرة مساءً، وصل إلى الرواق الذي في نهايته مكتبه الشخصي، ضربات قدميه كانت خفيفة لا تُسمع، اقترب من الباب حتى أصبح مقابله، وضع يده على مقبضه ليديرها ويدخل... وقف أمام طاولة مكتبه يتأملها، حينئذ نادى على إحدى الخادمات المستيقظات، أتت له الخادمة مرين التي طلب منها أن تعد له كوباً من القهوة.
أمام نار الموقد الملتهبة، تقف مرين تعد كوبين من القهوة، واحداً للملك والثاني لمعشوقها الخفي، عند انتهائها وضعت في كوب معشوقها الخادم "بروزوا" مسحوقاً أبيض اللون، تريد التقرب منه لكنه يبعد عنها.
أتت الخادمة بيري ذات التسعة والثلاثين عاماً، ممشوقة الجسد، حنطية اللون، عيناها مسحوبتان كأعني الذئب، قالت: لمن هذه القهوة يا مرين؟
أجابت مرين: للملك وللخادم بروزوا، هل يمكنك أخذ الكوب الخاص بالملك؟
قالت بيري: نعم أستطيع.
أمسكت بيري بالكوب وذهبت متجهة نحو مكتب الملك، فتحت الباب بعد الاستئذان، دلفت إلى موقع جلوس الملك على كرسيه، وضعت كوب القهوة أمامه لتقول: تفضل أيها الملك. هل من أوامر أخرى؟
قال الملك: نعم، أريد أن تجلبي بعضاً من الماء وتمرّي على المكتبة وتأخذي منها كتاباً يدعى "فن الحرب" للكاتب سون تزو فقط.
• أمرك وطاعة سيدي.
توجهت نحو أوامره لتتركه يرتشف من كوب القهوة بتلذذ، وصل إلى الرشفة الثالثة فأصبحت الحرارة تتصاعد من جسده الغارق بالعرق والهذيان، لا يمكنه التفريق بين الواقع والخيال، غريزته الشهوانية استيقظت تبحث عن مبتغاها.
في هذا الوقت الخاطئ طرقت بيري الباب، لم تسمع رداً، أعادت الكرة مرة أخرى لكن لا جدوى، فتحت الباب... لترى السيد كروانس بتلك الحالة العجيبة بالنسبة لها، لم تعرف كيف تتصرف حينها، نادت عليه عسى أن يجيبها، لكن لا فائدة من صوتها.
اقتربت منه تهز كتفه، حينها رفع رأسه ونظر لها بشهوانية سيئة، أمسك بها، حاولت الابتعاد عنه لتحافظ على شرفها، لكن لم تكن هذه الليلة حليفة لها لإنقاذها، لقد سحبها الملك إلى حضنه....
منذ ذلك اليوم والملك يكره بيري ولا يصدق قولها، وهو لا يعلم بما خفي من الأحداث.
1795-6-4
كانت بيري تقف أمام الملك بذات الهيئة، بكاؤها وعيناها يرجوان الملك أن يصدقها هذه المرة فقط، ويأخذ بثأر ابنتها.
لكن الملك أبى هذا كله، وهنا وصل الغضب إلى ذروته عند الأم ولم تملك خياراً آخر إلا قواها الخارقة، ابتعدت عنه تدير ظهرها له. بدأت عروقها بالانتفاخ والبروز، وعيناها انقلبتا كأعين القطط في الليل، لونهما أحمر يصرخان بالانتقام.
كانت الملكة تقف خلفها لتنادي عليها حتى تستدير: بيري... بيري أريني وجهك!!
استدارت بيري لتريهم شخصيتها الأخرى، شخصيتها التي تحوي قواها الخارقة التي لا يعلم عنها أحد إلا خالقها.
• ألكوتاك مريكات... دُكوا أيها الحراس.
خرجت هذه الكلمات من حلقها، ليملأ الضباب المكان ويصبح عديم الرؤية، من بعدها يخرج الهواء بقوة كبيرة من جوفها يجعلهم يتطايرون في الهواء يصرخون.
وهم في دوامة الهواء، أطلقت عليهم النار من يديها ليزيد صراخهم قوة، وهي تتلذذ بسماعهم يتعذبون لكن هنالك واحداً لم يتأثر.. إنه هيلكوان الذي لديه مضاد للقوة الخارقة.
لم تتوقع بيري هذا، أن هيلكوان لم يمت مع بقية الجثث المتفحمة. تقدمت بيري اتجاهه وهي تجحظ عينيها الحمراوين، أمسكته من ياقته تصرخ بوجهه: أنت.. أنتَ لقد قتلتَ ابنتي قرة عيني، يا لك من وقح وغد، عديم الرحمة.
لم يتأثر هيلكوان بكلماتها، كعادته مشاعره انتزعت من الجذور. سحبته بيري إلى مكان مقتل ابنتها (الإسطبل)، هناك كانت الجثة ما زالت بموضعها لم تتزحزح، نظرت بيري إلى هيلكوان وقالت: انظر، هذه ابنتي التي قتلتها أنت، انظر واحفر تقاسيم جثتها في عقلك لأنه سيكون آخر شيء قد تراه بعد وجهي.
سحبت هيلكوان معها لتسير نحو الخزانة التي بها مستلزمات الفرس، فتحتها لتخرج منها حبلاً طويلاً. الآن قد تتساءلون: لماذا هيلكوان هادئ بين يدي بيري ولا يجاهد للإفلات منها؟
عادت إلى منتصف الإسطبل، رأت كرسياً لتأخذ الجرذ إليه وتجلسه بقوة، قامت بلف الحبل عليه بحيث لا يمكنه الهروب، أساساً لا يمكنه الهروب بسبب "العصير" الذي احتساه قبل العاصفة التي مرت عليهم. أحضرت من جانب الخزانة الحطب والفحم، لتعود أدراجها إلى جثة ابنتها، أزاحتها لتنتقم لها، وضعت الفحم والحطب مع بعضهما البعض ثم نثرت عليه الكيروسين لتوقده، اتجهت إلى هيلكوان لتسقيه الترياق لتعود له حواسه التي كانت متوقفة، ليجد أن النار تلتهب من أسفله تحرق جزأه السفلي ببطء، صرخ بقوة ذكرتها بصرخة الحسناء، وهنا بدأ العذاب.
رفع رأسه ليرى بيري تقف أمامه وبيدها قداحة، تقدمت منه لتمسك يده تتحسسها وصولاً إلى أصابعه، أحاطت إصبعه بالقداحة لتغلقها بقوة، ليطلق صرخة جامحة بالأوجاع.
فعلت هكذا مع الباقي، من بعدها حرقت رموشه وحاجبيه والنار من تحته تلتهمه، كانت قوى بيري كبيرة جداً لتقوم بكسر ساعديه لجعله يذوق الألم أضعافاً، رأى الموت أهون له من هذا كله. لا أعلم هل بيري عالجته من مرضه النفسي أم أنه قد بدأ بالهذيان؟ أتوقع أنه جنّ، ما من أحد قال له أن يقتل الحسناء ويختبر عقل بيري الذي جنّ جنونه عند الاقتراب من شيء يخصها. هكذا إذن.
• عندما تتفحم جثتك لن أدفنها ولن أرميها للكلاب طبعاً؛ لأنها لا تأكل النجس الذي مثلك، بل سأجعلك عبرة للعالمين وللعابرين.
جهزت رمحها لتعطيه الضربة القاتلة في منتصف قلبه.
في نفس ليلة مقتل ابنتها قتلته، وانتقمت منه بسرعة كبيرة بنفسها، لم تحتج إلى مساعدة من أحد أو شفقة، لأن نفسها عزيزة عليها بعد رحيل زوجها.
ومن هنا نعلم أن هذا الملك قُتل هو وزوجته وانقرضت سلالته.
لن نقول وداعاً؛ لأن هنالك بداية لكل نهاية في هذا الكوكب، وبدايتنا في عصرنا الحالي ستكون حيث الشبان والشابات لديهم حب المغامرة والتحقق من كل شيء.
لا أقول لك أن تكبح فضولك، لا بل أطلقه.
لعل وعسى التقيت بوحش أو شيطان ابتلعك.
لا أمازحك، أقول الحقيقة لأني أكره البشرية وأريد أن تنقرض بأسرع وقت ممكن.
أصبح العالم مثل مكب النفايات، وقلة القليل من تلقى بالشخص الصحيح.
هنالك الصالح والطالح في هذا العالم.
احذر من أن تدخل منزلاً مهجوراً وحدك، بل خذ صديقك معك، لتموتا مع بعضكما البعض.
♧أمسية دموية سعيدة
#براينا