في أعماق (نيكروس)، لا تقتلك الوحوش الضخمة، بل تقتلك النظرات المسمومة التي كنت تظنها يوماً نظرات محبة."
بينما كان طارق يحاول التقاط أنفاسه في ممرٍ ضيق بـ "سراديب الصدى"، بدأت الجدران تفرز مادةً سوداء لزجة تشكلت منها أجسادٌ بشرية مشوهة. لم يكونوا مقاتلين، بل كانوا أشخاصاً يعرفهم طارق جيداً من ماضيه؛ زملاء عمل، جيران، وحتى بعض من كان يسميهم أصدقاء. كانت نظراتهم حادة كالشفرات، تفوح منها رائحة الحقد والغيرة التي أخفوها لسنوات.
تقدمت منه امرأةٌ بوجهٍ شاحب، كانت في حياته السابقة تتنمر على طموحاته، وقالت بصوتٍ يقطر سماً:
— "أوه، طارق.. هل ظننت فعلاً أن الموت سيجعلك بطلاً؟ أنت هنا مجرد حشرة تائهة في ورقنا القديم. انظر إلى ضعفك، حتى في العالم الآخر لا تزال ذلك الفاشل الذي يهرب من ظله."
ضحكاتهم المتعالية بدأت تملأ المكان، كانت ضحكاتٍ تمزق الروح أكثر من أي سلاح. شعر طارق بضغطٍ هائل على صدره، وكأن كلماتهم السامة بدأت تنغرس في جلده كأشواكٍ غير مرئية. التفتت إليه آريا بصرامة وقالت:
— "لا تسمع لهم! هؤلاء هم (نباتات الحقد) الذين سكنوا في ثنايا حياتك. إنهم يتغذون على شعورك بالدونية. إذا انكسرت أمام تنمرهم الآن، ستتحول إلى وقودٍ لمرجلهم للأبد."
أمسك طارق بقميصه عند موضع قلبه، حيث كان يشعر بحرقةٍ غريبة. رأى شخصاً آخراً يخرج من الظلام، كان يشبه "منذر" ولكن بملامح شيطانية، وبدأ يرمي عليه كلماتٍ من كراهيةٍ دفينة:
— "لقد كنا ننتظر سقوطك يا طارق. كل نجاحٍ حققته كان يبني فينا جبلاً من الغل، والآن.. جئنا لنرى هذا الجبل وهو يسحقك تحت أقدامنا."
استجمع طارق كل ما تبقى من كرامته، ونظر في عيونهم الفارغة. لم يعد يرى فيهم بشراً، بل رأى فيهم "السموم" التي كان يجب أن يتخلص منها منذ زمن. قال بصوتٍ هادئ وثابت:
— "لقد عشتم في ظلي طويلاً، واغتذيتم على طيبتي حتى سمنتم من الحقد. لكن هنا، في (نيكروس)، لم يعد لكلماتكم سلطة عليّ. أنتم لستم إلا صدىً لماضٍ قررتُ أن أحرقه بيدي الآن."
بمجرد أن نطق طارق بهذه الكلمات، بدأت وجوه المتنمرين تتشقق وتتحول إلى غبارٍ رمادي تذروه الرياح. ساد الصمت في الممر، لكن طارق أدرك أن المعركة الحقيقية لم تكن مع السيوف، بل مع تلك النفوس المريضة التي لاحقته حتى إلى ما بعد الموت.
التفت إلى آريا وجوركان وقال بعزمٍ جديد:
— "لقد طهرتُ روحي من سمومهم. الآن، لنكمل الطريق، فلديّ عالمٌ لأبنيه بعيداً عن أحقاد البشر."
لم يكتفِ غبار المتنمرين بالزوال، بل بدأ يتجمع مرة أخرى ليتحول إلى مرآةٍ عملاقة مكسورة في وسط الممر. نظر طارق إليها، فلم يرَ وجهه، بل رأى "نسخةً مظلمة" منه، نسخة ترتدي ثياباً فاخرة ولكن عينيها فارغتان تماماً.
بدأت النسخة المظلمة تتحدث بصوتٍ يشبه فحيح الأفاعي:
— "أنت تظن أنك تخلصت منهم؟ هؤلاء الحاقدون ليسوا إلا انعكاساً لخوفك الداخلي. كل كلمة تنمر سمعتها في حياتك، غرزت مسماراً في روحك، وأنا هنا لأجمع تلك المسامير وأصنع منها كفنك."
شعر طارق فجأة بثقلٍ رهيب، وكأن كل سخرية تعرض لها في صغره تحولت إلى أوزانٍ حديدية مربوطة بقدميه. سقط على ركبتيه، وبدأ الضباب الأسود يزحف نحو حنجرته ليخنق صوته.
صرخت آريا وهي تحاول اختراق الجدار الضبابي:
— "طارق! لا تنظر إلى المرآة! إنهم يريدونك أن تصدق كذبتهم. أنت لست ما يقولونه عنك، أنت ما تفعله الآن!"
في تلك اللحظة الحرجة، تذكر طارق حقيقةً أعمق من حقدهم؛ تذكر أن الشخص الذي يملك الوقت ليكره ويحقد، هو شخصٌ أضعف بكثير ممن يملك الشجاعة ليواجه الموت. رفع رأسه ببطء، ونظر مباشرةً إلى النسخة المظلمة وقال:
— "الحقدُ هو سجنُ صاحبه، وأنا لم أعد سجيناً لأحد. إذا كانت كلماتكم هي قيودي، فإرادتي هي النار التي ستذيب هذا الحديد."
ومع هذه الكلمات، قبض طارق بيده على شظية من المرآة المكسورة، ولم يشعر بالألم، بل شعر بقوةٍ غريبة تتدفق من الشظية إلى جسده. تحولت المرآة إلى بتلاتٍ زرقاء متطايرة، وانفتح طريقٌ سري خلف الجدار لم يره جوركان من قبل.
قال جوركان وهو يمسح العرق عن جبينه بذهول:
— "لقد كسرتَ أعنف أنواع السحر في نيكروس.. سحر (الاحتقار الذاتي). هاد الطريق بيودي مباشرةً لقلب السرداب، بس انتبهوا، النفوس اللي انكسرت هون ما بتسامح بسهولة."
سار طارق في المقدمة هذه المرة، وبدا ظله أطول وأقوى، وكأن كل كلمة حقد قيلت في حقه تحولت إلى وقودٍ لمحركه الداخلي. كان يعلم أن الفصل القادم لن يكون عن الهرب، بل عن المواجهة الكبرى مع من خانه فعلاً.