"زينب يا زينب، انهضي بسرعة، سوف نتأخر يا بق— اااااا توقّفي يا مجنونة! إنّه أنا مراد، أخاكِ!"
انتفضت زينب كمن سُكِب فوقها ماءٌ مغلي، وأخرجت سكينًا من تحت وسادتها موجهةً إيّاه نحو رقبة مراد من دون وعيٍ منها. كانت تتنفس بسرعة، وكان قلبها سيقفز من مكانه، عرقٌ باردٌ يملأ جبينها، وجنتاها محمرّتان كحال الطماطم الطازجة. أبعدت السكين حالما انتبهت أنها على وشك ذبح رقبة أخيها مثل الدجاجة المسكينة.
قالت زينب بصوتٍ مرتعش بينما تنهض من سريرها: "أ... أنا آسفة يا أخي... لم أكن أقصد... إنّه كان حلمًا... وأنت أخفتني، لذا... أنا آسفة."
دخلت سحر الغرفة بسرعة حالما سمعت صراخ ابنها الذي هاجرت طيور القرية لحدّته وعلوّه:
"ماذا هناك؟ لماذا تصرخ وكأن حربًا اشتعلت بين المغول والبيزنطين؟ كم مرة قلت لك لا تصرخ هكذا، هاه؟ لن تتوب حتى أقطع لسانك هذا!
قال مراد موجّهًا أصابع الاتهام نحو زينب، التي كانت واقفة في زاوية الغرفة مطأطِئة رأسها، والسكين لا تزال في يديها المرتجفتين :
"أمّي! أقسم لكِ أنني لم أفعل شيئًا! إنّها زينب... هي من كادت تذبحني بهذا السكين! لقد فقدتْ صوابها! أردتُ فقط أن أوقظها حتى لا نتأخّر، فإذا بها تنهض وكأنني شيطان جاءها في المنام! كادت أن تقطعني نصفين... وأنا يا أمّي ما زلتُ في ريعان شبابي! هل هكذا يُستقبل الإنسان في الصباح؟!"
عمّ صمتٌ طويل بينما كانت سَحَر تتجوّل بنظرها بين زينب ومراد، حتى قطع هذا الصمتَ دخولُ توركان
دخلت وهي تضرب بعكّازها الأرض بقوة، وقالت بنبرة الزلازل:
"اخرجوا جميعكم من الغرفة! دعوني أنا وزينب وحدنا...
أمّا أنت يا مراد، فسوف أُحاسبك لاحقًا! كم مرة قلتُ لك ألا توقظها بطريقة عنيفة، هاه؟ حسابك عندي في ما بعد، أيها الفصعون!"
قال مراد محاولًا التبرير، وهو يعرف تمامًا أن جدته إذا قالت أُحاسبك فذاك يعني أسبوع نوم متواصل من كثرة التعب:
"لكن يا جدتي أنا لــ..."
لم يُكمل جملته، لأن سَحَر لم تترك له فرصة، فقد سحبته من ذراعه وقالت وهي تجرّه :
"مراد! هيا تعال معي ولا تُطِل الكلام! هيااا!"
اقفلت توركان الباب بإحكام بعد خروجهم، وكأنها تُغلق على أسرار سبع سنوات كاملة... ثم جلست على السرير ببطء، وما هي إلا ثوانٍ حتى ارتمت زينب في حضنها، تشبّثًا يشبه تشبّث الأسد بفريسته، لكن فرق صغير: الفريسة هنا هي الجدة التي لا تقاوم، بل تحتضن.
بادلتها توركان الحضن، ودموعها تسيل بصمت خافت... يدها تُربّت على ظهر حفيدتها كمن يحاول مسح حزنٍ متجذّر، حزن لا يُمحى مهما طال الزمان أو قصر.
لكن توركان، غيرت الوضعية وامسكت وجه زينب بين يديها المجعّدتين وقالت:
"آه يا صغيرتي... آه يا زينب... كم مرة قلتُ لكِ أن تبكي؟ أن تصرخي؟ أن تُخرجي هذا الحزن من قلبك؟! هاه؟ قلتُ لكِ لا تكتمي كل شيء داخل هذا القلب الصغير، يا زينب... يا روح جدتك... لماذا تعذبين روحك وتحرقينها هكذا؟
آه يا زينب... يا صغيرتي... تكلمي! ما الذي يحرق قلبك منذ سنوات؟ أإلى هذا الحدّ لا زلتِ متأثرة بموته؟ لقد مرت سبع سنوات! سبع سنوات يازينب ! لماذا أنتِ مُصِرّة على أن تحرقي نفسك... وتحرقيه معك... وتُحرقينا نحن أيضًا؟!"
أبعدت زينب يدي جدتها بلطف، وقالت بهدوء ثابت لكن فيه نار مكتومة فيه صمت يسبق عاصفة :
"جدتي... قلتُها من قبل، وسأعيدها للمرة الألف... لن أبكي، ولن أصرخ... حتى أنتقم لجدّي. لن تذهب دماؤه هباءً منثورًا. حين أنتقم له... حين يهدأ قلبي... حينها فقط سأبكي."
توركان وقفت، والغضب يخرج منها كأنه دخّان بركان، اطرقت الأرض بعكّازها بقوة
صوتها ارتفع، لكن بين حرف وحرف كان واضحًا... الخوف أكبر من الغضب:
"زينب! أنا لم أعد أتحمّل هذا العناد! والله سأجنّ منك!
لماذا؟ لماذا لا تريدين إخباري بما حدث في ذلك اليوم المشؤوم؟ هاه؟
لماذا تصرّين على حمل هذا الوجع وحدك؟
عنادك هذا لا يشبه أحدًا! حتى والدك—"
سكتت لحظة ثم صاحت:
"حتى والدك لم يكن بهذا العناد!
من أين جئتِ به؟
كفاكِ حرقًا لروحك يا بنتي!"
لكن زينب... لم تحرك ساكنا
ولوهلة، الصمت الدي دار في الغرفة كان ثقيل، ثقيل لدرجة أن التنفس أصبح مخيفًا.
رمت القميص الدي كان فإيدها فوق السرير، واقتربت من جدتها بخطوات بطيئة...
حتى وقفت أمامها مباشرة.
صوتها كان منخفض... منخفض لدرجة الهواء نفسه وقف كي يسمع، وخاف من تنفجر فيه:
"جدتي... اسمعيني.
أنا لا أريد إحزانك... لكن يجب أن تعرفي الحقيقة.
ذلك الرجل... ليس أبي."
توركان اتسعت عيناها، لكن زينب لم تتوقف، كأن السنوات كلها وجدت أخيرًا طريقًا للخروج:
"من يهرب ويترك امرأة حامل على وشك الولادة...
من يهرب ويترك طفلًا عمره أربع سنوات...
وطفلة لم ترَ النور بعد...
لا يستحق أن يُسمّى أبًا.
الابوّة ليست دمًا، ولا صورًا، ولا اسمًا في ورقة.
الأبوّة... لا تعني أن تهرب وتترك عائلتك تواجه العالم وحدها.
الأبوّة لا تعني أن تترك طفلتك بلا صورة تتذكرك بها... بلا كلمة... بلا أثر....يا جدتي...لا تطلبي مني أن أسمّيه أبي.
توقفت قليلا ثم قالت :
بالنسبة لي... أبي هو جدي رحمه الله.
وأبي الثاني... هو عمي طاهر.
ليس لديّ أب غيرهما."
زفرت توركان زفرة طويلة... زفرة امرأة تعلم أن زينب إذا قالت "لن أتراجع" فهي فعلاً لن تتراجع.
الاستسلام كان واضح على وجهها، ليس ضعف...بل الما و قهرا... بل تعب سنين من القلق.
اتجهت نحو الباب بخطوات مثقلة بالحزن، وما إن فتحته... حتى تجمّدت للحظة.
كانت سَحَر واقفة هناك.
او بالاحرى
كانت بالكاد تقف على قدميها، ووجهها مبلل بالدموع، عيناها محمرتان و متورمتان من كثرة الهم و الغم و ليس البكاء فقط
توركان لم تفكر لحظة.
فتحت ذراعيها واحتضنتها بقوة، قوة امرأة عاشت تجارب كثيرة لكنها ما زالت تعرف كيف تكون حضنًا ثابتًا في وقت الهزّات.
ثم أمسكت بكتفيها برفق، واصطحبتها إلى الحديقة، حيث الهواء أبرد... وأقل خنقًا من جو الغرفة الذي امتلأ بالأسرار.
في حضن حماتها—بل في حضن أمّها الثانية—انهارت سَحَر تمامًا.
كانت تبكي، تبكي كأن سنوات الألم كلها قررت الخروج في لحظة واحدة.
لم تكن تعتبر توركان "حماتها" يومًا... كانت دائمًا أمّها الثانية.
كيف لا؟
و توركان... المرأة التي حين جاءت سحر إلى البيت عروسًا، لم تستقبلها كزوجة لابنها، بل كابنة ضائعة وجدت أخيرًا حضنًا يحتويها.
المرأة التي كانت تدعو الله دومًا أن يرزقها بنتًا... فرزقها بنتين_اسية و سحر_تقولان للقمر:
"انهض من مكانك، فقد حان دورنا لنضيء."
المرأة التي ضحّت بكل شيء—كل شيء—من أجل أن ترى أولادها وأحفادها في راحة، حتى لو احترقت هي ألف مرة.
توركان كانت تحتضن سحر بكل ما أوتيت من حنان وقوة، تمسح على ظهرها وعلى رأسها، وتحاول تهدئة زلزالٍ نزل على قلب سحر منذ لحظات فقط.
كانت سحر قد سمعت كل شيء... كل كلمة قيلت داخل تلك الغرفة.
كل كلمة طُعنت بها بصمت.
كل حرف سقط على قلبها كخنجر مسموم...
فأقام فيها جرحًا لن يندمل، لا بطول الزمن ولا بقصره.
توركان، وهي تمسح على رأس كنتها... رأس لم يعرف يومًا لون الراحة منذ زواجها من ابنها أركان، قالت بصوت مبحوح:"سحر يا ابنتي ...يا جوهرتي...كفاك نحيبا ...كفاك بكاءا يا فلذة كبدي...لا تحرقي نفسك هاكذا يا روح امك ...اصبري يا بنيتي اصبري فان اجرك عند رب العالمين عظيم ....يا روحي ، يا ابنتي انت تعلمين ان الله لا يضيع اجر الصابرين ...لقد قال الله سبحانه في كتابه الكريم«انما يوف الصابرون اجرهم بغير حساب»...اصبري من اجل اولادك يا سحر ، انت قوية وسوف تتحملين هذا من اجل اولادك و من اجل نفسك "
ستجمعت سحر شتات نفسها، ومسحت دموعها بظهر يدها، ثم قالت بصوتٍ متهدّج يخنقه القهر:
"إلى متى يا أمّي؟
إلى متى سأظلّ أحتمل؟
إلى متى سأظلّ أنتظر عودته كلّ يوم؟
لا أعلم أهو من الأحياء أم من الأموات...
لقد طال الزمان، وطال الغياب، حتى إنّي لم أعد قادرة على تذكّر ملامحه...
يا أمّي، لماذا هرب وتر—"
لكن كلماتها انقطعت فجأة، حين دوّى الصراخ في أرجاء البيت، وتعالت ضحكات تشبه أصوات معركة عبثية.
تبادلت توركان وسحر نظرة ذهول، ثم هرعتا إلى الداخل.
ويا لدهشتهما...
كان مراد ورفيق دربه أوزغور يتعاركان على طنجرة ورق العنب كأنها غنيمة حرب.
كلٌّ منهما يشدّها من جهة، والطنجرة تتأرجح بينهما كأنها تحتضر.
تجمّدت سحر لحظة، ثم—وبهدوء ينذر بالعاصفة—نزعت نعالها من قدمها.
ما إن رأى مراد المشهد حتى اتّسعت عيناه، فترك الطنجرة فورًا، وركض مختبئًا خلف جدّته توركان:"
جدّتي! ارجوك دافعي عني! اقسم انني سانظف الحضيرة كلها وساحرث ارض الزيتون هدا الموسم لكن ارجوكي لا تتركيني لامي "
ضحكت توركان وهمست في ادن حفيدها :"اه يامراد سوف تفعل كل هدا لوحدك اساسا هدا عقاب اكلك لطعام ليس من حقك وثانية سوف تدهب كل يوم الى البئر لجلب ثلاث براميل من الماء للبهيمة و ايضا سوف تتكلف بغسل الاحصنة لمدة شهرين كاملين هادا كعقاب اخافتك لزينب صباحا"
تنهد مراد مسلما امره لله عز و جل فقد بات متاكدا انه بعد كل هدا لن يستطيع القيام من الفراش لعام كامل .
أمّا أوزغور فبقي واقفًا في مكانه ممسكًا بالطنجرة وهو ينظر إلى سحر كمن ينظر إلى مصيره المحتوم:
"خالتي... أستطيع أن أفسّر... أقسم أنني أستطيع أن أفسّر..."
لكن سحر انفجرت بالصياح وهي تهرول خلفهما:
"توقّفا أيها الأحمقان!
اليوم... يومكما!
كيف تجرّأتما على أكل الطنجرة كلّها؟!
منذ الصباح وأنا ألفّ فيها!
يا مراد! ألم أخبرك ألف مرّة ألا تقترب من الطعام في المطبخ؟!
ذلك الطعام للضيوف!"
مراد يصرخ من وراء جدّته:
"أنا لم أفعل شيئًا! أوزغور هو من قال لي: لنتذوّق واحدة فقط!"
وأوزغور يصرخ أيضًا:
"لا تكذب! أنت من جرّني إلى هذا المصير!"
وتوركان واقفة وسط الفوضى، تطرق بعكازها الأرض وتقول في نفسها:
"كنتُ أفرّ من الحزن... فابتلاني الله بالجنون."
امسكت سحر بهما من ادنيهما و سحبتهما حتى دخلت بهما الى المطبخ و اجلستهما فوق طاولة الطعام ثم قالت وهي تلقي امامهم بصينية من الحشوة و الورق:
"اسمعانني جيدا...لن تخرجا من هنا حتى تكملا كل هذا الورق و تلفانه جيدا...و الا...اقسم بالله الذي خلقني و خلقكم انكم لن ترو ضوء الشمس مرة ثانية ...افهمتما؟"
استسلم كل من مراد و اوزغور الى مصيرهما حتى دخلت زينب وهي تحمل لباس الطبخ ...لكن ليس كاي لباس ...لباس زهري تزينه قلوب حمراء و رباط راس زهري مزين بقلوب حمراء كذلك ،القت بالباس امام مراد و اوزغور وقالت لجدتها ببرود و هدوء محاولة تصنع الجدية:"جدتي اريد ان انتقم من مراد بطريقتي الخاصة...اجعليهما يرتديان هذه و ان يجلسا امام عتبت الدار و يقوما بلف الورق "
تبادلت سحر وتوركان نظرة مليئة بالخبث، بينما كان مراد وأوزغور يحدّقان في اللباس الزهري وكأنهما يشاهدان نهاية العالم بأعينهما.
صرخا بصوت واحد، وقد اتسعت حدقتاهما حدّ الانفجار:
"ماذا؟! أجننتِ؟! نحن؟! نرتدي هذا؟!"
رفعت زينب حاجبها بسخرية لطيفة وهي تقول:
"نعم... أنتما. هل ثمة أحدٌ آخر هنا؟ الأشباح؟"
اقتربت توركان وهي تضرب بعكازها الأرض بقوة جعلت مراد ينتفض كقطّ مبلل:
"إييه! كفاكما ثرثرة! ارتديا ما قالت زينب! لن أكرر كلامي!"
أمسكت سحر باللباسين ورفعت أحدهما أمام وجه مراد قائلة:
"يا روحي... يا بطلي... يا قائد العمليات الخاصة... حضّر نفسك، لأن هذه ستكون أهمّ مهمة في حياتك."
تنحنح أوزغور محاولاً حفظ كرامته التي كانت تهرب من النافذة:
"خالة سحر... هذا مُهين... نحن رجال..."
قاطعه صوت زينب بنبرة باردة:
"رجال؟ سنرى ذلك عندما تخرج إلى عتبة الدار، والقلوب الحمراء تتمايل على رأسك."
اقترب مراد من زينب وهمس بغضب مكتوم:
"زينب... أقسم بالله إن فعلتِ هذا، سأ—"
لكن زينب وضعت الثياب في يده وأجابته بابتسامة صغيرة:
"اصمت. أنت من افزعني مند الصباح الباكر. هذا أقل ما أفعله."
توركان صاحت:
"هياااا! ارتديا اللباس، واجلسا عند الباب، وابدآ بلف الورق، ولا أريد أن أرى ورقة واحدة دون لف!"
انحنى مراد برأسه مستسلمًا، ثم قال بصوت يشبه نحيب طفل خُذِل:
"يا رب... لماذا أنا؟"
أما أوزغور فنظر ناحية مراد و وجهه يقدح نار الغضب و اردف قائلاً:
"اقسم لك يا مراد ...سوف انتقم منك على هده المصيبة التي اقحمتني فيها معك... قلت لك لا تفعل... لكن طبعا حضرت الشرطي مراد يعرف مادا يفعل."
قمد مراد يده وصفع راس اوزغور ثم قال من بين اسنانه:
"اوزغور تحرك امامي و كف عن التدمر "
ضحكت زينب باعلى صوتها وهي تمدّ لهما رباطي الرأس الورديين:
"هيا... البطولة تنتظركما."
تجمد الجميع لوهلة و توجهت انظارهم نحو زينب التي اختفت ضحكتها حال ما رات الحميع يحدقون بها بثغر مفتوح .
كانت سحر تحدق بها باعين متسعة و كانما رات ملك الموت امامها ثم قالت بهمس مرتجف:"زينب...يا الاهي ..هل ضحكت ام خيل لي"
اما مراد فكان يحك عينيه ثم التفت ناحية ازغور الدي لا يقل دهشة عن الاخرين ثم بداو بالقفز مثل المجانين وهو يهتفون باعلى صوتهم:"لقد ضحكت...و الله انها تضحك....يا حبيبيييييييييي زينب تضحك هده معجزة القرن "
اما زينب فقد احمرت وجنتاها لكن حاولت اخفاء ارتباكها خلف برودها واردفت بصوت جليدي وقالت:"انتما...هيا الى الخارج بسرعة فانا اتضور جوعا "
ثم أشارت نحو الباب:
"اخرجا... قبل أن أغيّر رأيي وتلبسوا اللباس الوردي وترقصوا في الضيعة بدل عتبة الدار."
لكن مراد لم يتوقف عن الصراخ، رفع يديه فرحاً وصرخ:
"ياااااه زينب، أقسم بالله ان هده الضحكة أغلى من راتب 10 سنوات!"
زمجرت زينب من بين اسنانها بعصبية و قالت :
"مراد ...اوزغور اغربا عن وجهي حالا و الا__"
لم تكاد تكمل جملتها حتى دوى طرق قوي على الباب ، كان يهتز من شدة الطرق و كان حربا سوف تشتعل اتجهت زينب نحو الباب وهي تصرخ :
"انتظر...انتظر سوف تكسر الباب ...يا الله صبر من عندك يا ربي"
ما ان فتحت الباب حتى اندفع نارين الى الداخل وهي تصرخ و تركض مثل المجنونة حتى اوقفتها توركان قائلتا:
"استهدي بالله يا فتاة ما الدي اصابك اهو سحر ام جن ما هده الحالة هل جننت"
لم تكن نارين تسمع اي شيء اد كانت تتحدث بسرعة البرق و الحماس باد على محياها كانت تقفز هنا و هناك و تقول:
"زينب...يا زينب الحقيني...لقد اعترف ...اقسم يمينا انه اعترف! ...الان تحت شجرة الرمان قالها لي يا زينب! اااه!! اعترف اخيرا سوف نتزوج "
الجميع ينظر اليها بعدم فهم لانها كانت تتكلم بسرعة غير مفهومة كانت زينب تحاول تثبيتها في مكانها لفهم ما الدي حصل لها حتى جنت بهدا الشكل
"نارين اهدئي يا بنت ما الدي جرى من الدي اعرف و متى و من سيتـــــــ"
وفجاة اتسعت عينا زينب و كان دماغها اخيرا قرر التقاط الاشارة ثم صرخت:
"يا الله ...نارين انت لا تمزحين صحيح ؟!يا الهي و اخيرا قرر الحجر ان يتحرك من مكانه ..امي اتسمعين احمد اعترف لنارين يا امي سيتزوجان...يا الله و اخيرا"
كانت سحر تقف أمام النافورة، غيرَ مدركةٍ ما عليها فعله... هل تفرحُ لضحكةِ زينب التي لم تسمعها منذ سنوات؟ أم تفرحُ لابنةِ جارتها؟ أم ماذا عليها أن تفعل؟
فجأةً، انقضّت عليها زينبُ وهي تحضنها وتقفز، فتسمّر الجميع، وخمدت الضحكات، ولم يَعُد يُسمَع صوتٌ سوى صوت زينب وصراخها.
تجمّعت الدموع في عيني سحر، وبدأت تبكي وهي تضمّ زينب بكل قوّتها... تحتضن ابنتَها التي كانت تخاف أن يلمسها أحد، وترتجف كلما اقترب منها شخصٌ غيرُ جدّتها وعمّها طاهر.
_____________
قبل سبع سنوات
كانت سماء ماردين تمطر بغزارة ذلك اليوم، والمدينة بأسرها تبكي لرحيل جنديها الشهم، تبكي لقائدًا عرفته الضيعة لشجاعته وصدقه. نعم... لقد استشهد العقيد سليمان آغا أوغلو.
كان التابوت محمولًا على أكتاف أفراد فريقه، ووقف ابنه طاهر عاجزًا عن تمالك نفسه، يحاول بكل قوة أن يمنع نفسه من الانهيار. لكنه لم يكن يعرف على ماذا يحزن أكثر... على والده الذي رحل ولن يعود؟ أم على ابنة أخيه التي لا تزال في غيبوبة؟ أم على نفسه، الضائع بين الفقد والوجع؟
خرج جميع أهالي الضيعة لتشييع قائدهم وأبيهم... خرجوا كما لو أن المدينة كلها قد توقفت عن الحركة لتشاركهم الحزن. صغارًا وكبارًا، الجميع يذرف الدموع، حتى السماء شاركتهم البكاء، وكأنها تمدّهم برحماتها وتحتضنهم في ألمهم.
حين وضعوا الجثمان في القبر، أمسك طاهر المجرفة بيديه المرتعشتين، وبدأ برمي التراب فوق القبر، كأنه يحاول أن يدفن الألم مع والده.
وفجأة، جاء مراد يصرخ ويبكي، صوته يقطع السماء:
"لا... جدي! ابتعدوا عنه! جدي... انهض، رجاءً! يا جدي، لا تتركنا وحيدين! لقد وعدتني... هل نسيت وعدك؟ قلت لي إنك لن تتركنا، وها أنت كذبت علينا... رحلت، وتركْتنا كما رحل أبي! لماذا يا جدي؟!"
قدّمت سحر بسرعة، وهي تبكي بحرقة، تحاول سحب مراد الذي ظلّ يتخبّط ويضرب بيديه ويصرخ بكل ما أوتي من ألم.
كانت تحاول تهدئته، لكن كيف يهدأ وهو يرى جدّه... بطله... يُوارى تحت التراب أمام عينيه؟
اقترب طاهر بخطوات ثابتة، وعيناه تمتلئان وجعًا وحكمةً في آنٍ واحد. أشار لسحر بيده إشارة خفيفة، وكأنه يقول لها: اتركيه لي.
تراجعت سحر إلى الخلف، بالكاد تقوى على الوقوف؛ فكلّ المصائب اجتمعت فوق رأسها دفعةً واحدة، ولم تترك لها مجالًا لالتقاط أنفاسها.
انحنى طاهر حتى أصبح في مستوى مراد، الذي كان يبكي بحرقة طفل انكسر عالمه.
أحاط وجهه الصغير بيديه، ثبّت نظره فيه، ومسح دموعه بإبهامه، ثم قال بصوت هادئ، مبحوح، لكنه ثابت كالجبل:
"مراد... انظر إليّ يا بني."
انتظر حتى التقت عيناهما، ثم تابع:
جدّك لم يُدفن تحت التراب... جدّك صعد إلى رحمة الله.
الأبطال لا يموتون يا مراد، بل يسبقوننا إلى الجنّة."
الأبطال لا يموتون يا مراد، بل يسبقوننا إلى الجنّة."
شهق مراد وهو يهزّ رأسه بعنف:
"لكنّه وعدني... وعدني ألا يتركني!"
ابتسم طاهر ابتسامة موجوعة، وقال:
"ولم يتركك.
ترك لك اسمه، وشرفه، ودعاءه... وتركك في أمان الله.
أتدري ما معنى الشهيد؟"
مسح دموع مراد مرة أخرى، وهمس:
"معناه حيّ عند ربّه يُرزق... ونحن من بقينا نشتاق."
احتضن طاهر مراد بكلّ قوّته.
كان مراد يبكي ويتشبّث به، وعيناه لا تفارقان قبر جدّه، كأنّهما ترفضان تصديق ما تراهما.
أمّا طاهر، فكان ينظر إلى ابنه تورغوت، الذي وقف خلف الشجرة يبكي بصمت... دموعه تنساب بهدوءٍ موجع، بلا صوت، بلا صراخ، كأنّ الألم أثقل من أن يُنطق.
كانت عيناه معلّقتين بسحر، يراقبها من بعيد، بينما شفاهه ترتجف وهو يتمتم لنفسه بصوتٍ بالكاد يُسمَع:
"لو لم أترك يدها...
لو لم أبتعد عنها...
لو سمعت كلام الخالة سحر...
لما حصل كل هذا...
انا السبب...
انا السب في كل هذا الالم"
___
غرفةٌ بيضاء، ضوؤها خافت، لا يُسمَع فيها شيءٌ سوى صوت جهاز تخطيط القلب.
كانت نائمةً كالملاك، لكنّ هذا الملاك فقد جناحيه، وانطفأ نوره.
رؤيةٌ ضبابيّة، جسدُها ثقيل، ورأسُها يدور.
أصواتٌ بعيدة غيرُ مفهومة، وضوءٌ أبيض.
بدأت تفتح عينيها العسليّتين اللتين انطفأت براءتهما وخبا بريقهما.
كانت تحاول استيعاب أين هي، وماذا جرى.
دخلت الممرضة، ومعها الطبيبة التي بدأت بفحص زينب والتأكّد من أنّها استفاقت بالكامل. حاولت الحديث إليها:
"زينب، يا بطلتي... هل تسمعينني يا صغيرتي؟ انظري إليّ يا زينب."
لكنّ زينب كانت تائهة، غير مدركة لما يحدث. لا تُجيب أحدًا.
نعم، كانت تسمع كلّ شيء، واعية تمامًا، لكنّ لسانها انعقد، كأنّ قطًّا التهمه.
اقتربت الطبيبة ووضعت يدها على جبين زينب، غير أنّ الأخيرة، ما إن أحسّت بلمسة اليد، حتّى انتفضت فجأة، وبدأت ترتجف وتصرخ .
صرخت الطبيبة في الممرضة، فأسرعت هذه الأخيرة هرولةً لجلب حقنة المهدّئ.
حاولت الطبيبة الإمساك بزينب وتهدئتها، لكن كلّما اقتربت منها، اشتدّ صراخها أكثر، كأنّ الخوف ينهشها من الداخل.
وفي الجهة الأخرى من الممر، كانت سحر وطاهر يسيران نحو غرفة زينب للاطمئنان عليها، غير أنّ صوت صراخها شقّ قلبيهما قبل أن يبلغ آذانهما.
توقّفت سحر فجأة، والتفتت نحو طاهر بعينين مرتجفتين، وأشارت إليه باستفهام قائلة:
"أخي... ما الذي يحدث؟ أليس هذا صوت زينب؟"
أجابها طاهر بصوتٍ مبحوح، غير مستوعب لما يسمعه، وكأنّ الأرض تميد تحت قدميه:
"والله يا زوجة أخي... إنّه صراخها."
ما إن سمعت سحر جوابه، حتى اندفعت تركض وهي تصرخ باسم ابنتها، وصوتها يرتجف بين الخوف والرجاء.
كان طاهر يركض خلفها كالمجنون، لا يشعر بالأرض تحت قدميه.
ما إن دخلا الغرفة، حتى تجمّدا في مكانهما.
كانت زينب منكمشة فوق السرير، تضمّ جسدها الصغير إلى نفسها، تصرخ وتنتفض بعنف، كأنّها تحاول الهروب من كابوسٍ لا يُرى.
حاولت الطبيبة الإمساك بها وتهدئتها، لكن كلّ لمسة كانت تزيد صراخ زينب حدّة، وتضاعف ارتجافها، حتى بدا جسدها كغصنٍ في مهبّ عاصفة.
اقتربت سحر منها بسرعة، محاولةً ضمّها إلى صدرها، لكن زينب ما إن رأتها تقترب منها حتى صرخت بقوة، وهي تهتف:
"لاااا! لا تقتربي! ابتعدي عني."
"زينب ... حبيبتي انها انا امك يا روح قلبي"
"لااااا!... لا تقتربي ! ابتعدي عني"
تجمّدت سحر في مكانها، كأنّ الصرخة شلّت أطرافها، وتساقطت الدموع من عينيها دون إرادة، تحترق ألماً وعجزاً.
لكن ما إن لمحت زينب عمّها طاهر، حتى نزعت المِصل من يدها بعنف، واندفعت تركض نحوه.
فتح طاهر ذراعيه لها فوراً، وضمّها إلى صدره بشدّة، وهو يربّت على رأسها محاولاً تهدئتها.
كانت ترتجف...
لا من البرد،
بل من ذاكرتها التي أعادها عقلها قسراً إلى تلك الليلة.
والغريب...
أنها لم تكن تبكي.
قالت زينب بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمَع، وكأنها تخشى أن تسمع الإجابة:
"هل... هل حقًا لم أكن أحلم؟
هل مات جدّي؟"
أغمض طاهر عينيه، وشدّها إليه بقوة.
حينها فقط فهمت زينب أن ما حدث لم يكن حلمًا عابرًا هذه المرة.
لم تبكِ.
ولم تنبس بحرفٍ واحد.
وبعد لحظات، همّ طاهر أن يسلّمها إلى سحر لتضمّها إلى صدرها، لكن زينب صرخت من جديد، صرخةً اخترقت المكان:
«لا... لا تلمسيني!
لا أريد... لا أريد أحدًا أن يقترب مني!»
ثم تشبّثت بطاهر أكثر، وارتجف صوتها وهي تقول برجاءٍ مكسور:
«عمّي... أرجوك، لا تذهب كما ذهب جدّي.
لا أريد أن يلمسني أحدٌ غيرك...
إنهم يكذبون عليّ...»
تجمّدت سحر في مكانها، وغطّت فمها بيدها محاولةً كتم شهقاتها.
لم تعد قدماها تحملانها، وكأن الأرض انسحبت من تحتها فجأة.
كانت تبكي بحرقةٍ وقهرٍ على حال ابنتها، تلك التي انقلبت حياتها في ليلةٍ وضحاها.
ابْنَتُهَا الَّتِي كَانَتْ يَوْمًا مَلِيئَةً بِالْحَيَاةِ وَالضَّحِكِ، أَصْبَحَتْ جَسَدًا خَاوِيًا، بِلَا رُوحٍ... كَأَنَّ الْحَيَاةَ انْسَحَبَتْ مِنْهَا فَجْأَةً وَتَرَكَتْهَا ظِلًّا لِمَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
أَمَّا مُرَاد وَأُوزْغُور، فَقَدِ اسْتَقَرَّا عِنْدَ عَتَبَةِ الْمَنْزِلِ فِي مَنْظَرٍ أَقَلُّ مَا يُقَالُ عَنْهُ إِنَّهُ كَارِثَةٌ مُضْحِكَةٌ؛ فَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِجَانِبِ الدَّارِ انْفَجَرَ ضَاحِكًا حَتَّى انْقَطَعَتْ أَنْفَاسُهُ. لَكِنَّ الْمُصِيبَةَ الْكُبْرَى الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي الْحِسْبَانِ، هِيَ ظُهُورُ 'إِيلِين'؛ إِيلِين حَبِيبَةُ قَلْبِهِ الَّتِي يُحَاوِلُ اسْتِجْمَاعَ شَجَاعَتِهِ لِلِاعْتِرَافِ لَهَا بِحُبِّهِ مُنْذُ أَيَّامِ الِابْتِدَائِيَّةِ!
مَرَّتْ إِيلِين بِجَانِبِ الْمَنْزِلِ، وَفَجْأَةً تَجَمَّدَتِ الْأَرْضُ تَحْتَ قَدَمَيْ مُرَاد، وَاشْتَعَلَ وَجْهُهُ حُمْرَةً حَتَّى صَارَ كَحَبَّةِ طَمَاطِمٍ نَاضِجَةٍ عَلَى وَشْكِ الِانْفِجَارِ. تَمَنَّى فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَوْ أَنَّ الْأَرْضَ تَنْشَقُّ وَتَبْلَعُهُ بِوِزْرَةِ قُلُوبِهِ الْحَمْرَاءِ، قَبْلَ أَنْ تَرَاهُ إِيلِين وَهُوَ يَلُفُّ وَرَقَ الْعِنَبِ بِهَذَا الْمَظْهَرِ الْبُطُولِيِّ الْمُزَيَّفِ!
حَاوَلَتْ إِيلِين جَاهِدَةً كَتْمَ ضَحْكَتِهَا الَّتِي كَادَتْ أَنْ تَفْضَحَهَا؛ فَكَيْفَ لَا تَضْحَكُ وَهِيَ تَرَى الشُّرْطِيَّ مُرَاد بِكُلِّ هَيْبَتِهِ وَوَقَارِهِ الَّذِي يُرْعِبُ الْمُجْرِمِينَ، يَجْلِسُ الْآنَ مَكْسُورَ الْجَنَاحِ يَلُفُّ وَرَقَ الْعِنَبِ بِبَرَاعَةٍ لَا تُحْسَدُ عَلَيْهَا، مُرْتَدِيًا وِزْرَةً وَرْدِيَّةً تَفِيضُ رِقَّةً وَقُلُوبًا!
رَفَعَتْ إِيلِين حَاجِبًا بِذُهُولٍ وَهِيَ تُرَاقِبُهُ، بَيْنَمَا تَمَنَّى مُرَاد لَوْ أَنَّ عِصَابَةً مُسَلَّحَةً تَقْتَحِمُ الْمَكَانَ الْآنَ لِتُنْقِذَهُ مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ، فَمُوَاجَهَةُ الرَّصَاصِ أَهْوَنُ عَلَيْهِ بآلَافِ الْمَرَّاتِ مِنْ نَظْرَةِ السُّخْرِيَةِ الَّتِي تَلْمَعُ فِي عَيْنَيْ إِيلِين.
أَمَّا أُوزْغُور، فَقَدْ كَانَ تَجْسِيدًا حَيًّا لِنَارِ الْفِتْنَةِ لَوْ قُدِّرَ لَهَا أَنْ تَمْشِيَ عَلَى قَدَمَيْنِ! لَمْ يَكْتَفِ بِمُصِيبَتِهِمَا الْمُشْتَرَكَةِ، بَلْ قَرَّرَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ مُرَاد أُضْحُوكَةَ الْقَرْنِ أَمَامَ إِيلِين. الْتَفَتَ نَحْوَهَا بِابْتِسَامَةٍ خَبِيثَةٍ، وَنَادَاهَا بِصَوْتٍ عَالٍ كَأَنَّهُ يُلْقِي بَيَانًا رَسْمِيًّا:
'إِيلِين! لَا تَمُرِّي هَكَذَا وَكَأَنَّكِ لَمْ تَرَي الشِّيف مُرَاد فِي قِمَّةِ إِبْدَاعِهِ! هَلْ تَعْلَمِينَ أَنَّ هَذِهِ الْوِزْرَةَ الْوَرْدِيَّةَ هِيَ زِيُّهُ الرَّسْمِيُّ الْجَدِيدُ فِي مَرْكَزِ الشُّرْطَةِ؟ يَقُولُونَ إِنَّ الْقُلُوبَ الْحَمْرَاءَ تُرْهِبُ الْمُجْرِمِينَ وَتَجْعَلُهُمْ يَعْتَرِفُونَ فَوْرًا!'
ثُمَّ مَالَ عَلَى أُذُنِ مُرَاد الَّذِي كَانَ يَغْلِي كَالْبُرْكَانِ، وَهَمَسَ لَهُ بِخُبْثٍ لَا يُضَاهَى:
'ابْتَسِمْ يَا مُرَاد، اصْنَعْ حَرَكَةً لَطِيفَةً بِيَدِكَ، إِيلِين تُحِبُّ الرِّجَالَ الَّذِينَ لَا يَخْشَوْنَ إِظْهَارَ جَانِبِهِمُ الْحَسَّاسِ.. وَالْوَرْدِيِّ!'
صَفَعَ مُرَاد أُوزْغُور خَلْفَ رَأْسِهِ بِقُوَّةٍ، ثُمَّ أَكْمَلَ لَفَّ وَرَقِ الْعِنَبِ بِبُرُودٍ مُصْطَنَعٍ يَعْكِسُ قَلْبَهُ الَّذِي يَحْتَرِقُ مِنْ شِدَّةِ الْخَجَلِ وَالْفَضِيحَةِ.
أَمَّا زَيْنَب، فَقَدْ كَانَتْ فِي حَظِيرَةِ الْأَغْنَامِ كَعَادَتِهَا، تُرْضِعُ خَرُوفَهَا الصَّغِيرَ، هَارِبَةً مِنْ ضَجِيجِ الْعَالَمِ إِلَى بَرَاءَةِ مَخْلُوقَاتٍ لَا تَعْرِفُ الْغَدْرَ.
لَمْ تَبْدَأْ بِإِرْضَاعِ الصَّغِيرِ حَتَّى شَقَّ سُكُونَ الْمَكَانِ صُرَاخُ أُمِّهَا الْمَذْعُورِ. قَفَزَتْ كَالْمَجْنُونَةِ، لَا تَرَى أَمَامَهَا سِوَى الْخَطَرِ، وَهِيَ تَحْمِلُ بَارُودَتَهَا.. أَوْ بِالْأَحْرَى بَارُودَةَ جَدِّهَا الَّتِي لَا تُفَارِقُ خَيَالَهَا وَلَا يَدَهَا.