كان الصف غارقًا في صمتٍ نسبي، لا يُسمع فيه سوى صرير الأقلام على الأوراق، وصوت الأستاذ وهو يخطّ المعادلات على اللوح.
جلس مراد في المقعد الثاني إلى جانب صديقه الوفيّ أوزغور، يحاول أن يثبت تركيزه، بينما قلبه يخونه في كل مرة تقع عيناه على آيلين، زميلته ذات الشعر البنيّ الطويل الذي ينسدل على كتفيها في انسيابٍ مدهش.
لمحته آيلين من حين لآخر، خصوصًا بعدما رأت يده ترتجف وهو يكتب. رفعت رأسها، نظرت إليه باستغرابٍ قصير، ثم أعادت عينيها إلى دفترها.
ارتبك مراد، شعر بحرارةٍ تسري في وجهه، فانحنى أكثر على الورقة، وكأن الحروف وحدها ستنقذه من الغرق.
همس أوزغور بخبث وهو يغطّي فمه بالكتاب:
ـ "لقد رأتك! آه يا صاحبي، أراهن أن قلبك كاد يقفز من صدرك!"
التفت مراد بسرعة، وجهه متورّد، ولكمه تحت الطاولة ضربة خفيفة.
تأوّه أوزغور بصوت مكتوم، ثم ضحك وقال:
ـ "ها هو العاشق الخجول!"
في منتصف الحصة، سقط قلم آيلين أرضًا. انحنت برشاقة لتلتقطه، وفي اللحظة نفسها كان دفتر مراد قد انزلق من طرف الطاولة. انحنى بدوره… وهناك، تحت الطاولة، التقت عيناهما مصادفة.
لحظة خاطفة، لكنها كانت كافية لتهزّ أعماق الاثنين.
ارتبكت آيلين، أسرعت بسحب يدها وقلمها، وجلست مستقيمة وهي تخفي ارتباكها بالكتابة. أمّا مراد، فقد جلس جامدًا، يكاد يسمع خفقان قلبه أعلى من صوت الأستاذ نفسه.
التقط أوزغور الموقف بعينيه الثاقبتين، ولم يتردّد في أن يقرّب فمه من أذن مراد هامسًا:
ـ "إنها إشارة من القدر… لا تهدرها يا صديقي!"
ردّ مراد بصرامة وهو يحاول أن يسيطر على نفسه:
ـ "اسكت، أوزغور… لا تجعلني أندم أنني أجلس بجانبك."
لكن ابتسامة آيلين الخجولة، التي لم تستطع منعها في تلك اللحظة، ظلّت محفورة في ذاكرته مثل وشم لا يُمحى.
دقّ الجرس معلنًا نهاية الحصة، فعمّ الصف ضجيج الحقائب والكراسي. خرج الطلاب جماعات، وفي ردهة المدرسة كانت زينب تنتظر أخاها الكبير مراد. كانت قد أنهت حصصها في الطابق السفلي قبل ساعة، لكنها أصرّت أن تبقى حتى يخرج هو.
حين لمحته، ركضت نحوه بخطواتها الطفولية الخفيفة، وابتسامة المكر على وجهها.
قالت بصوتٍ خافت وهي تمسك بيده:
ـ "لقد رأيتها… لقد ابتسمت لك!"
توقّف مراد مكانه، نظر إليها بحدّة، ثم همس متوعدًا:
ـ "زينب! أخرجي هذا الكلام من رأسك فورًا!"
ضحكت هي بخفة، ثم أضافت وهي تلوّح بإصبعها:
ـ "مئة ليرة أخرى، وإلا فسأخبر أمّي… أو جدّي سليمان!"
كاد مراد أن يصرخ من الغيظ، لكنه تمالك نفسه، لأن الممر كان يعجّ بالطلاب، ومن بينهم آيلين التي مرّت بجانبهما في تلك اللحظة، وابتسمت ابتسامة قصيرة قبل أن تغادر الباب الخارجي.
شعر مراد أن الأرض تميد تحته، بينما زينب تقفز بجانبه بخفة، كأنها فازت بأجمل سرّ .
وقف مراد عند الباب الخارجي، حقيبته على كتفه، يحاول أن يخفي توتّره بعد لحظات الصف الغريبة. لحق به صديقه أوزغور، يركض بخطواتٍ سريعة وهو يلوّح بيده:
ـ "انتظرني يا بطيء!"
ابتسم مراد نصف ابتسامة، فيما لحقت بهم زينب التي كانت تمسك يد صديقتها نارين، فتاة رقيقة في مثل سنها، ذات ضفائر سوداء طويلة. كانت زينب تثرثر معها بلا توقف، بينما نارين تضحك بخجلٍ طفولي.
من بعيد، انضمّ إليهم حمزة، زميل مراد الآخر وصاحب روحه المرحة. رمى حقيبته على كتفه بعفوية وقال:
ـ "هيا يا جماعة، فلنسبق بعضنا إلى الساحة الصغيرة قبل البيت!"
تحمّست زينب وصاحت:
ـ "أنا معك يا حمزة! سأفوز عليك جميعًا!"
أمسك مراد جبينه بيأس وهو يتمتم:
ـ "آه… ها قد بدأت المصيبة."
انطلقوا جميعًا في السباق الصغير عبر الأزقة الحجرية القديمة لماردين، حيث كانت البيوت متراصة كالعناق، ونوافذها المزينة بالمشربيات تراقب الأطفال المندفعين في مرح.
كانت زينب تركض بأقصى ما تستطيع، ثوبها الأزرق يتمايل خلفها، وضفيرتها القصيرة تتطاير في الهواء. إلى جانبها، كانت نارين تحاول اللحاق بها، لكنها لم تستطع مجاراتها. أمّا حمزة، فكان يركض بخطوات واسعة، يضحك وهو يتعمد إعاقة مراد بمدّ يده أمامه:
ـ "لن تفوز اليوم أيها العاشق!"
تجمّد مراد في مكانه، قلبه قفز إلى حلقه. التفت بسرعة نحو أوزغور، الذي كان يلهث من الضحك وهو يركض إلى جواره.
صرخ مراد:
ـ "أوزغور!! أهذا من أفكارك أيضًا؟"
رفع أوزغور كتفيه ببراءة مصطنعة، لكنه لم يستطع منع ضحكته العالية.
أدرك مراد أن زينب لا بدّ أنها سربت السرّ لأصدقائهم. ارتفع صوته غاضبًا:
ـ "زينب! أقسم أنك ستندمين على هذا!"
لكنها لم تلتفت، فقط واصلت الركض وهي تصرخ:
ـ "هيا يا آيلين… أقصد يا مراد!"
دوّى ضحك الأصدقاء في الزقاق، حتى أن بعض الجيران الذين كانوا يراقبون من الشرفات ابتسموا لهذا المشهد الطفولي البريء.
وصلوا إلى الساحة الصغيرة، حيث شجرة التوت العتيقة التي اعتادوا الجلوس تحتها. انهارت زينب أرضًا وهي تلهث من التعب، بينما نارين جلست بجوارها تضحك بهدوء.
أما حمزة، فقد رفع يديه عاليًا كمن يعلن انتصاره، وهو يصيح:
ـ "أنا الفائز! لا أحد يسبقني!"
جلس مراد على حجرٍ قريب، يلهث وهو يحاول استعادة أنفاسه، لكنّ الغضب كان لا يزال يشتعل في داخله. اقترب منه أوزغور وربت على كتفه، وقال بصوتٍ ماكر:
ـ "اهدأ يا صديقي، نحن فقط نمزح… ثم اعترف، أليس في قلبك شيء لآيلين؟"
رمقه مراد بنظرة حادة، لكنه لم يجب. كانت عيناه تهربان بعيدًا، كأنهما تبحثان عن مهربٍ من مواجهة نفسه.
أما زينب، فقد جلست تأكل ثمار التوت، وهي تغمز له من بعيد، كأنها تقول:
ـ "سرّك لم يعد لك وحدك."
بدأت الشمس تميل نحو الغروب، ألوانها الذهبية تكسو جدران ماردين الحجرية العتيقة. تفرّق الأصدقاء من تحت شجرة التوت، كلٌّ يتّجه نحو منزله بخطواتٍ متعبة وقلوبٍ ممتلئة بضحكات النهار.
حمزة كان أوّل من غادر، حقيبته تتأرجح على ظهره وهو يغني بصوتٍ عالٍ نشيدًا عسكريًا كان قد سمعه من والده، محاولًا أن يبدو وكأنه البطل المنتصر في السباق:
ـ "أنا الفائز… لن يهزمني أحد!"
ضحك وهو يلوّح بيده للأطفال الصغار الذين كانوا يلعبون في الزقاق.
نارين غادرت مع ابتسامة عريضة، يدها الصغيرة تمسح على ضفيرتها الطويلة وهي تهمس لزينب قبل أن تبتعد:
ـ "إلى الغد يا زينب… سأحضر معي بعض الحلوى."
ثم ركضت بخطواتها السريعة نحو بيتها القريب، وصوت أمها يناديها من بعيد: "نارين… أسرعي، الطعام جاهز!"
أما أوزغور، فقد مشى ببطء وهو يضع يديه خلف رأسه، ينظر إلى مراد ويصيح من بعيد:
ـ "لا تنسَ… غدًا عند الاستراحة سأتابع أخبارك مع آيلين! لا تخيّب ظني يا عاشق!"
أطلق ضحكة عالية ثم انعطف نحو زقاق ضيق يقود إلى بيته، حيث كانت رائحة الخبز الطازج تفوح من فرن قريب.
بقي مراد وزينب يسيران جنبًا إلى جنب في الطريق الطويل المؤدي إلى بيتهم. كانت زينب تقفز بين الحجارة وتغني بصوت طفولي مرح:
ـ "آيلين… آيلين… قلب مراد بين اليدين!"
مراد عضّ على شفته، حاول أن يتجاهلها، لكنّ وجهه كان لا يزال متورّدًا. رفع صوته قليلًا، محاولًا أن يبدو صارمًا:
ـ "زينب… أقسم أنني لو سمعت اسمها منك مرة أخرى، فلن أعطيك ليرة واحدة بعد الآن!"
ضحكت زينب، ثم اقتربت منه وهي تقول بنبرة واثقة:
ـ "حتى لو لم تعطِني… يكفيني أن أرى وجهك يحمرّ كلما سمعت اسمها. هذا أفضل من ألف ليرة!"
توقف مراد في منتصف الطريق، نظر إليها طويلًا، ثم هزّ رأسه بيأس:
ـ "أنتِ كارثة، زينب."
لكنها اكتفت بالضحك والقفز أمامه، حتى وصلا أخيرًا إلى باب بيتهم الحجري القديم. هناك، كان صوت سحر يصل من الداخل وهي تنادي:
ـ "زينب! مراد! أسرعا، هنالك مفاجأة "
حين دفع مراد الباب الخشبي الثقيل، وانسلت زينب خلفه، لم يتوقّعا أن يفاجئهما المشهد الأجمل في ذلك المساء.
في وسط فناء الدار العتيقة، بجوار النافورة الحجرية التي تتدفق مياهها برقة، كان سليمان العقيد واقفًا بزيّه العسكري المهيب ، ثلاث نجمات على كتفه تبرز رتبته و هيبته، ملامحه الجامدة التي اعتادت الصرامة قد أذابتها ابتسامة ناعمة وهو يفتح ذراعيه.
تجمّدت زينب لحظة، عيناها اتسعتا بدهشة صافية، قبل أن تسقط حقيبتها المدرسية على الأرض دون تفكير. ركضت بكل ما أوتيت من قوة، صرخت بصوتٍ مرتجف:
ـ "جديييييييي!"
انحنى سليمان وفتح ذراعيه أكثر، فتعلّقت به كالعصفور العائد إلى عشه. رفعها بين يديه القويتين، وضمّها إلى صدره بحنانٍ نادر، فيما كانت تغرقه بالقبلات على جبينه وخده، كأنها تريد أن تعوّض شهرًا كاملاً من الفقدان في لحظة.
ضحك سليمان وهو يهزّها قليلًا في الهواء:
ـ "يا عفريتة… هل نسيتِ جدّك بهذه السرعة؟"
لكن سرعان ما انقلبت ضحكاتها إلى شهقاتٍ مرتجفة، وبدأت دموعها تنهمر بغزارة، تبكي كمن كان يحبس شوقه منذ زمن طويل.
شهقت وسط بكائها وقالت بصوت متهدّج:
ـ "لقد اشتقت إليك كثيرًا… كثيرًا يا جدي… لا تتركني مدة طويلة مرة أخرى…"
تجمّد سليمان، فوجئ بدموع حفيدته التي لم يتخيّلها بهذه القوة. ارتبك لحظة، لكنه سرعان ما شدّها إلى صدره أكثر، يربّت على ظهرها بيده الكبيرة الخشنة، وهمس لها بحنان:
ـ "ها أنا ذا… عدتُ إليكم. لن أبقى بعيدًا أكثر مما تحتمل قلوبكم الصغيرة."
وفي الجانب الآخر من الفناء، كان مراد يعيش فرحته بطريقته الخاصة. راح يركض كالمجنون بين أروقة البيت، يصيح بصوتٍ عالٍ:
ـ "جديييييييي! عاد جدي! عاد بطلنا!"
ثم اندفع بجنون، قفز على ظهر جدّه من الخلف وهو يضحك، كمن يريد أن يشارك زينب في العناق.
أمسكه سليمان بيد واحدة دون أن يترك زينب، ورفعه معه في حضنه، حتى صار الطفلان معًا بين ذراعيه.
ضحك سليمان بصوتٍ عالٍ لأول مرة منذ عودته، وقال بنبرة يمزج فيها الجدّ بالمرح:
ـ "ها هما صغيراي… واحد يبكيني من الشوق، والآخر يريد أن يكسر ظهري من الفرح!"
غمرهما معًا بحضنٍ طويل، فيما كانت سحر تراقب من بعيد، يدها على قلبها، ودموعها تسيل بلا استئذان… مشهدٌ اختصر معنى العودة بعد الفقد، وملأ الدار بنورٍ غامر لا تطفئه الأيام
جلس الجميع في بهو الدار الكبير، حيث المائدة قد امتلأت بما لذّ وطاب: خبز التنور الساخن، الجبن الأبيض الطازج، الزيتون، وعاء كبير من الشوربة التي أعدّتها الجدة توركان بيديها، كأنها كانت تعلم أنّ سليمان سيطرق الباب في أي لحظة.
جلس سليمان في صدر المائدة، بثوبه البسيط وقد نزع سترته العسكرية الثقيلة ووضعها جانبًا. ملامحه المرهقة من السفر الطويل بدت أكثر دفئًا تحت ضوء المصابيح النحاسية المعلقة على الجدران.
كانت زينب تجلس ملتصقة به تمامًا، لا تفارق ذراعه لحظة، تأكل لقيمات صغيرة ثم تلتفت إليه، تحدّثه وتضحك وتبكي في آنٍ واحد، كأنها تخشى أن يستيقظ فجأة ويختفي. مدّت رأسها على كتفه وهمست بصوتٍ يقطر دلالًا:
ـ "لن تذهب بعد الآن، أليس كذلك يا جدي؟ أقسم أنّني لن أنام ليلة أخرى إذا رحلت."
ابتسم سليمان، وضع يده على رأسها بحنان وقال:
ـ "لا تخافي يا زهرتي الصغيرة… سأبقى ما استطعت. أنتم قوتي، أنتم سلاحي الحقيقي."
أما مراد، فكان يتكلم بسرعةٍ جنونية، لا يكاد يلتقط أنفاسه:
ـ "جدي، هل تعلم؟ لقد حصلتُ على المرتبة الثالثة في امتحان الرياضيات! وأوزغور كاد أن يسقط، لكنني ساعدته. وأيضًا… أيضًا، فزتُ على حمزة في السباق الأخير تحت شجرة التوت! آه، وهناك شيء آخر… لقد تعلمتُ فكّ عقد الحبال كما كنتَ تدرّبني!"
ضحك الجميع من حماسه، فيما كان سليمان يراقبه بفخرٍ صامت. رفع كوب الشاي بيده وقال:
ـ "هكذا أريدك يا مراد… قويًّا، مجتهدًا، لا تخاف من التحديات. ستصبح رجلًا عظيمًا يومًا ما."
تألقت عينا مراد فرحًا، لكنه سرعان ما تجنّب نظرات زينب التي كانت تحدّق به بخبث، وكأنها تذكّره بسرّه مع آيلين.
الجدة توركان كانت تتنقل بين الصحون، تملأ الأطباق وتقول بلهجة الأم الحنون:
ـ "كلوا يا أولادي… دعوا جدكم يرتاح من مشقّة السفر. سليمان، خذ من هذا اللحم، لقد طهوتُه خصيصًا لك."
ردّ بابتسامة هادئة:
ـ "طعامك وحده يكفيني يا توركان… يجعلني أنسى تعب شهر كامل."
وسط كل ذلك، لم تكن سحر تتكلّم كثيرًا. كانت تجلس مقابلةً له، تنظر إليه بين حينٍ وآخر بعيونٍ دامعة، وكأنها تستعيد صورة أركان في ملامح أبيه. كانت ترى في حضن الجدّ تعويضًا عما فقده أطفالها، وتشكر الله في سرّها على هذا السند الكبير.
كان الليل قد أرخى سدوله على بيت العائلة في ماردين. المطر ينقر بخفة على زجاج النوافذ، والريح تهبّ على المشربيات الخشبية، فتُصدر أنينًا يشبه الحكايات القديمة. في وسط هذا الجو الممزوج بالبرد والحنين، جلس سليمان على أريكة قريبة من الموقد، وقد أخذت زينب مكانها المعتاد بين ذراعيه، بينما مراد جلس بجانبه، يضع رأسه على وسادة صغيرة ويصغي بترقّب.
قالت زينب، بصوتٍ نصف ناعسٍ نصف يقظ:
ـ "جدي… هيا، احكِ لي القصة… قبل أن أنام."
ابتسم سليمان وربّت على شعرها القصير، ثم نظر إلى كلا الطفلين، وكأنّه يستحضر في ذاكرته ما سيحكيه:
ـ "سأروي لكما قصةً من زمنٍ بعيد، من أيامٍ كان فيها الرجال يختبرون قلوبهم قبل سيوفهم…"
تنحنح قليلًا، ثم بدأ صوته العميق، الممزوج برائحة البارود والتجارب، ينساب في المكان:
ـ "كنا في جبال بعيدة، الثلج يغطي كل شيء، والبرد يلسع عظامنا. كنا خمسة رجال فقط، مهمتنا حماية القرية من عصابة أرادت أن تهاجمها. الليل كان حالكًا، والظلام يبتلع حتى أنفاسنا… لكن قلوبنا كانت مضيئة بالإيمان."
ارتعشت زينب قليلًا، فتشبثت بذراعه، أما مراد فقد اتسعت عيناه من الحماس.
تابع سليمان:
ـ "أذكر أنني كنتُ أصغرهم سنًا، لكنهم سلّموني القيادة. تسلّلنا بين الصخور، كنا كالأشباح. كان عليّ أن أتخذ قرارًا صعبًا: إما أن نهاجم مباشرة، فنخسر حياتنا جميعًا… أو أن نحتال بحيلة. عندها… خطرت لي فكرة."
اقترب برأسه من زينب ومراد، خفض صوته أكثر حتى صار كأنه سرّ عسكري:
ـ "أشعلنا نارًا صغيرة في الجهة الأخرى من الجبل، ووضعنا خوذاتنا فوق الصخور، لتبدو كأنها رؤوس جنودٍ كُثر. وحين رآها الأعداء من بعيد… ظنوا أن جيشًا كاملًا بانتظارهم. فارتبكوا، تراجعوا، وتركوا القرية آمنة."
صفقت زينب بخفة وهي تقول:
ـ "وااو! لقد خدعتهم يا جدي!"
ضحك سليمان بحرارة، ثم مسح على رأسها:
ـ "نعم، يا صغيرتي… أحيانًا العقل يغلب القوة. ليس كل نصرٍ بالسلاح، أحيانًا يكون بالكلمة أو بالفكرة."
أما مراد، فقد جلس أكثر قربًا، وعيناه تتلألآن:
ـ "جدي… هل سأتعلم أنا أيضًا مثل هذه الحيل؟ أريد أن أكون قائدًا مثلك."
نظر إليه سليمان طويلًا، ثم قال بصوتٍ جادّ ممزوج بالحنان:
ـ "ستكون أكثر من قائد يا مراد… لكن تذكّر: القائد لا يعني أن يكون الأقوى عضلًا، بل أن يكون أرحم قلبًا، وأصدق لسانًا."
سكت لحظة، ثم أضاف وهو يشدّ على كتف حفيده:
ـ "وأنتِ يا زينب، ستكونين دائمًا نور البيت. شغبكِ اليوم… هو ضحك الغد. فلا تغيّري قلبكِ الطاهر أبدًا."
في تلك اللحظة، غلب النعاس زينب، فأغمضت عينيها وهي تبتسم، بينما مراد ظلّ يقاوم النوم كي لا يفوته أي حرف من كلمات الجدّ.
انطفأ الحديث شيئًا فشيئًا، ولم يبقَ سوى صوت المطر في الخارج، وصوت أنفاس الأطفال وهم يغفون بين دفء حكايات الجدّ وحنانه.
أشرقت شمس الصباح على ماردين، وقد غسلت الأمطار ليل البارحة أزقة الحيّ، فصارت الحجارة تلمع كأنها مرصوفة باللؤلؤ. في الدار، كان الصمت لا يزال يخيّم، الجميع نائم بعد ليلةٍ طويلة مليئة بالعناق والضحك والدموع.
لكن زينب، تلك الصغيرة المشاغبة، كانت أول من استيقظ. نهضت من فراشها بخطواتٍ متعثّرة، شعرها منفوش كأشواك قنفذ صغير، وعيناها نصف مغمضتين. أمسكت بالمشط بيدها الصغيرة، وخرجت تركض في الدار وهي تتمتم لنفسها بصوتٍ غليظ مبحوح من أثر النوم:
ـ "أين جدي… أين جدي… سيمشّط لي شعري اليوم!"
تعثرت بطرف سجادة، لكنها لم تتوقف. حتى بدت وكأنّ غولًا صغيرًا قد هبّ من سباته ليغزو البيت.
حين وصلت إلى وسط الدار، توقفت فجأة. هناك، عند النافورة الحجرية التي تتوسط الحوش، جلس سليمان على كرسيٍ خشبي بسيط. كان ممسكًا بمصحفه، يقرأ آياتٍ بصوتٍ خاشعٍ عذب، يتردد صداه في الأرجاء مع خرير الماء.
اتسعت عينا زينب، وغمرتها سعادة صافية. ركضت نحوه بخفة، ثم وقفت أمامه دون أن تنطق، رفعت المشط عالياً بيدها، وهي تنظر إليه برجاء طفولي.
رفع سليمان عينيه عن المصحف، فرأى المشهد: حفيدته بثوب نومها الأزرق، شعرها منفوش يحيط بوجهها كالهالة، وعيناها العسليتان تلمعان بإصرار. ابتسم ابتسامة واسعة، أطبق المصحف برفق، ثم قال بصوتٍ دافئ:
ـ "أهذا إعلان حربٍ جديد يا صغيرتي؟"
قهقهت زينب وقالت بصوتٍ مرتفع:
ـ "لا حرب اليوم يا جدي… فقط مشط شعري! انظر كيف أصبح مثل شعر الغول."
ضحك سليمان حتى اهتزّت كتفاه، ثم مدّ يديه إليها:
ـ "تعالي إذن، اجلسي بين يدي القائد، ولن يبقى أثرٌ للغول."
جلست زينب على الأرض، ظهرها إلى جدّها، وهي تمسك أطراف ثوبها بيديها الصغيرتين. بدأ سليمان يمشط شعرها المنفوش بخبرةٍ غريبة، كأنه اعتاد الأمر من قبل. كانت الخصلات المتمردة تتهادى بين أصابعه، تتألم زينب بين الفينة والأخرى، فتطلق صرخة صغيرة:
ـ "آآه! رويدك يا جدي… أأنت تمشط أم تعذّبني؟"
فيضحك هو ويقول:
ـ "اصبري يا مشاغبة… حتى الجندي يحتاج أن يتألم قليلاً ليصبح قويًا."
وحين انتهى، ربط لها شعرها ضفيرتين صغيرتين. التفتت زينب إليه، لمست الضفيرة بيدها، ثم طبعت قبلة سريعة على جبينه قائلة:
ـ "أنت أفضل جدّ في العالم!"
عاد سليمان إلى مصحفه، فيما ركضت زينب كالفراشة في أرجاء الدار، ضفيرتاها تتمايلان وراءها، وهي تصرخ:
ـ "انظروا! جدي جعلني اميرة"
ضحك سليمان وهو يراقب فرحة حفيدته التي تملأ الدار بالضوء والضحك، ثم تنهد بعمق، وعيناه تلمعان بحنينٍ خفي وهو يسمع صوت خطواتها الصغيرة وضحكاتها العذبة، وقال بصوت خافتٍ كهمس الريح:
ـ "آه يا أركان… متى ستعود لتفي بوعدك؟ ابنتك كبرت أمام عينيّ، وأنت ما زلت بعيدًا…"
بعد لحظات، سُمِع وقع خطوات متثاقلة على الدرج الخشبي. كان مراد قد استيقظ أخيرًا، عيناه نصف مغمضتين، شعره منكوش كأعشاب جافة، وهو يتمطّى في تثاقلٍ واضح. دخل إلى وسط الدار، فوقع بصره مباشرة على زينب التي كانت تدور حول نفسها بفخر، والضفيرتان تتمايلان وراءها كأجنحة فراشة.
توقف في مكانه، مسح عينيه بيده، ثم رفع حاجبيه ساخرًا:
ـ "ما هذا؟ هل صار عندنا مهرجان للدمى اليوم؟"
توقفت زينب فجأة، وضعت يديها على خاصرتها، وردّت بصوتٍ متحدٍّ:
ـ "هذه ليست دمى، هذه ضفيرتي الجديدة! جدي هو الذي صنعها… أنظر كم هي جميلة!"
اقترب مراد بخطوات بطيئة، ثم انحنى قليلًا متفحّصًا:
ـ "هممم… بل أشبه بحبال الحمار الذي عند العم حسين! أترين؟ نفس السماكة!"
اشتعل وجه زينب غضبًا، وازداد احمرار خدّيها:
ـ "أنت غبي! أنت لا تفهم شيئًا في الجمال!"
قهقه مراد، مدّ يده وحاول أن يشدّ إحدى الضفيرتين. لكن زينب كانت أسرع، فانقضّت عليه مثل قطة صغيرة، وبدأت تضربه بكفيها الصغيرتين على صدره وذراعيه.
صرخ مراد وهو يضحك:
ـ "آي! توقفي أيتها المجنونة!"
لكن زينب لم تتوقف، بل جمعت قبضتها الصغيرة وضربته في وجهه ضربةً خاطفة. تجمّد مراد لحظة، ثم انفجر ضاحكًا وهو يتراجع إلى الخلف.
في تلك اللحظة، نهض سليمان من مكانه، رفع صوته بصرامةٍ مخلوطة بالضحك:
ـ "كفى أيها الجنود! توقفوا عن هذه الحرب قبل أن تتحول الدار إلى ساحة معركة."
أمسك بيد زينب، رفعها عاليًا وهو يبتسم بفخر:
ـ "لكن الحق يُقال… هذه الصغيرة تضرب كالعاصفة! من اليوم لن أناديك زينب بعد الآن… بل العاصفة العثمانية!"
وقبل أن تردّ، دوّى ضحك مراد في المكان، وهو يشير إليها ساخرًا:
ـ "نعم نعم، العاصفة العثمانية! لكن عاصفة من الريح فقط!"
أما زينب، فانتفخت وجنتاها غضبًا، وصرخت وهي تلوّح بقبضتها الصغيرة:
ـ "سأريك يا مراد! العاصفة قادمة!"
بعد الفطور، ووسط الجو الصيفي اللي تخلط فيه نسيم الجبال مع رائحة التراب المبلل من أمطار البارحة، جلس مراد يتأمل الأرض وهو يفكر في "كارثة المئة ليرة". زينب، كالعادة، كانت ترقص بين الأعمدة الحجرية في وسط الدار، تغني أغنية بلا معنى وتضحك.
فجأة صاح مراد وهو يصفّق بكفيه:
ـ "عندي فكرة! الجو اليوم رائع… ما رأيكم نذهب إلى الوادي؟ نسبح ونلعب قليلًا؟"
قفزت زينب من مكانها، عيناها تلتمعان:
ـ "حقًا؟ الوادي؟ ياااه! جدي، دعنا نذهب! أرجوك!"
سليمان، الذي كان يستمتع بمشاهدة المشهد، ابتسم وقال وهو يضع مصحفه على الرف:
ـ "الوادي، هه؟ لا بأس… ولكن بشرط: أن تكونوا حذرين. الماء لا يرحم من يستهين به."
صفقت زينب بقوة حتى كادت تسقط، ثم ركضت نحو غرفتها لتأخذ منشفتها الصغيرة ذات الرسومات الملونة. أما مراد، فقد خرج يركض نحو بيت صديقه أوزغور ليخبره، في حين زينب لم تضيع الفرصة، أسرعت نحو بيت صديقتها نارين:
ـ "نارين! هيا بنا، سنذهب للوادي!"
بعد نصف ساعة، كان الأربعة ـ مراد، زينب، أوزغور، ونارين ـ يسيرون في الطريق الترابي المؤدي إلى الوادي. الطيور تزقزق فوق أشجار التين والزيتون، وأصوات الماء تتعالى كلما اقتربوا. زينب تمسك يد نارين وتقفز في الطريق كجديّة صغيرة، بينما مراد وأوزغور يتحدثان عن خطط السباحة والغوص.
حين وصلوا، انبهروا من المنظر: الوادي ممتد بين الصخور، مياهه صافية تعكس زرقة السماء، وأطرافه مزينة بأعشاب خضراء وأزهار برية. رائحة النعناع البري تعبق في الجو، وصوت خرير الماء كأنه موسيقى خفية.
صرخت زينب بكل قوتها:
ـ "أنا أول من سينزل!"
ركضت نحو الماء، وبللت قدميها الصغيرتين، فقفزت للخلف بسرعة وهي تصرخ:
ـ "آآه! إنه بارد مثل الثلج!"
انفجر الثلاثة الآخرون ضاحكين، بينما مراد نزل بشجاعة وهو يقول:
ـ "البطل لا يخاف من برودة الماء."
قفز مراد في الماء وهو يزعم الشجاعة، لكن قشعريرة البرد سرت في جسده حتى كاد يصطكّ أسنانه. ضحكت زينب بصوتٍ عالٍ وهي تصيح:
ـ "ها قد انكشف البطل الورقي!"
أوزغور، الذي كان يتهيأ للنزول، ألقى بنفسه في الماء دفعة واحدة، فتناثر الرذاذ في كل اتجاه، وغطّى مراد وزينب معًا. صاحت زينب غاضبة:
ـ "أيها الماكر! لقد أغرقتني!"
ثم اندفعت خلفه في الماء، تضرب بيديها الصغيرتين فتثير موجات صغيرة كأنها عاصفة مصغّرة. أما نارين، فقد جلست على صخرة قريبة، تضحك بخجل وهي تراقبهم، حتى صاحت بها زينب:
ـ "هيا يا نارين! إن لم تنزلي فسأجرّك بنفسي!"
ضحكت نارين ونهضت، ثم خطت خطوات مترددة قبل أن تقفز هي الأخرى، فتتعالى ضحكاتهم جميعًا.
لم تمضِ دقائق حتى تحوّل الوادي إلى ساحة حرب مائية: مراد وأوزغور يتحالفان ليرشّا زينب، بينما هي تردّ بضربات سريعة تثير العيون والأنوف، تصرخ وتضحك في آنٍ واحد. نارين، رغم هدوئها، باغتت مراد من الخلف ورشّته بالماء بقوة، فصاح وهو يطاردها بين الأمواج الضحلة:
ـ "أيتها الخائنة! كنتِ في صفي!"
ضحكاتهم دوّت في جنبات الوادي، تمازجت مع خرير الماء وزقزقة العصافير، حتى بدا المكان وكأنه يحتفل معهم بطفولتهم.
جلسوا أخيرًا على ضفة الوادي، يلهثون من التعب، قطرات الماء تتلألأ على شعورهم ووجوههم كحبات لؤلؤ. زينب رفعت يديها عالياً وهي تصيح بانتصار:
ـ "أنا الملكة! لا أحد يهزمني!"
فأجابها مراد وهو يبتسم بتعب:
ـ "بل أنتِ… العاصفة العثمانية حقًا."
حين فرغوا من اللعب، كان التعب قد نال من الجميع، لكن زينب ـ أكثرهم حركة وضجيجًا ـ بدت وكأنها لم تعد تقوى على الوقوف. جلست على حجر قرب الوادي، وضفيرتاها ملتصقتان بوجهها المبتل، وعيناها نصف مغمضتين.
التفتت نحو مراد بصوتٍ متهدّج من الإرهاق:
ـ "مراد… احملني على ظهرك… لقد تعبت."
ضحك مراد وهو يهز رأسه:
ـ "ها قد تحوّلتِ من عاصفة عثمانية إلى قطة صغيرة."
ومع ذلك، انحنى أمامها وأدار ظهره قائلاً:
ـ "هيا… اصعدي أيتها الكسولة."
وضعت زينب رأسها على كتفه، ثم تعلّقت به بذراعيها الصغيرتين. ما إن خطا مراد خطوات قليلة حتى غلبها النوم بسرعة البرق، كأنها قطة صغيرة غارقة في الدفء. تنفّسها صار منتظمًا، وشفتيها متباعدتين قليلًا وهي مستسلمة تمامًا.
أوزغور ضحك وهو يشير إليها قائلاً:
ـ "انظروا إليها… قبل لحظة كانت تقاتلنا جميعًا، والآن نائمة كالملائكة."
أما نارين، فوضعت يدها على فمها لتكتم ضحكتها، وقالت بجدية مصطنعة:
ـ "زينب لا تشبه أحدًا… إنها عاصفة، ثم تتحوّل فجأة إلى نسمة هادئة."
ابتسم مراد وهو يمشي بخطوات ثابتة نحو البيت، محمّلًا بأخته التي غلبها النوم، وأصدقاؤه يسيرون بجانبه، يتهامسون ويضحكون.
كانت الشمس تميل نحو الغروب، وضوءها البرتقالي يغمر وجوههم.
حين اقتربوا من البيت، كانت سحر جالسة عند عتبة الدار، تراقب الغروب بعينيها المرهقتين من أعمال النهار. وما إن رأت مراد يدخل محمّلًا بأخته الصغيرة النائمة على ظهره، حتى انفجرت ضاحكة:
ـ "ما هذا يا مراد؟ أتحوّلت إلى حصانٍ في العطلة الصيفية؟"
احمرّ وجه مراد وهو يتمتم:
ـ "لقد تعبت من اللعب يا أمي… طلبت أن أحملها ولم أستطع أن أرفض."
نهضت سحر واقتربت منه، ثم مدت ذراعيها لتأخذ زينب:
ـ "أعطني إياها أيها الفارس الصغير، لستَ مضطرًا لأن تحمل العاصفة على ظهرك أيضًا."
ضحك أوزغور بخبث، وقال وهو يلوّح بيده:
ـ "حقًّا، لقد كان المشهد مضحكًا جدًا… مراد فارس عظيم، لكن سرعان ما يتحوّل إلى خادم لأخته الصغيرة!"
رمقه مراد بنظرةٍ حادة، لكنه لم يُعلّق. سلّم زينب لأمه، التي حملتها بحنانٍ إلى غرفتها، وغطّتها جيدًا، فيما ظلت الطفلة غارقة في نومٍ عميق، كأنها لم تذق تعبًا قط.
أما مراد، فقد غسل وجهه سريعًا عند النافورة، ثم ارتدى قميصًا خفيفًا، وخرج من جديد برفقة أوزغور. كانا يتماشيان في أزقة القرية الحجرية، يركلان الحصى تحت أقدامهما، والضحكات الطفولية تتردّد في أرجائها.
أوزغور وهو يضربه بمرفقه مازحًا:
ـ "أخبرني يا مراد… هل سترى آيلين غدًا عند النهر أيضًا؟"
توقف مراد، تنهد وهو يحدّق في الأفق:
ـ "أوزغور… إن لم تُغلق فمك، فسأرميك في البئر القديمة!"
فانفجر الاثنان بالضحك، يركضان بين الأزقة الضيقة، كأنهما يحاولان مطاردة ظلّ الغروب الأخير.
في عمق الليل، حين سكنت ماردين ولم يبقَ سوى صوت الريح يداعب شبابيك البيوت العتيقة، تقلبت زينب في فراشها فجأة. فتحت عينيها نصف فتحة، ولم تفهم كيف وصلت إلى غرفتها. رفعت رأسها قليلاً، تمسّدت شعرها المضفور بيديها الصغيرتين، ثم تمتمت بصوتٍ مبحوح من أثر النوم:
ـ "أنا… كنت عند الوادي… كيف جئت إلى هنا؟!"
زحفت على الفراش مثل قطة صغيرة، ثم قفزت منه بحركة سريعة، وفتحت الباب بخفة. خرجت إلى الممر، والبيت غارق في الظلام إلا من ضوء خافت يتسلّل من الفناء.
اقتفت الأثر بخطوات حافية، حتى وصلت إلى هناك. كانت النافورة ما تزال ترسل خريرها العذب، وفوق الكرسي الخشبي جلس سليمان، كما اعتاد دائمًا، مصحفه في حجره، يقرأ بصوتٍ منخفضٍ حنون.
وقفت زينب عند العتبة لحظة، ثم مشت إليه وهي تفرك عينيها. قالت بصوتٍ خافت:
ـ "جدي… هل أنت من حملني إلى هنا؟"
رفع رأسه مبتسمًا، أغلق المصحف بلطف، وأشار لها أن تقترب. جلست عند قدميه، وضمت ركبتيها إلى صدرها، وقالت بعناد طفولي:
ـ "كنت نائمة على ظهر مراد… لماذا لم تتركوني هناك؟ أنا لا أحب أن يُوقظني أحد!"
ضحك سليمان، مدّ يده وربت على شعرها:
ـ "يا عاصفتي العثمانية… لو تركناك هناك، لكنت الآن نائمة في الحوش، بين البرد والبعوض."
هزّت رأسها بتذمّر وقالت:
ـ "لكنني كنت سعيدة على ظهر مراد… شعرت كأنني أميرة فوق حصان!"
ابتسم سليمان ابتسامة واسعة، ثم رفع حاجبيه قائلًا:
ـ "إذن أنتِ أميرة، ومراد هو حصانك الأبيض؟"
قهقهت زينب حتى دمعت عيناها، ثم أجهشت بالضحك قائلة:
ـ "حصان؟! مراد حصان؟ لا يا جدي… هو حمار كبير!"
انفجر سليمان ضاحكًا، حتى اهتزت لحيته البيضاء، ثم قال وهو يمسح دموع الضحك من عينيه:
ـ "يا صغيرة… لولا أنه يسمعك الآن لطار عقله غيظًا."
وبينما كانت تضحك، أخذتها غفوة أخرى، فاستسلمت للنوم على ركبتي جدها. مدّ يده بلطف، وحملها بين ذراعيه، ثم أعادها إلى فراشها هامسًا:
ـ "نم يا عصفورتي… غدًا ستوقظين البيت من جديد."
غطاها باللحاف، قبّل جبينها، ثم خرج بخطواتٍ هادئة، فيما ظلّ صوت النافورة يرافق نومها كأنها تهويدة
أشرقت شمس الصباح على ماردين، فملأت أشعتها الدافئة أرجاء البيت. في غرفة الطعام، كانت المائدة قد أُعدّت بعناية: خبز طازج، أجبان، زيتون، وكؤوس الشاي تفوح منها رائحة النعناع. جلس الجميع حول الطاولة، فيما دخلت زينب بخطواتٍ واثقة كقائدة جيش عائدة من نصرٍ كبير.
جلست بين أمها سحر وجدتها توركان، وعيناها تلمعان بمكر طفولي. انتظرت لحظة حتى جلس مراد أمامها، ثم رفعت رأسها قائلة بصوتٍ عالٍ:
ـ "صباح الخير جميعًا… وصباح خاص لحصاني الأبيض مراد!"
اختنق مراد بلقمة الخبز في فمه، وسعل بشدة وهو ينظر إليها بذهول. ضحكت زينب حتى كادت تسقط عن مقعدها، بينما الأم سحر وضعت يدها على فمها تكتم ضحكتها، والجدة توركان ضربت على الطاولة بملعقتها قائلة:
ـ "ما هذا الكلام يا زينب؟ حصان؟! أيّ حصان؟!"
نهض مراد غاضبًا، وجهه أحمر كالطماطم، وقال محاولًا أن يحافظ على كبريائه:
ـ "لا تصدقوها! هي فقط تحلم أحلامًا غريبة!"
لكن زينب صفقت بيديها الصغيرة وقالت بحماس:
ـ "كلا يا جدتي! لقد حملني على ظهره من الوادي إلى البيت مثل الحصان تمامًا… وأنا نمت فوقه كأميرة ناعسة!"
ضجّت الطاولة بالضحك. سليمان الذي كان يراقب بصمت، لم يستطع أن يمنع نفسه، فضحك بصوتٍ عالٍ وقال:
ـ "إذن من اليوم، مراد سيكون حصان الأميرة زينب! لكن لا تنسي يا عاصفتي العثمانية… أن الأحصنة تُرهق أحيانًا."
ازداد وجه مراد احمرارًا، نظر إلى جدّه متوسّلًا:
ـ "جدي! بالله عليك… لا تزيد النار حطبًا!"
لكن الجد لم يتمالك نفسه من الضحك، فيما زينب انحنت بخبث على الطاولة وقالت بصوتٍ خافت يكاد يُسمع:
ـ "أيها الحصان… هل تريد أن أعيد ركوبك من جديد؟"
قفز مراد من مكانه، يطاردها في أنحاء الدار، وهي تركض ضاحكة ضفائرها تتمايل، والجميع يضحكون على مطاردة الصباح.