كانت السماء صافية و الطيور تحلق و تزقزق في كل مكان و صراخ الاولاد يملئ ضيعة آرتوكلو بمدينة ماردين مدينة التاريخ و الحضارة ،مدينة القصص و الروايات التاريخية ،مدينة العشاق ،جمال ازقتها لا يوصف لا توجد اي لغة او لهجة من المكن ان تصف جمالها ،اما اناسها فلا اعرف ماذا أقول عنهم ،اهل الخير و الجود و الكرم و العطاء .
الأولاد يلعبون مباراة كرة قدم جنب وادي الضيعة،يلعبون ضد أولاد ضيعة محمد آغا ، انها المباراة النهائية ،الفريق الرابح سيلعب في المرجوحة شهرا كامل ،لكن ، الفريق الخاسر لن يلعب فيها ابدا طوال هذا الشهر .
انتهت المباراة عند قبل اذان العصر بقليل ،ربح فريق ضيعة آرتوكلو بفارق 6 ل3 ، وها هو صياحهم و هتافهم يتعالا وهم يقفزون هنا و هناك فرحين بانهم سيلعبون على المرجوحة طوال شهر كامل ، بينما أولاد ضيعة محمد آغا يضربون أقدامهم في الأرض متذمرون لخسارتهم .
عاد كل من الأولاد إلى الضيعة وهم يركضون بأقصى سرعتهم كي يصلوا إلى المسجد من أجل اللحاق بالصلاة ، كانت وسط هؤلاء الأولاد فتاة صغيرة في عمر التسع سنوات تقريبا ، بيضاء البشرة ، ذات أعين عسلية اللون و لوزية الشكل مع رموش طويلة جذابة ، ذات شعر طويل اسود اللون مثل سواد الفحم تجمعه بضفيرة تنسدل خلف ظهرها ، تلبس قميصاً أبيض اللون ملطخ بالتراب و سروالاً اسود قد تمزقت ركبته و عليه بقع دم في منطقة الركبة * لأنها وقعت من أعلى الشجرة أثناء محاولتها قطف بعض الثمار لكي تأكلها هي و أولاد ضيعتها * ، وتلبس حذاءاً اسود ،نعم إنها زينب آغا أوغلو حفيدة العميد سليمان آغا أوغلو الملقب بأسد جبال ماردين ، يرتعب الأعداء عند سماع اسمه فقط.
دوصل الأولاد إلى امام منزل ذا باب خشبي ضخم ، دفعت زينب الباب و دخلت هي و اصحابها المنزل الضخم وهو يركضون نحو النافورة التي تتوسط هذا المنزل العريق الضخم ، خرجت من المطبخ امرأة في الثلاثينات من عمرها ، طويلة ذات ملامح حنونة و هادئة ، ذات أعين سوداء ، و شعر بني تجمعه خلف رأسها بمشبك على شكل وردة ، انها سحر ام زينب
اندفعت زينب نحوها و وجهها يشرق بابتسامة عريضة و هي تضحك و تخبر امها بكل شيء ، وبفوز فريق ضيعتهم على ضيعة محمد آغا و انهم سوف يلعبون في المرجوحة طوال شهر كامل ،ضحكت سحر و هي تقبل خد زينب بحنان و تربت على ظهرها .
سحر بصوت حنون_"هيا يا ابنتي اذهبي بسرعة و غيري ثيابك لكي تذهبي إلى المسجد مع رفاقك قبل أن تفوتك الصلاة "
زينب وهي تركض نحو غرفتها _"حسنا امي ،اخي مراد انتظروني قليلا سوف اغير ملابسي و آتي بسرعة لا تذهبوا بدوني "
مراد و هو يتنهد _" افف حسنا ، لكن اسرعي لأن الإمام على وشك ان يأذن "
ضحكت سحر و دخلت المطبخ لتخرج حاملة صينية ممتلئة على آخرها بالحلويات،صرخ الأولاد بفرح و تجمعوا حولها وهي تعطي كل واحد منهم قطعة و تربت على رأسهم بحنان .
اوزغور وهو يمضغ قطعة الحلوة _"و الله يا خالة سحر انه لا يوجد أطيب من الحلوة التي تطبخينها لنا ، عليك أخذ لقب أحسن طباخة في الضيعة "
سحر وهي تعطيه قطعة أخرى _"حقا؟ ههه لا تتكلم و انت تمضغ الاكل سوف تختنق يا مشاغب "
نزلت زينب من الدرج و هي تركض بعبائتها و حجابها نحو امها كي تأخذ حقها من الحلويات الشهية .
مراد و هو يبتسم ابتسامة مستفزة ويغمز صديقه أوزغور _" واخيرا جائت الآنسة زينب ، أين كنتي ؟ كل هذا الوقت للبس عباءة و حجاب ، بطيئة مثل السلحفاة " ضحك اوزغور ضحكة مكتومة
زينب وهي ترمقهما بنظرة حادة موجهة الكلام لأمها _" امي تكلمي مع هذا المستفز قبل أن أكسر أسنانه "
سحر و هي تكتم ضحكة صغير _" مراد اترك اختك و شانها لا تضايقها،هيا اذهبوا بسرعة و لا تتأخروا "
خرج الأولاد من المنزل ذاهبون نحو المسجد بخطى متسارعة ، و ها هم امام باب المسجد ، انقسموا إلى نصفين البنات سوف يدخلون من الجهة المخصصة للنساء ،اما الصبية فسوف يدخلون من الجهة الثانية المخصصة للرجال .
زرابي حمراء ، ثرية ضخمة تتدلى من سفق المسجد المزخرف بالآيات و الأحاديث الشريفة ، اصطف الناس لإقامة الصلاة ، تلاوة خاشعة و هادئة مريحة للنفس و القلب ، دعوات ترتفع إلى السماء ، خشوع لا يوصف عند رؤية هذا المنظر المريح و الهادئ.
انتهت الصلاة ، خرج الأولاد من المسجد اندفعت زينب نحو أخيها فرحة مسرورة ليسألها هو بدوره _"دعيني اخمن سر هذه الابتسامة ،اممم ،أظن أن الإمام اليم قرأ سورة تحفظينها ،أليس كذالك ؟ "
زينب و هي تبتسم _"نعم ، قرأ الثمن الأول من الحزب الرابع لسورة البقرة."
مراد بابتسامة عريضة _" جيد جدا ، لكن علينا العودة إلى المنزل هيا بنا "
زينب و هي تترك يد أخيها _"اذهب انت فأنا سوف أذهب إلى منزل الخالة أسماء لنلعب انا و نارين ، لا تقلق فقد أخبرت امي "
مراد وهو يتجه نحو البيت مع أصدقائه _"حسنا لكن لا تتأخري"