لقاءات المصادفة المُتكررة
عادت الحياة إلى روتينها الظاهري بعد العاصفة. لكن تحت سطح ذلك الروتين، كان في قلب شكيبا هدوءٌ مختلف، تُخالطه رجفة خفية كتلك التي تسبق هطول المطر بعد قيظ طويل. ظلت تذهب إلى المطعم كل يوم، تحمل الوعاء الفولاذي ذاته، وتسلك الطريق ذاته. لكن عيناها صارتا تبحثان ربما دون وعيٍ كاملٍ منها عن لون سيارة بيضاء قديمة في زحام الشارع.
وبعد أسبوعٍ بالضبط، رأتها.
كانت عائدةً وقت الظهيرة، والشمس تُذيب الإسفلت. وقفت عند حافة الرصيف تنتظر عبور مجموعة من العربات، حين لاحت السيارة من بعيد، متجهةً في الاتجاه المعاكس. كاد قلبها يتوقف. كان يقودها. "إلياس". مرَّ بسرعة، موجهاً نظرةً خاطفةً تجاه الرصيف حيث كانت واقفةً مع مجموعة من النساء. لم يبدُ أنه تعرف عليها، أو ربما لم يرها أساساً. شعرت بخيبة أملٍ غريبةٍ تليها موجةٌ من الارتياح. كان من الأفضل هكذا. انتهت الحكاية.
لكن الحكاية لم تنتهِ.
في اليوم التالي، عندما خرجت من الزقاق الضيق المؤدي إلى مطعم "ذوق ديغ"، وجدت السيارة البيضاء متوقفةً على مسافة، قرب دكان لبيع "التوابل والبُهارات". وقف إلياس بجانبها، يبدو وكأنه يتصفح كتاباً، لكن نظرته كانت ترفع نحو مدخل الزقاق بين الحين والآخر. عندما رآها، أغلق الكتاب بسرعة، واتخذ خطوةً إلى الأمام، ثم توقف، كما لو كان يتردد.
توقفت شكيبا في مكانها، يداها تتشبثان بحزام كيس الغداء القماشي. كانت المفترق: يمكنها أن تدير وجهها وتسلك طريقاً آخر طويلاً، أو تواجه هذا اللقاء الذي تشعر في أعماقها أنها تريده وتخشاه بنفس القدر.
سار إلياس نحوها، ببطء، مبتسماً تلك الابتسامة الهادئة التي تذكرها بها. "السلام عليكم"، قال، مستخدماً التحية الرسمية بلغة البشتو المحلية.
"وعليكم السلام"، ردت همساً، محنية رأسها قليلاً.
"آمل أن تكوني بخير بعد عاصفة الأسبوع الماضي".
"نعم، الحمدلله. شكراً لك مرة أخرى". كانت كلماتها مقتضبة، لكنها سمعت صوتاً أكثر ثباتاً هذه المرة.
تطلع حولهما، كأنه يتحقق من خصوصية المكان. كان الزقاق ضيقاً ولكن فيه حركة متوسطة. "هل... هل يمكنني أن أسير معك قليلاً؟ فقط حتى نهاية الشارع الرئيسي. أود أن أتأكد من أنك تعرفين الطريق الآمن حقاً هذه المرة".
كانت ذريعةً واضحة. لكنها كانت ذريعة مهذبة. نظرت إليه. كان يرتدي اليوم شلوار كاميزاً قطنياً بسيطاً، وحذاءً رياضياً. لم يبدُ كشخصٍ خطر. بل بدا... عادياً. وأكثر من ذلك، بدا صادقاً.
فعلت ما لم تكن لتتخيله نفسها قبل أسبوعين. هزت رأسها بالموافقة، وبدأت بالسير، وهو يسير بجانبها على مسافة محترمة، تاركاً بينهما فرجة تتسع لشخصين.
كانت الدقائق الأولى محرجة، مليئة بصمتٍ ثقيل. هو كسر الصمت أخيراً.
"اسمي إلياس، كما أخبرتك. أدرس الهندسة المدنية في جامعة بيشاور. في السنة الأخيرة".
"أنا... شكيبا"، قالت بعد تردد.
"شكيبا"، كرر الاسم بلطف، كما لو كان يتذوقه. "اسم جميل".
سألتها باحترام عن المكان الذي قدمت منه في أفغانستان. وعندما ذكرت اسم قريتهم الصغيرة، أومأ برأسه. "سمعت عنها. مناطقكم جميلة، جبلية. يجب أن يكون الانتقال إلى هذه الحرارة والضجاجة صعباً".
كانت المفاجأة أنها وجدت نفسها تتحدث. كلماتٌ قليلة في البداية، ثم جملٌ قصيرة. حدثته عن رحلتهم، عن المدرسة التي دمرت، دون أن تخوض في التفاصيل المؤلمة. استمع إليها بإيماءات حانية، دون مقاطعة، وعيناه تعكسان تفهماً حقيقياً.
"والدك يعمل هنا؟" سأل.
"نعم، في مطعم هناك"، أشارت بذقنها نحو الخلف.
"هذا عمل شريف"، قال بسرعة، وكأنه يريد أن يطمئنها أنه لا يحكم. "والدي أيضاً بدأ من الصفر هنا. كان يعمل في صيدلية قبل أن يتمكن من افتتاح عيادته الخاصة. العمل الشاق لا يقلل من قيمة الإنسان أبداً".
في نهاية الشارع، حيث يبدأ الطريق المفتوح المؤدي إلى قريتهم، توقف. "هنا يجب أن أترككِ أعتقد. لن أزعجكِ أكثر".
شكرته مجدداً. وعندما همّت بالانصراف، قال: "مریم... أنا آتٍ إلى هذا الجانب من المدينة غالباً، لزيارة قريب لي. إذا صادف أن رأيتكِ مرة أخرى، هل... هل سيكون من الخطأ أن أحييكِ؟"
كان السؤال بريئاً في ظاهره، لكنه يحمل في طياته طلباً أعمق: طلب الإذن بعبور الجدار الخفي الذي يفصل بين عالميهما. فكرت للحظة. لم يكن في سؤاله ما يخالف الأدب. وفي أعماقها، كانت تلك الدقائق القليلة هي أول محادثة حقيقية لها مع شخص خارج دائرة أسرتها الضيقة منذ وصولها، محادثة لم تكن عن الطعام أو المأوى أو الخوف، بل عن أشياء عادية، أشياء تخصها هي.
"لا... لن يكون خطأ"، قالت، ثم أسرعت بالانصراف قبل أن يرى احمرار خديها.
وهكذا، بدأت "لقاءات المصادفة".
لم تكن كل يوم. ولكن مرتين، ثم ثلاث مرات في الأسبوع، كانت تراه. أحياناً يكون متوقفاً عند مفترق الطرق، وأحياناً تمشي بجانبها لفترة قصيرة. كان حريصاً ألا يطيل، وألا يقترب أكثر من المسافة الاجتماعية الآمنة. تحدثا عن أشياء صغيرة: عن صعوبة بعض المواد الدراسية، عن رائحة المطر الأولى التي تذكرها بجبال أفغانستان، عن كتاب كان يقرأه وأعجب به.
وفي إحدى المرات، سألتها: "هل تحبين القراءة، شكيبا؟"
انكمشت داخلياً. "كنت أحب المدرسة... ولكن..." لم تكمل. كيف تخبره أن تعليم الفتيات في قريتهم توقف منذ سنوات، وأن حلمها بالدراسة مثل أخيها حامد كان قد دُفن تحت أنقاض الحرب؟
لكنه فهم. لم يعلق. في اليوم التالي، عندما سارت بجانبه، مدّ لها ظرفاً ورقياً بنياً رقيقاً.
"هذا لكِ".
فتحته بحذر بعد أن عادت إلى البيت. كان بداخله كتاباً صغيراً، أغلفته متهالكة. عنوانه: "قصائد مختارة لرابعة البلخية ومهستي گنجوي". كانت قصائد شعر فارسي. كتب على الصفحة الأولى بخطٍ أنيق: "لأجمل الأسماء، أهدي كلمات أجمل الشاعرات. إلياس".
لم تكن هدية ثمينة مادياً، ولكن قيمتها كانت لا تقدر بثمن. كان أول شيء يخصها هي وحدها تماماً منذ وصولها. وكان دليلاً على أنه يرها، لا كفتاة لاجئة فقيرة، بل كإنسانة قد تستمتع بالشعر والفكر. أخفت الكتاب تحت فراشها، وقرأته بصمت في الليالي، بضوء مصباح الكيروسين الخافت، وكأن كل كلمة فيه تمنحها قوة جديدة.
كانت تعلم أن هذا السر لو اكتشف سيسبب عاصفة هوجاء في حياتها. لكنها، ولأول مرة منذ زمن طويل، شعرت بأن لها ذاتاً مستقلة عن دورها كابنةٍ أو أختٍ أو ناقلة طعام. كانت شكيبا التي تمشي وتتحدث وتقرأ الشعر.
ومع كل لقاء، كان جدار الخوف والغربة بينهما ينهار حجراً حجراً، ليحل محله جسرٌ هشٌ جميل من التفاهم المدهش. اكتشفت أنه هادئ، يحلم ببناء جسور ومستشفيات في المناطق النائية بعد تخرجه. وهو بدوره رأى فيها قوة صامتة، وذكاءً حاداً، وطيبةً لا تعرف التكلف.
وفي أحد الأمساء، عندما كانا يودعان بعضهما عند الشجرة المعوجة المعتادة، توقف فجأة ونظر إليها مباشرة. كان ضوء الغروب الذهبي يلون وجهه.
"مریم، أنا... أتوق لرؤيتك كل يوم. كلماتنا القليلة هي ما يضيء يومي". توقف، ثم استجمع شجاعته. "أنت تعرفين شعوري الآن. وأنت... هل يمكن أن يكون لديكِ شعورٌ مشابهٌ، ولو بقليل؟"
لم تستطع الكذب، حتى لو كان ذلك أكثر أماناً. نظرت إلى الأرض، ثم رفعت عينيها إليه، وكانت الإجابة في عينيها الواسعتين قبل أن تنطق بها شفتاها.
"نعم"، همست. "أشعر بشيءٍ أيضاً".
كانت تلك الكلمات البسيطة هي الاعتراف الأول، ليس بحبٍ عاصفٍ كما في القصص، بل ببذرة إعجاب عميق، واحترام، واتصال نادر وجد كل منهما أنه يحتاجه في هذه الحياة الصعبة.
عادت إلى البيت ذلك اليوم وكأنها تمشي على السحاب. كان السر الذي تحمله الآن أحلى وأثقل. كانت تعلم أن الطريق أمامهم مليء بالعواصف الحقيقية، عواصف العادات والتقاليد والفروق الاجتماعية. لكن في تلك اللحظة، تحت سماء أرجوانية ملونة بضوء الغروب، سمحت لنفسها بأن تحلم، ولو لبرهة، أن ريح الأمل التي أحضرته إليها في عاصفة رملية، قد تكون ريحاً تحمل لها مستقبلاً مختلفاً، مستقبلاً فيه مكان لقلبها كما هو، وليس فقط لواجباتها.