الفصل الأول: غبار الماضي وتراب الطريق
كان الغبار هو أول ما استقبلهم عند الحاجز الحدودي. غبار أصفر ذهبي، يرفعهُ هبوب رياح خفيفة لكنها متواصلة، ليغطي كل شيء: الوجوه المتعبة، الحُزم البالية، وعيون الأطفال التي كانت تحدّق باتجاه المجهول بفضولٍ مختلطٍ بالخوف. كانت "شكيبا" تجلس على كيس قماشي ممزق، تلف ذراعيها حول ركبتيها، وتتابع بنظرةٍ غائبةٍ حركة أخيها الصغير "يوسف" وهو يحاول أن يصنع تلّة صغيرة من التراب. كان صمتهم المحيط ثقيلاً، يقطعه فقط صوتُ سعالٍ متكررٍ لأحد الشيوخ تحت خيمةٍ قريبة، وهمهماتُ النساء بالدعاء.
كانت هذه الصورة هي خلاصة الأشهر الستة الماضية من حياتهم: الانتظار. الانتظار تحت الشمس الحارقة أو البرد القارس، الانتظار في طوابير الطعام والماء، الانتظار لأخبارٍ عن مأوى، عن مستقبل. غادرت عائلة "شكيبا" قريتهم الوادعة عند سفوح جبال هندوكوش في جوف الليل، بعد أن جعلت الحرب الطاحنة من بيتهم الذي شهد مولدها وأفراحهم الصغيرة هدفاً ممكناً في أي لحظة. كان الأب "عبدالرحيم"، المعلم ذو العينين الحكيمتين والشاربين الكثين الموشّحين بالشيب، هو آخر من أصرّ على البقاء. كان يقول: "التراب الذي نمشي عليه هو تراب الآباء والأجداد. من يغادر أرضه يغادر جزءاً من روحه". لكن ليلة سقوط القذيفة على المدرسة المجاورة، والتي دفنت تحت أنقاضها ثلاثة من طلابه المفضلين، كانت الليلة التي قطع فيها قراره. نظر إلى زوجته "فضيلة" التي كانت تضمّ بناتها الثلاث المرتعشات من الخوف، وإلى ابنه البكر "حامد" الذي كان يحاول إظهار شجاعة أكبر من عمره بتسعة عشر ربيعاً، وقال كلمته بلهجةٍ لا تقبل الجدل: "نحن ذاهبون. الأرواح أغلى من التراب".
الرحلة إلى الحدود الباكستانية كانت رواية أخرى من معاناة ستُحكى لاحقاً. أيام من السير المتواصل، الاختباء، الخوف من لصوص الطرق ومن دوريات لم يعرفوا انتماءها. كانت شكيبا ذات السبعة عشر ربيعاً، تحمل في داخلها خراباً هادئاً. كانت تذكر كل تفصيل في بيتهم: رائحة نبات "الجول" الذي كانت تزرعه أمها في الأصيص على النافذة، صوتُ أبيها وهو يقرأ الشعر الفارسي بصوته الجهير عند المغرب، زقزقة العصافير التي كانت توقظهم على أمل يوم جديد. كل ذلك تحول إلى ذكريات مُعلّقة في فراغ الماضي، لا تستطيع الإمساك بها إلا لتجدها تذوب كالدخان بين أصابعها.
وفي هذا المخيم المؤقت، حيث تتكدس الآلاف من القصص المماثلة، جاءهم الخبر. اقترب منهم رجل ذو لحية قصيرة ويزيّ يشبه زي الموظفين، يحمل لوحة خشبية وورقة ممزقة. "عبدالرحيم وأهل بيته؟" نادا. وقف الأب مسرعاً، وتبعته نظرات الأسرة كلها مليئة بالترقب. تحدث الرجل بلهجة محلية سريعة، مشيراً بإصبعه إلى ورقة. كان يشرح أن هناك "مكاناً". ليس في المخيمات المكتظة، بل في قرية صغيرة على أطراف "بيشاور". بيت. الكلمة وقعت في آذانهم كقطعة موسيقية غريبة بعد صمت طويل. "بيت؟" ردّدت فضيلة وكأنها تتحقق من فهمها للكلمة. نعم، بيت صغير من غرفة واحدة ربما، بحوش صغير. إنه قديم ومتهالك، لكنه له سقف وأربعة جدران. وهو ملك لرجل هاجر إلى المدينة الكبيرة وتركه. مقابل إيجار رمزي جداً يمكنهم السكن فيه.
لم يكن هناك وقت للتفكير. قاموا بحزم أمتعتهم القليلة: بطانيات بالية، بعض القدور السوداء، حقيبة ملابس مشتركة، وصورتين تذكاريتين بالأسود والأبيض التصقت حوافهما. ركبوا عربة شاحنة قديمة مع عائلات أخرى، كانت أجسادهم تتمايل مع كل منعطف على الطريق الوعر. كانت نظرات شكيبا تتجه نحو الأفق حيث بدأت ملامح مدينة تلوح في الأفق. "بيشاور". سمعت عنها. مدينة الحدائق والأسواق القديمة، المدينة التي كانت بوابة للتاريخ بين شبه القارة وآسيا الوسطى. كانت تتخيلها كمجرد رسم في كتاب قديم، لكنها الآن ستكون واقعها الجديد.
لكن أول ما صدمهم عند دخولهم ضواحي المدينة كان التناقض الصارخ. هنا، على جانب الطريق، كانت تنتصب المباني الحديثة ذات الواجهات الزجاجية، والسيارات الفاخرة تتجاوز شاحنتهم المكدسة، والإعلانات الضخمة الملوّنة تعلن عن مشروبات غازية وهواتف محمولة. وعلى الجانب الآخر، وفي الأزقة الضيقة المنفتحة خلف تلك الواجهات الحديثة، كانت الحياة تسير بوتيرة أخرى: دكاكين صغيرة مزدحمة، عربات تجرها حمير، رائحة التوابل والزيت المحروق تملأ الهواء، ووجوه الناس تمضي في شؤونها بسرعة وإصرار.
انعطفت الشاحنة بعيداً عن الشوارع الرئيسية، إلى طريق ترابي ضيق تحفّه حقول قصب السكر وبعض الأشجار المتناثرة. ثم توقفت عند مجموعة من المنازل الطينية المتلاصقة تقريباً. كانت "القرية" التي يتحدثون عنها عبارة عن تجمع سكني هادئ على حافة المدينة الصاخبة، جسر بين عالمين. أوقف السائق محرك الشاحنة وأشار بإصبعه إلى كوخ منفصل قليلاً، يبدو أكثر تواضعاً من الجيران. "هذا هو".
نزلوا بصمت. وقفوا أمام منزلهم الجديد. كان جداراه من الطين المخلوط بالقش، وقد تشققت فيهما خطوط عميقة كتجلّدات على وجه شيخ عجوز. سقفه من صفائح زنك صدئة، مثبتة بقطع حجارة. نافذة صغيرة بدون زجاج، فقط ستارة بالية معلقة. والباب الخشبي الذي بدا أنه يئن تحت وطأة السنين. الحوش الصغير أمامه كان أرضاً ترابية جرداء، تنبت فيها بعض الأعشاب البرية اليابسة.
لكن في عيون عبدالرحيم، كان هذا الكوخ قصراً. تنهد تنهيدة عميقة خرجت من أعماقه، ثم قال بصوتٍ حاول أن يجعله مملوءاً بالأمل: "هذا بيتنا. بإذن الله، سنجعل منه مكاناً طيباً". دخلت فضيلة أولاً، تليها البنات ثم الأبناء. كانت الرائحة الأولى التي استقبلتهم هي رائحة التراب الرطب والقدَر. الغرفة الواحدة كانت مظلمة، لكن شعاعاً من الضد اخترق فجوة في السقف، أضاء عموداً من الغبار يرقص في الهواء. الأرضية كانت من التراب المدكوك. لكنها كانت فارغة، نظيفة من الحطام، وتنتظر أن تملأها الحياة.
بدأ العمل فوراً. دون تنسيق، عرف كلٌ دوره. حامد، الأبن الأكبر، ذهب مع والده لاستعجار دلو ومكانس من جارهم الودود الذي جاء لاستقبالهم بتحية خجولة. فضيلة وبناتها الثلاث: شكيبا، سارا، وليلى، بدأن بنفض الغبار عن الجدران بقطع من القماش البلل. يوسف الصغير، وجد في الركن زاحفة صغيرة، فبدأ بمطاردتها بفضول بدلاً من الخوف. كانت أول ضحكة تسمع في ذلك الكوخ هي ضحكته الطفولية وهو يرى الزاحفة تختفي في جحر.
بحلول المساء، كان الكوخ قد تحول. نظّفت الأرضية، وُضعت البطانيات في زوايا الغرفة لتحديد أماكن النوم. علّقت فضيلة الصورتين التذكاريتين على جدار خالٍ، وكأنها تعلن عن استعادة جزء من الماضي في هذا المكان الغريب. أشعلوا موقد الكيروسين الصغير الذي أحضره الجار الكريم مع وعاء من "اللّسي" الساخن. جلسوا في دائرة حول الضوء الخافت، يتناولون أول وجبة لهم في بيتهم الجديد. كان الخبز جافاً واللّسي بسيطاً، لكنه كان أشهى طعام تذوقوه منذ أشهر، لأنه كان في مكان له جدران.
نظر عبدالرحيم إلى عائلته في ضوء الموقد المتذبذب. رأى التعب العميق في عيني زوجته، والتحدي الصامت في عيني حامد، والبراءة المفقودة جزئياً في عيون بناته. نظر إلى شكيبا تحديداً، التي كانت تساعد أمها بصمت، وشعر بثقل المسؤولية يخنقه. معلمٌ لم يعد لديه فصل، رب أسرة لم يعد لديه مصدر رزق في أرض لا يعرف أحداً فيها. لكنه أخفى ذلك. قال: "غداً، سأذهب إلى المدينة. سأبحث عن عمل. أي عمل. الله لا يضيع عباده".
في الخارج، بدأت أصوات المدينة الكبيرة تصلهم خافتة: زمور سيارات بعيدة، أذان المغرب من مئذنة غير مرئية، نباح كلاب. كانت شكيبا جالسة عند عتبة الباب الخشبي، تتابع ظهور أولى النجوم في سماء باكستان. فكرت: "هل تنظر النجوم نفسها إلى قريتنا هناك أيضاً؟". أحست بغصة في حلقها، لكنها سرعان ما طردتها. كانت هناك مهام تنتظرها غداً. كانت الأم تحتاج مساعدتها في ترتيب البيت، والأخوات الصغيرات يحتجن إلى الطمأنينة، وكان والدها سيحتاج من يأتيه بطعام في عمله الجديد، أينما كان.
في تلك الليلة، بينما كان أخوتها يغطون في نوم عميق من شدة الإعياء، بقيت شكيبا مستيقظة لفترة. كانت تستمع لأنفاسهم المنتظمة، وتنظر إلى الشق في السقف حيث كان القمر يسلط خيطاً رفيعاً من الضوء على الأرض الترابية. لأول مرة منذ شهور، لم تكن تشعر برياح العاصفة تضرب وجهها. كانت هناك جدران تحميها. جدران طينية متصدعة، لكنها كانت كافية لتشعر بأن شيئاً ما، ولو صغيراً ومهزوزاً، قد بدأ. بدأت رحلة البقاء، رحلة غرس جذورهم المقتلعة في تراب هذه الأرض الغريبة، على أمل أن تثمر يوماً ما زهرة للأمان. كانت رياح الأمل قد بدأت تهب، خفيفة، متوارية خلف رياح الغربة والتحدي، لكنها موجودة. ولهذه الرياح، قررت شكيبا أن تفتح نافذة روحها، قليلاً.