الفصل الثاني

الفصل الثاني

10 0

الفصل الثاني: حرارة المطبخ وطريق الخبز

استيقظت بيشاور على صوت أذان الفجر الأول، متنقلاً بين مآذن المدينة القديمة والجديدة، كنداءٍ مترابطٍ ينسج شبكةً من الأمان فوق النائمين. في الكوخ الطيني الصغير عند أطراف القرية، كان صوت الديك هو المنبه الأول. تحركت "فضيلة" بهدوء كعادتها، وأشعلت موقد الكيروسين لتُعدّ الشاي الأول، رائحة أوراق الشاي الأسود الباكستاني الثقيلة تملأ الغرفة الواحدة، وهي رائحة مختلفة عن الشاي الأخضر الخفيف الذي اعتادته في أفغانستان.

كان اليوم التالي للوصول محمّلاً بجدية صامتة. ارتدى "عبدالرحيم" أنظف ما لديه من ملابس سروالاً كاميزاً قديماً لكنه نظيف، ووشاحاً صوفياً على كتفيه وخرج مع شروق الشمس. وجهته كانت المدينة، قلب بيشاور النابض، حيث الأسواق والمتاجر والمطاعم.

كانت مهمته بسيطة وصعبة: العثور على عمل،أي عمل.

تركت "شكيبا" مع أمها وأخوتها تُعيد ترتيب حياتهم داخل الجدران الأربعة. عملية تنظيف أخرى، محاولة إصلاح الباب الخشبي المتآكل، توزيع الأدوار: "حامد" سيبحث عن عمل مؤقت في إحدى ورشات السيارات في القرية، "سارا" و"ليلى" ستذهبان مع أمهما لجمع حطب للطبخ من أطراف الحقول، و"يوسف" الصغير سيرافقهن تحت المراقبة. أما شكيبا، فستبقى لحراسة البيت وبدء معركتها مع الموقد البدائي لإعداد أول وجبة غداء من إمكانياتهم المحدودة: بعض البطاطس والأرز الذي تبرع به الجيران الطيبون.

كانت تعلم أنها في أرض جديدة، توابلها مختلفة، وأذواقها غريبة. لكن الجوع كان معلماً عاجلاً. أخذت قدراً أسود، وحاولت تذكر طريقة والدتها في طبخ "القلوچة" الأفغانية، لكنها في النهاية صنعت طبقاً هجيناً: أرزاً أبيض بسيطاً مع قطع بطاطس مسلوقة. كانت نكهة الفقر واضحة، لكنها كانت ساخنة ومغذية.

عاد الأب قبل الظهيرة مباشرة. خطواته كانت ثقيلة، لكن في عينيه شرارة خجولة من الأمل. جلس على الحصيرة المفروشة على الأرض الترابية، وانتظر حتى تضع فضيلة كوب الشاي الثاني بين يديه، ليبدأ حديثه.

"وجدت عملاً"، قال بصوته الهاديء الذي يحمل في طياته تعب السنين. "في مطعم شعبي في 'كيسا خواني'، سوق الحدادين القديم. صاحب المطعم رجل طيب من 'شنكار'، اسمه 'غلام نبي'. وافق أن أعمل 'مساعد طاهٍ'... أقوم بتنظيف الخضار، وغسل الأواني، وأحياناً خدمة الزبائن عند الازدحام". توقف قليلاً، يشرب رشفة من الشاي الساخن. "الأجر قليل... لكنه ثابت. وسيسمح لي أن آخذ وجبة غداء كل يوم".

نظر إلى مریم مباشرة. "لكن المسافة بعيدة. لا أستطيع العودة للغداء. هنا يأتي دورك يا ابنتي". كانت عيناه تحملان طلباً يعرف أنها لن ترفضه، واعتذاراً لأنه يضع هذا العبء على كتفَيها. "هل تستطيعين إعداد وجبة غدائي كل يوم، وتوصيلها إليّ في المطعم؟ ستكون طريقاً طويلة، وأعرف أنها خطيرة على فتاة..."

لم تدعه يُكمل. "سأفعل ذلك يا أبي"، قالت مریم بصوت واضح، أكثر ثقة مما تشعر به في الحقيقة. "سأصنع لك طعاماً جيداً، وسأصل به إليك". كانت ترى في هذا الدور مسؤوليتها الجديدة، مساهمتها في إعالة الأسرة، وفرصتها لرد جزء من جميل والدها الذي حملهم كل هذه المسافة آمِنين.

وهكذا بدأ الروتين.

في الصباح الباكر، تبدأ فضيلة بتحضير العجين لخبز "التنور". لم يكن لديهم تنور حجري، فاستعانوا بجارة أفغانية قدمت قبلهم بسنوات، سمحت لهم باستخدام التنور المشترك في فناء منزلها. كانت رائحة الخبز الطازج هي عطر الصباح. بعدها، تبدأ مريم بمهمتها. تستخدم المواد البسيطة المتوفرة: بقايا خضار من سوق الأمس، قطع لحم ضئيلة تشتريها الأم بحذر من بائع متجول عند دخوله القرية، والأرز الذي أصبح أساس كل وجبة. تعلمت من أمها كيف تجعل القليل يبدو كثيراً بالنكهات: بصل مقلي جيداً، طماطم مطهوة إلى أن تذوب، وكمون وزردة يلوّنان الطعام بلون الذهب والأمل.

بحلول الساعة الحادية عشرة ظهراً، تكون الوجبة جاهزة. توضع في وعاء حافظ للحرارة من الفولاذ، ثم يُلف بعناية في قطعة قماش سميكة، ويوضع في كيس قماشي بسيط. ترتدي مریم "برقعها" الطويل ذا اللون البني الباهت ليس النقاب الكامل الذي كانت ترتديه في قريتها، بل غطاء رأس وخماراً يغطي صدرها، أكثر عملية للحركة وتبدأ رحلتها.

الطريق إلى المدينة كان درساً يومياً في الجغرافيا البشرية والاجتماعية. أولاً: الممرات الترابية داخل القرية، حيث العيون الفضولية تتابع الفتاة الغريبة. بعض النظرات كانت عطوفة، خاصة من النساء الأفغانيات الأكبر سناً اللواتي يرين فيها انعكاساً لبناتهن. وأخرى كانت حذرة أو حتى متعالية، من بعض سكان القرية الباكستانيين الذين نظروا إلى اللاجئين كمصدر إزعاج وكُلفة. كانت كشيبا تتجنب الاتصال البصري، تسير بنظرة ثابتة إلى الأمام، خطواتها سريعة وهادئة.

ثم تصل إلى الطريق الرئيسي المزفت، حيث تبدأ حياة مختلفة تماماً. هنا ضجيج محركات "التوك توك" الملونة التي تنقل الركاب، وصوت مكبرات الصوت من المحلات تعلن عن العروض، وروائح متداخلة: عادم السيارات، دخان الشواء من المطاعم، عطر التوابل الكثيفة من مصانع البهارات القريبة. كانت تشعر بالغربة تتغلغل في كل جزء منها. كانت لغة "البشتو" المحكية هنا مختلفة قليلاً عن لهجتها، وأحياناً تسمع "الأردية" السريعة التي لا تفهم منها سوى كلمات متفرقة.

لكن مع الأيام، بدأت تتآلف مع الطريق. عرفت المنعطفات، المحلات التي يمكنها أن تشتري منها قنينة ماء إذا احتاجت، الأزقة التي تتجنبها لأنها مزدحمة جداً أو لأن رجالاً يتجمعون عند مداخلها. طورت خرائط ذهنية للأمان.

المطعم الذي يعمل فيه والدها، "ذوق ديغ"، كان ورشة من الفوضى المنظمة. يقع في زقاق ضيق ضمن سوق قديم تسكنه حرفيات الحدادين، حيث دقّات المطارق على المعدن تصنع سمفونية دائمة. كان المطعم غرفة واحدة مفتوحة على الزقاق، بها موقد ضخم تتأجج تحته النار، ومقاعد خشبية طويلة للزبائن، وأكوام من الصحون في أحد الأركان.

في أول يوم رأت فيه والدها هناك، تألم قلبها. رأت الرجل المهيب الذي كان يقف في الفصل المدرسي يشرح الشعر، واقفاً الآن منحنياً أمام حوض ماء، يغسل جبالاً من الأطباق الدهنية. وجهه كان متعباً، ولكن عندما رآها على مدخل الزقاق، تتلمس طريقها بخوف، انفرجت أساريره بابتسامة حقيقية، صافية من كل تعب. أسرع لتستلم الوجبة، ولمس كتفها في شكر صامت. في عينيه، كانت ترى الفخر. كانت ترى أنه يرى فيها المنقذ.

كانت تنتظر حتى يأكل لقيمات قليلة، تتأكد أن الطعام وصل ساخناً وأنه أعجبه، ثم تودعه بسرعة. لم يكن المكان مناسباً لفتاة للبقاء. العودة كانت نفس الرحلة، ولكن في وقت تكون الشمس فيه في كبد السماء، والحرارة تخنق الأزقة.

في بعض الأيام، كان والدها يضع في يدها بضع روبيات قليلة. "خُذيها. اشترِ شيئاً لأخوتك". كانت تحتفظ بالعملات المعدنية في جيبها الداخلي، تشعر بثقلها ككنز ثمين. مرة اشترت حَلوى "جاليبي" لـ يوسف، ومرة شريط رأس بسيط لسارا. كانت تلك اللحظات القصيرة، لحظات العطاء حتى من قلب الفقر، هي ما يجعل العناء يستحق.

أسابيع مرت على هذا المنوال. أصبحت مریم معروفة في الطريق. بعض الباعة بدأوا يبتسمون لها عندما تمر، بائع الفاكهة العجوز كان يمنحها حبة برتقال أحياناً، وامرأة تبيع "الشول" على الرصيف أومأت لها بالتحية. كانت هذه التفاصيل الصغيرة تشكل شبكة أمان بشرية هشة، لكنها موجودة.

وفي داخلها، بدأت تتغير. الخوف الأولي تحول إلى يقظة حادة. الغربة لم تختفِ، لكنها بدأت تفرز طبقاتها: هناك غربة المكان، لكن هناك أيضاً إحساس غريب بالانتماء إلى مهمة، إلى دور. كانت هي الجسر بين دفء البيت البسيط وعمل الأب الشاق. في كيس الغداء القماشي الذي تحمله كل يوم، لم يكن هناك فقط أرز ومرق؛ كان هناك كرامة الأسرة، وصمودها، وحبٌ صامت يُقدَّم في وعاء فولاذي بسيط.

كانت تشعر أحياناً، في لحظات السير الطويلة، بأنها تشبه الطيور المهاجرة التي تراها أحياناً في السماء. غادرت أرضاً، وحطت في أخرى، لكنها تستمر في الحركة، في البحث عن القوت، في بناء عشٍ مؤقت قد يصبح، يوماً ما، وطناً. ولم تكن تعرف أن رياح القدر كانت تعد لها لقاءً، في إحدى تلك العواصف الرملية الآتية، سيغير طعم الغداء، وطعم حياتها، إلى الأبد.

شكيبا:الصبورة

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عتبات بيشاور

المؤلف Aya Mohammad HamedRo
2026/02/24 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة