العاصفة التي غيرت المسار
كانت مواسم الانتقال في بيشاور تأتي مصحوبةً بعنفٍ جميل. رياح "اللو" الحارة تهدأ فجأة، وتحل محلها نسمات مسائية تحمل في ثناياها رائحةً غريبة، رائحة ترابٍ جافٍ ممزوجٍ ببرودةٍ قادمةٍ من سفوح جبال السفاد البعيدة. وفي أحد تلك الأيام، مع بداية الأسبوع الخامس من رحلتها اليومية، حدث ما كانت تحذّرها منه أمها كل صباح: انقلب الجو.
خرجت شكيبا كالعادة، والوعاء الفولاذي ثقيلٌ تحت ذراعها. كانت السماء عند الظهيرة مغطاةً بطبقة رقيقة من الغيوم البيضاء، كقطنٍ ناعم. لكن مع اقترابها من المدينة، بدأ اللون الأبيض يتحول إلى بُنيٍّ مصفرٍّ، ثم إلى درجات الصدأ. شعرت بهبوبٍ مفاجئ لريحٍ دافئةٍ جافة، تلاطمت بها فجأةً كموجةٍ غير مرئية، فرفعت طرف خمارها لتغطية أنفها وفمها. كان الوقت مبكراً للعاصفة الرملية، لكن الطبيعة لا تعرف بالمواعيد.
أسرعت خطواتها، وصلت إلى المطعم قبل أن تبلغ العاصفة ذروتها. رأت أباها على عتبة "ذوق ديغ" ينظر للسماء بعينين قلقين. "عُدْي بسرعة يا بنيتي. الطريق سيكون خطراً". أكل لقيمات سريعة من الطعام الذي لم يعد يبدو شهياً في ظل هذا الجو المخيف، وأعطاها الوعاء الفارغ. "لا تتأخري. اسلكي الطريق الرئيسي ولا تنحرفي إلى الأزقة".
بدأت الرحلة العائدة وكأنها عبر أرضٍ مسحورة. تحولت السماء إلى برتقاليةٍ قاتمة، والهواء ممتلئ بذرات الرمل الناعمة التي تخترق الثياب وتلسع الوجه. كانت الأشياء على بعد عشرة أمتار تختفي في ضبابٍ بني متحرك. لم يعد هناك أحد في الطريق. أغلق الباعة أبواب محلاتهم بسرعة، واختفى الزبائن، حتى "التوك توك" الشجاعة توقفت عن العمل. كانت الرياح تعوي حولها، تحمل معها أوراقاً جافة وأكياساً بلاستيكية تتحرك كأشباحٍ في الظلام.
كانت قلبها يخفق كطبل حرب. لقد ضلت الطريق مرة واحدة من قبل في وضح النهار، والآن في هذا الضباب الرملي، لم تعد تميز يميناً من شمال. المباني كلها بدت متشابهة، والطريق الرئيسي الذي أمرها به والدها اختفى في دوامة الرمل. توقفت عند تقاطع، تحاول أن ترى أي معلم مألوف، لكن يبدو أنها سارت في اتجاه خاطئ. كانت في منطقة سكنية هادئة، ربما أكثر ثراءً من قريتهم، منازل أسمنتية ذات أسوار عالية، لكنها الآن تبدو مهجورة وموحشة.
وهناك، في قلب هذه العزلة المخيفة، سمعت صوت محرك سيارة يقترب خلفها. انحنت إلى جدار، محاولة أن تجعل نفسها صغيرة غير مرئية. كانت تعليمات أسرتها تتردد في رأسها: لا تثقوا بالغرباء، وخصوصاً الفتاة وحدها. توقفت السيارة كانت سيارة بيضاء قديمة، غطاها الرمل فبدت بلون العاصفة نفسها. نزل سائقها، شاب يرتدي "شلوار كاميز" أنيقاً و "واستكوت" جلديًّا، يغطي فمه وأنفه بمنديل.
"هل أنتِ بخير؟" نادى بصوت مرتفع ليعلو على صوت الرياح. "مكانكِ خطير هنا".
خافت شكيبا لم ترد أدارت ظهرها وحاولت أن تسرع في الاتجاه المعاكس، لكن قوة الرياح جعلت خطواتها بطيئة مضطربة.
"انتظري!" سمعت خطواته تركض خلفها. وقف أمامها، متراجعاً خطوة إلى الوراء كي لا يخيفها أكثر. نزع المنديل عن وجهه. كانت ملامحه واضحة رغم الغبار: وجه طويل، عينان بنيتان ذكيتان، وشعر أسود كثيف. بدا في منتصف العشرينيات. "أنا لا أقصد أي أذى. أنظر، العاصفة ستزداد سوءاً. هذه المنطقة ليست آمنة للفتاة وحدها. اسمحي لي أن أوصلكِ إلى بيتك".
هزّت رأسها رفضاً خائفاً. "لا، شكراً. بيتي قريب". كان كذباً واضحاً.
رفع الشاب يديه مستسلماً، لكن صوته كان حازماً بلطف. "حسناً، لكنكِ تسيرين في الاتجاه المعاكس للقرى. أنا أعرف هذه المنطقة. أنا طالب في جامعة بيشاور، أسكن هنا. اسمي إلياس". أشار إلى السماء التي كانت تتحول إلى لونٍ أشبه بدرجات النحاس. "الرياح ستحمل حجارة صغيرة قريباً. هذا ليس مكاناً للوقوف".
في تلك اللحظة، هبّت عاصفةٌ أعنف، حملت معها حفنةً من الحصى الصغيرة التي رمت بها كالسهام. صرخت شكيبا دون قصد، ورفعت ذراعيها لحماية وجهها. كان الخوف من العاصفة في تلك الثانية أكبر من خوفها من الغريب. رأت في عيني الشاب إلياس قلقاً حقيقياً، وليس تهديداً.
"أين تسكنين؟" سأل مرة أخرى، وعيناه تلمعان في الضباب البرتقالي.
همست باسم قريتهم. ابتسم ابتسامةً صغيرةً منتفضة من شفتيه. "هذا على بعد خمسة كيلومترات من هنا! لن تصلِي قبل أن يرخي الليل سدوله، والعاصفة لا تهدأ قبل ساعتين على الأقل".
كانت تعرف أنه محق. كانت تشعر بالبرد بدأ يتسلل إلى عظامها رغم دفء الجو، والرمل في عينيها يؤلمها. النظرة الأخيرة التي ألقتها نحو الطريق المفقود في العتمة جعلت قرارها ينقلب رأساً على عقب.
"حسناً"، قالت بصوتٍ بالكاد يسمع. "لكن... أرجوك، اتركني عند مدخل القرية فقط. لا تدخل".
وافق برأسه بجدية، كأنه يفهم كل ما لم تقله. فتح باب السيارة الأمامي، لكنها هزت رأسها بقوة وفتحت باب الخلفي بنفسها. كان هذا الحد الأدنى من الحيطة. ركبت، والوعاء الفولاذي موضوعٌ بحذرٍ بجانبها كدرعٍ وهمي.
كانت الرحلة داخل السيارة صامتةً غريبة. صوت المحرك الخافت، وعواء الرياح خارج النوافذ المغلقة بإحكام، وصوت تنفسها المتسارع. كانت تشم رائحة عطر خفيف في السيارة، ممزوجةً برائحة الكتب القديمة. نظرت خلسةً إلى الأمام. رأت كتباً هندسية ملقاة على المقعد المجاور للسائق، وبعض الأوراق مكتوبة بخطٍ أنيق.
"أنتِ... لاجئة جديدة؟" سأل إلياس بعد صمت طويل، عبر مرآة الرؤية الخلفية. كان سؤاله مباشراً لكنه غير متطفل.
هزّت رأسها بنعم، خائفة من أي حديث.
"عائلتي أيضاً قدمت قبل سنوات من كابل"، قال، وكأنه يريد أن يطمئنها. "لكن ذلك كان في الثمانينيات. كان أبي طبيباً. أعرف كيف يكون الشعور".
لم ترد. كانت عيناها تراقبان الطريق من النافذة. كان يسلك طريقاً مختصراً لم تعرفه، طريقاً ترابياً موازياً للنهر الجاف. بدأت ملامح قريتهم المألوفة تلوح في الأفق، كأشباحٍ في الضباب البني.
"هنا"، قالت فجأة عندما رأت الشجرة الكبيرة المعوجة التي كانت علامتهم للدخول إلى القرية. "أستطيع النزول هنا".
أوقف السيارة. التفت إلياس لينظر إليها مباشرة. كانت عيناه صافيتين، لا تحملان سوء نية. "أنتِ الآن بأمان. حاولي ألا تخرجي في مثل هذا الجو مرة أخرى. طريق المدينة معقد".
نزلت بسرعة، وحملت الوعاء. توقفت للحظة، والنظراء الحياء والامتنان يتصارعان فيها. "شكراً لك"، همست أخيراً.
ابتسم، ابتسامةً واسعةً دافئةً هذه المرة. "العفو. السلامة يا..." توقف، منتظراً أن تذكر اسمها.
لكنها أدارت ظهرها وبدأت تركض نحو الكوخ الطيني الذي يلوح في نهاية الممر، قلبها يخفق كما لو أنه سيخرج من صدرها. لم تلتفت خلفها. كانت تخشى أن يراها أحد الجيران في السيارة مع شاب.
دخلت الباب وهي تلهث. كانت عائلتها مجتمعة في القلق. "الله يسلمك! كدنا نموت من الخوف!" صرخت أمها وعانقتها بقوة. سأل أبوها عن الطريق، فأخبرته أنها ضلت ولكن أحد الجيران القادمين من المدينة عرف طريقها وأرشدها فقط. كان كذباً جزئياً، لكن تفاصيل السيارة والشاب بقيت حبيسة صدرها. كانت تعرف أن مجرد ذكرها سيُسبب ذعراً لا داعي له.
في تلك الليلة، بينما كانت العاصفة تهدأ بالخارج، وتتحول إلى مجرد همسٍ للريح في شقوق السقف الزنكي، لم تستطع شكيبا النوم. كانت ترى عيني إلياس الذكيتين اللتين نظرتا إليها بقلقٍ حقيقي. كان أول شاب تحدثت إليه مباشرةً منذ وصولها، بل منذ سنوات ربما. في قريتهم المحافظة في أفغانستان، وحتى هنا في مجتمع اللاجئين، كان الاحتكاك بالرجال الغرباء محرماً وخطيراً.
لكن شيئاً ما كان مختلفاً. لم يكن وقحاً، لم يلمسها، لم يحاول استغلال عزلتها. كان مهذباً. وكان يفهم، كما قال، معنى أن تكون غريباً. استغربت من نفسها لأنها تشعر بالأمان عندما تذكرت وجهه، وليس الخوف.
التفتت في فراشها على الحصير. رأت الوعاء الفولاذي الفارغ في الزاوية، يلمع خافتاً في الظلام. ذلك الوعاء الذي كان يومياً مجرد وعاء، أصبح الآن شاهداً على حدثٍ استثنائي. تساءلت: هل ستراه مرة أخرى؟ وهل تريد أن تراه؟
طردت الفكرة من رأسها. كانت محض صدفة. رجل طيب ساعد إنسانةً في محنة، هذا كل شيء. سيمضي كل منهما في طريقه. غمضت عينيها، محاولةً أن تستمع إلى أنفاس أخواتها النائمة، تلك الأصوات المألوفة التي تذكرها بواقعها. لكن قبل أن يغلبها النوم، رأت صورةً أخيرة: ابتسامته الدافئة في مرآة السيارة، عبر ضباب العاصفة البني. وكانت تلك الابتسامة، ببساطتها، أول شيء جميل يخصها وحدها، تخبئه في صدرها، كسرٍّ حلوٍ وخطير في آنٍ واحد.