03الغصين المنكسر

03الغصين المنكسر

14 0

أولا صلوا على النبي

ثانيا أدعولي كتير انا طالبة باك مسكينة

ثالثا اسفة عالتأخير بس انشغلت

رابعا شكرا لكل من يصوت ويعلق

خامسا باخت من برا ومن جوا ادري بس تابعوني على انستغرام اسم الحساب نفسه هناك

شكرا سلفا

بعد انتهاء اليوم الدراسي، وقفت نايا عند بوابة المدرسة تنتظر كاي. برفقة صديقتها مارلين ،همست مارلين بلطف:

- نايا، ألاحظ أنكِ تغيرتي مؤخراً...

توترت نايا قليلاً:

-ماذا تقصدين؟

-أراكِ تتخلفين عن الحصص، وتهملين دروسكِ... وكأن شيئاً آخر يشغلكِ.

-كاي يساعدني في ترتيب أموري...

سكتت مارلين لدقيقة ووضعت يدها على كتف نايا:

-لكنني أخشى أن تضحّي بأحلامكِ من أجله. أنتِ المتفوقة، والمستقبل ينتظركِ.

-هو يحبني، وهذا ما يهم.

-احذرِي أن تسمحي لأحد أن يستغل مشاعركِ... أو جسدكِ.

احمرّ وجه نايا، وشعرت بغصة في حلقها.

-لا تقلقي... أعرف ما أفعله.

ظهر كاي من بعيد، يمشي باتجاههما بخطوات واثقة.

تمتمت مارلين لمرة أخيرة:

-فقط تذكّري... أنتِ تستحقين الأفضل.

غادرت مارلين تاركة نايا في حيرة من أمرها.

وصل كاي واسرعت إليه وكأنها تهرب من الحقيقة التي سمعتها من مارلين.

في طريق العودة سألها:

-ماذا كانت تقول صديقتكِ؟

-كانت تقول إنني أتغيب كثيراً عن المدرسة.

تنهد كاي:

-الدراسة ليست كل شيء... لدينا حياتنا الخاصة.

-أعلم... لكنها قلقة عليّ.

أمسك كاي يدها بلطف:

لا داعي للقلق... أنا هنا.

شعرت نايا ببرودة يده، وتساءلت في سرها: "هل أنا أضحي بأكثر مما يجب التضحية به؟، أم أن ما أفعله صحيح؟"

في المساء

بينما كانت نايا تغسل الأطباق، أخذ كاي هاتفها وفتحه بسرعة. تصفح رسائلها الأخيرة مع مارلين، ثم وضع الهاتف مكانه وكأن شيئاً لم يكن.

يداه كانتا ترتجفان قليلاً ،ليس لأنه يشعر بالذنب، بل من غريزة امتلاك أصبحت أقوى منه.

في تلك الليلة، عندما استلقت نايا في سريرها، إلى جوار كاي النائم، بقيت مستيقظة تحت ثقلٍ جديد على كتفها...

.

.

.

بعد شهر وفي مكالمة عادية بين إيفان وكاي

-ايفان يا صاح كيف حالك ؟لم نرك منذ شهر! ألن تأتي اليوم؟ .

- ربما، ربما لا. لدي جدول صارم في النادي.

- عليك المجيء!, اسمع انا أراك بشكل شبه يومي منذ 12عاما. عندما تغيب لشهر كامل سأضطر للنظر في الصور القديمة لأتذكر وجهك !!.

ضحك إيفان لثوانٍ:

-ههههه يا لك من سخيف حسنا سأمر بكما هذا المساء

تنهد كاي؛

-و أخيراً

في المساء وصل إيفان ومعه بعض الوجبات الخفيفة التي يحبها الاثنان

طرق الباب، ففتحته نايا وهي ترتدي مئزر المطبخ وتضع احمر الشفاه والذي كان مائلا قليلا:

-إيفان ؟! تفضل بالدخول هيا!

-اشكرك ،أين كاي؟

-في المطبخ كما أظن

خرج كاي من المطبخ واتجه إليهما:

-أهلاً أهلاً بالسيد إيفان!, لم اتوقع رؤيتك اليوم أبدا!

ارتفع حاجب إيفان بسخرية:

-من الذي أصر على قدومي؟

اعترف كاي:

-أنا 👈🏻👉🏻

-من الجيد أنك تذكر ذلك

جلس الثلاثة حول مائدة العشاء يتناولون الطعام الذي أعددته نايا ، كان الحديث بين الاثنين متدفقا بسلاسة. بينما بقي إيفان صامتاً معظم الوقت.

شعر كجذر نبتة انْتُزِعَت من تربتها...

ما زال يحمل ذكريات النمو، لكنه لم يعد متصلاً بمصدر الحياة...

...

عاد إلى السكن الجامعي بعد أن أمضى ما يكفي من الوقت معهما ،كانا سعيدين بوجوده ولكنه لم يكن بذات السعادة بينهما...ربما هذا أفضل لهم جميعاً..

كان لديه عرض تقديمي ،بعد أسبوع، وهو مشروعه الصغير للفصل الأول.

كان يشعر بالحيرة؛ ماهو موضوع العرض؟؟

لديه كامل الحرية في الاختيار وهذه هي المشكلة!

"لماذا لا يخبرني فقط ؟أنا لا أعرف ماذا سأختار!"

بعد انتهاء محاضراته ،أخذ حقيبته الرياضية واتجه إلى النادي ,وضع السماعات في أذنه وهو يحاول تصفية ذهنه.

"لا تفكر !لا تفكر!أنت والموسيقى فقط! لساعتين لا أكثر يمكنك تحمل ذلك ركز على الأغنية فقط...الأغنية..

لحظة!! الأغنية هذه هي!"

اندفع الإلهام إلى ذهنه كالشرارة. لم يعد يسمع الأغنية، بل كان يسمع سؤالاً: كيف تتحول هذه الذبذبات غير المرئية في الهواء إلى لحن يشعل الذاكرة، ويثير الفرح، ويحرك المشاعر؟

أطفأ الموسيقى، فجأة. لم تعد السماعات حاجباً بينه وبين العالم، بل أصبحت هي الموضوع نفسه. ابتسم بسعادة غامرة. أجل، يمكنه البحث عن "تشريح الأصوات"

أسرع إلى غرفة الملابس، لم يعد يشعر بتعب التمرين. أخرج مفكرته ،وبدأ يدون الملاحظات الأولى بحماس، بينما كان العالم من حوله يتحول إلى معمل كبير لفحص فكرته الجديدة.

في الأيام الخمسة التالية، دفن إيفان نفسه في المكتبة.

كانت الكتب الطبية تمتد أمامه كخريطة يبحث فيها عن إجابة لسؤال واحد:

كيف تتحول الذبذبات إلى مشاعر؟

بحلول اليوم الخامس، كان قد حوّل حيرته إلى مشروع مكتمل.

بعد يومين كان يقف أمام زملائه ،يقدم مشروعه :

"تشريح الأصوات: كيف تترجم الأذن والدماغ الموجات الصوتية إلى سمفونيات؟".

لم يثرثر كثيراً في الشرح. اكتفى بعرض خريطة سريعة للأذن والدماغ على الشاشة، ثم انطلق صوته الواثق يحكي قصة الاهتزازات التي تتحول إلى مشاعر محسوسة وكلمات.

كان يتحدث عن الموجات الصوتية، لكن عينيه العسليتان كانتا تبحث عن شخص واحد فقط 'كاي' .

قد أخبره عن هذا العرض وأهميته ولكنه لم يحضر...

انبهر الجمهور بأدائه، لكن مشاعرهم لم تصل إليه. لا يهمه مديح من لا يعرفونه.

انحنى بهدوء ونزل المنصة وعاد إلى مكانه بينما أثنى عليه البروفسور وباركه زملائه.

كانت نجاحاته تكبر، لكن قلبه كان يتقلص،

كما بالون يطير عالياً بينما يفقد هواءه ببطء..

...في المساء اتصل بخالته, الوحيدة التي تهتم لأمره حقا كانت سعيدة بنجاحه. أكثر منه هو.

-لا تبدو سعيداً، مالأمر؟

-لا شيء كنت منزعجاً، لأن كاي لم يحضر، رغم أني ذهبت لزيارته الأسبوع الماضي وأكدت له أهمية حضوره!

-لحظة واحدة! كيف ذهبت إليه؟ أنتم تسكنون معاً!

تنهد إيفان :

-كان هذا قبل شهرين تقريبا، وانتقلت بعدها إلى السكن الجامعي لم اخبركِ حتى لا تقلقي علي

-من حقي أن أقلق! أنت وحدك بين أربعة جدران!. من يدري بماذا تفكر وتشعر؟ من سيهتم بك عندما تمرض؟؟

ضحك إيفان بسعادة:

-أحب معاملتكي لي كطفل صغير ولكن كما ترين لم أعد صغيراً! خبر مؤسف أليس كذلك؟؟

-أنت في كل الأحوال تظل صغيراً ، أخبرني هل ينقصك شيء؟؟ أنت بمفردك الآن لابد أن ينقصك شيء وتشعر بالحرج من طلبه.

-ينقصني رؤيتك بخير فقط .

-هذا ليس جواباً.

-أنا جاد، أنا بخير تماماً لا تقلقي علي، لا أريدك أن تتأخري عن موعد نومكي لهذا، تصبحين على خير

-ليس لدي أي مناوبة غداً يمكنك أن تتحدث دون قلق

لكنه أصر على إنهاء المكالمة حتى تنام في ميعادها، رغم أنها قلقة عليه إلا أنها استسلمت له وأغلقت الخط...

قبل 10 أعوام ...

قبل أن تكون للكلمات أي أهمية؛

و قبل أنت تكون جميع الحركات مصيرية .

في المنزل الكبير – بعد المدرسة

كانت الشمس تتسلل من النافذة الكبيرة في غرفة المعيشة الفاخرة، حيث تجلس كارين ،الأخت الصغرى لكاي ،تلعب بدميتها الجديدة. دخل كاي بحقيبته المدرسية، ورمى بها على الأريكة.

كاي:

-أريد عصير برتقال! الآن! 

قالت أمه مسرعة من المطبخ :

-حاضر يا حبيبي، هل كان يومك متعباً؟

همست كارين لدبها المحشو:

-أنظر... الأميرة كارين لا تحصل على شيء ولكن ينال الأمير كاي كل ما يريد.

أحضرت الأم العصير لكاي، ثم نظرت إلى كارين الهادئة مبتسمة قال كاي بعدها:

-أمي أريد أن ألعب بدب كارين!

قالت أمه دون تردد:

-كارين، أعطي دميتك لأخيك. إنه متعب اليوم.

ضمت كارين دبها بقوة

-ولكنها هدية عيد ميلادي!

مد كاي يده بلهفة

-أريدها! الآن!

ضغطت كارين على دميتها أكثر ليصدر منها الصوت المسجل بصوت طفل يقول:

"I LOVE YOU"

أخذ الدمية من يدها بقوة، بينما بدأت كارين تبكي بصوت خافت.

التفتت الأم لـ كارين :

-لا تبكي... يجب أن تتنازلي لأخيك.

-لكنني أصغر منه!

-هذا لا يهم. كاي حساس ومزاجه متقلب، عليكي المشاركة.

لم تفهم كارين سبب معاملة أمها الغير عادلة لها.

لم تكن لتفهم أبداً، كيف حول المجتمع الأمومة لشيء بغيض مليء بالتميز بين الأبناء لأسباب أقل ما يقال عنها تافهة. فهي لم تختر أن لا تولد شقراء مثل أخيها ولم تختر أن تولد بنتاً. كل ذلك كان كثيراً لكنها بكت ظنت أنه أمها ستشفق عليها ، لكنها تجاهلتها ببساطة..

عندما حل المساء ،اتجهت كارين إلى غرفة أخيها طرقت الباب ودخلت بهدوء.

-كاي! أريد دميتي!.

أشار كاي إلى الزاوية:

-خذيها.. مللت منها.

أسرعت كارين والتقطتها من الزاوية ضغطت منتصفها حيث الصندوق يختبئ ولكنه كان مكسوراً بداخلها، شهقت :

-كاي! لماذا كسرتها؟!

-لا بأس.. ستشتري لكي أمي عشر غيرها.

أرتفع صوت كارين وهي تبكي:

-لا أريد غيرها! إنها هدية من عمتي!

؛أكملت بدموع تغرق خديها؛

-لماذا دائماً تحصل على كل شيء؟ وتفسد ألعابي؟؟

اقتربت الأم بهدوء وشعرها البني المموج يتمايل خلفها، جذبها صوتهما المرتفع لكنها وقفت تستمع فقط.

-لأنني كاي.. وهذا حقي.

بقيت كارين صامتة لأنها لم تفهم لماذا دموعها كانت أرخص من ضجر أخيها.

بينما بقيت الأم تراقب من الباب، مبتسمة راضية. قالت في نفسها: "ابني يعرف قيمته.. هذا جيد."

لم ترَ الدمية المكسورة، ولا ابنتها الحزينة.. كل ما رأته كان أميرها الصغير الذي "يعرف ما يريد"

لم تكن تعلم أن تلك الدمية المكسورة كانت نذيراً لقلوب ستُكسر لاحقاً...

كانت الدمية المكسورة ترقد في زاوية غرفة كارين... والآن، ترقد أحلام نايا المكسورة في زاوية قلبها.

بين الماضي والحاضر، بقي كاي نفس الطفل الذي يعتقد أن امتلاك الأشياء بديلٌ عن فهمها.

.

.

.

وقف كاي يفرغ المشتريات ويضعها في أماكنها، تسمر أمام الثلاجة وهو يمسك بثلاثة علب من العصير بحيرة، تساءل لماذا مازال يعتبر إيفان جزءاً من حياته..

ربما عليه أن يتصل به ويعتذر عن عدم قدومه؟

لكن مرَّ أسبوعان بالفعل ربما عليه السكوت فقط...

قال كاي وهو ينتظر من نايا أن تغير قرارها الذي تشبثت به منذ أسابيع:

-هل فكرتِ في... خياراتنا؟

جاء ردها الساخر:

-تقصد خياراتك أنت! أنا لا أملك خياراً إلا انتظار ما ستقرره!

- نايا... يجب أن نقرر بشكل منطقي.

- قراري واضح!.

ليس واضحاً بما يكفي! أنتِ لا تفهمين العواقب.

- بل أفهمها أكثر منك!.

كانت ترتجف بانتظار ما سيقوله لكنه نظر إليها بخيبة ،ثم انسحب إلى غرفته بهدوء. وكأنه توقع ذلك بالفعل.

همست:

-تذكر...هذا ليس قراري لوحدي.

عمّ صمت ثقيل المكان بينما جلست نايا على الأريكة تفكر:

"مالذي أصابه؟ لماذا يطلب مني شيئاً لئيماً كهذا؟!"

راجعت قراراتها مطولاً، وأدركت أنها عالقة معه، كل شيء بدونه سيفقد معناه هي تحبه وهو يحبها والخلافات تحدث بين الجميع(!) .

ابتسمت بهدوء ولكنها فكرت مجدداً :" الحب لا يعني مغفرة أخطاء مثل هذه! ولكن ربما هو مثلي ويشعر بالضياع؟ ربما لو أخبرنا إيفان كان سيجد حلاً! صحيح ولكن كاي يرفض إخباره ماذا أفعل؟ "

في الليل استلقت نايا في السرير قرب كاي، كان القلق ينهش روحها المتعبة، التفتت إلى كاي ،كان نائماً ، بينما هي لم تكف عن التفكير، اقتربت بهدوء بحثاً عن الدفء, اقتربت أكثر وتمسكت بطرف سترته.كان خوفها صامتاً كظل يزحف على جدران الغرفة، لا يصرخ بل يخنق.

تناثرت دموعها الصامتة على وسادتها وغفت قبل أنت تجففها...

لم يكن كاي نائماً، لكنه كان جباناً يمثلُ النوم. كانت أفكاره السوداء تأخذه يمنة ويسرى يمكنه تنفيذ إحداها الآن ولكن ذلك قد يكون ذو عواقب سيئة جداً، كل ما يفعله يمكن أن يؤثر على سمعته، وسمعة عائلته ولكنه الآن لا يستطيع فعل الكثير،نايا ، يحبها فعلاً ولكن حبه لها لا يعني أنه يستطيع التضحية بكل شيء هكذا...

لديه خطة لكنها طويلة ،ولكن الأمر يستحق المخاطرة...

في الصباح استيقظت نايا متأخرة نهضت بهدوء وتجولت في المنزل بحثاً عن كاي، كان يعد الإفطار اندهشت ولكنها ابتسمت بهدوء

-صباح الخير نايا

-صباح النور

-اغسلي وجهك وعودي لنتناول الإفطار معاً؟

كادت نايا تطير من سعادتها رغم انعدام شهيتها ولكنها نفذت وجلست إلى جواره على المائدة لم تأكل الكثير ولكنها كانت سعيدة.

-أنا آسف يا نايا.

صدمت نايا لدى سماعها اعتذاره

-لماذا؟

-لكل ما فعلته أنتي محقة وتملكين القرار بيدك ولكن فكري فيما قلته حسنا؟

هزت رأسها بإيجاب

-حسنا يا كاي سأفعل.

أخذ كاي هاتف نايا وبدأ يتحقق من رسائلها.

سألته بهدوء -لماذا تفعل هذا؟

- أتأكد أن لا أحد يزعجك. أنتِ غالية عليّ.

لم يكن يتلاعب... . لم يكن يعرف الفرق بين الحب والتملك، بين الحب و السيطرة، كان يعتقد أن هذا من الحب. نهض بعد أن انهى طعامه؛

-والآن اعذريني أنا سأذهب لدي محاضرة بعد نصف ساعة!

-بالتوفيق

احمر وجهها لثوان قبل أن تقول مجدداً:

-بالتوفيق يا حبيبي

لم يفهم كاي كيف تستطيع الشعور بالحرج وقد حدث بينهما الكثير سلفاً، ربما لا يمكننا فهم الفتيات أبداً، هكذا فكر قبل أن يغادر.

في الصباح التالي

نهضت نايا بنشاطٍ افتقدته لأيام ورتبت المنزل كاملاً وقد استغرق الأمر عدة ساعات ،غفت قبل عودة كاي...

في صباح اليوم التالي قررت نايا الذهاب إلى المدرسة وتجهزت بسرعة ثم أعدت الإفطار لكاي، كانت قلقة فهي ما عادت تذهب إلى المدرسة بانتظام ،ولا تدرس أبداً منذ أن جاءت إلى هنا رفقة كاي.

ربما لأنها لم تعد قلقة من المستقبل كما كانت سابقاً...

ولكن القلق ليس حافزها الذي دفعها للاستمرار ، لديها حلم ويبدو أنه بات بعيداً..

- سأذهب للمدرسة بعد قليل هل تحتاج شيئاً

تذمر كاي كطفل؛

- ولكن من سيرافقني لشراء الكتب؟ اعتدت أن تذهبي معي.

- يمكننا الذهاب بعد المدرسة لو أردت؟

رد بخيبة طفل:

-لا يهم... سأذهب وحيداً

في وقت لاحق من اليوم نفسه؛

كان إيفان في منتصف المحاضرة عندما شعر باهتزاز هاتفه. نظر إلى الشاشة فوجد رسالة من نايا: "أنا في مأزق"، ومكالمة فائتة.

بهدوء، نهض من مقعده، أمسك هاتفه واستأذن من البروفيسور وغادر القاعة، في الرواق، اتصل بها، فردت على الفور:

-إيفان! يسرني أنك اتصلت سريعاً!

-ما الأمر، نايا

-حسناً... في المدرسة، يطلبون حضور والدتي. أخبرتهم أنها مريضة، وأنني هنا مع أخي الأكبر... وهو أنت. هل يمكنك المجيء كولي أمري؟ بما أنك أخي الكبير؟ لا أستطيع أخبار كاي بذلك هو أشقر وهم يعرفون أنه ليس أخي.

كان يعرف أن دوره لا يتعدى ذلك أخ كبير فقط ،لا بأس سيلعب الدور المتاح...

تنهد إيفان بينما كانت نايا تهمس: "أرجوك، أرجوك، أرجوك..."

-متى عليَّ المجيء؟

صاحت بنبرة فرحة :

-أنت منقذي حقاً!

-ماذا حصل في المدرسة؟

-سأخبرك عندما تأتي. بعد قليل؟

-لدي محاضرة بعد قليل...

-هل هي محاضرة مهمة؟

توقف إيفان لحظة، ثم أجاب بنبرة دافئة:

-ليست أكثر أهمية من اختي الصغيرة.

...أغلق إيفان الخط وكتب رسالة لماري

» سأغيب عن المحاضرة التالية (للأسف) أرجو أن تدوني الملاحظات جيداً، وأتمنى أن تضعي كتبي في غرفتي

.شكراً سلفاً.

استقل سيارة أجرة ليصل بسرعة ،عندما وصل، وجدها واقفة عند الباب، ترتجف قليلاً. لاحظ شحوباً غير معتاد في وجهها، وتعباً في عينيها يتجاوز مجرد القلق من المدرسة

-شكراً لأنك جئت...

-أنتِ أختي، نايا. هذا ما يفعله الإخوة.

بينما كانا يسيران في الممر الطويل المؤدي إلى مكتب الناظرة، انزلقت يد نايا الصغيرة في يد إيفان.

كانت قبضتها تشبه قبضة الطفلة الخائفة التي كانت ذات يوم، لكن هناك رعشة جديدة فيها... رعشة امرأة تخفي سراً ثقيلاً.

ضغط على يدها مطمئناً:

-كل شيء سيكون على ما يرام.

-أعلم... طالما أنت هنا.

دخلا المكتب معاً، وكانت الناظرة تجلس خلف مكتبها الضخم. نظرت إليهما بنظرة محايدة. كلاهما يمتلكان شعراً أسوداً وعينين بنيتين ، ولكن ملامح وجهيهما كانت مختلفة رغم كل ذلك، شكت الناظرة في كونهما إخوة فعلاً.

-إذاً، أنت الأخ الأكبر؟

-نعم، أعتنى بشؤون نايا منذ أن انتقلنا إلى هنا. أنا مصغٍ ما المشكلة؟

جلست نايا صامتة، عيناها مثبتتان على الأرض، لكن يدها لا تزال ممسكة بيد إيفان كما لو كانت طوق نجاة. كانت الناظرة تدرسها بنظرة حادة.

-المشكلة أن مستواها تدهور بشكل كبير. كانت من المتفوقات...

ثم أضافت:

-ولاحظت مؤخراً انشغالها بكاي... ذلك الشاب الأشقر الذي ينتظرها عند البوابة.

توقفت أنفاس نايا. شعرت بالخزي يغمرها. إيفان الذي كانت تريد أن يرى فيها الفتاة الطموحة ، سيعرف الآن أنها فتاة ساذجة شغلها حبها عن دراستها.

طوال الاجتماع، كانت تلملم معطفها الفضفاض حول جسدها كما تحاول الاختباء.

لم تكن قادرة على رفع عينيها نحو إيفان. كانت تفضل أن تواجه غضب الناظرة ألف مرة على أن ترى خيبة الأمل في عينيه.

-الحب جميل يا نايا، لكن لا تسمحي له أن يسرق منك مستقبلك.

خرجوا من المكتب؛ توقفت لتشبث بذراعه:

-أنت غاضب مني، أليس كذلك؟

-لماذا أغضب؟

-لأنني... لأنني سمحت لحبي أن يشتتني.

انكسر صوتها من شدة الخجل. في تلك اللحظة، شعر إيفان بيد نايا ترتجف بقوة. نظر إليها فرأى عينيها تلمعان بالدموع.همست:

-أعدك أنني سأبذل جهدي .

-واثق من ذلك.

بينما كانا يغادران المدرسة، تمسكت نايا بذراع إيفان من جديد:

-شكراً... لم أكن أعرف ماذا سأفعل بدونك.

-نايا... ما الذي يحدث حقاً؟

تجنبت نايا النظر في عينيه:

-لا شيء... مجرد صعوبة في التأقلم.

-اسمعي، لماذا لا نعيد الكرّة؟ سأساعدك في دروسك كما كنا نفعل سابقاً.

لمعت عيناها بسعادة :

-حقاً؟ لكن... جامعتك... مشاغلك...

-اكتبي كل ما لا تفهمينه، وسنحله معاً هذا المساء.

جلست نايا في غرفتها،و دفتر مفتوح أمامها. كانت تحاول حل مسألة رياضيات عندما دخل كاي.

-ما هذا؟ تذاكرين؟

أجابت بحماس:

-إيفان سيساعدني في الاستعداد للامتحانات.

ضحك كاي بسخرية واضحة:

-امتحانات؟ يا حبيبتي، بحلول وقت الامتحانات ستكونين مشغولة بأمور أهم بكثير!

تجمّدت نايا في مكانها. سقط القلم من يدها، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.

تركت كل شيء ومشت إلى السرير. جلست تنتظر وصول إيفان، و الدفتر مغلق بجانبها.

عندما وصل، وجدها جالسة في الظلام:

- نايا؟ لماذا لا يوجد أنوار؟

نهضت نايا مسرعة:

- كنت أنتظرك.

أشعلت الضوء الصغير، وفتحت الدفتر. بينما كان يشرح لها المعادلات، كانت عيناها تتابعان شفتيه أكثر من اتباعها للأرقام.

في تلك اللحظة، لم تكن تريد فهم الرياضيات... بل كانت تريد أن تفهم كيف لا تزال هناك أيدٍ حانية في عالمها الذي ينهار.

بين وقت وآخر كان كاي يطل عليهما يتأكد من أنهما يدرسان فقط.

عاد للجلوس أمام الأريكة وهو يفكر

.

عندما أرى نايا تبتسم لإيفان، أشعر بألم في صدري. أمي كانت محقة ,الأشياء الجميلة يجب أن تكون لنا وحدنا. هذا ليس أنانية... هذا حب.

.

بعد ساعتين من الدراسة، بدأ جفناها يثقلان، لاحظ إيفان وهمس بلطف؛

- تستطيعين أخذ قسط من الراحة.

- لا،يجب أن أنهي هذا الفصل...

لكن النوم غلبها، وكأن طاقتها نضبت فجأة. واستكان رأسها على كتفه. بقي إيفان ساكناً، يحاول ألا يوقظها. في نومها همست كطفلة ضائعة:

- أنا خائفة...

همس لها بالمقابل

- أنا هنا ...

ظل جالساً حتى تأكد من أنها غرقت في نوم عميق، ربما لأنه كان يرتاح لقربها ولشعوره بعطرها يملئ صدره، حاول عدم التفكير بكاي كي لا يشعر بالذنب، حملها بهدوء وتركها في سريرها، ثم غادر غرفتها بهدوء.

ودع كاي الذي كان يشاهد التلفاز ،ثم انصرف.

وقف خارج المنزل ينظر إلى نافذة غرفتها. كان يعرف أن هناك سراً يختبئ بين سطور كلامها، لكن قلبه رفض قراءة ما كانت العيون تخجُل من قوله.

قطع إيفان الطريق إلى النادي مسرعاً. كان يحتاج أن يعاقب جسده على ما شعر به حينما مسكت نايا يده... على الراحة التي شعر بها وهي تنام على كتفه.

كان النادي شبه خاوٍ. فقط إيفان وكيس الملاكمة تحت الضوء الخافت. عرق يتصبب من جبينه ويختلط... ربما بدموع؟ لا أحد هناك ليرى.

بدأ بضربات منتظمة، ثم تسارعت. كل ضربة تحمل ذكرى مؤلمة:

هو صديق طفولتك.. عليك الابتعاد... لا يمكنك أن تخونه..

تنفسه أصبح متقطعاً، يداه تؤلمانه، لكنه استمر. كان يعاقب جسده على جرأة قلبه الذي لا يريد أن ينسى.

فجأة توقف... ليس من الإرهاق، بل لأن صورة نايا وهي تنظر إليه بامتنان بعد اجتماع المدرسة تسللت إلى ذهنه.

أغلق عينيه واستند على الكيس، جسده يرتجف من التعب والألم. همس وهو يلهث:

"يكفي... يا قلبي الغبي... يكفي."

لكنه عاد يضرب الكيس بقوة أكبر، كأنه يحاول أن يقتل في نفسه الأمل الذي لا يموت...

في الأيام التالية حاولت نايا أن تلتزم بدراستها أكثر ،رغم أن كاي لم يكن يشجعها أبداً.

بعد زيارة إيفان بأسابيع

في المركز التجاري وقفت تتأمل فستاناً كحلياً امتدت يدها لفحصه ولكن كاي تدخل مسرعاً

- الأحمر يليق بكي أكثر

لم تكن نبرته تحمل أمراً... بل كانت توسلاً مقنعاً. كان يحتاج أن يراها قوية كالنار،

لأنه يشعر بأنه يغرق في برودة لا يعرف مصدرها.

- ولكن...يعجبني الكحلي أكثر

- الأحمر يتناسب مع شعرك الأسود وعيناكي البنيتان حبيبتي، يشكل مزيجا جيداً

كانت تنوي الاعتراض ولكنها فكرت "هو من يدفع ثمنه علي أن لا أكون فظة معه."

خرجت من غرفة تبديل الملابس، بتردد، وقفت أمام كاي وشعرها ينسدل على كتفيها ، اللون الأحمر يلتف حولها كاللهب يريد أن يحرق براءتها.

في المرآة، رأت شبح المرأة التي ستكونها...

لم تكن ترتدي فستاناً... بل كانت ترتدي نبوءة عن المرأة التي ستصبحها امرأة من نار ستُحرق كل ما تلمسه.

امتلأت عيناها بدموع لا تعرف مصدرها...

....أخذ كاي الفستان الأحمر ودفع ثمنه دون أن ينتظر موافقتها النهائية.

بينما كانت تحمل كيس المشتريات ، مرّا أمام مرآة كبيرة. توقفت نايا للحظة، وجه شاحب هو كل ما رأته أمامها، لاحظت أن كاي ينتظرها فأسرعت للوصول إليه.

بعد التسوق، مرّ كاي ونايا بحديقة عامة كانت تزخر بحياة لم تعد تعرفها نايا.

أطفال يجرون خلف كرات ملونة، ضحكات عالية تملأ الفضاء، وأمهات يدفعن عربات أطفال تحت أشعة الشمس الدافئة.

توقفت نايا فجأة أمام منظر طفلة صغيرة تلعب بالرمال بجانب أمها.

كانت الأم تنحني بين الحين والآخر لتمسح وجه ابنتها بطريقة عفوية،

وكلمات حانية تنساب من شفتيها: "حذاري يا حبيبتي، لا تتسخي كثيراً".

شاهدت الأم وهي تحتضن طفلتها وشعرت بطعنة في صدرها.

ليست غيرة... بل حنين لشيء فقدته قبل أن تمتلكه.

ذكريات أمها السكرانة تطفو على السطح، فتساءلت:

هل يمكن أن تكون أماً دون أن يكون لديك أم؟

لمعت عينا نايا بدموع قريبة. كان المشهد البسيط يخترق قلبها بطريقة لم تتوقعها.

سأل كاي ليخرجها من شرودها:

- ما بك؟.

- لا شيء... فقط تذكرت شيئاً.

لكن صوتها اهتز كأنه وتر مشدود أكثر من اللازم.

أدارت وجهها بعيداً، لكن كاي رأى الدموع التي لم تستطع كبحها.

أمسك بيدها بقوة:

- لنذهب من هنا. الجو بارد وقد تمرضين.

كانت يداها باردة كالجليد.

في سيارة الاجرة حاولت أن تتنهد بصمت، لكن زفيرها تحطم إلى أنين مكسور.

- لماذا تبكين؟

- لأنني... لأنني أتساءل متى كبرنا بهذه السرعة.

لكن كاي عرف أن هذه ليست الحقيقة الكاملة.

رأى نظراتها للأطفال، لاحظ كيف كانت تلملم معطفها الفضفاض حين مرت بجانب أم حامل.

شاهد دموعها تنهمر وكأنها تروي زهرة لم يزرعها...

شعر بالذنب ،

لأنه يعرف أن هذه الدموع بسبب بذرة غرسها هو ...

- لا أملك جواباً لسؤالك الغريب نايا، دعينا نعد للمنزل بسلام

فكرت نايا بالسلام الذي قصده كاي لم تعثر على معنى مناسب أبدا...

دقّ إيفان الباب بخفة، حاملاً حقيبة كمبيوتره وكيساً به بعض الحلوى التي تحبها نايا.

كان الطقس بارداً في الخارج، لكن دفء الذكريات دفع به إلى هنا رغم كل شيء.

فتحت نايا الباب، هو لم يرها منذ أسابيع.

عيناها الواسعتان تلتمعان بفرح حقيقي، لكن هناك ظلٌ من التعب في زواياهما. و بعض الهالات السوداء تحتها.

- إيفان! أخيراً جئت!

- أسف لتأخري،

من خلفها، ظهر كاي مبتسماً:

- أدخليه، نايا. الجو بارد في الخارج.

دخل إيفان إلى الشقة بدت أكثر دفئاً من ذي قبل.

روائح الطهي تملأ المكان، وأضواء خافتة تخلق جواً حميمياً.

لكن شيئاً ما كان مختلفاً.

نايا كانت تتحرك بحرص زائد، وكأنها تخشى كسر شيء ما.

وكاي... كان يراقبها بعينين تحملان مزيجاً غريباً من الحنان والقلق.

قالت نايا وهي تتجه نحو المطبخ.

- اجلس، لقد أعددت الشاي.

انحنى كاي ليأخذ معطف إيفان، وفي حركته تلك همس:

- هي سعيدة برؤيتك كما ترى.

لكن عينيه كانتا تقولان شيئاً آخر. كان هناك توتر خفي في طريقة وقوفه، في طريقة تحدثه، وكأنه يحرس شيئاً ثميناً يخشى أن يفقده.

جلست نايا بجانب كاي على الأريكة،

وكانت المسافة بينهما قليلة كما المعتاد.

إيفان لاحظ كيف تلامست أطراف أصابعهما بين الحين والآخر، وكيف كانت نايا تبحث عن يد كاي كما يبحث الطفل عن يد أمه.

سألت نايا بحماس:

- كيف الحال في الجامعة؟

- جيد... تقريباً ، نسيت دفتري في غرفتكِ، كما أظن.

همت نايا بالوقوف؛

-سأحضره حالاً!

سبقها إيفان بالنهوض؛

-لا داعي لذلك أستطيع إحضاره بنفسي.

- البيت بيتك!

اتجه إيفان إلى غرفتها، وبحث بين الدفاتر والكتب، لاحظ بعض الغبار الذي يكسوها ولكن تجاهل الأمر وعاد أدراجه بعد أن وجد الدفتر، رأى مشهداً مختلفاً في غرفة المعيشة.

نايا جالسة بجانب كاي، ووجنتاه حمراوان بشكل واضح.

ضحك إيفان :

- ماذا حدث هنا؟ هل تجربين المكياج على وجهه يا نايا؟

ضحك كاي وهو يشير إليها:

- هي تشد وجنتي منذ أن غادرت وتقول إن هذا يساعد على الاسترخاء!

احمرّ وجهها أكثر من وجنتي كاي:

- سمعت أن هذه الطريقة تساعد على تخفيف التوتر...

إيفان ضحك من قلبٍه كما لم يضحك منذ أيام.

لحظة من البراءة عادت بهم إلى أيام المدرسة،

لكنها سرعان ما ذبلت حين تذكر أن هذه اللحظات أصبحت نادرة.

نايا توقفت عن شد وجنتي كاي الذي نهض بهدوء:

- سأحضر المشروبات. إيفان، ما الذي تفضل؟

لكن إيفان لاحظ كيف أن يدي كاي ارتختا للحظة قبل أن يتركا نايا. كانت نظرة سريعة تبادلاها... نظرة تحمل أسراراً لم يعد إيفان جزءاً منها.

بينما كان كاي في المطبخ، قالت نايا وهي تتظاهر بالانزعاج:

- إيفان! كاي أصبح يحاول يطبخ لي وأحرق البيض! تخيل... قال أنها عجة فرنسية!

ضحك إيفان وهو يهز رأسه:

- هذا تقدم كبير! في الماضي كان يحرق حتى الماء!

- بالضبط!

ضحكت نايا ثم أضافت بنبرة درامية

- لكني أخشى أن يعلمني القيادة بعد ذلك!

إيفان أمسك بصدره مبالغاً في الرعب:

- لا! ليس القيادة! سنحتاج شرطة الطرق والطوارئ!

ضحكت نايا من قلبها للمرة الأولى منذ أسابيع، لكن ضحكتها تحولت فجأة إلى تنهيدة:

- على الأقل لو كان يحرق فقط... لكنه يحاول أن يكون "زوجاً مثالياً"!

سكت إيفان لحظة ثم قال بجدية مزيفة:

- إذاً المشكلة أنه أصبح جيداً أكثر من اللازم؟ هذه أول مرة أسمع شكوى مثل هذه!

عاد كاي حاملاً طبقاً من الحلويات وأكواباً من العصير:

- عن ماذا تتحدثون؟

تبادلا نظرة سريعة، ثم قالت نايا ببراءة:

- كنا نتذكر كيف كنت تحرق البيض وتقول إنه "عجة فرنسية"!

ضحك إيفان، بينما عيناها كانتا تقولان إنها ليست نكتة. كان هناك سر كبير يختبئ بين جدران هذه الشقة،

وإيفان كان الوحيد الذي لا يعرفه.

بعد شهر...

جلست نايا على الأريكة بتراخٍ، ملفوفة ببطانية صوفية سميكة رغم أن المدفأة كانت تعمل بكامل طاقتها.

عندما دق إيفان الباب ، حاولت أن ترفع نفسها لكنها تراجعت مرة أخرى، كأن طاقة مفاجئة قد غادرت جسدها.

- ادخل

دخل إيفان مبتسماً حاملاً حقيبة مليئة بالكتب. وخلفه كاي،

لكن ابتسامته تلاشت عندما رأى وجهها الشاحب.

- ما الأمر؟ تبدين مرهقة.

رد كاي بهدوء:

- مجرد نزلة برد.

همست هي بينما كانت تلف البطانية حول كتفيها بإحكام.

-سأكون بخير بعد قليل.

جلس إيفان مقابلها، وراح يرتب الكتب على الطاولة. لاحظ عينيها البنيتين المرهقتين و كيف كانت يداها ترتجفان وهي تحمل كوب الشاي. السائل يكاد ينسكب.

سألها بقلق،

-هل تريدين أن أطلب الطبيب؟

- لا داعي...إنها مجرد أنيميا. أعرف ذلك.

- أنتي لم تخبريني أنك تعانين من الأنيميا ،ثم إن الأنيميا ليست 'مجرد' شيء. يمكن أن تكون خطيرة حقاً

قاطعهم كاي مبتسماً بنبرة الأب العارف:

- لكن الحل بسيط جداً.

وقف خلفها ووضع يديه على كتفيها، متجاهلاً تصلبها الفجائي.

- هي لا تأكل الخضروات أبداً،وترفض الفواكه. كل ما تريده هو الحلويات والكعك. حاولت معها، لكنها دائما لا تملك شهية لشيء!

نايا انكمشت أكثر في مقعدها. عيناها تثبتان على يديها في حجرها. لم تنطق بكلمة، لكن بدت وكأنها تذوب من الخجل.

إيفان لاحظ نظرة الهزيمة في عينيها، نظر إلى كاي بحدة:

- الأنيميا تحتاج علاجاً،كاي، ليس توبيخاً.

- آخذتها لشراء الفيتامينات. لكن الحقيقة هي أنها لا تساعد نفسها.

أدار وجه نايا بلطف نحو إيفان، كأنه يعرض تحفة مشوهة:

- أليس كذلك،حبيبتي؟ أنت من ترفضين الأكل الصحي.

لاحظ إيفان كيف تردد كاي للحظة، كأنه يبحث عن كلمات ضاعت في متاهة ذاكرته. لكن اللحظة انتهت سريعاً، وعادت القناعة الحديدية إلى صوته.

ارتجف صوت نايا وهي تتهرب من عيني إيفان:

- أنت محق ولكن لا داعي للقلق سأكون بخير بحلول الغد.

في تلك اللحظة، رأى إيفان شيئاً مروعاً في عيني نايا: لم يكن مجرد خجل أو إرهاق... كان استسلاماً كاملاً. كانت تنظر إلى كاي ليس كشخص يحبها، بل كسجان قبلت بقوانين سجنه.

في تلك الليلة

جلسا في الظلام، فقط ضوء القمر يتسلل من النافذة. همست،

- أخاف أن يكتشف إيفان الأمر،

كاي أمسك يدها بقوة:

- لن يكتشف أحد... ثقي بي.

لكن في عينيه، رأت نايا ذعراً يطابق ذعرها.

كانا كشريكين في الجريمة ، لا كعاشقين.

بعد عشرة أيام بالضبط، عاد إيفان للزيارة، وقف أمام الباب يتنفس بعمق قبل أن يدق الجرس. شيء ما لم يكن صحيحاً.

فتح كاي الباب، وكان شاحباً على غير العادة:

- آسف يا إيفان كنت مشغولاً

- وكيف حال نايا؟

- نايا نائمة تعاني من الصداع قليلا.

- مرة أخرى؟

حاول إيفان إخفاء امتعاضه.

- لقد وعدتني أنها ستكون بخير اليوم.

- الصداع عاد إليها فجأة، قال كاي وهو يلملم نفسه،

تعرف كم أنها حساسة للشتاء .

من الداخل، سمع إيفان صوت خطوات خفيفة تتراجع نحو الغرفة. كان إيقاعها سريعاً،

كخطوات شخص يحاول الهرب. لم تكن نايا نائمة.

- حسناً ، أخبرها أنني جئت. وسأعود لاحقاً.

في طريق العودة ، ظل يتساءل: لماذا يبدو كاي متوتراً؟ ولماذا تختفي نايا كلما اقترب؟

...

قرر إيفان أن هذه ستكون زيارته الأخيرة لمدة أسبوع. ربما يحتاجون لبعض المساحة.

عندما دق الجرس، سمع بوضوح خطوات نايا السريعة تتجه نحو غرفتها.

كان إيقاعها مألوفاً ،نفس الإيقاع الذي سمعه في الزيارة السابقة.

انتظر دقيقتين قبل أن يفتح كاي الباب. قال وهو يضبط ياقة قميصه.

- آسف لجعلك تنتظر

- نايا ليست هنا؟

سأل إيفان محاولاً إخفاء خيبة أمله.

- في الحقيقة، كنت ذاهباً إليها،

أشار بإصبيعه ساخراً ومقلداً لطريقة الفتيات المراهقات.

"اجتماع طارئ مع الصديقات."

لكن إيفان رأى من فوق كتفه حذاء نايا عند المدخل، و حقيبتها المتروكة على المشجب.

- لا بأس، قال إيفان وهو يتراجع، أخبرها أنني أتمنى لها يوماً سعيداً.

مازحه كاي :

- إنها المرة الثانية التي تأتي فيها من أجل نايا دون أن تسأل عني ، ألست صديقك المقرب؟

- أجل ولكن أنا قلق عليها ،تبدو متعبة مؤخرا.

- أنا اعتني بها كما يجب، لا تقلق!

التفت إيفان مغادراً،

- لست قلقاً

عندما أغلق الباب، ظل واقفاً للحظة. كان يعرف الآن ،إنها تختفي منه متعمدة.

بعد أسبوعين.

قرر إيفان الذهاب في وقت متأخر من المساء، ربما يكون استقبالهما له مختلفاّ.

الشارع كان هادئاً عندما وقف أمام منزلهما الساعة التاسعة ونصف مساءً.

الضوء في غرفة المعيشة كان مطفأ، لكن إضاءة خافتة كانت تتسلل من أحد النوافذ .

دق الجرس مرة... انتظر. مرت دقيقة كاملة. دق مرة ثانية، هذه المرة بشكل مستمر.

"نايا؟ كاي؟" نادى بصوت عالٍ.

لا رد. فقط صمت ثقيل يلف المنزل.

عاد بخطوات ثقيلة. لم يعد الأمر مجرد شك، لقد أصبح يقيناً.

شيء ما يحدث هنا، وشيء ما يجعل صديقيه الأقرب إليه يتحولان إلى غرباء.

جلس إيفان في زاوية كافتيريا الجامعة، محاولاً قراءة فصل عن التشريح العصبي. لكن الكلمات كانت غير واضحة أمام عينيه، والعبارات الطبية لم تعد تعني شيئاً. كل ما يستطيع رؤيته هو صورة نايا الشاحبة، وكل ما يستطيع سماعه هو صوت كاي المرتجف.

- يا إيفان! أخيراً وجدتك

رفع إيفان نظره ليجد ماهر واقفاً أمامه، مبتسماً ابتسامة عريضة تتعارض مع الجو الكئيب الذي يحيط بإيفان.

ماهر, الزميل المتطفل الذي يبدو أنه يمتلك موهبة خاصة في الظهور في الأوقات غير المناسبة.

- مرحباً يوسف،

رد إيفان بصوت منخفض، عائداً إلى كتابه.

- ماذا تقرأ؟ تبدو جدياً!

جلس يوسف دون دعوة، ساحباً الكرسي المقابل بصوت مزعج.

- اليوم كان عندنا محاضرة رائعة مع الدكتور. كنت أبحث عنك في كل مكان!

- كنت مشغولاً،

همس إيفان دون أن يرفع عينيه عن الصفحة.

- مشغول؟ دائماً مشغول هذه الأيام!

ضحك ماهر محاولاً كسر الجليد.

- اسمع، هناك نكتة سمعتها البارحة... رجل دخل إلى مكتبة وقال...

قاطعه إيفان بحدة :

- ليس الآن يا ماهر. لست في مزاج مناسب للنكات.

صمت ماهر للحظة، ثم حاول مرة أخرى:

- حسناً، هل شاهدت المباراة الليلة الماضية؟ إنها تستحق المشاهدة! لا يمكنك أن تكون جاداً طوال الوقت!

أغلق إيفان الكتاب بعنف.

- هل يجب أن أكون في كل مكان؟ في كل محاضرة؟ في كل مباراة؟ في كل نكتة؟

اندهش ماهر من الحدة في صوت إيفان.

- يا صديقي، أنا فقط أحاول...

- لا تحاول!

قال إيفان وهو ينهض.

- أحياناً الناس يكونون مشغولين بأمور أهم من النكات والمباريات.

وقف ماهر محرجاً، ثم قال بنبرة هادئة:

- حسناً، آسف إذا كنت أزعجتك. لكن...

توقف، ثم أضاف والكلمات تخرج ببطء:

- تبدو و كأنك دائمًا في مكان ثانٍ يا رجل.

اصطدمت الكلمات بإيفان كالصفعة. كان ماهر محقاً. هو لم يكن حاضراً هنا في الكافتيريا، ولا في المحاضرات، ولا في أي مكان منذ أسابيع. عقله كان عالقاً في منزل كاي ونايا، يحاول فك لغز يبدو أنه لا حل له.

- أنت محق

قال إيفان بصوت مختلف.

- أنا لست هنا.

التقط كتبه ومشى بعيداً، تاركاً ماهراً واقفاً في حيرة. لكن هذه المرة، كان يمشي بدون اتجاه معين ، ربما كان الوقت قد حان ليكتب رسالة إلى خالته، أو ليتصل بصديقه لورنس، أو ليفعل أي شيء قد يساعده على العودة إلى الحاضر.

لأنه إن استمر في العيش في ذلك المكان الآخر في عقله، فقد يخسر كل شيء آخر.

بعد أسابيع من الصمت، قرر إيفان المحاولة مرة أخيرة.

هذه المرة سيكون مباشراً.

- أين نايا؟،

سأل بمجرد أن فتح كاي الباب.

ارتبك كاي للحظة،

- ذهبت لزيارة صديقة.

- أية صديقة؟

أصر إيفان.

- صديقة من المدرسة.

أضاف كاي وهو يتجنب نظرة إيفان.

- لم تذكر لي اسمها.

- ومتى ستعود؟

أجاب كاي وهو يعدل وقفته.

- لا أعرف، ربما ساعتين أو ثلاثة.

في تلك اللحظة، نظر إيفان مباشرة في عيني صديقه.

رأى هناك شيئاً لم يره من قبل ، خوفاً حقيقياً يختبئ خلف قناع الهدوء.

- حسناً

قال إيفان بهدوء.

- أخبرها أنني كنت هنا.

كان يعلم الآن ،هناك كذبة كبيرة تُحاك حوله، وصديقه ليس فقط متورطاً فيها،

بل ربما يكون هو من يحيكها.

غادر وهو يحمل أسئلة لا إجابات لها:

لماذا تشعر نايا بالمرض ثم تتعافى؟

لماذا يرتدي كاي قناع الهدوء بينما عيناه تقولان غير ذلك؟

وأي سر هذا الذي يجعل منزلهم يشبه سجناً ذهبياً؟

'إذا كانت لا تريد رؤيتي... فلن أجبرها.'

لكن قلبه كان يعرف الحقيقة: نايا لم تكن تتهرب منه...

بل كانت تتهرب من نفسها، من واقعها، من سر يخنقها شيئاً فشيئاً.

'لابد أن لديها ما تخفيه ،شيئاً. أو ربما...أثراً'

وفي تلك الليلة، بينما كان يحاول النوم، تساءل:

كم من الوقت يمكن لشخص أن يختبئ قبل أن يختفي تماماً؟

بعد أيام من الغياب، اتصلت نايا بإيفان. صوتها كان متعباً لكنه طبيعي.

- إيفان، أنا آسفة جداً. أعلم أنني كنت غائبة طيلة الأسابيع الماضية.

- لقد كنت قلِقاً. أنتِ بخير؟

- نعم، نعم. كل شيء على ما يرام...أعلم أن هذا يبدو غريباً... كل الأعذار مستهلكة بالفعل .

ساد صمت جعل إيفان يتردد قليلاً قبل أن يسأل:

- نايا... هل كاي... يزعجك بطريقة ما؟.

ضحكت نايا،

- لا، لا تسمح لتلك الفكرة أن تخطر ببالك! كاي يحاول مساعدتي بطريقته.

- إذاً ما كل هذا؟ الصداع المتكرر، النوم الطويل...

ردت نايا بجدية،

- أحياناً... الجسد لا يواكب العقل ،هناك أيام أشعر فيها أنني لا أستطيع النهوض من السرير. وأيام أخرى لا أستطيع فيها التوقف عن التفكير.

- أنا هنا إذا احتجتِ لي.

- أعلم. وهذا ما يجعلني أشعر بالتحسن حقاً

في منتصف الليل، استيقظت نايا فجأة من نومها.

الغرفة كانت مظلمة، والصمت يلف الشقة.

جلست على السرير، تمسك كتاب الهندسة القديم.

كانت تحاول المذاكرة، لكن الحروف تتراقص أمام عينيها.

فتحت الصفحة على فصل الأشكال الفراغية ،نفس الفصل الذي كان يشرحه لها إيفان قبل أشهر. الدموع بدأت تنهمر على الصفحات، مشكلة بقعاً داكنة على المعادلات.

- ماذا أفعل؟

همست في الظلام.

- إلى متى يمكنني الاستمرار؟

كانت تشعر بأنها عالقة في متاهة لا مخرج منها. كل طريق تؤدي إلى نفس النهاية :

الخيبة والضياع.

أغلقت الكتاب ووضعت رأسها بين يديها. المستقبل الذي خططت له، الأحلام التي راودتها،

كلها كانت تتبخر يوماً بعد يوم.

"سأجد حلاً"، حاولت إقناع نفسها. لكن حتى صوتها الداخلي بدا غير مقتنع.

'ماذا لو...'، فكرت ثم أوقفت نفسها.

بعض الأحلام تموت بهدوء، دون أن يلاحظ أحد.

في الليل، بينما كانت نايا نائمة، كان كاي يتقلب في السرير بجانب نايا النائمة. فكر: 'لو أخبرت إيفان، سيسحبها مني.'

هذه الفكرة وحدها كانت كافية ليقرر أنه من الأفضل أن يظل السر سراً، حتى لو كان الثمن أن يخاف كل ليلة.

وقف في الظلام يحدق في يديه وكأنهما ليستا يديه. 'ماذا فعلنا؟' همس لنفسه، ثم أدار ظهره للسرير كما يدير ظهره للحقيقة.

رن هاتف إيفان في ليلة ماطرة،صوت كاي في الطرف الآخر كان مرتجفاً،

كصوت رجل على حافة الهاوية.

- إيفان... أنا بحاجة إليك.

-ما الأمر؟

- نايا...

توقف صوت كاي كما لو أن الاسم نفسه أصبح سكيناً في حلقه.

- اختفت

...

طوال الأسابيع الماضية، كانت نايا تختفي رويداً رويداً...

أولاً اختفى ضحكها...

ثم اختفى بريق عينيها...

وأخيراً، اختفت هي نفسها.

لكن الأكثر إيلاماً، أن أحداً لم يلاحظ إلا عندما أصبح الغياب جسداً.

....يتبع

هاي غايز شكرا لانكم قريتو الفصل ⁦(⁠◍⁠•⁠ᴗ⁠•⁠◍⁠)⁠❤⁩⁦(⁠◍⁠•⁠ᴗ⁠•⁠◍⁠)⁠❤⁩

رأيكمم؟؟

مين حبيتو؟

وش الي صار فعلا

ايش هو الشي الي خلى نايا تختفي فجأة

هل كاي السبب

هل هو الي كان مانعها تشوف ايفان

تحليلكم

بليز كونوا واقعيين شويي

ادري فصل ممل شوي بس مقدرش اغيرو

كنت رح اخليه أقصر بس ماعندي وقت ازبط وأعدل لذلك لمى تشوف اي خطأ منطقي كتابي املائي او حتى علامات الترقيم نبهوني اهم شي يكون اسلوب نقدكن بناء لانه انا الكاتب والمدقق والمخرج والناشر سوا 🥹🥲🥲

المهم ترقبوا الفصل الجاي 🫶🏻🫶🏻🫶🏻🫶🏻

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الدم ليس كافيا

المؤلف reeee_chan_18
2025/09/22 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة