كان النسيم باردًا رغم خيوط الشمس الأولى، والجبال أمامنا ترسم خطًا متعرجًا، كأنها تخفي في طياتها أسرارًا لا تبوح بها إلا لمن ضلّوا السبيل.
ركبت خلف جوش، يده تمسك اللجام بثبات، وأنا أحاول أن أوازن نفسي رغم التعب والقلق الذي يكاد يعصر صدري.
لم نتبادل الحديث… لكنه كان يسمع أنفاسي، ويشعر بترددي كلما اقتربت منه أكثر مما يجب.
ديراس كان خلفنا، صامتًا، كأنه يفكر بكل ما لم يُقال في تلك الليلة، أما كايل وتومير فكانا يتبادلان كلمات قصيرة، مقتضبة، يخنقها الإرهاق.
وفجأة، قطع صمتنا صرخة إيلان:
- "دخان!"
أشار بيده نحو الأفق، حيث كان يتصاعد خيط رمادي خفيف من بين الأشجار.
شدّ جوش لجام حصانه فتوقف، وأشار للبقية بأن يترجلوا.
-"قد تكون نيران تتبعنا... أو معسكرًا في طريقنا."
نزلت بصمت، متوجسة. ارتجفت يداي وأنا أخرج قارورة صغيرة من الحقيبة، تحتوي على بقايا عشبة مهدئة… فقط لأشغل نفسي عن أسوأ الاحتمالات.
اقترب جوش مني، عينيه تتفحصان وجهي كأنهما تقرآن ما يدور في رأسي:
- "ستكونين بخير. فقط لا تتأخري في الركوب إن اضطررنا للهرب مجددًا."
أومأت. ثم، فجأة، رُفع السيف من غمده.
خطوات على اليابسة. أغصان تنكسر. ثم وجوه مألوفة.
رجال أبي.
جاءوا بسرعة تفوق التوقع. كيف لثقل خطواتهم أن يُسكت هذا البر؟!
شهق إيلان، ارتد تومير للخلف، أما ديراس فكان يهم برفع سيفه لولا أن كايل أمسك به.
جوش لم يقل شيئًا… فقط تحرك أمامي، ووقف كجدار بيني وبين أولئك الرجال.
صرخ أحدهم:
- "سلموها... ولن نمسكم بسوء."
ضحك تومير، بمرارة:
-"سمعنا مثل هذا الوعد من قبل."
تبادل المرتزقة نظرات سريعة، لا حاجة للكلمات بين من اعتادوا الحرب.
أما أنا… فوضعت يدي على الخنجر الصغير الذي أخفَيتُه تحت ثوبي. لن أعود… لن أكون تلك الطفلة التي تنكسر حين يُقال لها: "عودي."
همس جوش دون أن يلتفت:
-"اركبي... وعندما أقول لكِ اركضي، لا تنظري خلفك."
دوى صوت سهمٍ يخترق الهواء.
غاص في جذع شجرة قرب رأس كايل، فتراجع هذا الأخير بخفة، ثم تمتم بنبرة مشوبة بالتهكم:
- "يبدو أنهم لا يريدون التفاوض."
انقضّ الرجال فجأة من بين الأشجار، صيحاتهم تشق السكون، والسيوف تلمع تحت ضوء الشمس الذي بدأ يتسلل من بين الأغصان.
جوش اندفع للأمام بخفة لا تتناسب مع بنيته القوية، سيفه اصطدم بسيف أحدهم فصدر صوت معدني عنيف اهتز له قلبي.
ديراس صرخ وهو يشتبك مع رجلين دفعة واحدة، أما تومير فكان يُقاتل وكأن هذا الصباح ليس إلا امتدادًا لحلمه الدموي.
كايل ألقى سكينًا بدقة، فأصاب رجلًا في كتفه، مما أربك الآخرين لثوانٍ فقط… لكنها كانت كافية.
همس جوش:
-"الآن، اذهبي!"
لكني بقيت متسمّرة، أنظر إليهم وهم يتصدّون لرجال أبي… لأجلي.
أدرت رأسي إلى حيث الأحصنة، فرأيت إيلان يُسرج إحداها بسرعة، يده ترتجف قليلًا لكنه ماضٍ بعزم.
ركضت نحوه.
- "اركبي!" صاح وهو يساعدني على الصعود.
تسلقت بصعوبة، ما إن أمسكت بلجام الحصان حتى شعرت بيد تمسك بمعصمي… وجه غاضب لرجل أعرفه من قصر أبي، لم أنسَ نظراته أبدًا.
- "انتهى الأمر، آنستي."
صرخ إيلان وهو يضرب الرجل بخشبة كانت ملقاة قربه، فسقط متأوهًا.
في اللحظة التالية، وصل جوش وهو ينزف من ذراعه، لكن عينيه تلمعان بنار لا تُشبه الخوف.
قفز خلفي على الحصان نفسه، دون أن ينطق بكلمة. أمسك اللجام وصرخ للحصان:
- "إنطلق!"
أطلقت الأحصنة الأخرى صهيلًا وهي تتبعنا، وكأنها شعرت بجنون الموقف.
ركضنا وسط الغابة، الأغصان تضرب وجوهنا، والريح تسابقنا، وصوت الصيحات خلفنا يتلاشى شيئًا فشيئًا.
لكن قلبي كان يصرخ.
الآن فقط استوعبت…
هربت حقًا.
هربت معهم.
هربت… منه.
كان ضوء الشمس يتلاشى حين بدأوا يُبطئون من سرعة الأحصنة، متجاوزين تلاً كثيف الأشجار. على السفح المقابل، كانت هناك مساحة ضيقة تصلح للتخييم، محاطة بصخور طبيعية وأغصان متشابكة توفر بعض الحماية.
أوقف جوش الحصان وأطلق صفيرًا خافتًا. توقّف الباقون واحدًا تلو الآخر، يتنفسون بصعوبة، يتفقدون بعضهم بالصمت، كأنهم لم يصدقوا أنهم نجوا.
ترجل جوش أولاً، ثم مد يده ليُساعدني.
ترددت لوهلة، لكنه لم ينتظر. أمسك بخصري بخفة وأنزلني عن الحصان بحركة سريعة، حتى وجدت نفسي واقفة أمامه مباشرة.
عيناه لم تتفحصني، بل كانت تتفقد الغابة خلفي. دومًا يسبق الخطر نظره.
قال بصوت خافت:
- "لن نستطيع التوقف طويلًا، قد يكونون خلفنا."
ديراس جلس بصمت، يضغط على جرحه المفتوح الذي بدأ ينزف من جديد. اقتربت منه فورًا، أخرجت أدواتي من الحقيبة التي لم أفارقها.
جثوت قربه.
- "دعني أرى."
هز رأسه وقال بخفّة:
- "أوه، لا تقلقي… أنا معتاد على النزف."
نظرت إليه بحدة:
- "ومن قال إنني قلقة؟ فقط لا أريدك أن تموت قبل أن تدفع لي ثمن العلاج."
ضحك بخفة، لكن وجهه شحب وهو يرفع كمّه. كان الجرح أعمق مما توقع الجميع.
أخرجت قارورة صغيرة وقطنًا، بدأت التنظيف بدقة، ثم سحبت خيطًا وإبرة وبدأت في خياطته.
كايل كان يتابعني من بعيد بدهشة، وهمس لتومير:
- "أرأيت؟ ليست مجرد خلطات وأعشاب."
تومير قال بابتسامة شبه معجبة:
- "يدها ثابتة أكثر من يد جراح."
رفعت بصري دون أن أقطع الخياطة، وقلت بجفاف:
- "أنا أسمعكم، بالمناسبة."
ديراس تمتم:
- "ربما هذا أسوأ من الخياطة."
بعد قليل، أنهيت العمل وربطت الجرح بإحكام. تنهدت، وأمسكت بقارورة ماء لأغسل يدي.
في هذه الأثناء، كان جوش يراقبني بصمت من على بعد، نصل سيفه لا يزال غير مغمد، وكأنه لم يقتنع بعد بأن النجاة كانت كاملة.
اقترب مني وقال بنبرة منخفضة، فيها شيء لا يُفهم بسهولة:
-"جيد."
نظرت إليه:
-"على ماذا؟"
أجاب وهو يعيد سيفه إلى غمده:
- "أنكِ لم تكوني عبئًا."
كان ذلك أقرب إلى مجاملة من رجل لا يقول المجاملات.
ابتسمت بسخرية:
- "وأنت أيضًا لم تكن مزعجًا كليًا."
مرّت لحظة طويلة من الصمت، ثم قال:
- "ارتاحي الليلة. قد لا يكون هناك راحة لاحقًا."
حين فرغت من ديراس، أعدت ترتيب أوراقي وأدواتي بهدوء مصطنع. لكن قلبي لم يكن هادئًا. كنت أراه من طرف عيني، جالسًا وحده عند جذع شجرة جافة، يضغط على كتفه بقطعة قماش ملوّنة بالدم.
جوش…
لم يطلب شيئًا، ولم يتأوه. كعادته، يتعامل مع الألم كما يتعامل مع الناس: بصمت وقسوة وشيء من العناد.
اقتربت منه، وحين وقفت أمامه، لم يرفع نظره إليّ. فقط قال، بنبرة متعبة لكن ساخرة:
- "هل جاء دوري؟ كنت أعتقد أن القائد يُعالج آخر من في الصف."
لم أبتسم. فقط جثوت بجانبه وقلت:
- "القائد لا قيمة له إن سقط أولاً."
نظر إليّ عندها، تلك النظرة المائلة التي لم أتعلم بعد كيف أفسرها. كأنها تحمل شيئًا من التقدير… وشيئًا من التحذير.
مددت يدي نحو كتفه، فزم شفتيه قليلًا، لكنه لم يتحرك. مزقت القماش بلطف، فبان الجرح… شق رفيع عميق، عند موضع التقاء الكتف بالصدر، يشهق كلما تنفّس.
- "رغم كل تدريباتك، لا تزال تتلقى الضربات في أكثر الأماكن حساسية."
- "وهذا ما يجعلني أتعلم كل مرة."
رششْت الجرح بخليط عشبي مضاد للالتهاب، فرأيته يتشنج للحظة، ثم يتمالك نفسه. أصابعه قبضت على العشب اليابس من تحته، ووجهه أدار عينيه بعيدًا كأن النظر إليّ أصعب من الألم نفسه.
- "لا بأس أن تتألم. لست مصنوعًا من الفولاذ."
ردّ بنبرة خافتة:
-"أنا معتاد على أن لا يهتم أحد إن كنت أتألم."
رفعت نظري إليه. فجأة، شعرت أني أراه بوضوح… لا كمرتزق، ولا كعدو مؤقت. بل كإنسان مُنهك، يحمل على كتفيه أكثر من مجرد سيوف ودم.
ضمّدت الجرح بصمت. وكنت أسمع أنفاسي تختلط بأنفاسه. الجوّ كان ساكنًا بشكل مخيف، كأن العالم توقف ليراقبنا فقط.
حين انتهيت، وقفت ببطء، لكنه أمسك بمعصمي للحظة، دون أن ينظر إليّ:
- "شكرًا… أدونيس."
كان أول مرة ينطق اسمي دون نبرة سخرية.
لم أقل شيئًا. فقط سحبت يدي بهدوء، وعدت إلى مكاني.
لكن اسمي ظلّ يتردد داخلي… كأنه خُتم على جلدي بصوته.
عدتُ إلى مكاني ببطء، وأشعلت نارًا صغيرة بين الصخور المتناثرة، محاولةً أن أخفي ارتجافي خلف وهجها الدافئ. لم يكن جسدي وحده يرتجف، بل روحي أيضًا، تحت وطأة الكلمات التي همس بها جوش — اسمي — لأول مرة بدون تندر، بدون حادة.
جلستُ هناك، أُمسك حقيبتي بقوة كأنها قطعة من الأمان، وأحسستُ بوزن تلك الكلمة الثقيلة التي علقت في صدري. "أدونيس".
كانت أكثر من مجرد اسم؛ كانت وعدًا غامضًا، خيطًا رفيعًا من اتصال في بحر الوحدة الذي غرقنا فيه جميعًا.
شعرتُ بحرارة خفية تكمن خلف تماسكه، ذلك الحاجز الذي لم يكسر بعد، لكن شيئًا بدا يتحرك داخله، غير ظاهر، غير معلن.
لقد كان شكره دفقة عاطفة متقطعة، موجهة لشخص ربما لم يستطع اعترافه حتى لنفسه.
قلتُ في سرّي: هل يعني هذا أنني لم أعد مجرد غرباء في عينيه؟ أم أن الألم وحده يمكن أن يكشف عن الإنسان خلف القناع؟
كنت أتسائل و أنا أتأمل. كانت الغابة تغطّ في ظلامٍ دامس، والقمر مخفي خلف سحب كثيفة تراقصها الرياح بصمت. الهواء بارد، يلسع وجهي كأن الليل نفسه يحذرني من الاقتراب أكثر.
جلسنا بهدوء حول نار صغيرة تلمع بين الصخور، لكنها بالكاد تخترق السواد الذي يحيط بنا. حاولت أن أسترخي، لكن صوت أنفاسي، وضربات قلبي بدت كأنها تصدح في الفراغ.
في تلك اللحظة، وصلتني أصوات خافتة. خرير أوراق، خطوات رطبة، وهمسات بعيدة. لم تكن أصوات خيول أو صيحات، بل كأن الغابة نفسها تهمس، تخبرنا بأننا لسنا وحدنا.
نظرت إلى جوش، كان ثابتًا، عيونه تلمع في الظلام، لا تنفك تمسح كل ظل يلوح بين الأشجار. قبض على خنجره، وكأن أي حركة خاطئة قد تفضحنا.
تمتمت في داخلي: "الخطر هنا… لكنه لا يظهر."
كنت أعلم أن رجال أبي ربما يقتربون، أو أن هناك شيئًا مجهولًا يترصدنا، لكنه لم يظهر بعد.
غاص الصمت من جديد، لكنه كان مشحونًا، ثقيلاً… كأننا نحمل على أكتافنا أعباء لا نستطيع هجرها.
رفعت يدي لأدفئها بالنار، وشعرت بعيناه تراقبني، ليس بحقد، بل بقلق. كأننا، رغم كل شيء، نشارك خوفًا لا يفصح عنه.
كانت الليلة طويلة، لكن في صمتها، كانت المحطات الأكثر خشونة.
كانت الغابة تغطّ في ظلامٍ دامس، والقمر مخفي خلف سحب كثيفة تراقصها الرياح بصمت. الهواء بارد، يلسع وجهي كأن الليل نفسه يحذرني من الاقتراب أكثر.
جلسنا بهدوء حول نار صغيرة تلمع بين الصخور، لكنها بالكاد تخترق السواد الذي يحيط بنا. حاولت أن أسترخي، لكن صوت أنفاسي، وضربات قلبي بدت كأنها تصدح في الفراغ.
في تلك اللحظة، وصلتني أصوات خافتة. خرير أوراق، خطوات رطبة، وهمسات بعيدة. لم تكن أصوات خيول أو صيحات، بل كأن الغابة نفسها تهمس، تخبرنا بأننا لسنا وحدنا.
نظرت إلى جوش، كان ثابتًا، عيونه تلمع في الظلام، لا تنفك تمسح كل ظل يلوح بين الأشجار. قبض على خنجره، وكأن أي حركة خاطئة قد تفضحنا.
تمتمت في داخلي: "الخطر هنا… لكنه لا يظهر."
كنت أعلم أن رجال أبيه ربما يقتربون، أو أن هناك شيئًا مجهولًا يترصدنا، لكنه لم يظهر بعد.
غاص الصمت من جديد، لكنه كان مشحونًا، ثقيلاً… كأننا نحمل على أكتافنا أعباء لا نستطيع هجرها.
رفعت يدي لأدفئها بالنار، وشعرت بعيناه تراقبني، ليس بحقد، بل بقلق. كأننا، رغم كل شيء، نشارك خوفًا لا يفصح عنه.
ارتفعت أصوات الريح فجأة، تعصف بين أغصان الأشجار وتُحدث صريرًا مزعجًا كأنه همس متزايد يتسلل من كل زاوية في الغابة. ازداد الظلام كثافة، وأصبح له صوت، كأن شيئًا ما يستيقظ في السواد.
نظرت إلى جوش، فكان قد وقف بهدوء، يراقب بتركيز بعيد الأفق بين الأشجار. قبض على خنجره بإحكام، وعيناه لا تفارقان الظلال التي تتلوّن كل لحظة بحركات غامضة.
همس لي بصوت كاد لا يسمع:
- "ليسوا بعيدين."
لم ينبس أحدٌ منا بكلمة، لكن الإحساس بالخطر تمدد في الهواء كضباب بارد. صوت أقدام خفيفة على الأرض الرطبة بدأ يقرب، لكن لا شيء واضح بعد.
تجمّعت المجموعة بسرعة، مستعدين لكل ما قد يأتي، وقلبي ينبض بعنف تحت صدري، لا من التعب، بل من الترقب.
احتضنت حقيبتي بقوة، وأنا أدركت أن هذه الليلة لن تكون هادئة كما ظننت.
أومأ جوش برأسه لإيلان، ففهم الأخير الإشارة دون كلام، وانسل بين الأشجار بخفة. تومير ثبت قوسه، والسهام المرتبة في جعبته خلف ظهره تلامس أطراف أغصان الغابة. أما ديراس، فكان قد استعاد شيئًا من عافيته، وقف جواري ويده على مقبض سيفه، يرمقني بنظرة حادة:
- "ابقِ خلفنا، أدونيس. أي حركة غير مألوفة… اركضي."
هززت رأسي ببطء. لكني لم أكن أنوي الركض. ليس هذه المرة.
في الظلام، لمع شيء بين الأشجار. أولهم ظهر — رجل ملامحه مألوفة بشكل مزعج، أحد الحراس الذين رأيتهم في قصر والدي، وقد بدا الآن كذئب جائع.
- "هُم هنا!" صرخ، وأخرج سيفه.
ما حدث بعد ذلك كان دوامة. سيوف اصطدمت، صرخات مكتومة، وحركة متواصلة كأن الأشجار نفسها تتحرك معنا. جوش كان كالعاصفة. يدفع خصمه إلى الوراء، يصيب، يتراجع، يعود من جديد. كايل انقض على رجلين دفعة واحدة، فيما ديراس سد الطريق إلى حيث كنت أقف أنا، بعينين لا تغمضان.
كنت ألهث، أراقب، أرتجف. الدم في الهواء، الحديد يصدر رائحة لا تخطئها أنفي. أحدهم اقترب من جانبي، لم أدرِ كيف وصل. أمسكت زجاجة صغيرة من خلطتي العشبية، ورميتها في عينيه دون تفكير. صرخ، ثم ارتبك، مما أعطى كايل فرصة أن ينقض عليه من الخلف.
مرت دقائق كأنها ساعات. ثم، فجأة، ساد الصمت. بقي رجلان من رجال والدي يركضان في عمق الغابة، أصوات خطواتهم تتلاشى.
جوش وقف وسط الساحة الصغيرة، يلهث، كتفه ينزف من جديد.
نظرت إليه، عيني تلتقي بعينيه. لم يقل شيئًا، لكنه تقدم نحوي بخطوات بطيئة، ثم قال بصوت منخفض:
-"ألم أقل إن الغابة لا تُرحب بالغرباء؟"
رغم توتره، ابتسم قليلًا.
قلت، وأنا أحاول أن أبدو ثابتة:
- "كنت أظن المرتزقة لا يبتسمون."
-"لسنا مرتزقة تمامًا الليلة."
جاء صوت ديراس من خلفه:
- "علينا الرحيل. الآن. قبل أن يأتوا بالمزيد."
جمعنا حاجياتنا بسرعة. لم يكن هناك وقت للحزن، أو النصر. فقط نجونا… وهذه المرة، معًا.
ركبت خلف جوش على حصانه من جديد، يديّ تلتفّ حول خصره، بينما الغابة تبتلعنا في عتمتها، تاركةً خلفها أثر دماء وركام وخطوة أولى في رحلة، لم نعد نعرف إلى أين ستقود.
Aya