عبور الظلال

عبور الظلال

13 0

وجهة نظر أدونيس:

كنت على وشك الانسحاب تاركة جوش ورائي بعد كلامه، لولا أحدهم ناداني.

-"أدونيس رسالة من مرسول لا يشبه أهل المكان،قال انك ستفهمين حين ترين الختم."

التفت بيطء،و أنا أشعر أن قلبي بدأ يطرق صدري بخوف لم أعرفه منذ أن غادرت.

ورقة صغيرة، مطوية بعناية على طرفها ختم لا تخطئه ذاكرتي.

لم أكن بحاجة لفتحها لكنني فتحتها..كمن يفتح النافذة في عاصفة.

"أدونيس،

كدتُ لا أكتب…

لكن القلب لا يُسكت حين يعرف أن من يحبها تقف على شفا الهاوية، وحدها.

اعذريني إن جاءت كلماتي مثقلة، لكنها الحقيقة:

أبي… وصل إليه الاحساس بالريبة. لم تعد خطواتك خفية كما ظننتِ.

المرسول الذي نقل لي خبرك… وقع في يديه.

لا تسألي كيف.

الذئاب، كما قلتُ لك، تُحسن تتبّع الرائحة حتى النهاية.

حقّق معه… هدد، صرخ، وربما أسال دمًا.

وفي النهاية… اعترف.

نعم، هو يعرف الآن.

يعرف كل شيء.

أنكِ فتحتِ محلًا صغيرًا في البلدة، تبيعين فيه الأعشاب كما كنتِ تحلمين.

يعلم عن النافذة التي تطلّ منها شمس الصباح على نبتاتك، عن الفتيات اللواتي بدأن يثقن بكِ، عن اسمك المستعار الذي لا يشبهك كثيرًا.

كل شيء…

لم يعد سرًا.

أدونيس،

الوقت يضيق.

رجاله الآن على الطريق المؤدي إلى البلدة، وربما يكون بينهم.

لا تبقي هناك. لا تقاتلي وحدك.

أحلامنا الصغيرة لا تستحق أن نُدفن تحتها.

اهربي…

وإن استطعتِ، لا تنسي أن تنجي قلبك أيضًا.

ادوارت"

حين أنهت عيني قراءة السطور، كنت قد نسيت أنفاسي بين السطر والسطر.

أمسكتُ الورقة بيدي المرتجفتين، نظري هائم في الفراغ.

كل شيء يتداعى.

الهدوء الذي حاولت أن أزرعه هنا، صار هشًّا.

محلي الصغير… لا مكان له الآن في هذا العالم المضطرب.

رفعت بصري نحو السماء، كأنني أطلب من الغيم أن يحميني،

ثم همست:

"أبي قادم… والريح تحمل رائحتي."

كانت أصابعي تطوي الورقة برفق، لكنها لم تستطع طي ما كان ينهار داخلي.

"رجاله في الطريق... لا تبقي هناك، أدونيس".

همتُ بالجملة الأخيرة، بصوت شبه مسموع، كأنني أكررها لأقنع نفسي أنني لا أعيش كابوسًا.

"لا تبقي هناك..."

ظننتني وحدي.

لكنني لست كذلك.

- "ستهربين إذًا."

تجمّدت.

كان صوته من خلفي، هادئًا، متماسكًا… كمن كان ينتظرني لأقولها.

التفتّ ببطء، وجدت جوش واقفًا خلفي، يراقبني بنظرته الثابتة.

لم يسأل عن مضمون الرسالة. لم يطلب تفسيرًا.

كان ذكيًا بما يكفي ليكتشف الباقي من طريقة انقباض وجهي، من طريقتي في لمس الرسالة كأنها لُغْم.

- "لن أسألك عمّن يلاحقك."

قالها وهو يتقدم خطوة، لا تهديد في نبرته… ولا دفء أيضًا.

- "لكن الهرب لن يبعدك كثيرًا.

أتعرفين لماذا؟ لأنك وحدك."

ابتلعتُ ما كنت أنوي قوله. كان يقرأني جيدًا… أكثر مما أريد.

ثم قال، وهو يعقد ذراعيه:

- "نحن نغادر البلدة غدًا. كعادتنا.

مرتزقة لا يستقرون طويلاً.

وصدقيني، لا أحد يسأل عن ماضي أحد بيننا."

سكت لحظة، ثم أضاف دون أن يلين صوته:

-"لكننا بحاجة إلى طبيبة. أو إلى شخص يعرف كيف يمنع الموت من التقدّم نصف خطوة."

اقترب خطوة أخيرة، ثم أردف بصرامة محايدة:

- "تأتين معنا…

نحميك، فقط طالما كنتِ مفيدة."

نظرت إليه، ورأيت في عينيه الصفقة واضحة:

لا شفقة. لا تعاطف.

مجرد معادلة.

"النجاة… أو الوحدة."

وما بينهما، لا يوجد شيء يشبهني.

جلست وسط الظلال، والرسالة مطويّة بين راحتيّ، كأنها قلب آخر أحمله ولا أعرف كيف أُسكت خفقانه.

الخوف؟

لا.

كنت خائفة من قبل، حين لم أعرف شيئًا.

الآن… أنا أعرف.

وأبي… يعرف أيضًا.

أدرت بصري في الكوخ؛ الجدران الخشبية التي عالجت بين ضلوعها عشرات القرويين، الجرار، الأعشاب المعلّقة بسقف الغرفة، المريمية التي لم أكمل قطفها.

كل شيء هنا يشبهني.

لكنه لا يحميني.

فجأة شعرت أن الجدران أضيق، أن الهواء أقل… أن هذا المكان، الذي صنعته بيدي، سيُدفن قريبًا إن بقيت.

وقفت.

ببطء، جمعت الأدوات التي أحتاجها. لا أكثر. لا أقل.

دواء، إبر، خيوط، بعض المجوهرات… وثوبي القاتم.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم همست لنفسي، كمن تقطع وعدًا:

"سأكون صفقة، لا أكثر.

لكنني لن أكون ضحية."

وخرجت.

كانت أصابعي تُحكم إغلاق الحقيبة الجلدية. صوت الأبازيم المعدنية بدا أعلى من المعتاد، كأن كل شيء في هذا الفجر قرر أن يُعلن عن نفسه.

فتحت الباب بحذر.

لكن الريح لم تكن وحدها هناك.

صوت حوافر…

ثم خطوات ثقيلة…

ثم صوت رجلٍ غليظ يصيح من طرف الحقل:

- "فتشوا المكان! لا تترُكوا حجراً إلا وقلبتوه!"

تسمرت مكاني.

رجاله… وصلوا.

تحركت بسرعة، غريزتي تقودني أكثر من عقلي. عبرت الحديقة الخلفية، مُلتفة حول الكوخ.

لكن الظلال لم تحمني كفاية.

رآني أحدهم. صرخ:

- "هي هناك! أمسِكوها!"

ركضت.

كانت الأرض رطبة، والهواء يصفع وجهي، وقلبي يسبقني.

ثم، ومن لا مكان… خرج جوش من بين الأشجار، يمتطي حصانه، يركض نحوي.

- "إلى هنا!" صرخ، ومدّ ذراعه.

لم أتردد. قفزت خلفه على السرج، بالكاد استقرّت قدماي، حين أطلق أحد الرجال صفّارة نحاسية معلنًا المطاردة.

صوت الصفير شقّ الهواء… تبعه صهيل خيول.

من بين الضباب، ظهر بقية المرتزقة. كانوا بانتظار الإشارة.

- "جوش! خذ اليمين! نحن نشتّتهم!" صاح كايل منبها جوش.

و تومير ، بعين واحدة تلمع خلف وشاح أسود، رمى قنينة زجاجية خلفهم.

دخان كثيف انبعث فجأة، وصرخات متخبطة علت من بين الأشجار.

كنت أتمسّك بجوش بقوة، أنفاسي تتقطع، وعيناي لا تصدقان ما يجري.

لكنه لم ينظر إلي. فقط قال، بصوته الجاف:

- "قلتِ إنك لا تعرفين الهرب… يبدو أنك تتعلمين بسرعة."

في خضم الفوضى، رغم الخوف، رغم كل شيء…

تسلل سؤال غريب لعقلي، كمن يغرد وسط المعركة:

"من أين… حصلوا على هذه الأحصنة؟"

لم أملك جوابًا، ولا وقتًا لأبحث عنه.

واصلنا الركض. عبرنا الجسر الخشبي، ووراءنا أصواتٌ تتلاشى في العتمة.

حين شقّ الفجر خيطه الأول في السماء، كنا قد غادرنا البلدة.

تركت خلفي كل شيء…

إلا الحقيقة.

ترجل الجميع. كنا على مسافة آمنة، لكن التوتر لا يزال في الهواء.

جلست على صخرة، ألهث، أضم الحقيبة إلى صدري كأنها ستحميني من كل شيء.

أخيرًا، نظرت إلى جوش الذي كان يفحص نصل خنجره بصمت، كأنه لم يكن على وشك الموت قبل دقائق.

تمتمت، غير قادرة على كبت فضولي أكثر:

- "من أين… حصلتم على الأحصنة؟"

رفع رأسه ببطء، ونظر إليّ بنصف ابتسامة مائلة أقرب إلى السخرية منها إلى الإجابة:

-"نحن مرتزقة، أليس من الطبيعي أن يكون لنا أحصنة؟"

ثم أضاف، بصوت أكثر جدية وهو يعيد خنجره إلى غمده:

- "تركناها في إسطبل عند طرف البلدة. صاحبه دائن لنا بجميل قديم… يوم لجأنا إليه ذات شتاء دامٍ، بعد معركة، وضمدتِ أنتِ جراح أحدنا. لم يكن يعرفك حينها، لكننا كنا مدينين له."

رمقني بنظرة جانبية، وكأنه يقيس وزني في هذه اللعبة الجديدة:

-"الناس لا ينسون اليد التي تمنحهم الدفء… حتى ولو كانت يد غريبة."

صمت. لم أعرف بماذا أرد. شعرت بالذنب يتسلل، يذكرني أنني لم أعد غريبة تمامًا… لكنني لم أعد واحدة من هؤلاء أيضًا.

فجأة، صاح إيلان من حيث كان واقفًا بين الأشجار:

- "غبار… على الطريق!"

نهض كايل من موضعه، وهو يضع يده تلقائيًا على مقبض سيفه.

تومير زم شفتيه، وانتصب كأن النعاس طُرد من عظامه.

أما ديراس، فسبّ بصوت خافت، ثم صرخ:

-"اللعنة… إنهم قادمون!"

هرعتُ للوقوف، وقبل أن أسأل، سمعت خفقان حوافر يضرب الأرض… أولئك ليسوا من الفرسان التائهين، ولا تجّار عبور… هؤلاء مدربون، أعرف ذلك من الإيقاع وحده.

رأيتهم عبر الأشجار: رجال أبي، بملابسهم القاتمة وسيوفهم التي تُلمع تحت الضوء… كانوا على وشك اقتحام المكان.

ارتجفت يدي، وسقطت حقيبتي. لم أكن أعتقد أنهم سيصلون بهذه السرعة.

وقبل أن ألتقط أنفاسي، شعرت بذراع تمسك بي من الخلف.

- "اركبي!" قال جوش بجفاء، وهو يمتطي حصانه ويشير لي خلفه دون أن ينظر إليّ.

- "لكنك…" تمتمت، مترددة، لكن الخوف جرّني قبل أن تكمل كلماتي.

سحبني بقوة لأجلس خلفه، ولف ذراعه حولي بثبات كأنني مجرد حِمل إضافي.

-"تشبثي، ولا تتأخري في التفكير."

صفّر كايل لحصانه، وقفز فوقه.

تومير صاح: "إلى التل الغربي! أسرع طريق للغابة!"

إيلان كان يلهث، وجهه ممتقع، لكنه امتطى حصانه برشاقة.

ديراس لوّح بسيفه نحو مؤخرة الركب، يغطي انطلاقهم.

بدأت المطاردة. صهيل يجلجل في الهواء، وحوافر تخترق الأرض الرطبة.

كنت أرتجف، ليس فقط من الخوف… بل من ذلك الإحساس الثقيل بأنني لم أعد أملك قراري، أن حياتي انزلقت من بين يدي مثل قطرة ماء على حجر مائل.

لكن وسط كل شيء، همستُ لنفسي:

"ربما هذه أول مرة… لا أهرب وحدي."

ركضت الخيول بسرعة مجنونة بين الأشجار. الأغصان كانت تصفع وجهي وأنا أتشبث بخصر جوش بكل قوتي. لم يقل شيئًا، لكنني شعرت بتوتر عضلاته، وكأنه هو الآخر يحبس أنفاسه، يسمع أصوات المطاردين تقترب وتبتعد كنبض الخطر في الوريد.

الريح صفير، والغابة تزداد ظلمة.

كايل صرخ من الأمام:

- "المنحدر! احذروا!"

خفض جوش جسده قليلاً، وأنا تبعته لا إراديًا.

قفز الحصان فوق حافة ضيقة، وكاد قلبي يتوقف… لكنه استقر بسلام، وتبعناه البقية.

وبعد دقائق من اللهاث والصهيل والصراخ المتقطع، خفَّت الأصوات خلفنا… لم نعد نسمع شيئًا سوى خرير جدول بعيد ونفسنا المتقطع.

أشار تومير إلى وادٍ صغير تحيطه الأشجار الكثيفة:

- "هنا… نستطيع أن نختبئ لبعض الوقت."

ترجلنا. قدماي بالكاد تحملانني. الهواء كان ثقيلاً، يحمل رائحة الخوف والعرق والتربة الرطبة.

جلس ديراس متكئًا على جذع شجرة، يضمد ذراعه التي أصابها سهم عابر.

إيلان كان يجلس بعيدًا قليلًا، يتفحص السماء وكأن النجوم ستمنحه جوابًا.

كايل نزع خوذته، مسح جبينه ثم نظر إليّ فجأة، ثم أشاح بوجهه.

أما جوش، فقد ترجل بصمت، وقاد حصانه إلى الجدول ليشرب.

وقفت، مترددة… ثم اقتربت ببطء، أطوي خطواتي بحذر.

- "كنت ستتركني، أليس كذلك؟"

همستُ. لا أعلم إن كنت أعاتب أم أختبر فقط.

رفع رأسه نحوي، عيناه بلون الليل الغاضب:

- "كنت سأترك أي أحد… لو تأخر أكثر من ثانية."

ثم أضاف وهو يعود لينظر إلى الماء:

-"لكنك لم تتأخري."

صمتٌ قصير. كأن الأرض نفسها تنتظر ما سيقال.

ثم تمتم، دون أن ينظر إليّ:

- "هذا لا يعني أنك بأمان."

- "أعلم." قلتها، وأنا أضم ذراعيّ إلى صدري.

ثم جلست على صخرة ملساء قرب الجدول، أسترق النظر إلى بقية الرجال، وإلى حقيبتي التي ما زلت أتشبث بها كأنها مرآتي الأخيرة.

- "هل سيتوقف والدي؟" سألت نفسي بصوت خافت، كمن لا يطلب إجابة.

جوش لم يجب، لكنه نظر إليّ هذه المرة… نظرة طويلة، غامضة، ثم مشى مبتعدًا.

أما أنا، فشعرت للمرة الأولى أنني عبرت بابًا لا عودة بعده.

تركته و اقتربت ببطء من ديراس، كان يجلس تحت شجرة متصلبة الجذع، كتفه مسنود إلى اللحاء، وعيناه نصف مغمضتين من التعب والألم.

الجرح في ذراعه بدا أعمق مما تخيلت، والسهم المكسور ما زال مغروزًا فيه، الدم خضّب قميصه عند الكم.

حين سمع خطواتي، رفع رأسه، وقال بنبرة شبه ساخرة رغم شحوبه:

-"أوه، الطبيبة النبيلة قررت أن تقترب منّا؟"

لم أرد. فقط جلست إلى جانبه، فتحت الحقيبة وبدأت أخرج الأعشاب والزيوت والضمادات.

رائحة الخزامى والمريمية امتزجت برائحة الدم والعرق… رائحة الحياة كما عرفتها.

تمتم وهو يراقبني:

- "اعتقدت أنك ستتركيننا نموت واحدًا تلو الآخر… عقابًا على سوء ضيافتنا."

رفعت حاجبيّ، ثم بدأت بقص القماش الممزق حول الجرح:

- "لو كنت سأعاقبكم، لاخترت وصفة أبطأ ألمًا… وموتًا."

ضحك. ضحكته كانت خافتة، لكنها حقيقية.

همس بعدها، كأنه لم يعد يمزح:

- "لستِ مثل ما توقعت."

لم أرفع عيني عن الجرح، كنت أعمل بسرعة، بخبرة تعلمتُها في الظل:

- "ولا أنا."

أخرجت السهم بلطف وحذر، شهق من الألم لكنه لم يصرخ.

بدأت بتنظيف الجرح بمغلي أعشاب خاص، ثم وضعت عجينة نباتية فوقه، لوقف النزيف وتعقيمه. كنت أشعر بنظراته تتابع حركات يديّ بإعجاب لا يخلو من شك.

- "ما اسمك؟" سأل، بعد صمتٍ قصير.

- "قلتُ لك من قبل: أدونيس."

- "أقصد اسمك الحقيقي."

توقفت لثانية."لماذا يشكون إني لم أخبرهم باسمي الحقيقي؟" تمتمت بداخلي.

نظرت إليه، وكان في نظرته ما يشبه الاعتذار… أو الاحترام.

أجبت بهدوء:

- "هذا هو اسمي."

أومأ، وكأنه تقبّله أخيرًا.

لما انتهيت، غطيت الجرح بضماد قطني، وربطته بإحكام، ثم نهضت.

قال وهو يراقبني أبتعد:

- "أدين لك بعلاج… وسهم."

أجبت دون أن ألتفت:

- "ابقَ حيًّا… هذا يكفيني."

بينما كنت أعود إلى مكاني، شعرت بنظراتٍ تتبعني.

إيلان، الشاب الخجول ذو الملامح الطفولية، كان يقف بجانب كومة الحطب، يتظاهر بتفقده بينما يتسلل بعينه نحوي بين الحين والآخر.

حين التقت نظراتنا، احمرّ خديه كأنني ضبطته متلبسًا. تمتم بشيء غير مسموع، ثم أشاح بوجهه بسرعة.

ابتسمت رغمًا عني.

لم أكن أعرف هل أضحك على خجله، أم على نفسي… كيف تحوّل الخوف من هؤلاء الرجال إلى نوع من الألفة المترددة؟

أيعقل أني… بدأت أطمئن لهم؟

لكن الجو لم يدع لتأمل طويل.

كايل، الذي كان يفكك أحد السروج لتنظيفه، قال بصوت عالٍ وهو يرمي قطعة الجلد جانبًا:

- "ديراس محظوظ. يد ناعمة وجميلة تعالج جراحه."

ثم أضاف، مبتسمًا بمكر:

- "ربما عليّ أن أفتعل إصابة بدوري."

أجبته ببرود دون أن أنظر إليه:

- "في حالتك، سأصف لك مغليًا من الصبر… وجرعة مضاعفة من السكوت."

ضحك الجميع، حتى تومير الذي نادرًا ما يتكلم.

كان جوش بعيدًا عن الدائرة، يجلس على جذع مقطوع، ينظر إلى الطريق خلفهم، كما لو أنه يتوقع عودة الخطر في أي لحظة.

نظرت إليه، فتلاقت أعيننا للحظة.

لا ابتسامة. لا إيماءة.

مجرد صمت مشحون… كأن هناك اتفاقًا غير معلن يزداد ثباتًا بيننا مع كل ساعة تمر.

ثم، وكأن شيئًا في داخلي أخبرني أن هذا… مجرد هدوء ما قبل العاصفة.

فالعالم لا ينسى بسهولة فتاة تهرب من ظل والدها.

والمرتزقة لا يلتقطون الأرواح الضائعة من الطرقات… إلا بثمن.

لكنني الآن في المنتصف.

نصف قلب في هذا المعسكر، ونصف روح تهرب من ماضٍ لا يترك أثرًا إلا ولحقه الجمر.

كان الليل قد تسلل ببطء، وبدأت النيران تخفت، تكتفي بشرارات خفيفة ترقص في الهواء كأنها تهمس بأسرار الغابة.

جلستُ على مقربة من النار، ألفّ عباءتي حولي بإحكام، بينما ينسل البرد عبر أطراف الليل كأفعى صامتة.

سمعت وقع خطوات ثقيلة تقترب. لم أرفع رأسي، لكن ظله بدا طويلًا وثابتًا، كأن الأرض تعرفه.

جلس جوش بصمت، على بعد خطوة واحدة مني، يمد يديه قرب الجمرات المتوهجة.

لم ينبس بكلمة.

أردت أن أقول شيئًا، أي شيء يبدد هذا الصمت المشحون، لكن الكلمات خانتني.

مرت لحظات… ثم قال، بصوت منخفض لا يشبه طبعه المعتاد:

-"لم تكن مهارتك في تضميد الجراح مجرد كلام."

أجبت، وأنا أحدق في النار:

- "ولا كانت الحياة كريمة بما يكفي لتمنحني وقتًا للثرثرة."

ساد صمت آخر، لكنه لم يكن خانقًا هذه المرة.

كان أشبه بممر ضيق بين جدارين، نمرّ منه متجنبين التلامس، لكن لا بد أن نتنفس ذات الهواء.

ثم سأل، وهو يرمقني بنظرة جانبية:

-"أنتِ خائفة؟"

ابتلعتُ ريقي. لا جدوى من الكذب.

- "نعم… لكن ليس على حياتي."

هز رأسه ببطء، كأنه يفهم — أو كأنه لا يريد أن يسأل أكثر.

همس، كمن يحدث نفسه:

-"الخوف لا يمنع الهرب… لكنه يجعلنا نركض أسرع."

ثم نهض، وربّت على كتفي بخفة قبل أن يمضي مبتعدًا.

لم أتوقع تلك اللمسة، ولا تلك الكلمات.

لكن قلبي، في مكانٍ ما، انقبض ثم ارتاح… وكأنني سمعت في نبرته وعدًا غير منطوق.

أنني، ولو مؤقتًا…..لست وحدي.

رحل جوش، وبقي صوت خطاه يتردد في أذني كنبض خافت.

نظرت حولي. كان إيلان غارقًا في النوم، رأسه مائل على كتفه كطفل أنهكته الركضات. كايل جلس قريبًا من النار، عيناه نصف مغمضتين، وكأن الحذر لا ينام أبدًا في صدره. أما تومير، فقد انزوى بجوار شجرة، يسن سكينه بهدوء غريب، كأنه يطرد به التفكير.

لكنّ نظري ثبت على ديراس.

كان يتكئ على جذع خشبي، يئن كلما تحرك. الظلام أخفى ملامحه، لكني رأيت كيف يضع يده على جانبه، حيث الضماد الذي وضعته له في عجل أثناء الهروب.

اقتربت بخفة، وجلست قربه.

- "هل أوجعك الضماد؟"

فتح عينيه بصعوبة، نظر إليّ لثانية ثم همس بصوته الأجش:

- "ألم الضماد أرحم من ألم السيف… فلا بأس."

أخرجت قنينة صغيرة من كيس الجلدي، وقطعة قماش نظيفة.

- "دعني أرى. ربما فُك أثناء الركوب."

تردد لوهلة، ثم حرّك عباءته بصمت. بلطف، أزلت الرباط، وإذا بالدم قد تسلل من طرف الجرح، ليس بغزارة، لكنه لم يهدأ بعد.

بللت القماش بنقيع أعشاب كانت في حقيبتي، بدأت أمسح حول الجرح. ديراس شهق قليلاً، ثم تمتم مبتسمًا:

- "ليت كل من عالجني كانت يداه بهذا الدفء… حتى الألم يصير أقل غرابة."

رفعت بصري إليه. عيناه بلون العسل، نصف مغلقتين، تُخفي تعبًا أكثر من أي جرح.

- "الدفء لا يدوم، يا ديراس. لكنه يكفي لنسيان البرد، لبعض الوقت."

سكت. لا أعرف لمَ قلتها. ولا أعرف لمَ شعرت أنه فهم أكثر مما أردت قوله.

أنهَيْت التضميد، وأحكمت الرباط من جديد، ثم وضعت القنينة قربه:

- "إذا شعرت بالحُمّى، أخبرني. هذا المستخلص يُخفضها."

أومأ، همس بامتنانٍ لم أعتده منهم:

- "لو كنتِ مرتزقة، لكنا دفعنا لك الذهب كله."

ابتسمت بخفة، وأنا أنهض:

-"لكنني لست. وهذا… ما يجعل الأمر أغرب."

استدرت مبتعدة. خطواتي بطيئة، لكن قلبي أسرع من النار المشتعلة خلفي.

لم أعد واحدة من هؤلاء.

لكنني، على غير عادتي… لم أعد غريبة عنهم أيضًا.

عدت إلى مكاني قرب النار، لكن النوم أبى أن يقترب من جفوني. كان صرير الريح بين الأشجار، وصوت تنفس الرجال المتقطّع، أقرب إلى سيمفونية غريبة تعزف على أوتار قلبي المرتبك.

جوش جلس غير بعيد، ظلال النار ترقص على ملامحه الصارمة، يسن خنجره في صمت كما لو أن أصواتنا لا تعنيه.

كنت أعلم أني لن أستطيع الاستمرار هكذا. الرحيل معهم لم يكن مجرد هروب… بل خطوة في اتجاه مجهول، غريب، وخطير. ومع ذلك، شيء داخلي بدأ يجد طمأنينة وسط هذا الخطر.

صوت خطوات خفيفة قطع أفكاري.

كان ديراس، يسير ببطء، يغلب عليه التعب لكنه أصرّ أن يقترب من النار.

جلس بصمت، ألقى نظرة خفيفة نحوي، ثم تنهد:

-"يبدو أن جراحنا ليست الشيء الوحيد الذي نتركه مفتوحًا."

نظرت إليه، متفاجئة من كلماته.

- "ما قصدك؟"

ابتسم، نظرة متعبة لكن صادقة:

- "كل واحد منا… جرح قديم، لكننا لم نجد بعد من يضمده. نحن لا نحارب فقط بسيوفنا، بل بما تبقى من أرواحنا أيضًا."

كانت كلمات لا تشبهه. أو ربما لم أكن أعرفه بعد.

صمت، ثم أضاف:

- "أما أنتِ، فشخص غريب دخل وسط النار… ولم يحترق."

نظرت إليه، ثم إلى جوش الذي بدا كأنه يسمع كل شيء دون أن يُظهر أي تفاعل.

- "ربما لم أحترق… بعد."

همست بها، ونفضت عن كتفي الغبار الذي تراكم من الطريق والهرب والخوف. لأتوجه نحو جذع شجرة و أغط في نوم عميق بسبب التعب

**

مع بزوغ الخيط الأول من الفجر، بدأت الحركة من جديد. كايل كان أول من نهض، يراقب الشرق كمن ينتظر شيئًا. تومير أيقظ الأحصنة، بينما إيلان تثاءب وهو يرتب حاجياته.

جوش اقترب مني بهدوء، صوته كان منخفضًا، لكنه جاد:

- "سنغادر خلال دقائق. الطريق نحو الجبال لن يكون سهلًا… لكن من الأفضل أن نبتعد قبل أن يتعقبونا مجددًا."

أومأت. لم أسأل إلى أين بالضبط. لم أعد أحتاج وجهة واضحة. كل ما أعلمه أن العودة لم تعد خيارًا.

حين ركب الجميع أحصنتهم، وجدت نفسي أنظر إلى الحصان الوحيد الذي تبقى… حصان جوش.

نظر إلي، ثم أشار برأسه:

- "هيا. لن أتركك تمشين… الطبيبة أصبحت جزءًا من القافلة الآن."

ترددت، ثم ركبت خلفه، متشبثة بخفة بعباءته، أنفاسي تتناغم مع تنفس الحصان.

ولأول مرة… شعرت أن نبض الأرض تحتنا لم يعد يطاردني. بل يرافقني.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صراع

المؤلف Aya
2025/08/20 مستمرة
قائمة الفصول (12)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة