قال أخيرًا، بصوتٍ خافتٍ كأنّه يحمل العالم على كتفيه:
"لن أقول لا ترحلي... لكن احذري، الطريق التي تبحثين عنها قد تبتلعكِ قبل أن تجدي نفسكِ فيها."
اقتربتُ منه، مدت يدي ولمسته كمن يلمس ذكرى.
كان واقفًا في الظل، لكنني رأيت كل شيء... حزنه، خيبته، خوفه.
همستُ وكأنني أرجو غفرانه:
"لم أعد أحتمل، كل شيء في هذا البيت يصرخ في وجهي أنني عالقة.
أنا لا أهرب منك... بل من نفسي التي لم أعد أتعرف عليها."
تنهّد، ثم أطرق رأسه، كأن الكلمات أثقلته.
"أنا أفهم، أكثر مما تظنين... لكن فقط، لا تثقي بأحد بسرعة. هذا العالم قاسٍ يا أختي، وليس كل من يبتسم، ينوي الخير."
ساد صمت طويل، لم نكن بحاجة للمزيد من الكلمات.
العينان قالتا كل شيء.
مددت يدي، فتناولها، وشدّ عليها بقوة، وكأنه يزرع فيّ آخر ما تبقى من حنانه.
همس:
"إذا احتجتِني، مهما كان الوقت... فقط عودي. لن أقفل الباب أبدًا."
في تلك اللحظة، شعرت بشيء يتكسر في صدري، شيء يشبه الطمأنينة... كأن جزءًا مني يطلب البقاء، لكن الباقي كان قد قرر الرحيل.
فككت يدي من يده ببطء، وقلت:
"احمِ نفسك يا أخي... نحن الآن في حرب، حتى ونحن في هذا البيت."
ثم أدرت ظهري، وخرجت دون أن أنظر خلفي.
كنت أعلم... إن التفتُّ، سأبكي، و سأبقى.
أغلقت الباب خلفي بهدوء، وكأنني أدفن جزءًا من قلبي بداخله.
خطوت في الممرّ المعتم، لا ضوء سوى نورٍ خافت من الشارع يتسلل عبر الستائر، يرسم على الحائط أشكالًا مرتجفة كقلبي.
كانت الحقيبة الصغيرة تنتظرني عند الباب، كأنها تعرف موعد الرحيل.
أمسكت بها، وسحبت نفسًا عميقًا، فامتلأ صدري بالخوف.
اقتربت من الباب الرئيسي، وضعت يدي على المقبض...
وفجأة، سمعت شيئًا.
توقفت.
كان تنفّس أمي. لم تكن نائمة، بل كانت جالسة في العتمة، كما تفعل دائمًا حين يقلقها شيء.
رأيت ظلها من بعيد، منتصبةً كتمثال حزين، لا تتحرك، لا تتكلم.
همست لنفسي:
"سامحيني... لم أعد أقدر."
فتحت الباب بهدوء، لكن المفصلات أصدرت صريرًا خافتًا، جعلني أرتجف.
انتظرت، هل ستنادي؟ هل ستقف وتمنعني؟
لكن لا شيء.
خرجت. أغلقت الباب خلفي ببطء، ووقفت على عتبة البيت للحظة.
هواء الفجر البارد صفَع وجهي. كان صافيًا... وصامتًا.
نظرت إلى السماء، كانت شبه مظلمة، لكنها لم تكن مرعبة... بل تشبهني.
لا ضوء، لا وجهة، فقط فضاء ينتظر من يملأه.
بدأت أمشي...
شارع بعد شارع، نفس متسارع، قلب يرتجف، وخطى غير ثابتة.
كنت لا أزال أسمع صوت أخي في رأسي:
"احذري... لا تثقي بأحد بسهولة."
لا أعلم أي طريقٍ سأسلك...
الليل كان كثيفًا، والسماء ملبدة كأنها تخبئ المطر أو شيئًا أسوأ.
كل ما أريده هو أن أرحل.
أن أبتعد عن الجدران التي خنقتني، عن الأصوات التي علّمتني الخوف، عن نظرات أمي الجامدة، عن صراخ أبي الذي ما عدت أسمعه، بل أشعر به على جلدي.
ابتسمت بسخرية.
حتى أمي لم تطلب مني أن أبقى.
تركتني أرحل كما يترك الغريب باب الخان دون أن يُسأل عن اسمه.
لم تحاول أن تضمّني، أو أن تسألني: "إلى أين؟"
بل ظلت جالسة على البساط المهترئ، رأسها مائل، وعيناها ميتتان.
لم تحمني من بطش أبي، من قسوته التي كانت تمزقني كل ليلة، بل كانت تزيد الطين بلة بكلماتها الباردة، ووجهها الجامد، كأنني لست ابنتها، بل عار يجب كتمه.
لماذا يرى الأبوان أبناءهم كملكية؟
كأننا وُجدنا لخدمتهم، لكتمان أنفاسنا لأجل رضاهم.
لم يسألوني يومًا: "من أنتِ؟ ماذا تحبين؟ إلى ماذا تحلمين؟"
لست عبدة لأحد...
لست جارية في بيت أبي، ولا صدى لكلمات أمي.
أنا لي. وإن تهت، سأضل باسمي.
تشددتُ في ردائي، وحملت الكيس القماشي الصغير على ظهري، وسرت في طريقٍ ترابيٍّ لا أعرف نهايته.
كانت الأشجار صامتة، والرياح تنوح بين الأغصان كأنها تبكي نيابة عني.
كل شيء ساكن... إلا قلبي.
من خلفي، لم ألتفت. لم أعد أريد أن أرى البيت.
ومن أمامي...
أرض ممتدة، وظلام لا ينتهي.
لكنني كنت أعلم أن أول خطوة... هي خلاص.
لحسن حظي، كنت أحمل معي مجوهراتي النفيسة.
قطع قليلة، لكنها ثمينة، تكفي لتكون بداية حياة جديدة.
تركت كل شيء... إلا تلك العلبة الخشبية الصغيرة التي خبأتها بعناية في كيس القماش. ليست قيمتها في الذهب أو الأحجار، بل في ما تمثله: قوتي، استقلالي، حريتي.
أعترف... رغم كل شيء، كوني من عائلة غنية كان الشيء الوحيد الذي منحني ميزة واحدة: التعليم.
في زمنٍ كانت فيه البنات يُجبرن على الحياكة أو الطاعة، كنت أنا أختبئ بين الكتب والمخطوطات.
كنت مولعة بالنباتات والعلاج بالأعشاب.
أعرف كل ورقة، كل رائحة، كل جذور كانت تُستخدم في التداوي. كنت أجمعها من البساتين، أخزنها، أدرسها، وأخلطها في جرار صغيرة داخل غرفتي.
غرفتي كانت مختبري.
بين زجاجات الزيت، وقوارير الماء المغلي، والخيوط المعقّدة من التعاويذ الطبية القديمة، كنت أشعر أنني أملك العالم بين يديّ.
لم يكن شغفي مجرد هروب... بل كان مقاومة.
بينما كان أبي يعلّق سيفه على الجدار ويظن أن القوة في الحديد، كنت أزرع قوتي في الأعشاب، في المعرفة، في التجربة.
الآن... سأبدأ من هنا.
سأبيع مجوهراتي.
وسأفتح مشروعًا صغيرًا، مكانًا أعالج فيه الناس...
أشفي الجروح التي تشبه جراحي.
كان الليل ثقيلاً، تتدلى خيوطه فوق الطرقات كستار من ظلام.
الريح تعصف بين الأزقة الضيقة، تحمل معها رائحة تراب مبتل وصهيل خيول يقترب شيئًا فشيئًا.
تسارعت خطواتي، وارتجف جسدي تحت عباءتي الداكنة.
الطرقات حجارة مبللة، وجدران البيوت صامتة لا تشي بشيء.
كنت أركض بلا اتجاه، أحمل حقيبة صغيرة أشدها إلى صدري، أخشى أن تُفلت مني أو يُنتزع مني ما تبقى من حريتي.
من خلفي، تعالى صوت أحد الرجال:
- "أدونيس! توقفي، لا تفعلي هذا بنفسك!"
تجمد الدم في عروقي، اتسعت عيناي، والتفتت برعب إلى الوراء.
كان الضوء يقترب، ومشاعل تلوح من بعيد.
ارتفعت أصوات رجال ينادون باسمي، يملأها الغضب والوعيد.
- "أمسكوا بها! لا تتركوها تهرب!"
تعثرت بحافة الرصيف الحجري، كدت أسقط، لكني تماسكت، وواصلت الركض.
عبرت حارة ضيقة، التفت يمنة ويسرة، ثم اختبأت خلف حائط متهدّم تنبت حوله أعشاب جافة.
حبست أنفاسي، التصقت بالجدار، وارتعش قلبي تحت ثوبي.
لم أكن أصدق أنهم وصلوا بهذه السرعة.
لم أتخيل أن والدتي ستفعلها وتشي بي.
رفعت رأسي قليلاً، فرأيت الخيول تمر، ورجالاً يبحثون في الزوايا والبوابات، يطرقون الأبواب، يسألون الغرباء.
حين ابتعدوا، خرجت من مخبئي ببطء، أمسح جبيني، أشد على حقيبتي، وأسير من جديد.
كانت قدماي تؤلمانني ، وثوبي مبلل بالغبار والندى، لكني لم أتوقف.
بعد دقائق، وبين الأزقة المعتمة، ظهر أمامها بناء صغير، خشبي، تتدلّى فوق بابه لافتة باهتة بالكاد تُرى.
اقتربت، قرأت بصعوبة:
"نُزل السُّرُج المسافرة"
توقفت لحظة أمام الباب، أتنفس بصعوبة، أنظر خلفي...
لم يكن هناك أحد.
مدّدت يدي المرتجفة، وطرقت الباب طرقًا خفيفًا،ثم انتظرت.
فتح الرجل الباب ببطء، ورأيت ملامحه المتعبة تلتقطني بنظرة تحمل الكثير من الحكايات.
سألني بصوت هادئ لكنه صارم:
"من أنتِ؟ وما الذي جاء بك إلى هنا في هذا الظلام؟"
لم أجد كلمات كثيرة، رفعت حقيبتي وأجبت بصوت واهن:
-"أحتاج فقط إلى مأوى... ليلة واحدة فقط."
تردد للحظة، ثم أزاح قطعة خشبية من على المنضدة وأخرج مفتاحًا صدئًا.
أشار إلى درج ضيق يقود إلى الطابق العلوي وقال:
-"غرفة واحدة بقيت. لا ضجيج، ولا مشاكل."
دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفي. أخذت نفسًا عميقًا.
الجدران خشبية، والسرير بسيط، لكن في هذا الركن البعيد عن العالم شعرت بشيء من الأمان.
.
جلستُ على حافة السرير، أضم الحقيبة إلى صدري، وأفكر:
-هل أثق به؟ هل أبوح له؟ ماذا إن سلّمني؟
لكن شيئًا في عينيه حين سلّمني المفتاح، في صوته حين قال "لا مشاكل"، جعلني أتمسك ببصيص أمل.
نهضت، فتحت باب الغرفة ببطء، وهبطت الدرج بخفة.
وجدته جالسًا قرب الموقد، يداه معقودتان، والنار أمامه تُلقي وهجًا خفيفًا على وجهه المتجعد.
ترددت لحظة، ثم تقدّمت نحوه. حين رآني، رفع نظره بهدوء، لكنه لم يتكلم.
وقفتُ أمامه، أحاول أن أبدو ثابتة، لكن صوتي خانني:
-"أريد أن أرحل... قبل أن يصلوا إليّ."
لم يرد، فقط رمقني بنظرة طويلة، كأنه كان يتوقع هذا الطلب.
أكملتُ، والدمعة تخنق صوتي:
-"أعرف أن لا علاقة لك بي، ولا مصلحة لك في مساعدتي... لكني لا أعرف أحدًا غيرك هنا."
سكتُّ، ثم أخرجت قطعة ذهبية من الحقيبة، ومددتها نحوه:
-"هذه لك... فقط خذني إلى أقرب بلدة، أي مكان لا يعرفني فيه أحد."
نظر إلى يدي، ثم إلى وجهي. لم يأخذ القطعة.
قال بصوت خافت:
-"احتفظي بها... ستحتاجينها أكثر مني."
ثم أضاف، وهو ينهض من مكانه:
- "كوني في الساحة الخلفية قبل الفجر. لن يسألني أحد عنك إن لم يرَك أحد."
للحظة شعرت أنني سأبكي، لكني ابتلعت دموعي.
كل ما استطعت قوله هو:
- "شكرًا... لن أنسى هذا أبدًا."
أومأ برأسه، ثم عاد إلى موضعه قرب النار، كأن شيئًا لم يحدث.
أما أنا، فعُدت إلى غرفتي وأنا أتنفّس للمرة الأولى منذ بدأتُ الهروب.
استيقظتُ قبل الفجر، حين كان كل شيء ساكنًا... كأن الليل لا يريد أن يرحل، وكأن المدينة تحبس أنفاسها معي.
كان في صدري ثقل، مزيج من التعب والخوف والقلق من القادم. غسلت وجهي بالماء البارد من الوعاء الخشبي، وشددت حجابي جيدًا.
فتحت الحقيبة، تأكدت من أن المجوهرات لا تزال مخبّأة، ولمستها كمن يطمئن قلبه، لا ماله.
نزلتُ إلى بهو النزل على رؤوس أصابعي، ووجدته ينتظرني هناك.
كان واقفًا قرب الباب، يلفّ عباءته الصوفية حول جسده، والمصباح الزيتّي في يده يُلقي بظلال طويلة على الأرض.
قال بصوته الخافت:
"العربة جاهزة... لا أحد في الشارع بعد. إن كنتِ ما زلتِ ترغبين في الذهاب، هذا هو الوقت."
أومأت برأسي فقط. لم أجد كلمات شكر تكفي.
تبعته خارجًا، كان البرد قاسيًا، والسماء لا تزال حالكة.
صعدت إلى العربة الخشبية، وجلست بجانبه. لم يسألني شيئًا، ولم ينظر إليّ كثيرًا. فقط أمسك لجام الحصان، وضربه ضربة خفيفة، فانطلقت العربة.
كنا نغادر المدينة بهدوء، وسط الظلام والرطوبة، ولا شيء يسمع سوى صوت العجلات القديمة على الطريق، وصدى دقات قلبي.
نظرت خلفي للحظة... لم أكن أودع المكان، بل أودع الفتاة التي كنتها فيه.
في داخلي، قلت دون صوت:
شكرًا لك، يا من لا أعرف حتى اسمك... لقد أنقذتني دون أن تسأل لماذا.
كانت الشمس في كبد السماء حين بدأنا نقترب من البلدة.
العربة تهتز فوق الحصى، والغبار يتصاعد من العجلات كأننا نترك سحابة رمادية خلفنا.
جلست صامتة طوال الطريق، أراقب الطريق بين أصابعي المرتجفة. لم أكن أعرف ماذا سأجد هناك، لكني كنت أعرف ماذا تركت خلفي... وهذا يكفي.
حين اجتزنا أول بوابة خشبية شبه متهالكة، شعرت كأنني أعبر عتبة عمر جديد.
البلدة بدت هادئة، متواضعة، لكنها حيّة.
الناس يتحركون تحت شمس ثقيلة، بعضهم يجرّ عربات صغيرة، وبعضهم يجلس تحت الظل يبيع التمر أو القماش.
رائحة الخبز الساخن امتزجت بدخان الطهي وصوت الحرفيين في الزوايا.
لم أكن أعرف أحدًا هنا، ولا أحد يعرفني... وهذه، للمفارقة، كانت راحتي الوحيدة.
أوقف العجوز العربة قرب بئرٍ قديم وسط الساحة، والتفت إليّ دون أن ينطق.
أمسكت حقيبتي، تأكدت منها للمرة الأخيرة، ثم نظرت إليه.
همست بشكرٍ لا يكاد يُسمع، لكنه أومأ برأسه كأنه فهم كل شيء.
نزلت من العربة ببطء، وقفت هناك للحظة.
كنت غريبة وسط ناسٍ لا يلتفتون إليّ، وأحببت هذا الشعور.
أحببت أن لا أحد يراني إلا كعابرة، لا كابنة فلان، ولا كفتاة هاربة.
تقدّمت نحو الظل، وجلست على حجر عند طرف السوق.
أخرجت ورقة صغيرة كنت قد كتبتها قبل أيام... كانت تحمل اسم المشروع الذي حلمت به لسنوات:
"اليد الخضراء - أعشاب وشفاء"
ابتسمت ابتسامة مرتجفة، وقلت لنفسي:
ها أنا هنا... فلنبدأ.
تجوّلت في السوق طويلاً، تحت شمس ثقيلة وعيون لا أعرف إن كانت تراقبني أم فقط عابرة.
كل شيء في هذه البلدة يبدو جديدًا... رائحة الخبز، لهجة الناس، شكل الحجارة.
لكنني كنت أبحث عن شيء محدد: محل مجوهرات... عتيق، غير لامع، مثل الذي كان يرافق أمي في صباها.
وأخيرًا، رأيته.
باب خشبي غامق، فوقه لافتة صغيرة محاطة بنقوش حديدية صدئة كتب عليها: "مجوهرات الديوان".
لم يكن لامعًا ولا فخمًا، بل كان يشبه ما في داخلي تمامًا... مرهق، لكنه حيّ.
دفعت الباب ببطء، فصدر صوت خشبي خافت، وأقبلني الهواء برائحة معدن قديم وعود محترق.
خلف المنضدة وقف رجل في منتصف العمر، شعره يميل إلى الرمادي، يرتدي عباءة بسيطة ونظراته لا تشبه تجار الذهب... بل تشبه من رأى الكثير.
- "تفضّلي." قالها بصوت عميق، دون أن يلحّ، وكأنه يمنحني خيار البقاء أو الفرار.
فتحت الحقيبة ببطء، أخرجت لفافة القماش المخفية بين الثياب، وضعتها على الطاولة، ثم كشفتها.
كان الذهب يلمع بصمت. أساور، قلائد، وأقراط حملت ذاكرة عمر كامل، وبعضها لم ألبسه قط، فقط ورثته.
قال بعد صمت وهو يقلب واحدة منها بين أصابعه:
-"قطع قديمة... ثمينة... لكن ليست كلها للبيع، صحيح؟"
نظرت إليه للحظة، ثم همست:
-"كلّها. أحتاج إلى بداية، لا إلى زينة."
نظر إليّ مليًّا، كأنه يحاول قراءة قصتي من عيني.
ثم سأل، دون أن يتطفل:
- "هل تبحثين عن شيء محدد؟"
أجبته بهدوء:
-"منزل بسيط... ومكان صغير أفتح فيه مشروعًا. أعمل بالأعشاب، والعلاجات الطبيعية."
رفع حاجبه قليلًا، ثم قال:
- "تعالي معي، أعرف مكانًا قد يعجبك."
خرجنا معًا من الدكان، عبرنا زقاقًا ضيقًا تنبت على جانبيه نباتات برية.
توقف أمام منزل حجري قديم، مكوّن من طابق واحد، في أحد أطراف البلدة. بابه من الخشب، ونافذته تطلّ على شجرة توت كبيرة.
فتح الباب، وأشار إلى الداخل:
-"الغرفة الخلفية للسكن، والأمامية تصلح دكانًا صغيرًا... صاحبه انتقل منذ مدة، وأنا أعتني به مؤقتًا."
دخلت بخطى مترددة. رائحة الغبار والنعناع اليابس ملأت أنفي.
لامست الجدار بأطراف أصابعي، شعرت بأنني وصلت.
نظرت إليه وقلت:
-"أريد هذا المكان."
ابتسم بهدوء، وأجاب:
- "لكِ... إن كنتِ تنوين البقاء."
قضيت يومي كله في المكان.
ما إن أُغلق الباب خلفي حتى شعرت أنني وحدي حقًا، بلا أحد، بلا عيون تُراقبني، ولا أوامر تُلقى عليّ.
الغرفة الخلفية صغيرة، أرضيتها من الطين المدكوك، وجدرانها من حجر خشن، لكن فيها نافذة واسعة تدخل منها الشمس، وهذا يكفيني.
خلعت ردائي، رفعت شعري، وشمرت عن ساعديّ كما لم أفعل من قبل.
كان الوقت للعمل... لا للبكاء، لا للحزن، لا للشكوى.
بدأت بمسح الأرض، نزعت غبار السنين من الزوايا، فتحت النوافذ، وتركت الهواء يعبث بالمكان كما يشاء.
كلما تعرّقتُ، كلما شعرتُ أنني أخرج من جلدي القديم، وأدخل هذا المكان بروحي الجديدة.
رتبت أدواتي فوق الطاولة الخشبية المهترئة.
قناني زجاجية صغيرة كنت قد جلبتها معي، أعشاب مجففة، قطع قماش نظيفة، مدوّنة فيها خلطاتي التي كنت أجربها في خفية بغرفتي القديمة.
علّقت فوق الجدار قطعة قماش كتبتُ عليها اسم المشروع:
"اليد الخضراء - أعشاب وشفاء"
لم تكن لوحة حقيقية، ولم يكن خطي متقنًا، لكنني حين علّقتها فوق الباب، شعرتُ بفخر غريب، يشبه الفرح الذي يخشى أن يُعلن عن نفسه.
وضعت زجاجات الزيوت في الرفوف، رتبت أعشاب النعناع، البابونج، الشيح، والخزامى في أوعية طينية صغيرة.
-"علي شراء أعشاب أخرى" هذا ما تمتمت به مكملة عملي.
في المساء، أعددت لنفسي كوبًا من منقوع الزعتر وجلست أمام الدكان.
راقبت الشمس وهي تغرب خلف أسطح البلدة، واللون البرتقالي ينساب على الحجارة القديمة.
لم يكن لدي زبون واحد.
ولا إعلان.
ولا مال كثير.
لكنني كنت أملك شيئًا لم أملكه من قبل...
مكانًا أقول عنه: "هنا... أكون."
Aya