بعد دقائق في الحديقة، عدت إلى الداخل بخطوات ثابتة. وجدتهم صامتين، يتجنبون نظراتي كما لو أن الأرض قد أصبحت فجأة ضيقة من تحتهم.
أعدت ترتيب الزجاجات التي عبث بها أحدهم، بترتيب دقيق، كأنني أعيد بناء نظامي الداخلي معها.
رفعت بصري أخيرًا، وقلت:
- كل من لا يحترم قواعدي، لا يبقى هنا.
لم يجب أحد. نظراتهم كانت مزيجًا من الحذر والإحراج.
أضفت بنبرة أكثر صرامة:
-إن كنت طبيبة، فلست خادمة. وإن كنت أداوي، فلا يعني ذلك أنني غافلة.
ثم نظرت نحوه - هو - كان واقفًا بجانب الباب، متكئًا على الحائط، ذراعه الملفوفة بضماد من عملي.
قلت له دون أن أخفض بصوتي:
- وأنت، إن كنت تنوي البقاء، لا تكتفِ بكلماتك. ابحث عن طريقة لتثبت أن وجودك لا يثير الفوضى.
لم يرد... فقط ظلّ يحدق بي بنظرة يصعب فك رموزها.
لكنني تجاهلتها، وعدت إلى أوراقي.
في داخلي، كانت كلماتي تُثقل صدري، لأني أعلم أنها أقسى مما كنت أريده.
لكنني لا أستطيع أن أكون لطيفة معهم... ليس الآن.
ليس وأنا بالكاد أحتمل وجودهم هنا...
ليس وأنا أعلم أن أي تهاون مني قد يُفهم ضعفًا، والضعف... في عالمي، ثمنه باهظ.
رائع، سنُكمل إذاً المشهد التالي بإدخال تفصيل بسيط يُظهر بداية تحمّل المسؤولية من أحد المرتزقة - دون تلطيف الجو أو التقارب، فقط تصرّف عملي يُثير انتباه البطلة... لكنها لا تُظهر شيئًا.
كان الهدوء قد خيّم مجددًا على المكان، لكنه ليس سلامًا حقيقياً... بل أشبه بهدنة مؤقتة. جلست أكتب وصفة جديدة لتخزينها، لكنني كنت أتابع حركاتهم من طرف عيني، دون أن أبدو مهتمّة.
فجأة، سمعت صوتًا خافتًا خلفي.
استدرت قليلًا، لأراه - هو - يجثو أرضًا بجانب الرف المنخفض، يُعيد ترتيب بعض القوارير التي كانت قد وقعت أثناء الفوضى الصباحية.
لم يتكلم. لم يطلب إذنًا. فقط بدأ العمل بصمت.
راقبته للحظة. يداه رغم ضخامة أصابعه، كانتا حذرتين، كما لو أنه يعرف أن أي خلل في الزجاجات قد يفسد شيئًا دقيقًا.
لم أقل شيئًا. فقط عدت إلى الكتابة.
وبعد دقائق، سألني بصوت منخفض، دون أن يلتفت:
- الزجاجة ذات الرأس الأزرق... هل تنتمي لهذا الرف؟
نظرت نحوه ببرود، ثم قلت:
- نعم. واحذر أن تُقلبها، مفعولها لا يُغتفر إذا انسكب.
هز رأسه باحترام صامت، وأعادها لمكانها بدقة.
لأول مرة منذ وصولهم... شعرت أن أحدهم يحاول أن يفهم، لا أن يقتحم.
لكنني لم أُظهر شيئًا.
بل قلت وأنا أغلق دفتري:
-ليس لأنك نظّفت رفًّا، يعني أنني سأثق بك.
ردّ بهدوء دون أن ينظر لي:
- لم أفعل ذلك من أجلك.
تجاهلت كلماته.
عدت للموقد، أعددت خلطة جديدة، وتركتها تغلي. وبين بخار الأعشاب، كان في داخلي صوت خافت يهمس:
ربما وجوده هنا... لن يكون مجرد عبء.
لكني أسكته في كل مرة.
وضعتُ الوعاء جانبًا، ثم وقفت في منتصف الغرفة. نظرت إليهم واحدًا تلو الآخر، جميعهم جالسون، بعضهم مستند للحائط، وبعضهم يرمقني بعين حذرة.
قلت بنبرة حازمة:
- أنا لا أستضيف أشباحًا. إن كنتم ستبقون هنا، فأريد أسماء. واحدًا تلو الآخر، واضح؟
تبادلوا نظرات سريعة، ثم تكلم أولهم، صاحب الكتف المصاب، بنبرة خجولة:
- إيلان.
أشرت إليه برأسي وأنتقلت للثاني.
- ديراس.
- كايل.
- تومير.
ثم التفتّ نحوه... هو، صاحب الجرح الأول، وصاحب اللسان الساخر.
تأملني للحظة وكأنه يُفكّر إن كان من الحكمة أن يمنحني اسمه الحقيقي. ثم أخيرًا، قال بصوته العميق:
-جوش
رددت ببرود، وأنا أكتب الأسماء في دفتري الصغير:
- حسنًا، ريان... إيلان... ديراس... كايل... تومير. الآن أعرف من ألوم إن فُقد شيء آخر من هذا المكان.
تململ كايل قليلاً وقال:
- نحن لسنا أطفالًا.
نظرت إليه بحدّة:
-لا، أنتم أسوأ. الأطفال على الأقل لا يسرقون.
ساد صمت مشحون. ثم أغلقت دفتري ببطء وقلت:
- هذا لا يعني أننا أصبحنا أصدقاء. أنا فقط أحتاج أسماء لمن أُمسكهم متلبسين في المرة القادمة. و بالمناسبة اسمي أدونيس.
خرجت تاركة إياهم في منزلي، و توجهت الى منزل سيدة لوبيرت فقد وعدتها بأن أصنع لها مرهما لأجل طفح جلدها.
بعد ساعة، عدت و فتحت الباب ، وجدت "جوش" جالسًا وحده هذه المرة، يُصلح رباط كتفه بيد واحدة، بتأنٍ مبالغ فيه.
اقتربت منه بصمت، أخذت الضماد من يده وقلت دون أن أنظر إليه:
- أنت تُضيّعه وقتًا. اتركه لي.
لم يعترض. فقط تمتم:
-اعتدتُ فعل الأمور بنفسي.
رددت دون توقف:
-أحيانًا هذا أسوأ ما يمكن أن يعتاد عليه المرء.
بعده، بدأ الآخرون بالاستيقاظ، جراحهم جعلتهم ينامون كثيرا. جاءوا واحدًا تلو الآخر إلى المائدة الصغيرة. نظرت إليهم بصمت، وقلت:
- كل من يقدر على الوقوف، يعمل. هذا المكان لا يُدار بالهواء.
سأل "تومير" بلهجة ساخرة:
-هل هذا يعني أننا موظفون عندك الآن؟
رفعت رأسي نحوه، ثم قلت ببرود:
- لا، أنتم ضيوف... ثقيلو الظل. ولا أحب الضيوف الكسالى.
صمتوا. لكنهم بدؤوا يتحركون ببطء. "ديراس" أخذ يكنس الزاوية، و"كايل" خرج ليملأ الدلاء من البئر، رغم أنه تمتم بشيء غاضب لم أسمعه.
أما جوش فقد بقي في مكانه، يراقب.
لم أفهم إن كانت نظراته ريبة، أم فضولًا ساكنًا، لكنه لم يتحرك.
قلت له فجأة، وأنا أضع كوبًا على الطاولة أمامه:
- إن لم تساهم، لا تشرب.
أجابني بنبرة هادئة، نبرتها تكاد تستفزني لصبرها:
- وماذا تريدين أن أفعل؟ أقطف لكِ الأعشاب؟
نظرت إليه لثوانٍ، ثم رددت بلهجة مرّة:
- لا... لا أسمح لمن لا يميز بين نبتة شافية ونبتة قاتلة أن يلمس حديقتي.
قال بابتسامة خفيفة، شبه مستفزة:
- إذًا سأنتظر توجيهات "القائدة".
أجبته وأنا أبتعد:
- لا تنتظر شيئًا. فقط لا تفسد ما لم تبنِه.
ومضى اليوم على هذا المنوال... كلّ منهم يتفادى الآخر بقدر الإمكان. وأنا... أراقب بصمت.
كانت المسافات بيننا ثابتة، لكنها لم تعد متجمّدة.
البيت الذي كان لي وحدي... بدأ يتنفس بوجودهم.
وإن كنت لا أعترف بذلك بعد، فقلبي بدأ يشعر أن الأيام المقبلة لن تكون عادية.
بعد أن تشاركنا العشاء في طاولة الطعام، الجو لم يخلو قط من مناقاشات المرتزقة مع بعضهم و هذا قد غرز في دفئ لم أعتد عليه قط، قمت بالانسحاب من الطاولة تحت أنظار جوش و توجهت نحو غرفتي أكمل تدوين بعض الوصفات..
بعد مدة أغلقت الدفتر، لكن عقلي لم يغلق أبوابه. بقي شيء ما عالقًا في صدري، كأنني نسيت أن أتنفّس منذ أيام.
حدّقت في النار المتوهجة... ولهيبها جعلني أراه بوضوح.
أخي.
لم أنطق اسمه منذ غادرت، كأن الصمت سيحميني من الوجع. لكن صورته تتسلّل إليّ في أكثر اللحظات هدوءًا، حين ينام الجميع، حين لا يبقى بيني وبين نفسي حاجز.
أتذكّره وهو يضحك، وهو يعبس، وهو يركض خلفي ليعيد إليّ ما نسيت...
أتذكّره وهو يقبض على يدي يوم قررت الهرب، نظر إليّ بعينين مشقوقتين بالخوف وقال:
"احمي نفسك... لكن لا تنسيني."
كيف لي أن أنساه؟
كيف لي أن أنسى دفء يده في يدي، آخر شيء حقيقي قبل أن يتغير كل شيء؟
وضعت يدي على صدري كأنني أبحث عن أثره هناك... كأنني أريد أن أطمئن أنه لا يزال يسكنني، رغم البعد، رغم الصمت، رغم الذنب.
أنا آسفة، أخي.
أعلم أنني جبُنت. تركتك هناك، وسط الحطام، وسط الوجوه المكسورة والقلوب الخائفة.
كنت أبحث عن نفسي... لكن كلما اقتربت من وجهي، وجدتك أول من يسكن ملامحي.
لو كنت هنا الآن...
هل كنت ستغفر لي؟
لم أتحمل هذا الشعور و قمت باخراج ورقة لأكتب كل ما أشعر به..
رسالة لمَن سكن قلبي رغم الغياب... أخي
أخي...
كم مضى من الوقت؟ لا أعلم...
الزمن بات عندي بلا ملامح، كأن الأيام تذوب في بعضها كالماء المالح، لا يُرويني، ولا يُغادرني.
أكتب إليك، ولست أدري إن كانت رسالتي ستصل إليك، أو ستضيع كما ضعتُ أنا...
لكنني أكتب، لأن قلبي لم يعد يحتمل هذا الصمت بيننا.
أتذكر حين كنا صغارًا؟
كنت تركض قبلي دائمًا، ثم تلتفت إلي وتضحك، تمد يدك نحوي وتقول: "لا تتأخري، أنا هنا."
الآن، أنا من ترك يدك خلفها، لا التفت، ولا أجرؤ على العودة.
سامحني...
لم أهرب منك، بل من كل ما كنت أجهله في نفسي.
هربت من خوفي، من ضعفي، من العالم الذي كان يضيق بي حتى وأنا واقفة.
هربت بحثًا عن صوتي... فهل وجدتُه؟ لا أدري.
لكنني أخبرك الآن، أني أعيش...
بطريقة لا تشبه الحياة التي حلمنا بها ونحن نرسم خرائط الطفولة على جدران غرفتنا.
أنا أتنفس، أتحرك، أضحك أحيانًا... لكني لا زلت نصف قلب، والنصف الآخر معك.
من حولي غرباء، لكنهم لا يؤذونني.
هناك صمت يشبه صدرك حين كنت تحضنني وأنا خائفة.
صمتهم لا يجرح، لكنه لا يدفئ كما كنت تفعل.
أتعلم؟
أحيانًا أشتهي صوتك يوبخني، يشدّني من يدي ويقول: "عودي، كفى عنادًا."
لكني لا أسمعه... فقط الفراغ.
أخي...
اكتب لي إن وصلت هذه الرسالة.
ولو بكلمة. ولو بنقطة.
دعني أعرف أنك ما زلت هناك، كما كنت دومًا...
النقطة الثابتة في قلبي، حين يهتز كل شيء من حولي.
إلى أن نلتقي،
كون بخير لأجلي، كما أحاول أن أكون بخير من أجلك.
أختك التي لم تنسك أبدا.
أكملت كتابة رسالتي ، كان الوقت يقترب من الفجر، حين يكون الليل في أكثر لحظاته هدوءًا، والظلال أثقل من الهواء.
المنزل نائم. النار خمدت، والبرد تسلل إلى الزوايا بهدوء يشبه الخيانة. كنت جالسة وحدي، والرسالة التي كتبتها طويلاً، بدموع لم تذرف، بين يدي.
أعدت قراءتها بصمت، وعيناي لا تجرؤان على تجاوز السطر الأول. كل جملة فيها كانت مرآة... وكل مرآة فيها كنت أتهرّب منها منذ سنوات.
ترددت.
هل يحق لي أن أكتب له الآن؟ بعد أن تركته وسط الصراع، وعدت أبحث عن ذاتي بين أطلال الآخرين؟
لكن شيء ما في قلبي كان يدفعني. ربما لأنني بدأت أؤمن، ولو قليلاً، أن الكتابة لا تكفي إذا لم تصل.
نهضت.
فتحت صندوقي القديم، حيث أحتفظ ببعض المجوهرات ورسائل الطفولة... أخرجت منه قطعة قماش كنت قد خبأت فيها عنوان أخي، حيث كان يختبئ بعد الحرب، في منطقة بعيدة، لا تصلها إلا الرسائل اليدوية عبر القوافل.
لففت الرسالة بعناية، وكتبت اسمه بخطٍ مرتجف، كما لو أن يدي لم تعد تتذكر شكل الحروف حين تكتب له.
خرجت إلى فناء المنزل. السماء بدأت تخفّف سوادها، وريح الصباح الباردة تمرّ على وجهي بلطف خادع. أحد الرجال كان يجهّز بغلته، يستعد لمغادرة البلدة مع أولى قوافل السوق.
ناديت عليه بهدوء، أعطيته الرسالة، وهمست:
- "أوصلها لمن بهذا الاسم... هو أخي. وإن لم تجده، أعدها إليّ، لكن لا تفتحها."
هز رأسه باحترام، وضع الرسالة في حقيبته، وانطلق.
وقفت أتابع خطواته تختفي في الزرقة الأولى للفجر، وشعرت كأن شيئًا في داخلي تحرر... كأنني أرسلت معه جزءًا من وزني، من ذنبي، من نفسي.
ولأول مرة منذ زمن، شعرت أنني فعلت
شيئًا صادقًا.
لقد مضت ثلاثة أيام منذ أرسلت الرسالة، والهدوء لم يعد كما كان.
ليس هناك شيء واضح... فقط ذلك الشعور الغامض الذي يتسلّل في التفاصيل الصغيرة.
النظرات أصبحت أطول. الوجوه التي كانت متعبة، باتت أكثر حذرًا.
أشعر أن شيئًا يُحاك في الخفاء، لكن لا أحد يتكلم.
في مساء اليوم الثالث، كنت في الحديقة الخلفية أقطف بعض الأعشاب الطبية، حين مرّ جوش بالقرب مني.
توقف لثوانٍ، نظر إلي بنظرة لم أفهمها، ثم قال دون مقدمة:
- "وصلت أخبار."
رفعت رأسي، قلبي تسارع رغم أنني لا أعرف عن ماذا يتحدث.
همس:
- "المنطقة الشرقية بدأت تتحرك... قافلة مشبوهة عبرت الحدود منذ أيام، وكان أحد رجالنا هناك. الوضع قد لا يبقى هادئًا طويلًا."
لم أرد.
شعرت بشيء يشبه البرد يمرّ في أطرافي، رغم حرارة الشمس.
أردف بصوت منخفض:
- "نحتاج أن نكون مستعدين. وأنتِ... أعتقد أن بقاءك بيننا لم يعد مجرد مسألة كرم أو شفقة."
نظرت إليه.
هل كانت تلك نبرة اتهام؟ أم تحذير؟ أم مجرد إعلان لحقيقة كنت أتهرب منها؟
لم أجب. فقط أكملت قطف أوراق المريمية، وأنا أشعر أن الأرض تحت قدمي بدأت تميل قليلاً.
-"وجع رأس حقا، هذا ما ينقصني اتهامه لي.." تمتمت حاملة سلتي.
لا أستطيع تخيل ما تخبأه لي الحياة بعد معرفتي لهؤلاء المرتزقة.
Aya