Chapter 4

Chapter 4

16 0

ليست كل الحروب تُخاض على أرض المعارك، بعضها يبدأ داخل الروح، حيث لا يراها أحد. ❞

في داخل كلّ إنسان، معركة لا تُرى… صراع بين ما يشعر به وما يبوح به، بين ما يحتاجه فعلًا وما يُقنع نفسه بأنه لا يستحقه. وهناك أرواح، كبرت قبل أوانها، تعلمت أن تخيط جراحها بالخيط والصمت، وأن تتنفس رغم ثقل العالم على صدرها، فقط لأن لا أحد كان هناك ليسأل: "هل أنت بخير؟"

،في لحظة صدق نادرة، حين يتوقّف كل شيء حولك، وتجد نفسك واقفًا أمام شخص لا يحاول أن يحلّك، بل فقط يسمعك… تنهار الجدران التي بنيتها حول قلبك، لا لأنك ضعيف، بل لأنك أخيرًا وجدت مكانًا لا يُهددك فيه الإفشاء.

هناك من ينظر إليك فيرى فيك العامل أو الطالب، وهناك من يرى فيك الإنسان، المتعب، الحالم، الباحث عن بقعة دفء في هذا العالم المتجمد.

وهكذا، تبدأ أولى ملامح الانتماء… لا إلى مكان، بل إلى فكرة، إلى يدٍ لا تفتش عن ماضٍ، بل تمدّ لك الحاضر لتتوازن عليه.

لأنّ حتى أقوى القلوب، تحتاج من يربّت على صلابتها ويقول: "أنت لست وحدك بعد الآن."

---

ساد الصمت المطبق في الورشة كأن الزمن توقف فجأة، وحدها صرخة ليو المرتبكة قطعت السكون:

«دانتي! لقد أُغمي عليها!»

كان دانتي قد تجمد للحظة، عيناه تحدّقان في الجسد الملقى أرضًا قرب الطاولة التي كانت تعمل عندها، ثم اندفع بخفة الفهد، جاثيًا على ركبتيه بجانبها. نظر إلى وجهها الشاحب، العرق يبلل جبينها، شفتيها منفرجتان قليلًا، وجسدها ساكن بشكل مخيف.

«ميلينا... ميلينا!» همس باسمها وهو يهزّ كتفها برفق، لكن دون استجابة.

امتدت يداه تحتها بسرعة، ورفعها عن الأرض كما لو كانت ريشة، رغم صلابة جسده وقوته. كانت خفيفة على نحو مزعج، أشبه بدمية فقدت الحياة. خفق قلبه بشكل غير مألوف، مزيج من القلق والانزعاج والذنب اجتاح صدره وهو يتجه بها نحو الأريكة الجلدية عند طرف الورشة.

«ليو، اتصل بطبيب. الآن!» أمره بصوت أجش.

«في طريقي.» أخرج ليو هاتفه وابتعد في اتجاه الباب، وهو يُنقّب في قائمة جهات الاتصال على عجل.

أما دانتي، فقد جلس قرب الأريكة، يحدق في ملامح ميلينا المرتخية، وقد بدت أهدابها أطول من المعتاد وهي ترتجف برقة، ووجهها يحمل لون الرماد.

«ماذا تفعلين بنفسك بحق الجحيم...؟» تمتم، ويده تمتد دون وعي لتبعد خصلة شعر التصقت بخدها العرقان. ثم قبض يده فجأة، كما لو أنه لام نفسه على تلك اللفتة.

بعد دقائق، انفتح باب الورشة بعنف، وظهر إنزو واقفًا هناك، كتفاه العريضتان تغطيان فتحة الباب، وعيناه الرماديتان تحدقان في المشهد أمامه بتوجس.

«ما الذي يحدث هنا؟» سأل بنبرة جامدة، لكن ظلال القلق بدت واضحة في عينيه حين رأى ميلينا ممددة على الأريكة، محاطة بالقلق والتوتر.

التفت إليه دانتي ببطء، وحاول الحفاظ على صوته ثابتًا:

«أُغمي عليها أثناء العمل. كانت متعبة منذ ان اتت، لكنها لم تقل شيئًا.»

«هل اتصلتم بطبيب؟» سأل إنزو وهو يخطو إلى الداخل بخطى ثقيلة.

«ليو يقوم بذلك.»

لم يضف إنزو شيئًا، بل وقف بجانب الأريكة، يحدق في الفتاة الممددة كما لو كان يحاول قراءة ما هو أبعد من شحوبها. رغم صلابته، شعر بشيء يتحرك في صدره، قلق خفي، نفاذ صبر يشتعل تحت جلده.

بعد لحظات، دخل ليو على عجل وهو يلهث:

«الطبيب في طريقه، قال إنه سيصل خلال خمس دقائق.»

لم يمضِ وقت طويل حتى فُتح الباب مجددًا، وهذه المرة دخل الطبيب بخطوات سريعة. كان رجلًا في منتصف العمر، أنيقًا رغم بساطة مظهره، يحمل حقيبته السوداء بيده.

«أين المريضة؟» سأل، فتقدم نحوه ليو وأشار إلى الأريكة.

انحنى الطبيب بجانب ميلينا، ووضع يده على جبهتها، ثم على عنقها، يقيس نبضها بسرعة وخبرة. استخرج من حقيبته جهاز قياس الضغط وبعض الأدوات الطبية، وبدأ بفحصها بهدوء. لم ينبس أحدهم بكلمة، وكل ما سُمع كان صوت الأجهزة وهمهمة الطبيب وهو يدوّن ملاحظاته.

بعد دقائق طويلة من الفحص الصامت، رفع الطبيب نظره إلى إنزو:

«أغمِي عليها بسبب الإجهاد الشديد، وسوء التغذية على الأرجح. الضغط منخفض، ونبضها ضعيف، لكنها مستقرة.»

قطب إنزو حاجبيه، ونظر نحو دانتي الذي بقي جالسًا قرب الأريكة، أصابعه مشدودة على طرف المقعد.

«سوء التغذية؟» سأل بصوت خافت، بالكاد يخفي غضبه.

أومأ الطبيب بهدوء:

«على الأرجح لم تأكل جيدًا منذ أيام. جسدها مرهق تمامًا. أريد أخذ عينة دم منها لإجراء تحاليل كاملة، للتأكد من عدم وجود نقص حاد في المعادن أو أعراض أخرى.»

أخرج الطبيب إبرة صغيرة من حقيبته، ومجموعة أنابيب اختبار، ثم أخذ العينة من ذراعها بخبرة.

«سأرسل النتائج فور صدورها، وقد أطلب حضورها للعيادة لاحقًا إذا ظهر شيء غير طبيعي.» قال وهو يُغلق العينة بعناية، ثم دوّن شيئًا في دفتر صغير، واستخرج وصفة طبية.

«هذا دواء داعم يحتوي على فيتامينات وحديد. ستحتاج إلى الراحة والتغذية الجيدة، وإلا فقد تتكرر هذه الحالة.»

تناول إنزو الورقة منه، وقرأها بعناية، ثم طوى الورقة ووضعها في جيب معطفه.

«شكرًا، دكتور.» قال بهدوء، ثم التفت نحو دانتي:

«راقبها. لا أريد أن يتكرر هذا الأمر مجددًا في ورشتي.»

أومأ دانتي بصمت، بينما غادر الطبيب المكان بعد أن جمع أدواته. بقي الثلاثة واقفين حول الأريكة، وأعينهم معلّقة بالفتاة الغائبة عن الوعي.

كلٌ منهم غارق في صمته الخاص. دانتي، بقلب يضج بأسئلة لم يجد لها أجوبة. ليو، بخوف صامت وتوتر ظاهر على ملامحه. وإنزو، بنظرات ثقيلة ومتفحصة، كأنما يقرأ قصة لا يعرف نهايتها بعد.

وميلينا... بقيت هناك، في عالمها الرمادي، حيث لا ضوء ولا أصوات، فقط دوامة من الإرهاق والحزن.

لكن لحظة استيقاظها... لن تكون كأي لحظة أخرى.

---

في عتمةٍ لم تحمل لونًا، ولا زمانًا، ولا صوتًا... تهاوت ميلينا في عمق اللاوعي كغصنٍ مقطوع من شجرة الذكريات.

ركضٌ صغيرٌ... لهاثٌ متقطع... وصوت بكاءٍ مرتجف مزّق الصمت.

طفلة في الرابعة، شَعرُها البنيُّ مشعثٌ، عيناها الواسعتان – الزرقاء والعسلية – دامعتان وهاربتان من فهم العالم. كانت يدٌ باردة تمسك بمعصمها، تقودها عبر شارع خافت الإضاءة إلى بابٍ معدنيٍّ ثقيل. لم تستوعب ما يحدث، كل ما شعرت به هو خوفٌ غامرٌ وضغطٌ في صدرها يكاد يُفجِّر صراخها.

– "ماما، لا تذهبي... أرجوكِ، خذيني معكِ... لا تتركيني!"

لكن اليد أفلتتها...

الطفلة ركضت وراء الظل، تعثرت، بكت، زحفت، وصرخت... لكن الباب كان قد أُغلق. وبقيت وحدها، تحت وميض مصباح شارع خافت، بين برودة الحجارة وصمت المجهول.

– "ماماااا!!"

كانت الصرخة الأخيرة في الحلم... ثم انفجر الضوء في عقلها.

**

فتحت ميلينا عينيها ببطء، فاستقبلها سقف الورشة المتشقق بلونه الرمادي الغائم. استغرق منها الأمر بضع ثوانٍ لتدرك أين هي. كانت النور يسطع من إحدى النوافذ العالية، وغبارٌ عالق في الهواء يرقص على وقع أنفاسها المتعبة.

شعرت بثقل في أطرافها، كأنّ جسمها قد خاض معركة ضد جدار الزمن نفسه.

حاولت النهوض، لكنها بالكاد رفعت رأسها، حتى سمعت حركةً سريعةً ثم خطواتٍ تقترب. وقبل أن تتحدث، جاءها صوتٌ هادئٌ، مزيج من الدفء والصرامة:

– "لا تتحركي كثيرًا. أنتِ خرجتِ للتو من إغماء."

التفتت، فرأت إنزو واقفًا إلى جوارها، يحمل طبقًا صغيرًا فيه حساءٌ دافئ وبعض قطع الخبز المحمّص.

– "تناولي هذا أولًا. سهل الهضم، ويجب أن تستعيدي بعضًا من طاقتك قبل أن أبدأ بتوبيخك."

رمشت ميلينا مرتين، كأنّها لا تزال تحاول تصديق ما ترى. نظرت حولها، فرأت دانتي واقفًا عند الحائط، يضم ذراعيه على صدره، وعيناه معلقتان بها... نظرة لم تستطع فك شيفرتها: قلق؟ حيرة؟ أو... شيء آخر؟

أما ليو، فكان جالسًا على طاولة بعيدة، يحرك مفاتيح ربط ويغني بصوتٍ خافتٍ أغنيةً لا تنتمي لمزاج اللحظة.

– "ما الذي... حصل؟" تمتمت ميلينا، صوتها مشققٌ كأنّ الريح مرّت في حنجرتها.

جلس إنزو على الكرسي المقابل لها، ودفَعَ الطبق نحوها بلطف.

– "أُغمي عليكِ. الطبيب قال إنك تعانين من إرهاقٍ شديد وسوء تغذية. كما أخذ عينة دم لتحاليل إضافية... فقط للاحتياط. لقد فقدت وعيك أثناء العمل، وذلك ليس أمرًا يُستهان به.ماذا لو حصل الامر في مكان آخر... من حسن حظك اننا ادركناك.. "

صمت، ثم نظر إليها نظرةً أطول هذه المرّة، وأضاف بنبرة أكثر حزمًا:

– "ميلينا... لا أقبل بوجود شخص في ورشتي ينهار على أرضها بسبب استهتاره. صحتكِ ليست أمرًا قابلًا للتفاوض. هل فهمتِ؟"

أخفضت نظرها نحو الطبق، لم تجب، لكنها أمسكت بالملعقة ببطء وبدأت تأكل. كل لقمة كانت ثقيلة، لا لأنها لا تشتهي الطعام، بل لأنها أدركت في تلك اللحظة كم أهملت جسدها.

إنزو تابع:

– "بعد أن تنتهين، دانتي سيوصلكِ إلى شقتك."

رفعت عينيها بسرعة، والتوتر واضح في ملامحها:

– "لا حاجة لذلك... أستطيع الذهاب وحدي."

– "أنتِ ما زلتِ شاحبة، وقد تَتَعَبين مجددًا في الطريق."

– "قلتُ إنني بخير."

أخذ إنزو نفسًا عميقًا، وأجاب بنبرة حازمة:

– "هذه ليست دعوة للنقاش، ميلينا. أنا من يدير هذه الورشة، وأنا أقرر ما يُناسب موظفيني حين يكون الأمر متعلقًا بصحتهم. دانتي سيوصلكِ، ولن أسمح لكِ بالمغادرة وحدكِ، سواء قبلتِ أم لا."

صمتٌ. دانتي بقي واقفًا، مائلًا بجسده على الحائط، لم يُبدِ اعتراضًا، لكن شيئًا في نظراته كان مختلفًا... نظرة مليئة بالأسئلة التي لم يطرحها بعد.

ميلينا، من جهتها، شعرت بشيء لم تفهمه تمامًا. كان الأمر أشبه بأن يحمل أحدهم عبء قلبك دون أن تطلب... أو أن يوقظك من كابوس دون أن تعرف كيف دخل إلى عالمك المغلق.

**

كان الحساء قد بدأ يختفي من الطبق، وحرارة الورشة لم تعد تزعجها كما في السابق. جسدها استعاد جزءًا بسيطًا من طاقته، لكن في الداخل... فوضى.

لم تستطع إخراج صوت والدتها من ذاكرتها، لم تستطع إبعاد صورة باب الميتم عن عينيها. وكل هذا بينما تتلقى اهتمامًا لم تعهده... اهتمامًا لا تعرف إن كانت تستحقه، أو إن كان سيبقى.

لكنها، ولأول مرة، لم تدفع أحدًا بعيدًا. لم تتفوه بكلمات لاذعة، ولم تنسحب. فقط... جلست، وأكلت، واستقبلت قلق الآخرين بصمت.

ولعلّها، في تلك اللحظة، كانت تحتاج هذا النوع من الصمت أكثر من أي شيء آخر.

---

كانت السيارة تنساب بهدوء في شوارع المدينة، أضواء المصابيح تتراقص على زجاجها الأمامي، والليل قد بدأ يرخي سدوله على المباني، مغلفًا المدينة بعباءة رمادية شاحبة. جلست ميلينا بصمت في المقعد المجاور، تنظر عبر النافذة إلى اللاشيء، عيناها نصف مغمضتين، متعبتان، وشعرها المائل للشقار منسدلٌ على جانب وجهها وقد تناثر قليلاً فوق كتفها المرتجف.

أما دانتي، فكان يقبض على عجلة القيادة بيديه، أصابعه مشدودة، وعيناه تحدقان في الطريق أمامه، بينما تجري خلف تلك النظرات العميقة عاصفة من التساؤلات والقلق.

سأل نفسه للمرة الألف:

من تكون هذه الفتاة حقًا؟

كيف لفتاة بهذا العمر أن تبدو منهكة إلى هذا الحد؟

وما الذي يجعلها تنزف كل هذا الحزن خلف صمتها القاسي؟

تذكر نظرتها عند استيقاظها، البرود الذي أخفت به ضعفها، الطريقة التي أصرت بها على العودة بمفردها رغم وضوح وهنها... تذكر أيضًا تلك الكلمات الذي تحدث عنها الطبيب حين قال: "أحيانًا يعبر الجسد عن صدماته القديمة عبر الإغماء، كأنّه يصرخ بصمت لأن أحدًا لم يسمعه من قبل."

التفت إليها بطرف عينه، كانت لا تزال تحدق في الخارج، وجبينها يعلوه عبوس خفيف. بدا له أنها لم تلاحظ حتى توقف الإشارة أو حركة السيارات حولهما.

في عقلها، كانت رحلتها مختلفة تمامًا. لم ترَ إشارات المرور، ولا الأضواء. كانت ترى باب الميتم. تراه مفتوحًا على عتمة الفجر، والهواء البارد يلف جسدها الصغير الذي كان يرتجف تحت قميص خفيف. تسمع صوت بكائها حينها، وكلماتها المكسورة وهي تتوسل:

"ماما، لا تتركيني... أرجوكِ... لا تذهبي..."

تضغط على قبضتها بهدوء، كأنها تقبض على ذلك النداء الذي لم يسمعه أحد، ثم تغمض عينيها للحظة وتتنفس بعمق، محاولة طرد تلك الصورة، لكن الدموع تتكاثف خلف جفنيها رغمًا عنها.

لاحظ دانتي التغير في وجهها. لم يقل شيئًا، لكنه شعر بالاختناق في صدره. كان يكره العجز... يكرهه أكثر من أي شيء. وهو الآن عاجز تمامًا عن فهمها أو مساعدتها.

قال فجأة، بصوت هادئ لكنه واضح:

– "تبدين كمن رأى شبحًا."

ارتعشت نظراتها للحظة، ثم همست دون أن تنظر إليه:

– "أحيانًا... الماضي لا يحتاج لشبح حتى يخيفك. يكفي أن تتذكر رائحته."

ساد الصمت مجددًا.

كأن جملة واحدة كانت كافية لتفتح أبوابًا كثيرة بينهما، لكنها أيضًا كانت كافية لتعيد بناء الجدار نفسه.

فكر دانتي مجددًا، هذه المرة بعمق أكبر.

لابد أن أكتشف من هي، وما الذي مرت به. لا بد أن أفهم لماذا تنظر للعالم وكأن كل شيء فيه خيانة مؤجلة.

فكر في سؤال ليو عن اسمها الكامل. ربما يمكنه البحث عنها، إيجاد سجل طبي أو قانوني، أو حتى من يعرف شيئًا عنها من الحي أو المدرسة. جزء منه لم يكن بدافع الفضول فقط، بل... بدافع الرغبة في حمايتها. رغم أنها لا تريد ذلك.

وصلوا إلى شارع ضيق، وأشارت له بيد مرتجفة إلى الزاوية اليمنى.هو كان يعرف العنوان لكنه انتظر حتى تخبره كي لا يثير الشكوك حوله

– "هنا... المبنى الثالث."

أوقف السيارة ببطء. لم يتحرك أحد منهما.

نظرت إلى يديه المشدودتين على المقود، ثم إلى وجهه المائل نحوها دون أن ينظر مباشرة. أرادت أن تقول شيئًا... شكرًا، ربما؟

لكنه كان يبدو غريبًا جدًا، مألوفًا جدًا، كأنها تخشى لو تكلمت أن تكسر شيئًا بينهما لم يُبْنَ بعد.

مدّت يدها ببطء نحو مقبض الباب، وقبل أن تفتحه، قال بصوت خافت:

– "لا تظني أنكِ غير مرئية."

توقفت، يدها لا تزال على المقبض.

– "أنا... أراكِ، ميلينا. حتى لو حاولتِ الاختباء خلف مئة جدار، أراكِ."

سرت قشعريرة في جسدها، لم تكن تعلم هل هي من كلماته، أم من التعب، أم من خوفها من أن تُرى أخيرًا بعد كل هذا الاختباء.

فتحت الباب، وقبل أن تخرج، همست:

– "لا أحد يرى من لا يريد أن يُرى."

ثم أغلقت الباب بهدوء، وترجلت بخطوات واهنة.

راقبها وهي تصعد درجات المبنى ببطء. لم تلتفت. لم تنظر إليه. لكنه بقي هناك لدقائق، يحدق في الباب حتى اختفى خلفه ظلها الهش، كأن شيئًا فيه غادر معه.

أدار المحرك، وعيناه تحملان قرارًا جديدًا.

لن أبتعد. لن أترككِ تنهارين بصمت أكثر.

ثم انطلق، والليل يبتلع صوت المحرك، ويطوي صفحة من التوتر الصامت، فاتحًا أبوابًا لمرحلة جديدة من الأسئلة... والاقتراب.

---

دلفت ميلينا إلى شقتها الصغيرة بصمت قاتم، لا يسمع فيه سوى وقع خطواتها المتثاقلة على البلاط البارد. لم تلقِ بالًا للستائر التي تراقصها نسائم المساء، ولا للأضواء الخافتة التي انسابت عبر النافذة لتلقي بظلالها على الجدران الرمادية الباهتة. كان كل شيء حولها صامتًا... ميتًا، كقلبها المنهك.

أغلقت الباب خلفها دون أن تديره بالمفتاح، وكأنها لم تعد تكترث لشيء، لا لأمان ولا لخوف. تركت حقيبتها تهوي من يدها لتسقط على الأرض محدثة صوتًا مكتومًا، ثم توجهت بخطى غير ثابتة نحو السرير المتواضع الذي يشغل زاوية الغرفة، وكأنها كانت تجرُّ جسدًا لا تملك القدرة على حمله.

جلست على حافة السرير، حدّقت بالأرض للحظات، ثم رفعت عينيها نحو اللاشيء... الفراغ... السكون. خيط من الدموع سال دون إذن، تبعه آخر... وآخر، حتى انفجرت كل الجدران التي بنتها حول نفسها. انهمرت دموعها بغزارة، تشق طريقها عبر وجنتيها المحمرتين، تصحبها شهقات مكتومة، عالقة في صدرها منذ زمن بعيد.

ارتمت على السرير بلا حول، ضمّت وسادتها العتيقة إلى صدرها كما لو كانت تبحث عن ذراعين تحتويان ضعفها. ارتجف جسدها النحيل وهي تهمس بصوت متهدج، يكاد يُسمع:

«لِماذا...؟ لماذا تركتِني؟»

كان سؤالها موجّهًا إلى الفراغ، إلى ذلك الوجه الغائب، إلى تلك الذكرى الضبابية التي لا تستطيع الإمساك بها مهما حاولت.

«لِماذا لم تعودي إليّ؟ كنتُ أنتظركِ كل ليلة... كل صباح... عند نافذة الميتم... كنتُ أظنّكِ ستأتين... لكنكِ لم تعودي.»

غطت وجهها بكفيها، وغاصت أكثر في وسادتها، وانفجرت شهقاتها كأنها تسكب ألم سنين لم تجد له مخرجًا من قبل.

«ما الذنب الذي اقترفتُه؟ ما الجريمة التي جعلتكِ تتخلّين عني؟ أمي... أبي... هل كنتما حقًا موجودَين؟ أم أنني وُلدتُ في عالمٍ لا يليق بي؟»

ارتجفت شفتاها، وازداد اضطراب أنفاسها.

«لماذا لا أستطيع تذكّر وجهكِ؟ لمَ لا أتذكّر سوى الظلال؟ من تكونين؟ من أنا؟»

ارتفعت شهقاتها في جو الغرفة الخانق، كما لو كانت تدقُّ جدران الصمت بسكاكين الندم والأسى.

دفنت وجهها في الوسادة، حتى باتت أنفاسها متقطعة، مثقلة بثقل لا يُحتمل. لم تَعُد تبالي إن كان هناك من يسمعها، إن كان العالم سيهتز لأجل وجعها. وحدها في ساحة معركتها، تحارب شبحًا لا اسم له... وجعًا لا دواء له.

مرت الدقائق ثقيلة كالرصاص، حتى هدأت أنفاسها شيئًا فشيئًا، ولكن دموعها لم تتوقف... كانت تنساب بصمت، بينما تغرق في ظلامٍ خانق، غلبها فيه النوم، لا عن راحة، بل عن استسلام.

غفت دون أن تنسى... ودون أن تتوقف شهقاتها تمامًا. حتى في النوم، كان الحزن يمسك بزمام قلبها. اختبأت في أحضان النوم، هاربة من الأسئلة التي لا تجد لها إجابة، من الوحدة التي لم تعد قادرة على احتمالها، من شوقٍ مجهول لأمٍّ غابت... لوجهٍ لم ترَه... لصوتٍ لم تسمعه... لعائلةٍ كتبت فصلاً من حياتها ثم مزّقته وألقت به في العدم.

وحدها الوسادة كانت شاهدة على تلك الليلة.

وحدها الجدران سمعت نحيبها.

وحده الليل عرف كم كانت ميلينا مكسورة.

---

عاد دانتي إلى الورشة متأخرًا، خطواته أبطأ من المعتاد، وكأن شيئًا ما يثقل كاهله. الهواء كان مشبعًا برائحة الزيوت المعدنية والحديد المحمّى، لكنه لم يشعر بها كعادته… بل شعر وكأن المكان أضيق من أن يحتوي اضطرابه الداخلي.

كان والده، إنزو، لا يزال منهمكًا في إصلاح محرك قديم. بالرغم من تقدّمه في السن، لم يكن التعب يعرف طريقه إلى ملامحه، بل بدا كما لو أن يديه صنعتا لهذا النوع من الصمت الصاخب… الهدوء الذي يسكن قلب الحديد.

رفع إنزو رأسه عند سماع صوت خطوات ابنه، مسح يديه في قطعة قماش مبللة بزيت أسود، ثم قال دون أن ينظر إليه:

«عدتَ أخيرًا… كيف حالها؟»

توقّف دانتي في منتصف الطريق نحو الطاولة الطويلة، مرّر يده في شعره بتوتّر واضح، ثم زفر ببطء.

«أوصلتُها إلى شقتها… لم تتفوّه بكلمة واحدة طوال الطريق. فقط… كانت تحدق في النافذة، وكأنها هناك… وليست معنا.»

أومأ إنزو برأسه، ثم أدار جسده ناحيته، عاقدًا ساعديه.

«وأين تقع شقتها؟»

«في الطرف الجنوبي من الحي القديم… الشارع الذي تمر منه شاحنات النفايات في الصباح الباكر. البناء قديم، والدرج صدئ. لا توجد إضاءة في المدخل. مجرد باب خشبي متهالك عليه الرقم (12) بالكاد يُرى.»

صمت دانتي لوهلة، ثم تمتم وكأن الأمر يُثقله:

«ذلك ليس مكانًا لفتاة مثلها.»

رفع إنزو حاجبه بتساؤل دون أن يتحدث، فأكمل دانتي:

«لا أعلم ما الذي تعانيه… لكنني متأكد أن حياتها ليست سهلة. لماذا تعمل؟ أين عائلتها؟ لماذا تبدو وكأنها تحمل على كتفيها وزن العالم؟»

اقترب إنزو ببطء، ثم جلس على حافة الطاولة، ناظرًا إلى ابنه مباشرة.

«كل شخص لديه حكاية يا دانتي… وفي أغلب الأحيان، تكون أقسى بكثير مما نتصور.»

أخفض دانتي نظره للحظة، ثم سأل، وكأن الكلمات تخرج رغماً عنه:

«لكن لماذا؟ لماذا أشعر أنني بحاجة لمعرفة ما وراء هذا الوجه البارد؟ ما الذي يجعلني… لا أستطيع التوقف عن التفكير بها؟»

أطلق إنزو ضحكة خفيفة، ثم قال:

«لأنها أول من هزمك؟»

هز دانتي رأسه، ابتسم ابتسامة باهتة، وقال:

«ربما بدأت من هناك… لكنها ليست مجرد سباق. هناك شيء فيها… شيء يجعلني أرغب بفهمها. الغموض، أو الجدران التي تبنيها حول نفسها. أريد أن أعرف من هي… لا، بل لماذا هي كما هي.»

تأمل إنزو عيني ابنه، ثم قال بنبرة عميقة:

«الغموض جذّاب يا بني… لكنه في بعض الأحيان ليس لغزًا نحلّه، بل جرحًا لا يزال ينزف بصمت. لا تتسرع في نزع القناع، فبعض الأقنعة وُضعت لتخفي الألم، لا التمرّد.»

سادت لحظة صمت بينهما، قطعتها أنفاس دانتي الثقيلة.

«أفكر في التحري عنها…»

لم يبدو على إنزو التعجب، بل فقط حرّك رأسه ببطء وقال:

«افعل ما تراه صوابًا… لكن لا تنسَ أن تتعامل معها كإنسانة، لا كمُعضلة.»

وقف دانتي مجددًا، وكأن كلام والده أيقظ فيه شيئًا.

«أريد أن أعرف من تركها… ولماذا.»

رفع إنزو رأسه إليه وقال:

«وهل فكرت يومًا… أن من تركها، كان هو الجرح الأول؟»

ظل دانتي واقفًا، تتقاطع في ذهنه مشاعر لا يستطيع التعبير عنها. لأول مرة في حياته، لم يكن يعرف ما يريد تمامًا، فقط يعلم أن هنالك فتاة تُدعى "ميلينا فوكس" تحمل في نظراتها أوجاعًا أعمق من أن تُقال… وأنه، رغم كل شيء، لن يتجاهلها.

---

حين استيقظت ميلينا من نومها الثقيل، كان الضوء الرمادي يتسلّل من خلف الستائر كأن السماء تواسي حزنها بصمتها الباهت. شعرت بجسدها وكأنّه أثقل من أن يُحمل، وكأنّ الليلة الماضية كانت حربًا لا نومًا. نظرت إلى السقف الخافت بملامح شاحبة، ثم أجبرت نفسها على النهوض، تقاوم الرغبة في البقاء في السرير مدى الحياة. كانت تحتاج أن تمضي قدمًا… حتى لو لم تكن تدري إلى أين.

وقفت أمام مرآتها، فوجدت وجهًا أنهكه السهر والبكاء. وجنتاها مجوفتان، وعيناها محاطتان بهالات قاتمة، لكنّها تجاهلت كلّ شيء. لا مجال للضعف. رتّبت خصلات شعرها البني المائل إلى الشقار، وغسلت وجهها بالماء البارد علّها تطرد بقايا الحزن، ثم ارتدت سترتها الداكنة وهمّت بالخروج.

وقبل أن تصل إلى الباب، رنّ هاتفها.

– «صباح الخير، لينا. أنا في الأسفل.»

كانت نبرة صوته مألوفة ومحببة إلى قلبها، ذلك الصوت الذي لطالما أشعرها بالأمان. إنه ماكس… ماكس الذي دخل حياتها صدفة، وبقي فيها اختيارًا.

ضغطت على زر الإجابة وقالت بصوت ناعس:

– «لماذا لم تخبرني أنك قادم؟»

ضحك من الطرف الآخر:

– «لأني أعلم أنّك كنت سترفضين رؤيتي، وتدّعين أنك بخير كما تفعلين دائمًا. الآن انزلي، السيارة تشتاق إليك.»

تنهدت، وابتسامة باهتة تسرّبت إلى شفتيها. لم تستطع رفضه… لم تكن يومًا قادرة على ذلك.

---

حين خرجت من المبنى، وجدته يستند إلى سيارته الرياضية السوداء ذات التصميم المعدّل، يعقد ذراعيه على صدره، ويرتدي سترة جلدية أنيقة تعكس طابعه الخاص. ماكس، ابن صاحب شركة تعديل السيارات الأشهر في المدينة، كان شغوفًا بالمحركات والمغامرات، لكنه أيضًا كان أخًا لها حين غابت كل الأخوة، وسندًا حين لم تجد كتفًا تلجأ إليه.

تعرفا منذ سنوات، بالصدفة، حين كانت في أحد الأزقة تتعرض للمضايقة من قبل مجموعة من الفتيان، وتدافع عن نفسها بكل ما أوتيت من غضب. وحين وصل ماكس، تدخل بلا تردد، وشتّتهم جميعًا بقبضته القوية وصراخه الحاد. لم ينسَ ذلك اليوم، ولم تنسَ هي كيف وقف أمامها، يقول بابتسامة ساخرة:

– «فتاة مثلك لا يجب أن تكون وحدها في هذا العالم القذر.»

ومنذ تلك اللحظة، أصبحا لا يفترقان.

فتح لها باب السيارة وقال:

– «إلى المدرسة، آنسة ميلينا؟»

– «نعم…» أجابت بتردد وهي تجلس، لكنها لاحظت الطريق الذي سلكه ماكس مختلفًا.

نظرت إليه باستفهام، فابتسم وهو يركز على الطريق:

– «قررت خطفك اليوم. لم نستمتع بشيء منذ مدة، وأنت… تبدين كأنك خرجت من معركة.»

أشاحت بنظرها إلى النافذة، محاولة إخفاء التعب الظاهر على ملامحها، لكنه لم يغب عن نظره.

– «ما الذي يحدث معك يا لينا؟» سأل بصوت خافت، ونبرة قلقة.

هزّت رأسها برفق، وكأنها تحاول أن تحميه من ثقل حزنها:

– «لا شيء… فقط متعبة قليلًا. لا تقلق.»

رمقها بنظرة جانبية، لم تكن نظرة تصديق، بل نظرة رجل يعرفها أكثر مما تعرف هي نفسها. لكنه لم يُعلّق. لم يكن يريد دفعها للحديث بالقوة، بل اختار طريقًا آخر… طريق الذكريات.

توقّف أمام أحد المقاهي الصغيرة التي كانا يرتادانها أيام مغامرات الطفولة، ونزل دون أن يسألها إن كانت ترغب. تبعته بهدوء، وجلسا في الزاوية المعتادة، حيث ركن الذكريات ما زال على حاله.

طلبا إفطارًا بسيطًا، قهوة سوداء مع خبز محمص وبيض مقلي، وتبادلا الأحاديث الصغيرة، ثم بدأ يروي لها قصة عن كيف كاد يحطم سيارة والده حين حاول تعديل نظام التوربو دون إذنه.

ضحكت، لأول مرة منذ أيام… ضحكة خافتة لكنها صادقة.

– «ماكس… كنت دائمًا كارثة على السيارات، رغم أنك تحبها.»

– «لكنني كارثة محبوبة، أليس كذلك؟»

– «أنت كارثة لا يمكن الاستغناء عنها.» قالتها وهي تبتسم، قبل أن تغمض عينيها لحظة، كأنّ الألم عاد يغزوها في صمت.

لاحظ ذلك، فقرر أخذها إلى المتنزه القريب، حيث أشجار الخريف تنثر أوراقها الصفراء على المسارات، والهواء يعبق برائحة التراب والرطوبة.

جلسا على مقعد خشبي، وتبادلا الذكريات. ضحكا على الأيام التي كانت تختبئ فيها خلف ظهره حين تتشاجر مع أحد، وعلى مغامرات التسلل إلى حلبة السباق السرية. تحدثا عن الماضي الذي جمعهما، عن البدايات التي لا تُنسى، وعن تلك المرات التي كان فيها الحارس الوحيد لقلبها الصغير.

– «تعلمين، لينا… مهما حاولتِ أن تظهري قوية، أنا أراك. أراك حين تنهارين في صمت، وأشعر حين تتألمين حتى وإن لم تقولي شيئًا.»

أرادت أن ترد، أن تخبره، أن تحكي له عن الإغماء، عن الورشة، عن الصدمة… لكنها لم تفعل.

خافت أن تظهر الضعف أمامه، هو الذي اعتادها قوية، متحدية، شرسة كالنار.

– «أنا بخير، حقًا…»

– «لا بأس…» قال وهو يربت على كتفها برفق، «لكن حين تحتاجين للحديث… أنا هنا.»

تناولا غدائهما في مطعم هادئ، على ناصية أحد الشوارع القديمة، ثم استكملا جولتهما بسيارته، يتنقلان بين الشوارع الخريفية، والموسيقى تعلو بهما إلى عالم مختلف.

وحين نظرت إلى الساعة، وجدت أن موعد عملها قد اقترب.

– «ماكس… هل يمكنك إيصالي إلى الورشة؟ لا أريد التأخر.»

– «بالطبع.» أجاب ببساطة، ثم انطلق في الطريق، بينما كانت هي تنظر من النافذة، تفكر في اليوم الغريب، وفي كيف أن وجود شخص واحد… قد يُعيدك للحياة دون أن تدري.

---

كانت "إيما" جالسة وحدها في ساحة المدرسة، تحت ظلال شجرة عالية على طرف الساحة الخلفية، حيث الهدوء لا يزال ممكنًا في هذا المكان المليء بالضجيج. نظراتها كانت تائهة، شاردة، كأنها تبحث عن خيط غير مرئي يربطها بشيء تفتقده. كانت تتقلب بين الذكريات الطازجة والمشاعر المختلطة التي أربكتها منذ دخولها إلى ثانوية "فاليريان".

همست لنفسها، وكأنها تعاتب قلبها على خيبته:

«هل أخطأت؟ هل قلت شيئًا أزعجها؟»

استعادت شريط الصباح الأخير بينها وبين ميلينا. تلك النظرة الباردة، تلك الكلمات القصيرة الجافة... شعرت أن جدارًا ارتفع فجأة بينهما، جدارًا لم تعرف متى شُيّد، ولا ما الذي فجره. لكنها لم تنسَ... لم تنسَ أول لحظة دخلت فيها إلى هذه الثانوية الضخمة، كيف كانت تائهة بين الممرات، كيف وقفت عند البوابة لا تعرف من أين تبدأ.

وميلينا...

نعم، ميلينا، بتلك العينين المختلفتي اللون، بتلك الهيبة الباردة التي تخفي شيئًا دافئًا، كانت أول من تحدث معها.حتى لو كان الامر بالصدفة

أشارت لها بيدها إلى مكتب المدير، وقادتها إلى الفصل، وشرحت لها كيف تسير الأمور هنا. صحيح أن كلماتها لم تكن ودودة، لكنها لم تكن قاسية أيضًا. كانت واقعية، مباشرة، وهادئة، بطريقة غريبة جذبت إيما بدل أن تنفرها.

تذكّرت كيف جلستا معًا يومها على مقعد الساحة الخلفية حين لم تجد إيما مكانًا تأوي إليه. جلستا صامتتين لدقائق، بالرغم منانزعاجها لكنها لم تبعدها ، جلست صامتة فقط دون أن تبدي اهتمامًا . ومع ذلك، شعرت إيما أن ذلك كان أعظم ما قدمه لها أحد منذ قدومها.

"هي طيبة..." قالت إيما في سرّها، وشفتيها ترتجفان باعترافٍ لم تجرؤ على البوح به لأحد.

"حتى وإن ادعت القسوة... هي طيبة. أشعر بذلك. انها فقط مكسورة...تبني جدار حولها... وكأنها تخاف أن تُكتشف مشاعرها."

رفعت نظرها إلى السماء، تأملت الغيوم الرمادية التي بدت كأنها مرآة لمزاجها، ثم ضغطت كفيها معًا وقالت بحزم:

«لن أستسلم. لن أكون مجرد عابرة في حياتها. ميلينا كانت أول من كسر عزلتي، ولو بكلمات قليلة... حان دوري الآن لأهدم هذا الجدار بيننا.»

كانت إيما تعلم أن الأمر لن يكون سهلًا. ميلينا ليست من أولئك الذين يسهل كسب ثقتهم، ولا تفتح قلوبهم للآخرين بسهولة. لكنها رأت خلف تلك الملامح الحادة نظرة متعبة، نظرة إنسان أنهكه التظاهر بالقوة.

«سأجعلها ترى... أنني لن أتخلى عنها. أنني مختلفة. أنني لا أريد منها شيئًا سوى أن أبقى بجانبها. صديقة... حقيقية.»

تنهدت، ونهضت من مكانها، تحمل في قلبها تصميمًا جديدًا.

قد لا تكون قوية مثل ميلينا، لكنها تملك ما يكفي من الشجاعة لتقف إلى جانبها.

وسارت نحو المبنى، متيقنة أن الخطوة التالية ستكون بداية طريق طويل، لكنها مستعدة... ولأول مرة في حياتها، تشعر أن لها سببًا للبقاء.

---

دفع ماكس باب السيارة ببطء وهو يقول مبتسمًا:

"ها قد وصلنا. لا تتأخري، وسأتصل بك لاحقًا. وإذا شعرتِ بالتعب، فقط أخبريني."

أومأت له ميلينا شاكرة دون أن تنطق بكلمة. كانت ملامحها متعبة، وعيناها الغامضتان، الزرقاء والعسلية، لا تحملان ذات البريق المعتاد. لم تخفِ عنه تعبها هذه المرة، لكنّها لم تقلله أيضًا. فتح لها باب السيارة كعادته، فأدارت وجهها نحوه، ابتسمت بخفة، ثم أغلقت الباب خلفها وتقدّمت نحو الورشة.

كانت الشمس قد ارتفعت في السماء، تلقي بأشعتها الذهبية على الواجهة المعدنية للورشة، تلك التي كانت في يوم ما مكانًا مجهولًا بالنسبة لها، ثم تحوّلت إلى جزء من حياتها، ومتنفسًا تجد فيه ذاتها وسط هدير المحركات ورائحة الزيت والحديد.

فتحت الباب الجانبي ببطء. استقبلها صوت معدني خافت صادر من إحدى زوايا الورشة، وصوت أداة تصطدم بقطعة حديدية.

ثم جاءه صوته العميق، الهادئ:

"اهلا يا صغيرة"

رفعت رأسها ببطء، لتجده واقفًا أمام إحدى السيارات، يمسح يديه من أثر الشحم بمنشفة قديمة. كانت ملامحه كعادتها... هادئة، رزينة، تملك ذلك الثبات الذي لا تهزّه الفوضى.

"مرحبا ، إنزو." ردّت بنبرة خافتة، لكن ثابتة.

رمقها بنظرة سريعة. لم تكن تحتاج أن تقول شيئًا. وجهها قال كل شيء. الشحوب في بشرتها، الهالات الخفيفة حول عينيها، وحتى خطواتها الثقيلة... كلها دلّت على تعب لم يُقال.

ترك المنشفة على الطاولة، وتقدّم نحوها دون تردد، ثم قال:

"هل أنبّهك أنّك تبدين كمن نهض من قبره ؟"

ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت وهي تزيح شعرها عن جبينها:

"لا تقلق، أنا بخير."

لكنه لم يقتنع، لم يكن من أولئك الذين يقبلون بالكلمات الفارغة لمجرد المجاملة. وقف أمامها، ونظر مباشرة في عينيها المختلفتين، كأنّه يقرأ ما وراء الكلمات، ثم قال بنبرة جادّة:

"كان بإمكانك أن تبقي في المنزل اليوم. تستحقين بعض الراحة.... ثم ماذا اخبرتك البارحة "

هزّت رأسها نفيًا، وقالت بتصميم:

"الحياة لا تنتظر، إنزو. لا الوقت، ولا الظروف، ولا الأحلام. كلها تمضي، وأنا لا أريد أن أتخلّف عن أيّ شيء."

صمت للحظة، ثم ابتعد عنها بخطوتين، وتوجّه نحو طاولة الأدوات، أمسك بمفتاح ربط صدئ، تأمله قليلًا، ثم عاد بنظره إليها وقال:

"هل تعلمين ما الذي يحدث عندما تُجهدين المحرك أكثر من اللازم؟"

أجابت بتلقائية، وقد اعتادت أسئلته المرتبطة بالميكانيكا:

"يرتفع حرارته... يفقد كفاءته... ثم يتوقف."

ابتسم بخفة وقال:

"تمامًا. وكذلك الإنسان."

حدّقت فيه بصمت، فتابع:

"المحركات القوية ليست تلك التي تعمل بلا توقف. بل التي تعرف متى تتوقف لتبرد، ومتى تُشحَن من جديد، ومتى تنطلق بأقصى طاقتها. الراحة ليست ضعفًا، ميلينا. بل هي جزء من العمل. هي الوقود الذي يسمح لك بالاستمرار."

تنفّست ببطء، كأنّ كلماته وجدت طريقًا إلى داخلها، ولامست تلك النقطة في قلبها التي تجاهلتها لسنوات. تعودت أن تكون قوية، دائمًا واقفة. لكن لم يخبرها أحد من قبل أن الاستمرار دوت توقف قد يُنهك حتى أكثر الأرواح صلابة.

قالت بنبرة خافتة:

"لم أتعلم الراحة. منذ صغري، كنت أظن أن التوقف يعني الخسارة."

اقترب منها من جديد، وحدّق في عينيها طويلًا، ثم قال بصوت أكثر دفئًا:

"بل التوقف أحيانًا هو ما ينقذك من الانهيار. الجدران لا تنهار دفعة واحدة، ميلينا. بل تتشقق أولًا، ثم تسقط حجرًا تلو الآخر. نحن أيضًا هكذا."

كانت كلماته بسيطة، لكنها ثقيلة كالرصاص. لأول مرة منذ مدة طويلة، شعرت وكأن أحدهم يفهمها دون أن تطلب ذلك. أحدهم يراها دون أن تضطر لتشرح أو تتظاهر بالقوة.

تمتمت بعد صمت طويل:

"شكرًا، إنزو... لا أعرف لماذا، لكن... حديثك يُشعرني بالهدوء."

ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال:

"لأنني مررت بما تمرين به. ولأنني لا أراك فقط كفتاة تعمل هنا، بل كروح تحتاج أن تُفهم."

رفّت أهدابها بسرعة لتخفي لمعة في عينيها، ثم قالت محاولة تغيير الموضوع:

"أي سيارة سنبدأ بها اليوم؟"

ضحك بهدوء وقال:

"سنبدأ بكِ أولًا. ارتاحي قليلًا، اشربي شيئًا دافئًا، ثم نتحدث عن السيارات."

وبينما اتجهت ميلينا نحو الزاوية حيث اعتادت الجلوس، كانت تشعر أن هذا اليوم، رغم تعبه، قد بدأ بشيء مختلف. ربما لم يكن العالم أرحم اليوم، لكنه على الأقل أهدى لها حديثًا صادقًا، وأبًا لم تمنحه له الحياة، لكنّ القدر وضعه في طريقها.

---

أزيز الأجهزة الكهربائية ووقع الأدوات المعدنية ظل يملأ الأجواء، لكن ميلينا كانت تعمل بصمت، بحركات دقيقة مدروسة، على محرك قديم أصر صاحبه على إصلاحه بدل استبداله. شعلة اللحام كانت تتراقص أمام عينيها، في انسجام مريب مع أفكارها التي لم تكن أقل سخونة.

كلمات إنزو لم تغادر رأسها.

> "المحركات إن لم ترتح، تحترق... تتوقف. حتى أعند المحركات تحتاج استراحة."

أغلقت يدها على المفك بقوة، ثم أرخته قليلًا وهي تهمس لنفسها:

– "وهل المحركات تُترك لها حرية القرار؟ الحياة لا تنتظر أحداً..."

شعرت بدوار طفيف وهي تنحني، فانتصبت ببطء، مستندة على طاولة الأدوات، ثم تنهدت واستسلمت لجسدها الذي لم يعد قادرًا على الصمود. خطت خطوات ثقيلة نحو الزاوية حيث توضع قنينة الماء والمقعد المهترئ، وجلست. أراحت رأسها على الحائط وراءها، وأغمضت عينيها.

في تلك اللحظة، كان إنزو يقف خلف مكتبه في الطابق العلوي، يتفقد هاتفه بينما تصله رسالة جديدة من الطبيب. ضغط على الشاشة، وراح يقرأ بصمت، تقطيبته تعمّقت مع كل سطر:

> "التحاليل تثبت وجود فقر دم حاد، نقص فيتامينات خاصة الحديد و B12. من الضروري تعويض النقص في أقرب وقت ممكن. أرفقتُ الوصفة مع الرسالة. أما بالنسبة لوضعها النفسي، فأنصح بمتابعة نفسية أو على الأقل راحة مطوّلة."

ترك الهاتف على المكتب دون أن ينبس بكلمة، ثم أشاح بنظره نحو أسفل الورشة، حيث لمح ميلينا جالسة بوهن، تلتقط أنفاسها، ويداها الملطختان بالشحم ترتجفان قليلًا.

نزل الدرجات بخفة، كأن سنين عمره لم تتراكم على كتفيه، وتقدّم منها بهدوء.

– "ميلينا."

رفعت عينيها بتعب، لكن ابتسامة صغيرة حاولت التشكل على شفتيها.

– "أوه... آسفة، أخذت استراحة قصيرة... سأعود للعمل حالًا."

– "ليس هذا ما يقلقني."

جلس على أحد الصناديق قربها، أراح مرفقيه على ركبتيه، ونظر إليها مباشرة:

– "وصلتني نتائج تحاليلك من الطبيب."

حدقت به لثوانٍ، ثم عضّت على شفتها السفلى، وهي تميل برأسها للأسفل.

كأنها كانت تعرف أن ذلك سيحدث. كانت قد علمت ان الطبيب قد اخذ عينة من اجل التحليل  لكنها لم تتوقع أن يقرأها إنزو بنفسه.

– "فقر دم، نقص فيتامينات... وتوصية بالراحة."

صمت قليلًا، ثم أردف بنبرة هادئة:

– "وأنت هنا، تصلحين محركات وكأن شيئًا لم يكن."

همست ميلينا:

– "لأن الحياة لا تمنحني خيارًا آخر."

رفع حاجبيه قليلاً، وبصوت منخفض لكنه حازم، قال:

– "دائمًا هناك خيار. حتى لو كان قاسيًا."

نظر إليها مجددًا، بقلق هذه المرة، ثم اقترب وجلس على المقعد المقابل لها.

"لمَ تقسين على نفسك هكذا؟" سألها بلهجة لا تخلو من الحنان والجدية، "أين عائلتك؟ من المفترض أن يهتم أحد بأمرك."

تجمّدت ميلينا. السؤال باغتها، ليس لأنه غير متوقع، بل لأنها سئمت من مواجهته. عضّت شفتها السفلى، تدور عيناها في المكان تبحث عن مخرج، عن حائط تتكئ عليه... لكنها لم تجد سوى نظرات إنزو الثابتة.

كاد أن يتحدث مجددًا حين رفع يده وقال بهدوء:

"اسمعيني جيدًا. أنا لست من النوع الذي يثرثر بأسرار الآخرين. لكني أملك طرقًا كثيرة لمعرفة ما أريد إن لزم الأمر. رغم ذلك... أفضل أن أسمع الحقيقة منكِ، لا من ملفات أو تحريات."

بقيت صامتة، تتصارع داخلها كلمات لم تقلها لأحد منذ سنوات. كيف تقولها؟ وأين تبدأ؟

نظرت إليه أخيرًا، مباشرة، ثم تنهدت:

– "أنا... لا أملك عائلة تدعمني، سيد إنزو. أنا نشأت في ميتم. لا أب ولا أم ولا قريب. عندما بلغت الخامسة عشرة،خرجت من الميتم بعد ان حصلت على منحة للدراسة في ثانوية فاليريان... ومنذ ذلك الوقت، أنا وحدي."

صمتت لحظة ثم أكملت، محاولة أن تبدو ثابتة، رغم غصتها:

– "أعمل هنا وهناك، أوفر ما أستطيع. لدي شقة صغيرة أعيش فيها، وأخطط لدراسة البرمجة و دمجها مع الميكانيك بعد الثانوية. ولأفعل ذلك... يجب أن أوفر المال . لا مجال للراحة."

ظل إنزو ينظر إليها بصمت. ملامحه جامدة، لكن في عينيه لمعة حزن وشيء يشبه الفخر.

كان صراحتها مؤلمة بقدر ما كانت محررة. شعرت وكأنها انتزعت شيئًا من قلبها ووضعته على الطاولة أمامه. لا دموع، فقط اعتراف بارد يشبهها.

طال الصمت للحظة، ثم قال إنزو بصوته العميق الذي يحمل وزن سنوات من التجربة:

"ميلينا... أحيانًا لا نملك خيارًا سوى أن نكون أقوياء. لكن هذا لا يعني أن نُميت أنفسنا تحت عبء الحياة."

رفعت نظرها إليه، تنظر في عينيه مباشرة لأول مرة منذ بدأت الكلام. فواصل بصوته العميق:

– "منذ لحظة دخولك إلى هذه الورشة، أصبحتِ فردًا من العائلة. وأنا لا أتخلى عن عائلتي."

صمت برهة ثم قال:

– "أريدك أن تنتبهي لصحتك، أن تأكلي جيدًا، أن تنامي، أن تحبي نفسك قليلًا... العالم قاسٍ بما فيه الكفاية."

هزّ رأسه ببطء، ثم أضاف:

"اهتمي بنفسك، ميلينا. لا عيب في أن تتعبي، لا عيب في أن تطلبي المساعدة. إن احتجتِ شيئًا، أي شيء... أنا هنا."

ميلينا لم تستطع الرد. كل الكلمات تعلقت في حلقها.

ربما لأنها لم تسمع كلمة "عائلة" موجّهة لها منذ... لا تتذكر.

ربما لأنها شعرت، ولو للحظة، بأنها ليست وحدها تمامًا.

مدّ إنزو يده نحوها، وقدّم لها قطعة شوكولاتة صغيرة كانت على الطاولة.

ابتسم:

– "هذه أول وصفة طبية منّي، قبل وصفة الطبيب."

ابتسمت، وأخذت القطعة بأصابع مرتجفة، وابتسامة باهتة غزت وجهها المتعب.

ولأول مرة منذ زمن طويل، شعرت بشيء دافئ يتسلل إلى صدرها... شيء يشبه الأمان.

يتبع

---

اهلا

الفصل مليء بالمشاعر

علاقة ميلينا و ماكس 🥹🥹

كلام انزو ذوبني

ذكريات ميلينا.. طبعا في حلقات ناقصة و اسئلة تحتاج اجوبة لكن كل شيء سيتوضح مع تقدم الفصول

ايما بنتي الكيوت من كثر طيبتها ما قدرت ميلينا تصدق انها حقا لا تتظاهر

دانتي زوجي

هو مو عارف مشاعره او يمكن القول انه ينكرها تحت حجة الفضول

لا تنسو تعلقوا بين الفقرات و تصوتوا للفصول

نلتقي بالفصل القادم

دمتم في رعاية الله

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Pulse under the wheels

المؤلف Aryane Styla
2025/08/06 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة