Chapter 2

Chapter 2

19 0

هناك لحظات...

لا تسبقها إنذارات، ولا تمنحك وقتًا لتقرر.

تهرب منك الخيارات، وتجد نفسك تركض وسط الدخان، تركض باسم شخصٍ لن ينتظرك...

فإما أن تهرب، أو تُسحَق.

وفي ذلك الهروب،

ربما تُمسك بك... وربما تمسك أنت بذاتك لأول مرة.

لكن الحقيقة الأعمق؟

أن بعض الأرواح خُلقت لتتحدى النار... لا لتنجو منها فقط،

بل لتقودها. ❞

---

وقفت ميلينا في ظل زاوية معتمة، بعيدًا عن ضجيج الجمهور المتفرق، عينها لا تزال على ماكس وهو يُحاول إخماد النيران المشتعلة في عجلات السيارة المعدّلة. الأضواء البرتقالية المرتعشة كانت تنعكس على ملامحها المرهقة، وعلى أصابعها التي شُدّت بقوة حول القناع الذي لا تزال تُخفي به وجهها.

نفسها مضطرب، وأفكارها تتقافز بلا انتظام. شعور بالنصر، يختلط بشيء آخر... شيء أثقل. شيء لا اسم له.

ثم اقتربت منها خطوات.

منتظمة، واثقة، وكأنها تعرف أين تذهب.

"كان سباقًا نظيفًا... لكن الهزيمة؟ ليست شيئًا أعتاد عليه."

كان صوته هادئًا، منخفضًا، لكنه يحمل في نبراته شيئًا خفيًا-ليس تهديدًا، ولا إعجابًا... بل فضولًا متقدًا.

تجاهلته.

لم تردّ، لم تُعطه نظرة حتى. اكتفت بأن استدارت نحو ماكس الذي لا يزال يواجه النيران العنيدة.

"اسمك." قالها هذه المرة ببطء، وكأنه يختبر وقع الكلمة عليها.

لكنها مرّت عليه بصمت.

"حسنًا..." تمتم وهو يُلقي نظرة خاطفة على وجهها المغطى خلف الوشاح، "أنتِ لغز... وهذا يثيرني أكثر من الفوز."

في لحظة، لم تكن فيها جاهزة للرد أو المواجهة، انطلق صوت صافرات الشرطة، قاطعًا الجمود كطلقة رصاص في منتصف الحلم.

الوجوه التفتت، الخطى تسارعت، والفوضى ابتلعت الساحة.

"شرطة! الجميع على الأرض!"

"ماكس!" صرخت، وبدأت بالركض نحوه، لكن يدًا قوية أمسكتها من ذراعها.

"ليس الآن!" قال دانتي، وقد شدّ قبضته عليها.

"أتركني! صديقي هناك!"

"إن رجعتِ الآن، لن تكوني صديقة أحد، ستكونين معتقلة!"

"لا شأن لك!"

"لكن الشرطة لها شأن... وأنا أنقذ حياتك، شئتِ أم أبيتِ!"

دون أن تنتظر ردة فعل، وجدته يجرّها عبر الزحام، ثم عبر ممرات جانبية في النفق مظلم، تحفّه الحاويات القديمة ورائحة المطاط المحترق.

أنفاسها تعلو، خطواتها تترنح، وهو لا يتوقف.

"أطلقني! سأذهب وحدي!"

"وإلى أين؟ الممرات مغلقة، الدوريات منتشرة، ولسنا في فيلم حركة يا فتاة ! كما انني اعرف المكان جيدا! "

وصلا إلى سيارة سوداء كانت متوقفة بهدوء على جانب الرصيف، لا أحد حولها. فتح الباب ودفعها إلى الداخل بسرعة محسوبة.

ركب إلى جانبها وأدار المحرك.

"ماكس... ماكس كان هناك، كان يُطفئ النيران، ماذا إن-"

"قبضوا عليه." قالها بلا نبرة.

"ماذا؟ كيف عرفت؟!"

"رأيته. لم يكن هناك وقت. وأنا لست مسؤولًا عنكِ... فقط لم أحتمل رؤيتك تُسحق تحت أقدامهم... كما انني لن اسمح بان يقبض عليك قبل ان ارد لك الهزيمة.."غمزها نهاية كلامه بينما هي قلبت عيونها بملل تتساءل ما خطبه.

ثم عمّ الصمت.

السيارة تسير بسرعة متوسطة في طرق جانبية. داخلها، كان الصمت أكثر ضجيجًا من المحرّك.

"أين تسكنين؟" سأل بعد لحظة.

"لا حاجة لأن تعرف."

"ما زلتِ ترتجفين."

"أنا بخير."

"ووجهك... ما هذا العناد فيكِ؟ هل دائمًا تختارين الطريقة الأصعب؟"

أدارت وجهها نحو النافذة، نظرة مغلقة.

"أوقف السيارة."

"لن أتركك تتجولين وحدك بهذا الشكل، في هذا الوقت. لن تصلي بعيدًا." ابتسمت بسخرية على كلامه

"أفضل أن أُلاحق على أن أكون مدينة لك."

تلك العبارة علّقت في الهواء، فجأة.

صمت هو لثوانٍ، ثم قال:

"لم أطلب منك شيئًا... فقط رغبتُ ألا تنتهي الليلة بجثّة جديدة."

لكنها لم تجب.

ثم، وبحركة خاطفة، فتحت الباب.

"هيه! السيارة لا تزال تتحرك!"

"وداعًا، بطل السباقات." قالتها، وقفزت.

وقعها على الأرض كان عنيفًا. تدحرجت مرتين على الإسفلت، قبل أن تثبت على ركبتيها، تتألم لكنها تنهض. دانتي ضغط المكابح، فتح الباب بسرعة، لكن كل ما رآه هو ظلّها يختفي بين الأزقة.

وقف هناك، بيده التي كانت على المقود، وعبارته الوحيدة:

"يا إلهي... من أنتِ بحق الجحيم؟"

---

في مكان السباق

كانت ألسنة اللهب قد خمدت تقريبًا. ماكس، بملابسه المتسخة ورائحة الاحتراق العالقة بجسده، وقف إلى جوار السيارة، يبحث عنها بين الوجوه الهاربة. ملامحه شاحبة، عيناه تجولان في كل اتجاه.

"ميلينا؟!" نادى بصوتٍ مبحوح، تغلغل فيه الذعر.

كان كل شيء قد تفكك. ضجيج الهتافات تحوّل إلى فوضى، ومحركات السيارات الهاربة تخلّلتها صافرات الشرطة المدوية، وكأن الليل نفسه ينكمش تحت وطأة المطاردة.

ركض ماكس وسط الدخان المتصاعد من الإطارات، يبحث عنها كالمجنون، يدفع هذا ويصرخ على ذاك، يركض، ثم يتوقف، ثم يركض مجددًا.

إلى أن لمح مشهدًا لم يُرد أن يراه.

على حافة النفق الجانبي، وسط الظلال، كانت تلك القامة المألوفة تُجرّ من ذراعها. لا مجال للخطأ... ميلينا.

والذي يجرّها؟ ذلك المتسابق، دانتي.

شهق ماكس، خطى خطوة إلى الأمام، لكن الزمن توقف. عيناه تشبثتا بذلك المشهد-هي تُقاوم، ودانتي لا يتركها، ثم يختفيان في طريق جانبي آخر... بعيدًا عنه.

"ميلينا..." همس وكأن الهواء نفسه خان صوته.

قبل أن يفيق من ذهوله، أحاطت به الأضواء الزرقاء، وتقدّمت نحوه ثلاث ظلال بثياب داكنة.

"ارفع يديك حيث نراها!"

ماكس لم يقاوم.

رفع يديه ببطء، عينيه لا تزالان مثبتتين على الزقاق الفارغ.

"لقد... ذهبت." تمتم، وكأن الكلمات كانت موجّهة لنفسه أكثر من الشرطة.

رجل شرطة كبّله بعنف، شدّ ذراعيه خلف ظهره، وبدأ بقراءة حقوقه القانونية، بينما هو واقف بين قبضتين... لكن ما كبّله فعلًا كان الشعور العميق بالعجز.

"أنا آسف يا لينا..." همس، وهو يُدفع نحو السيارة الرسمية.

"كان يجب أن أكون أسرع."

أُغلق الباب، وابتلعه الظلام.

---

"بعض الجراح لا تُرى.

لا تظهر في التقارير، لا تُغطى بالشاش ولا تلتئم بمراهم.

إنها تعيش تحت الجلد، في الفراغ بين الضلوع، وفي صمت الغرف المغلقة."

كان الليل قد استقرّ فوق المدينة كغطاء مبلل، يثقل صدور من لا يجدون ملاذًا سوى أنفسهم.

أضواء الشوارع كانت خافتة، مصفرة، تُشبه ابتسامات باهتة في وجه حزنٍ لا يعبأ بها.

عادت ميلينا إلى شقتها بخطى غير موزونة. لم تكن تركض، لكنها لم تكن تمشي أيضًا.

جسدها يعمل على ما تبقّى من وقود الأدرينالين... الذي انتهى.

يدها ترتجف وهي تبحث عن مفتاح الباب. دخلت.

أغلقت الباب ببطء، وأسندت ظهرها إليه، كما لو أنها تحمل العالم فوق أكتافها، وأخيرًا وجدت جدارًا تستند عليه.

لا ضوء.

الظلام كان أهون من الحقيقة.

زحفت قدماها إلى منتصف الغرفة.

رمت سترتها على الكرسي، وقبل أن تصل إلى الأريكة، انهارت ببطء، جالسة على الأرض، وظهرها إلى الحائط.

عيناها تحدقان في اللاشيء.

في زاوية الغرفة، ضوء الشارع يتسلل عبر النافذة المتسخة، يرسم ظلّها على البلاط، شبحًا منطفئًا.

مرّت لحظات، أو ربما دقائق، قبل أن تفتح حقيبتها المرتجفة، تبحث عن ضمادة، عن شيء يعيد لها بعض النظام في هذا الفوضى.

سحبت هاتفها، ترددت، ثم ألقته على الأرض.

الشاشة تصدّعت، مثل قلبها.

نهضت أخيرًا، متجهة إلى الحمام، تجرّ نفسها.

فتحت الصنبور، وانحنت تغسل وجهها... الماء بارد، أشبه بصفعة توقظها من حلم لم تعرف متى بدأ.

لكن الصحو لا يحمل راحة.

رفعت رأسها إلى المرآة.

تلك لم تكن هي.

كانت هناك فتاة في المرآة، بعينين متعبتين، بكتفين متدليين، بخدّ يحمل خدشًا وبجفنٍ يكاد ينغلق من الإرهاق.

"أهذه أنا؟"

همست، كأنها تخشى أن تعترف.

كشفت ذراعها... جرح طولي أحمر، كُشط جلدها بفعل قفزتها من السيارة.....

من فعل بها هذا؟

هي نفسها......

جلبت صندوق الإسعافات، وبدأت بتنظيف الجروح واحدة تلو الأخرى. كل مرة يلامس فيها المطهر جلدها، يتملّكها الألم - لكن لا تصرخ....

كأن الصراخ لا يليق بمن اختارت السباق.....

ثم سقطت على طرف حوض الاستحمام، تحتضن القطن المبلل بالدم، وتهمس:

"أنا السبب..."

كان صدى صوتها يرتد في البلاط، كأنه يلومها بدلًا منها....

بدأت الذكريات تهجم عليها دفعة واحدة: صوت ماكس حين قال لها "لا تشاركي"، عيناه القلقتان، ثم ألسنة النار، ثم يد دانتي تسحبها...

"تركتك، ماكس..."

شهقت...

"تركتك هناك وحدك، من أجلي...."

وضعت وجهها في يديها، واختنق صوتها.... لم تبكِ بصوت، لكنها بكت من الداخل، بكل اللغة التي لا تعرف نطقها....

"كنتُ أنانية... أردتُ فقط أن أثبت شيئًا...."

ثم نظرت إلى نفسها مجددًا.

إلى آثار السباق على جسدها... وعلى ضميرها...

"لكني لم أربح شيئًا. هزمته... لكنه أنقذني..."

استقامت واقفة بصعوبة، ألقت القطن المدمى في القمامة، وغسلت يديها....

أنزلت كمّ قميصها مجددًا، ثم أغلقت خزانة الإسعافات، كأنها تغلق مشهدًا من فيلم لا تودّ رؤيته مرة أخرى....

خرجت من الحمام، توقفت في منتصف الغرفة، تنظر حولها...

الركن الذي كانت تجلس فيه تقرأ، المطبخ الصغير الذي كانت تُعد فيه قهوتها الرخيصة، الكنبة القديمة التي نامت عليها في الليالي الباردة...

كل شيء هنا يشهد على وحدتها.

"ماكس..."

همست باسمه كما لو أنه آخر خيط في عالمها....

كان هو كل ما تبقى لها.....

وهي... خذلته.....

رفعت عينيها إلى السقف... لم تبكِ.... لم تغضب....

بل فقط تنفّست....

ثم مشت بهدوء إلى غرفتها، و سقطت فوق السرير، دون أن تخلع حذاءها....

غطّت نصف جسدها بالبطانية، و غطّت النصف الآخر بكفيها....

كانت ليلةً طويلة....

و لم تنتهِ بعد.

---

"بعض الوجوه لا تحتاج إلى اسم كي تلاحقك....

يكفي أنها ظهرت في لحظة لم تتوقعها، و هزمتك في ملعبك...."

الضوء البرتقالي الخافت على طرف الشارع انعكس على غطاء محرك سيارته المتسخ برماد الإطارات.

كان الوقت متأخرًا، وهدير المحرك هادئ على غير عادته، كما لو أنه يواسي صاحبه الذي جلس خلف المقود دون أن يحركه.

دانتي لم ينزل فور وصوله.

بقي في السيارة لعدة دقائق، ساكنًا كتمثال، يحدق في شيء لا يُرى عبر زجاج النافذة.

الليلة كانت طويلة، ثقيلة، مشحونة، ومربكة بطريقة تزعجه أكثر من أي خسارة.

حرك يده ببطء، أغلق المحرك، وتنهد.

فتح الباب، ترجل، وأغلقه بصوت بدا أعلى مما يجب في السكون المحيط.

خطواته على الأرض الخرسانية صدى يضرب في صدره.

دخل المنزل بصمت.

الأنوار مطفأة، كما تركها.

لا أحد ينتظره....يبدو ان والده سيقضي ليلته في الورشة كالمعتاد هذا جيد فهو لا يرغب أن يكون أحد هنا الليلة....

ألقى مفاتيحه على الطاولة الصغيرة قرب الباب، وخلع سترته الملطخة ببقع الزيت والعرق والدخان....

رمى بها فوق ظهر المقعد دون اكتراث، و توجه مباشرة إلى الطابق العلوي....

فتح باب الحمام....

المرآة واجهته بانعكاس وجهه المتعب، شعره المشعث، وعينيه المتعبتين من شيء أكبر من السباق...

فتح الماء البارد، و غسل وجهه، ثم نظر مرة أخرى في المرآة....

"من تكونين؟"

قالها همسًا.

كأن الإجابة تسكن بين انكسارات الضوء على سطح الزجاج.

فتاة غامضة، لا يعرف اسمها، و لا وجهها الحقيقي خلف الوشاح....

لكنها قادته كما لو أنها تقود منذ عمر....

سبقت ظله، تسللت إلى المسار كصاعقة، و هزمته...

دانتي لم يخسر كثيرًا.....

و حين خسر، كان يعرف السبب....

لكن الليلة؟ لم يكن السبب واضحًا....

لم تكن سيارته السبب.....

و لا ردّ فعله.....

و لا الطقس....

و لا المنعطفات.....

بل كانت هي....

أسلوبها....

جرأتها....

حدّتها... في القيادة وفي القرار....

قلبت كيان السباق...

و قلبت شيئًا في داخله أيضًا.

---

عاد إلى غرفته، خلع قميصه، ومشى عاري الصدر إلى الشرفة الصغيرة.

الهواء الليلي البارد صافح جلده المتعب، كأنه يجلده بهدوء.

جلس على حافة الدرابزين، سيجارة بين شفتيه، وولاعة في يده.

أشعلها، ثم راقب الدخان يتصاعد ببطء كأفكاره.

"إنزو سيقتلني... "

مجرد فكرة عابرة لكنها متكررة.

فوالده نبّهه.... حذره.... و أصر على أن ياخذ حذره...

لكن دانتي و بالرغم من انه قام بالتدابير اللازمة الا ان الشرطة اقتحمت السباق و افسدت الامر ....

السباق ليس مجرد هواية... إنه هروبه الوحيد.....

ولكن الليلة لم يشعر بأنه هرب....

بل شعر بأنه انكشف....

أزعجه كيف تسرّبت تلك الفتاة إلى داخله عبر مسار من المطاط المحترق...

أزعجه أنها قفزت من سيارته وكأنها لا تخشى الموت، ولا تحتاج إليه...

أزعجه أنه لا يعرف كيف يتوقف عن التفكير بها....

تنهّد ببطء، وأسند رأسه إلى الجدار، ثم رفع نظره إلى السماء التي خلت من النجوم....

"إذا عرف إنزو، سوف يقول أني قد جننت..."

نصف ابتسامة ساخرة شقّت وجهه، لكنه لم يضحك....

كان مرهقًا... لا من السباق، بل من الارتباك.

"غريبة... وعنيفة... وتتركني في وسط الطريق."

همس بها وكأنها وصف لحلم مرّ من تحت جلده دون أن يلمسه...

أطفأ السيجارة في كوب معدني بجانبه، ثم عاد إلى الداخل...

توجه نحو سريره.

جلس للحظة، قبل أن يتمدد دون أن يبدل ثيابه...

لكن النوم لا يأتي لمن تقوده الهزيمة إلى التفكير، لا إلى النسيان...

وظلت آخر صورة في رأسه...

تلك العينان...

غامضتان...

بريّتان...

أقرب إلى رصاصة خرجت من قلب السباق واستقرت في صدره...

«ماذا دهاك دانتي...اللعنة توقف عن التفكير و نم...» تمتم بذلك لنفسه لعله يلقى سكينته

---

"بعض الكوابيس ليست كوابيس...

بل ذاكرة تتنكر في هيئة حلم."

اندفعت أنفاسه الثقيلة في ظلمة الغرفة، تزامنًا مع جلوسه المفاجئ على السرير...

يده التقطت صدره كما لو أنه يحاول إخراج الألم من رئتيه مباشرة...

لم تكن هذه المرة الأولى....

كابوس آخر....

نفس المشاهد، ذات الأصوات، تلك الظلال القديمة التي لا تزال تطارده منذ أعوام...

لكن الليلة... تداخل الكابوس مع وجهها...

الفتاة التي قفزت من سيارته بجرأة لا تليق بمن يهرب من الشرطة...

أو من الموت...

تلفّت حوله.. الغرفة غارقة في الظلال، إلا من خيط الضوء المتسلل من خلف الستائر...

جلس بصمتٍ طويلاً...

عقله كان ساحة معركة لا تهدأ، وقلبه كمن يجرّ ألمه على الأسفلت...

---

توجه إلى الحمام...

فتح الماء على أقصى درجات السخونة وتركه ينهمر على جسده المجهد...

أسند جبهته إلى الجدار، وأغمض عينيه...

تلك الذاكرة... لا تفارقه...

لا تندمل...

كلما ظنّ أنه نجا منها، جاءت لتذكره أنه ما زال هناك...

في تلك اللحظة... في ذلك الصراخ... في ذلك الفقد...

"هل سأنسى يومًا؟"

همس بصوت بالكاد يُسمع فوق خرير الماء.

---

خرج من الحمام، جفف شعره بإهمال، ارتدى قميصًا رماديًا داكنًا، وسروال جينز بسيط.

ألقى نظرة على المرآة، فلم يرَ وجهه بل شبحًا منه.

مسح البخار عنها بأصابعه، ونظر في عينيه مباشرة.

"الليلة الماضية..."

ارتسمت صورة عينيها فجأة في ذهنه.

عينان بلون رماد مشتعل... متناقضتان..

عنيدة. هادئة. لكنها تفور تحت السطح.

من أنتِ؟ ولماذا تركتِ أثرًا كهذا؟

---

رفع هاتفه، اتصل بليو...

- "صباح الخير..."

قالها بصوت خافت، رتيب، لم يحمل نبرة المزاح المعتادة.

على الجهة الأخرى جاءه صوت ليو متثائبًا:

- "صباحك كوابيس، على ما يبدو..."

- "سأراك في الجامعة خلال نصف ساعة... الباحة الخلفية... "

أغلق الخط قبل أن يسمع ردّه....

---

كانت الجامعة تغصّ بالحياة الصباحية ككل يوم...

طلاب، حقائب، خطوات مسرعة، عبارات مبعثرة هنا وهناك...

لكن في ذهن دانتي... لم يكن هناك سوى سؤال واحد:

كيف وصلت الشرطة إلى مضمار سباق مخفي؟

في توقيت دقيق كهذا؟

وجد ليو ينتظره عند آلة القهوة، ملامحه أقل مرحًا من المعتاد، وكأن الخبر وصل إليه قبل الوقت.

- "تبدو كمن سهر في قبر، لا في حلبة سباق."

قالها وهو يناوله كوب القهوة.

أخذ دانتي الكوب بصمت.

شرب رشفة، ثم قال:

- "علينا أن نتحدث بجدية."

- "أتوقّع أنك تشير إلى المداهمة؟"

أومأ دانتي دون أن يرفع عينيه.

- "لم تكن محض صدفة، ليو. ولا إبلاغًا عشوائيًا.

كان الأمر مخططًا بدقة. كل شيء كان معدًا."

- "ومن برأيك يملك الجرأة لفعل ذلك؟ الشرطة تعرف بوجودنا منذ سنوات، لكن لم تتحرك بهذه الطريقة من قبل."

- "لذلك الأمر ليس متعلقًا فقط بالشرطة... بل بشخص ما داخل الدائرة.

شخص أرسل معلومة دقيقة. خائن."

ساد صمتٌ ثقيل.

أخيرًا، قال ليو بصوت أهدأ:

- "هل تفكّر في إشراك والدك؟"

- "لا. ليس الآن. ما زلت أبحث عن الطريقة المناسبة للحديث معه... خصوصًا بعد أن حذّرني."

أطرق لوهلة، ثم تابع:

- "سأتواصل مع رجاله في القسم السري. أحتاج إلى طمس أي أثر. لا يمكن أن تسجَّل هذه الليلة علينا."

- "أتفهم... حسنا ماذا بشانها ايها الخاسر... رأيتك تجرها معك و تهربان... هل استبدلتني ببساطة ايها الخائن... "

تحدث ليو بدرامية ليغير من الجو بينما ينظر الى دانتي بمكر.

دانتي لم يُجب... لكنه قلب عينيه بملل على صديقه

ألقى نظرة بعيدة إلى السماء الرمادية، ثم قال:

- "قليلات هنّ من يسرن في الظلام، ويحرقن أثرهن بأقدامهن...

لكنها فعلت.... ثم لما تنعتني بالخاسر و كأنك لم تكن تتسابق معنا ايها الوغد"

ضحك ليو بخفة على صديقه ثم سأله مجددا

- "ومن تكون؟"

- "لا أعرف. لكني أنوي أن أعرف... "

----

"لم تكن السرعة ما هزمته في تلك الليلة...

بل الغموض الذي لبس وجهًا لم يرَه من قبل."

---

الساعة تقترب من الثانية ظهرًا.

خرج دانتي نافارو من مبنى كلية إدارة الأعمال، خطواته هادئة لكنها مشبعة بثقل الليلة الماضية.

عقله لم يكن حاضرًا مع المحاضرة، ولا مع زملائه الذين غادروا قبل دقائق.

فتح هاتفه، وتحقق من الرسائل.

لا شيء جديد.

أدار عينيه يمينًا ويسارًا، قبل أن يسلك طريقًا فرعيًا خلف الحرم الجامعي، حيث السكون لا يُقاطع الأفكار.

ضغط على تطبيق مشفّر، لم يظهر على الشاشة الرئيسية.

نقَر نمط دخول خاص، فظهر اسم محفوظ باسم رمزي: "S.K"

ثوانٍ... ثم صفير الاتصال.

أجابه صوت رجولي خشن، مألوف لديه:

- "لم أكن أتوقع اتصالك بهذه السرعة."

قال دانتي، بنبرة محايدة تخفي انفعالاته:

- "كانت هناك مداهمة الليلة الماضية. الشرطة داهمت السباق."

- "هل اعتُقل أحد من مجموعتكم؟"

- "لا. انسحبنا في الوقت المناسب. لكن أحد المتسابقين لم يكن محظوظًا... تم الإمساك به. لا علاقة مباشرة بنا، لكن... الأمر معقّد."

صمت للحظة، ثم أضاف:

- "أحتاج أن تُغلق كل الملفات المرتبطة بالمداهمة. لا تقارير، لا استجوابات، لا أسماء. افعلوا ما يلزم."

قال الطرف الآخر بنبرة جادة:

- "أي شهود؟ كاميرات مراقبة؟"

- "الموقع كان مخفيًا جيدًا. لكن الشرطة المحلية قد تكون استلمت بلاغًا قبل الانطلاق.

ابحث في سجلات الاتصالات، وراقب الضباط الجدد."

- "مفهوم. وسأحرص أن لا يظهر اسم 'نافارو' في أي مكان."

شدّ دانتي قبضته للحظة على الهاتف، ثم قال بصوت خافت:

- "أبقِ الأمور صامتة. ولا تُشرك أبي... ليس بعد."

- "طالما لا توجد خسائر مباشرة، فلن نُحرّك شيئًا من فوق. لكن تذكّر... الوقت لا ينتظر."

أغلق دانتي المكالمة دون وداع، وأعاد الهاتف إلى جيبه.

ثم جلس على مقعد حجري مهمل خلف مبنى الكلية.

كان الجو ساكنًا، إلا من ضوضاء الريح بين الأشجار.

أخرج من جيبه ولاعة قديمة، نحاسية اللون، نقشت عليها عبارة والده الشهيرة:

"إن أردت النجاة من النار، فتعلم أولاً كيف تمسك بها."

حدّق في النقش للحظة، ثم تمتم:

- "وإن كانت النار بشريّة... بعيونٍ تحمل النار و الجليد ، وصوتٍ يتحدى الهزيمة؟"

في عينيه انعكاس لليلٍ مضى،

وفي قلبه سؤال لم يجد بعد له جوابًا.

ثم نهض، وسار بعيدًا...

وجهه كالصخر، لكن داخله يفور بالشرر.

---

لم تكن ميلينا قد نامت سوى ساعات معدودة، ومع ذلك، وقفت أمام بوابة الثانوية بوجهٍ جامد، كأنّ التعب لم يجرؤ على أن يطفو فوق ملامحها. الهواء بارد، وشمس الصباح تترنّح خلف غيمة رمادية ثقيلة، كأنها تتردّد في بدء يوم جديد.

دخلت من البوابة الحديدية ذات القضبان السوداء، التي طالما بدت لها أشبه بقفص كبير، لا حرية فيه سوى وهم اسمه "التعليم"... لكنها مضطرة للتحمل ان كانت ستحقق اهدافها...

كانت الممرات مزدحمة، الطلاب يتحركون بسرعة، والضحكات تتصاعد في زوايا الممر، لكن شيئًا منها لم يلامسها. اعتادت أن تمشي وسط الجموع وكأنها ظل، لا يُلحَظ ولا يُسأل عنه.

كانت تمشي بشرود ، محاولة تجنّب نظرات المعتادين على إطلاق التعليقات اللاذعة، خصوصًا "تريسي" ورفاقها الذين لا يملّون من اختلاق سبب للسخرية.

وبينما كانت تلتفّ حول زاوية الممر المؤدي إلى فصلها، اصطدمت بجسدٍ خفيف نسبياً، جعل كتبها تنزلق من يدها وتسقط أرضًا.

- "أوه... المعذرة!" جاء الصوت أنثويًا، رقيقًا، يحوي نبرة خجل لم تتصنّعها.

رفعت ميلينا رأسها، والتقت عيني الفتاة التي اصطدمت بها. كانت صهباء، خصلات شعرها الحريرية تميل إلى البرتقالي الذهبي، مُنسدلة بانسيابية على كتفيها، وتبدو وكأنها بُعثت من لوحة قديمة. عيناها واسعتان بلون زرقة البحيرات في مطلع الشتاء، هادئتان إلى حدّ مُربك. مظهرها نظيف ومرتب، ترتدي الزيّ المدرسي بإتقان وكأنها لم تخرج بعد من كتالوج. وحتى وقفتها، كانت منظمة، لا تكلّف فيها.

- "لا بأس..." تمتمت ميلينا وهي تلتقط كتبها بسرعة.

انحنت الفتاة لتساعدها، قائلة بابتسامة صغيرة:

- "أنا جديدة هنا... وهذا أول صباح لي. يبدو أنّني بدأتُه بالاصطدام بك."

نظرت إليها ميلينا للحظة، ثم استدركت ببرود:

- "عليكِ الذهاب إلى مكتب المدير أولًا. إنه في نهاية هذا الممر، جهة اليمين."

تردّدت الفتاة، ثم قالت:

- "وهلّا... ترافقينني؟ لا أعرف طريق المدرسة بعد."

همّت ميلينا بالرفض، لكنها قطعت ترددها بنظرة سريعة إلى الفتاة الجديدة... ملامحها لم تكن مألوفة، لا ابتذال فيها، ولا تلك النظرة الفوقية التي اعتادت رؤيتها في عيون الطلاب.

- "حسنًا، تعالي."

سارتا معًا بصمت، سوى خطواتهما التي تصطكّ فوق بلاط الممرات الرخامي الباهت. عندما وصلتا إلى المكتب، رفعت ميلينا يدها نحو الباب، وطرقت ثلاث مرات خفيفة.

- "ادخلي، سأنتظرك هنا."

لكن قبل أن تنسحب، فُتح الباب، وخرج منه المدير بنفسه، رجل في الخمسينات من عمره، يضع نظارات مربعة الإطار، وعيناه دائمًا نصف مغمضتين كأنه يقرأ ملامحك بدلًا من الاستماع لكلماتك.

- "ميلينا فوكس... تمام. ممتاز أنكِ هنا."

نظر إلى الفتاة الجديدة:

- "أنتِ الآنسة إيما هيلر، أليس كذلك؟ أهلاً بكِ في ثانويتنا."

ثم عاد إلى ميلينا:

- "أنتِ طالبة مجتهدة، ومنضبطة. أريدكِ أن ترافقي الآنسة هيلر في جولة تعريفيّة، أرِيها الأقسام، أطلعيها على نظام المدرسة، وأخبريها بالقواعد العامة."

رفعت ميلينا حاجبًا ببطء:

- "لكن لديّ فصل الآن..."

- "سأبلّغ معلمتك. هذه مسألة مؤقتة، وقد تُحتسب لكِ كنشاط طلابي يُضاف إلى ملفك الأكاديمي."

صمتت ميلينا للحظة، ثم أومأت على مضض.

استدارت نحو إيما، التي وقفت تُراقب المشهد كله بهدوء يُشبه أولئك الذين يلتقطون كلّ شيء ولا يقولون شيئًا.

- "هيّا بنا."

وبينما غادرتا معًا، التفتت إيما نحوها وقالت بصوت منخفض:

- "شكرًا لكِ... وأعتذر مجددًا عن الاصطدام. أعلم أنني أربكتُك."

أجابت ميلينا دون أن تنظر إليها:

- "لا تقلقي... لديّ أيام أكثر إرباكًا من هذا بكثير."

ضحكت إيما بخفّة، ثم مالت نحوها:

- "وأنا لدي فضول... من هم أولئك الذين كانوا ينظرون إلينا كأننا اقتحمنا أرضهم؟"

ابتسمت ميلينا ابتسامة جانبية خفيفة:

- "أعداء الصباح. ستتعرّفين عليهم عاجلًا أو آجلًا."

مرّتا عبر الساحة الخلفية، مرورًا بالمكتبة، المخابر، وقاعة الرياضة، وبين كل محطة وأخرى، كانت إيما تسأل أسئلة كثيرة... لكن بصوت هادئ، واحترام غريب.

ورغم تحفظ ميلينا، بدأت تشعر أن وجود هذه الفتاة الغريبة... ليس مزعجًا كما توقعت.لكنها مع ذلك تدرك انه عندما تعرف من تكون ستنفر منها كما البقية..

---

رنّ جرس المدرسة بنغمة عالية، ارتدت أصداؤها بين الجدران الطويلة التي ازدحمت بأصوات الطلاب وضجيج خطواتهم اللامبالية. في الطابق الثالث، وعلى الجانب الأيسر من الرواق الهادئ، كان الصف الثالث الثانوي العلمي "ب" يستعد لحصة الكيمياء.كانت الفتاتان قد انهيتا جولتهما و توجها الى فصلهما..

دخلت البروفيسورة مارتينا كروز إلى الفصل بخطوات ثابتة. كانت امرأة صارمة في منتصف الأربعينات، ذات شعر بني قاتم مرفوع بعناية إلى الخلف، وعينين رماديتين لا تفوتهما أدق الحركات. ارتدت معطفها الأبيض بعناية، وألقت نظرة دقيقة على الطلاب قبل أن تضع دفترها على الطاولة وتقول بصوت واضح:

- "صباح الخير، أيها السادة والسيدات."

ردّت الأصوات بتفاوت:

- "صباح الخير، بروفيسورا."

أخرجت ورقة مطبوعة من ملفّها، وبدأت تتحدث وهي تتجول ببصرها بينهم:

- "اليوم نبدأ مشروع الكيمياء الفصلي. لا مزيد من الشرح النظري. كل طالبين سيشكلان فريقًا، وستختارون موضوعًا من بين قائمة الأبحاث التي سأوزعها بعد قليل. التقييم سيكون عمليًا وبحثيًا."

ثم وضعت الأوراق على الطاولة، وأضافت بنبرة حازمة:

- "لديكم دقيقتان لاختيار الشريك."

بدأت الفوضى الصغيرة المعتادة. همسات، حركات عيون، إشارات بالإصبع، وضحكات خافتة بين الأصدقاء. كانت الشراكات تُعقد بسرعة، كأنها صفقة هشة قائمة على الارتياح لا الكفاءة.

في الزاوية الخلفية من الفصل، جلست ميلينا في مقعدها، دون أن تتحرك. لم تحاول الالتفات، ولم تنظر نحو أحد. كانت تعرف النتيجة سلفًا.

هي لم تكن جزءًا من هذا العالم المليء بالود الظاهري والمجاملات السطحية. الطلاب يتعاملون معها كأنها شائبة في صورة مثالية: متفوقة، لكن فقيرة؛ جميلة، لكن غامضة؛ مستقيمة، لكن لا تنتمي.

بعد دقائق، نظرت مارتينا إلى الفصل وقالت بنبرة حاسمة:

- "هل هناك من لم يجد شريكًا؟"

رفعت إيما يدها بتردد. كانت لا تزال جديدة، وهذا أول أسبوع لها في المدرسة. كانت تقف بجانب المقعد الأول، بملامح متوترة وشعرها الصّهبي ينسدل بانسيابية خلف كتفيها، بينما كانت عيناها الزرقاوان تبحثان عن مأوى اجتماعي في وجوه لا تعرفها.

رفعت الأستاذة بصرها نحو نهاية الفصل، ثم قالت:

- "ميلينا، وأنتِ؟"

أجابت ميلينا بهدوء بارد:

- "لم يتقدّم أحد."

قالت البروفيسورة دون تردد:

- "جيد. إيما، اجلسي بجانب ميلينا. ستشكلان فريقًا."

ترددت إيما لحظة، ثم توجهت نحو المقعد الخلفي وجلست بجانب ميلينا. ابتسمت بلطف وهمست:

- "سعيدة بالعمل معكِ."

لم تنظر إليها ميلينا، ولم ترد التحية. فقط تمتمت بصوت خافت، دون نبرة حقيقية:

- "هكذا قالت الأستاذة."

حاولت إيما التخفيف من التوتر:

- "أعرف أن الأمر مفاجئ، لكنني أعدكِ أنني سأجتهد. لا أحب أن أكون عبئًا."

نظرت ميلينا نحو السبورة، وأجابت بجفاف:

- "لا يهم. فلننجز المطلوب وكفى."

انكمشت ابتسامة إيما قليلاً، لكن لم يظهر على وجهها أي انزعاج. بدا أنها اعتادت على الحواجز الأولى.

في تلك اللحظة، بدأت الأستاذة تشرح المشروع:

- "سيتعيّن عليكم اختيار واحد من الموضوعات التالية: تأثير درجة الحرارة على سرعة التفاعل، استخدام التحفيز في التفاعلات الكيميائية، أو دراسة تحليلية لآثار الأحماض العضوية. المطلوب بحث ميداني وعرض شفوي خلال أسبوعين. ستجرى التجارب في المختبر الأسبوع المقبل."

دوّن الجميع التفاصيل، بينما اكتفت ميلينا بتثبيت عينيها في الفراغ أمامها، يدها تتحرك تلقائيًا على الورقة. إيما لاحظت شرودها.

قالت إيما بهدوء:

- "يبدو أنكِ تعرفين هذا جيدًا... أأنتِ متخصصة في الكيمياء؟"

ردّت ميلينا بعد لحظة صمت طويلة، دون أن تنظر إليها:

- "أعرف ما يكفيني لإنجاح المشروع. لا تهتمي."

سكتت إيما. تفحصت الفتاة التي بجانبها... شعرها البني الفاتح المربوط، عيناها الفريدتان التي لا تستقران طويلًا على وجه أحد، صوتها الرتيب، وطريقتها في كبح أي دفء إنساني.

ومع ذلك، كانت إيما تشعر بأن هذا الجدار ليس غلظة... بل دفاع.

جدار من الجليد، يخفي تحته شيئًا هشًا لا يريد أن يُكسر.

---

في جهة اخرى

عاد دانتي إلى المنزل بخطوات مثقلة، كمن يحمل في صدره أكثر مما تَسَعُه الأنفاس. كانت الساعة تقترب من الرابعة، والشمس تجرُ أشعتها الذهبية على البلاط الرخامي في الردهة. لم يكن المنزل صاخبًا، لكن السكون فيه يحمل يقينًا بأن أحدهم ينتظره... وكان إنزو هناك، كما توقع.

لم يكن والده في مكتبه المعتاد ولا في الطابق العلوي، بل جالسًا على أحد الأرائك في غرفة الجلوس، يحتسي قهوته التي لم تبرُد بعد، وكأنه لم يتحرّك منذ الصباح، وكأنّه علم بقدوم ابنه مسبقًا.

قال دون أن ينظر نحوه:

- "ظننت أنك ستتأخر أكثر... لكنك عدت مبكرًا، على غير عادتك."

خلع دانتي سترته بصمت، علّقها على الحامل الجانبي، ثم اقترب بهدوء يشبه ما قبل العاصفة:

- "ليس هناك ما يستدعي البقاء خارجًا."

رفع إنزو نظره ببطء نحو دانتي. عينيه الحالكتين كانتا تقرآن وجه ابنه ككتاب مفتوح، رغم أن الغلاف حاول أن يبدو صلبًا.

- "وصلني أن الشرطة داهمت الموقع."

نظرة دانتي لم تتغير، لكن عضلة في فكه انقبضت:

- "كنتُ دقيقًا... لا شيء يربطني بالمكان. وكل من كان هناك يعرف قواعد الصمت."

ابتسم إنزو نصف ابتسامة، وأمال رأسه للخلف:

- "نعم، لكنك نسيت قاعدة واحدة... 'الهدوء لا يضمن الأمان'، خاصة في سباق غير شرعي."

ثم أضاف وهو يرفع فنجانه:

- "لم أخبرك أن تتراجع... فقط أن تكون أذكى."

جلس دانتي على حافة الأريكة المقابلة له، مستندًا بمرفقيه على ركبتيه:

- "أخذت احتياطاتي، لكن الشرطة كانت أسرع... أو أنها كانت تعرف."

هز إنزو رأسه، ثم قال بعد لحظة:

- "ومن هزمك؟"

ارتفع حاجبا دانتي قليلاً، لم يتوقّع أن يكون الخبر قد وصله كاملاً.

ردّ بصوت خافت:

- "لا أعلم... لم تظهر ملامحها. كانت متنكرة بالكامل، وجهها مغطى، ملابسها بسيطة لا تلفت النظر، لكن قيادتها..."

توقّف، وكأنه يعيد المشهد في رأسه، ثم أكمل:

- "كأنها وُلدت بين الشوارع... تستخدم النيتروس كأنها تعرف متى تُطلق الدم من قلب السيارة."

ابتسم إنزو، لكن عينيه ظلّتا جادتين:

- "صوتها؟ لهجتها؟ هل قالت شيئًا؟"

هز دانتي رأسه:

- "قالت القليل... وحين كنا نهرب من الشرطة، رفضت أن أوصلها. قفزت من السيارة كما لو أن الهرب منها أولى من أي مأوى."

ضحك إنزو هذه المرة ضحكة خافتة، ممزوجة بالدهشة:

- "جميلة هذه الفوضى... لكنها خطيرة."

ثم رفع نظره إليه:

- "ما أقلقني ليس أنك أقمت السباق. أنت تعلم جيدًا أنني أحب السرعة أكثر منك... وأنني كنت في عمرك أتسابق تحت المطر، وبأضواء خلفية محطمة."

صمت لحظة، ثم أكمل بلهجة أكثر جدية:

- "ما يقلقني... أنك لم تتعلم بعد كيف تقرأ اللحظة. المجازفة فن يا دانتي، ومن لا يتقنها يصبح هدفًا سهلاً."

رد دانتي بصوت مبحوح:

- "لم تكن لدي نية لأخسر، لا في السباق، ولا أمام الشرطة."

- "لكنّك خسرت الاثنَين." ردّ الأب بثقل، ثم وقف واتجه نحو النافذة.

من هناك، كان يراقب ساحة الورشة المجاورة، حيث بدأ عماله استعدادهم لما بعد الظهيرة.

- "الناس لا يخسرون دائمًا بسبب ضعفهم... بل أحيانًا بسبب جهلهم بمن يواجهون."

استدار، ونظر إليه نظرة طويلة:

- "راقبها يا دانتي... من هزمتك ليست عابرة طريق.... انا اعرفك كما اعرف اسميو اعرف ان فضولك سيغلبك.... فانت ابني في النهاية.... "

ثم أشار برأسه إلى الخارج:

- "الورشة تنتظرك... لا تجعل إخفاق البارحة يسحبك إلى الخلف...فالحياة ربح و خسارة لكن المغزى منها ان تتعلم في كل مرة تسقط"

قال دانتي بصوت هادئ وهو ينهض:

- "لم أخسر تمامًا... لكنها جعلتني أطرح أسئلة لم أطرحها من قبل."

- "وهذا جيّد..." قال إنزو مبتسمًا بشيء من الاعتراف، "الأسئلة الجيدة، بداية خطوات خطيرة."

غادر دانتي نحو الورشة، وشعور غير مألوف يتسلّل إلى صدره... ليس الانهزام، بل الفضول. من تلك الفتاة التي دخلت مملكته... وخرجت دون أن تترك خلفها سوى شرارة؟

---

خرجت ميلينا من باب الثانوية بخطى هادئة، ووجه متعب يعلوه الصمت. السماء كانت رمادية اللون، كأنها انعكاس لما يدور في داخلها. جلبة المراهقين حولها كانت ضجيجًا بعيدًا، كأنها لا تنتمي لهذا المكان، لهذا العمر، ولا لهذا الصخب.

توجهت نحو بوابة السور الحديدي وهي ترتب كتبها بين ذراعيها، حين سمعت وقع خطوات خلفها. التفتت لتجد إيما تقترب، بخطى خفيفة ونظرة مترددة.

قالت إيما بصوت خافت:

- "ميلينا، انتظري..."

توقفت ميلينا وأدارت وجهها ببطء، دون تعبير محدد.

أكملت إيما، بابتسامة قلقة:

- "كنت أفكر... ربما علينا أن نتبادل أرقامنا؟ لأجل المشروع. أعني... إن لم يكن هذا مزعجًا."

ظلت ميلينا تحدّق فيها للحظة. تلك النظرة الطويلة التي لا تحمل حُكمًا ولا ترحيبًا، فقط حذر معتاد.

ثم أخرجت هاتفها بهدوء، وأعطتها رقمها. بادلتها إيما الرقم بدورها، ثم قالت:

- "أعلم أنني أبدو غريبة... وصمتي في الفصل لم يساعد. لكن شكراً لأنكِ لم تبتعدي عني."

ميلينا لم تبتسم، لكنها أومأت بلطف، وفي داخلها شيء يتحرك... شيء لم تجرؤ على تسميته بعد.

**

غادرت الثانوية باتجاه الطريق العام، يرافقها ظلّ قلقها الممتد منذ ليلة الأمس. خطواتها كانت بطيئة، كأن كل واحدة منها تحفر في الذكرى: صوت المحركات، ملامح دانتي المتجهمة، الصراخ، اللهيب في الإطارات... وماكس.

ماكس.

ذلك الاسم وحده يكفي ليربك نبضها. ماذا حلّ به؟ هل تعرّض للضرب؟ هل نُقل إلى مركز شرطة بعيد؟ هل فكر بأنها خانته؟ تركته؟

في لحظة، لم تعد تحتمل. توقفت على رصيف مهجور، أخرجت هاتفها بيدين مرتجفتين، وفتحت جهات الاتصال.

اتصلت.

رنّ الهاتف طويلاً، حتى جاءها صوته. مبحوحًا، متعبًا، لكنه حيّ.

- "ميلينا؟"

كادت تبكي عند سماع اسمه. لكنها تماسكت.

- "أين أنت؟ هل يمكننا... اللقاء؟"

صمتٌ صغير، كأنّه تردد أو رغبة مؤجلة.

ثم جاءها الرد:

- "بالطبع. دائماً."

**

جلسا على مقعد خشبي في الزاوية القصية من الحديقة المهجورة. ماكس كان هناك قبلها، كما توقعت. عيونه كانت عليها منذ أن ظهرت في الأفق، تمشي كمن تحمل العالم فوق كتفيها.

- "ظننتكِ ميتة..." قالها دون مقدمات، عينيه تلمعان رغم الضوء الرمادي.

جلست أمامه ببطء، كأنها تخاف أن تنهار في حضرته.

قالت بصوت خافت:

- "ماكس... أنا آسفة."

نظر إليها بصمت.

- "حين اقتحمت الشرطة المكان، كنتُ على وشك الوصول إليك. لكني رأيت دانتي... ذاك الغريب، يجرّك بعيدًا. ثم انقضّوا عليّ... ولم أستطع اللحاق بكما."

خفضت عينيها وقالت:

- "ظننتك لم ترني... حسبتُك تظن أنني... أنني تركتك هناك."

اقترب قليلًا، لم يلمسها، فقط صوته هو من اقترب:

- "لا. رأيتكِ. وشعرت بعجز تام. كل ما أردته لحظتها... أن أحلّ مكاني مكانك. أن أوقف كل شيء وأصرخ، لكن القيود كانت أسرع."

رفعت عينيها، الدموع تسكن مقلتيها لكنها لم تسقط.

- "كل هذا... بسببي. حتى السيارة... إحترقت العجلات تماماً. لقد... خذلتك."

ابتسم ماكس ابتسامة حزينة، كأنها تعكس شقوق قلبه:

- "تظنين أني أهتم للسيارة؟ كنت سأحرق أسطولاً كاملاً إن كان ذلك سينقذك."

قالت بصوت مبحوح:

- "لكنهم اعتقلوك. وأنا... كنت السبب."

أجاب بهدوء عميق:

- "أنا لم أفكر في نفسي. كنت أفكر بكِ فقط. كل ما خفت عليه... أن تكوني بخير. كنت سأفعل أي شيء لأضمن ذلك."

حدّقت ميلينا في عينيه، تبحث عن كلمات لتخفف وطأة الذنب الذي يعصر قلبها، لكنها لم تجد سوى همسات تائهة.

قالت بخفوت:

- "كل شيء انهار فجأة... كان يجب أن أبقى... كان يجب أن أعود من أجلك."

ماكس أطرق برأسه، ثم رفعه ببطء، والسكينة تكسو ملامحه رغم العاصفة الكامنة خلف عينيه. قال بصوت رصين:

- "أنت لستِ السبب في شيء. ما حدث لم يكن خطأك. نحن نعرف قوانين هذه الحياة، والمخاطر جزء منها."

ثم تنهد، ومال بجسده قليلًا للأمام:

- "ما يهم الآن، هو أنك بخير. هذا كل ما كنت أريده."

سكتت ميلينا، تنظر اليه تحاول معرفة ما يفكر فيه لكنها لم تجد سوى جدار هادئ، قوي، لا يمكن اختراقه.

تابع ماكس، نبرة صوته أكثر تماسُكًا مما شعرت به في أي وقت مضى:

- "أنتِ مثل العائلة بالنسبة لي، ميلينا. وأنا سأحمي عائلتي دائماً، مهما كلّف الأمر."

ثم نهض من على المقعد، يمرر نظراته إلى الشارع المجاور، كمن يريد الهروب من أي لحظة قد تكشفه.

أما هي، فوقفت بصمت، وأومأت برأسها دون أن تنبس ببنت شفة. لم تعلّق على كلماته، هي ايضا تعتبره عائلتها الشخص الوحيد الذي تثق به

سارا معًا في صمت قطعته هي بكلامها

«سعيدة انك بخير... تعلم انك ايضا عائلتي الوحيدة ماكس...»

سكتت لحظة ثم شهقت تتذكر عملها بينما هو ناظرها باستغراب

«لينا هل هناك مشكلة..»

«يا الهي لقد نسيت امر الوظيفة.... تبا لقد تاخرت... ماكس علي الذهاب اعتني بنفسك و ارتح جيدا لانك تبدو كالمومياء تماما..» غمزته نهاية كلامها تقبل خده ثم انطلقت راكضة.. اما هو فقد اكتفى بالضحك على تصرفاتها العفوية التي تظهرها بجانبه فقط بينما يراقب اختفاءها.... تنهد من ثقل مشاعره ثم انطلق الى وجهة غير معلومة

---

كان الهواء في الورشة مشبعًا برائحة المعدن والزيت، يمتزج فيها الدخان الخفيف المنبعث من العوادم مع أزيز الأدوات، كما لو أنّ للجدران هنا صوتًا خاصًّا لا يصمت أبدًا.

خطت ميلينا أولى خطواتها في الداخل بتردد خفيف، ترتدي قميصًا رماديًا فضفاضًا فوق بنطال العمل، بعدما أعطاها أحد العمّال المفاتيح ودلّها على خزانة الأدوات. لم تكن تعرف أسماءهم بعد، لكنهم لم يبدوا عدائيين، فقط مشغولين... تمامًا كما أرادت.

أزاحت خصلةً تمردت على ربطة شعرها، وتقدمت نحو السيارة التي أُوكل لها أن تبدأ العمل عليها - طراز قديم بعض الشيء، لكنه أنيق، يقف هناك وكأنه يطلب الاهتمام.

استنشقت بعمق، ثم أطلقت زفيرًا طويلاً وكأنها تطرد كل الأصوات من رأسها. كانت بحاجة للتركيز، للهروب من أفكار البارحة، من عيون الشرطة، من خطوات دانتي وهي تجرها بعيدًا، ومن الذنب الذي ينهشها بسبب ماكس.

رفعت غطاء المحرك، وبدأت.

أصابعها تحركت برشاقة متمرسة، وكأنها تستعيد شيئًا مألوفًا لم تبتعد عنه يومًا. نظرت إلى البنية الداخلية، صامتة، ثم همست لنفسها:

- "حسنًا... دعينا نرى ما بكِ."

مر الوقت، وتبدلت نبرات الورشة. ارتفع صوت آلة اللحام من الركن المقابل، مرّ أحدهم بجانبها وهو يحمل إطارًا ضخمًا، وآخر يجر صندوق أدوات. لكنها كانت كالغائبة، منهمكة. خيوط من العرق ظهرت على جبينها، وعيناها لم تتركا العمل ثانية واحدة.

حتى تلك اللحظة...

حين انفتح الباب الجانبي للورشة بعجلةٍ، وصدح صوت خطوات ثقيلة على الأرضية الخرسانية.

لم ترفع نظرها أول الأمر، ظنّت أن أحدهم عاد من استراحة. لكنها سمعت صوتًا مألوفًا، جهوريًّا وهادئًا بذات الوقت:

- "هذا ما كنت أعمل عليه البارحة... جربت إعدادات جديدة لضغط الوقود."

تجمدت يداها فوق المحرك، وتوقف كل شيء بداخلها للحظة.

ذلك الصوت... لا يمكن أن تخطئه.

رفعت رأسها ببطء، بقدر ما تحتمل أعصابها المتوترة، ثم أدارت وجهها.

كان يقف عند المدخل.

دانتي نافارو.

بجانبه... رجل بشعر اسود كثيف يتخلله بعض الشيب وسترة جلدية مفتوحة لقد تعرفت عليه - انه إنزو، والد دانتي، وصاحب الورشة.

تقدّما معًا، يتحادثان بصوت منخفض. لم يرها دانتي بعد، لكن اللحظة التي التقت فيها عشبيتيه مع زرقة و عسلية عينيها، تغيّر كل شيء.

توقفت خطواته.

شحب وجهه للحظة، كأنما انفلت شيء في داخله، وتجمّدت ملامحه بين الدهشة والحذر.

ميلينا أيضًا اتسعت عيناها. قلبها ضرب صدرها بقوة.

الضوء العلوي فوقها انعكس على الزيت الذي لطخ كُمّها، وشعرها المربوط كشف عن عينيها بوضوح... لم تكن متنكرة هذه المرة، ولا مختبئة بين ظلال الليل.

كانت هي، بكلّ تفاصيلها.

كانت المفاجأة صاعقة لدرجة أن إنزو نفسه شعر بتبدل الأجواء. التفت إلى دانتي، ثم إلى ميلينا، حاجباه ارتفعا قليلًا:

- "تعرِفها؟"

لكن دانتي لم يجب.

ولم تتكلم ميلينا أيضًا.

صمتٌ ثقيل سقط على المكان... لا صوت يُسمع سوى أزيز خفيف من جهاز في الخلفية، وصوت عدّة سقطت بعيدًا.

كان الزمن قد توقّف، ولو لوهلة، بين شابين لم يكن ينبغي لهما أن يلتقيا بهذا الشكل... ولكن القدر، على ما يبدو، كان يكتب فصلاً آخر - بلا مقدمات، وبلا رحمة.

يتبع

---

هلو 👋نلتقي مرة اخرى في فصل جديد

كيف كانت الاحداث

القفلة

الشخصيات

حرفيا ميلينا حبيتها هي مفضلتي

ماكس المز

دانتي 🙄

انزو كتلة الفخامة

ليو ما يكون نفسه ان لم يسخر

ايما حبيبتي الكيوت

بتمنى يكون عجبكم الفصل

نلتقي المرة القادمة

لا تنسوا التعليق بين الفقرات

دمتم في رعاية الله

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Pulse under the wheels

المؤلف Aryane Styla
2025/08/06 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة