في زحمة الحياة، هنالك لحظات لا تُنسى، تنغرس في الذاكرة كما تنغرس الأشواك في راحة اليد. لحظات تسرق الأنفاس، لا لروعتها، بل لثقلها. نلتقي بأشخاص لا نعلم أنهم سيكونون محاور تغيّر مصائرنا. نغضب، نحزن، نشتعل، نهرب، نتصادم، وفي خضم كل ذلك، نحن لا نعيش فحسب، بل نتبدل. كيف يمكن لنظرة، أو صدمة، أو حتى سؤال بسيط، أن يشعل فينا حريقاً لا يُطفأ، ويعيد تشكيل ما نظنه ثابتاً فينا. هنا حيث يتقاطع المجهول بالماضي، والوجع بالحنين، تتولد الشرارة... لتبدأ رحلة لا رجوع فيها
************
"بعض اللقاءات ليست مصادفات...
بل بوابات تُفتح على عوالمٍ حاولنا دفنها.
هناك نظرات لا تدقّ الباب، بل تقتحم الذاكرة...
وهناك غرباء، حين يعودون إلى حياتك، لا يأتون ليمرّوا، بل ليشعلوا الرماد الراكد في داخلك.
وفي قلب الصمت، حيث لا تُقال الكلمات، تنشب الحروب.
هناك، في الورشة... التقت نظرتان، كلٌّ منهما تحمل جرحًا، سؤالًا، وشرارة ستشعل ما لم يكن في الحسبان."**
---
دخل دانتي إلى الورشة مع أنزو، خطواته واثقة كعادته، لكن ما لبث أن توقفت قدماه فجأة.
عينيه وقعتا على هيئة مألوفة... لم يكن يتوقع رؤيتها مجددًا، ولا بهذه الطريقة.
ميلينا.
واقفة بجانب إحدى الطاولات المعدنية، ترتّب أدواتها بتركيز، تتفقد المحرك أمامها، وعيناها ترفض النظر إلى الوافدين الجدد... كأنها شعرت بوجوده قبل أن تراه.
لحظة الصدمة بينهما كانت صامتة... لكنها ثقيلة، قاتلة. شيء ما ارتعش في صدر دانتي، كأن ذاكرة السباق أعادت نفسها في لقطة بصرية واحدة. كانت هي... نفسها.
وقف أنزو لحظة، ناظراً إلى الاثنين بعين متمرّسة. رأى تلك النظرات المتبادلة. شعر بذلك التوتر المكشوف رغم محاولات الإنكار.
قال بهدوء، بصوتٍ خالٍ من الانفعال، كأنما يرمي حجرًا في ماء ساكن:
- "هل تعرفان بعضكما؟"
لم تجبه ميلينا. شدّت على قطعة قماش كانت تمسك بها، ومسحت بها آثار الزيت من بين يديها، دون أن ترفع عينيها.
أما دانتي، فقد زفر، وقال:
- "يمكننا قول ذلك..."
ابتسم أنزو بتلك الطريقة الغامضة التي اعتادها، دون تعليق.
- "حسنًا... ميلينا، هذه الورشة الآن بيتك الثاني. وهذا ابني... دانتي."
ثم التفت إلى دانتي:
- "وهي الموظفة الجديدة التي حدثتك عنها."
كأن شيئًا ما في تلك الجملة أراد به أن يضع نهاية للصمت، لكن النار كانت لا تزال مشتعلة تحت السطح.
لحظات مرت، قطعها دخولٌ مفاجئٌ وحيويٌّ:
ليو.
- "أوه، صباح الخير أيها الملوك... هل بدأت حفلتكم بدوني؟"
دخل بخفة دم معروفة، لكنه سرعان ما توقف عندما لمح ميلينا.
- "لحظة...من هذه الحسناء؟ هل قررت اخيرا ان تزين الورشة ببعض الذوق الانثوي؟ "
اقترب خطوة، رفع حاجبيه بدهشة، ثم نظر إلى دانتي، ثم إليها، ثم مجددًا إلى دانتي.
- "هل أنا الوحيد الذي يشعر أن... أن هذه الفتاة تبدو مألوفة بشكلٍ غريب؟"
ميلينا تنهدت، وأكملت عملها بهدوء، متجاهلة نظراته الفضولية.
ليو نظر إلى دانتي بنصف ابتسامة:
- "لا تخبرني... لا، لا... لا تقل لي إن هذه هي نفس الفتاة التي أطاحت بك في السباق!"
ابتسم بخبث وهو ينظر إلى ميلينا:
- "يا إلهي، نحن في ورشة تُدار الآن من قبل ملكة السباق المقنّعة!"
دانتي تمتم بضيق:
- "ألا يمكنك أن تصمت يومًا واحدًا فقط؟"
لكن ميلينا، رغم انزعاجها، لم ترد بشيء. كانت تعلم أن أي ردّ سيكون إشعالًا إضافيًا للنار. لكنها أيضًا لم تكن من النوع الذي يتهرّب.
قالت بهدوء وهي تنظر إليه مباشرة:
- "لم يكن سباقًا... كانت لحظة فقط. مرّت وانتهت."
رد دانتي، وقد اقترب منها ببطء، صوته خافت، حاد:
- "انتهت؟ لا أظن... بعض اللحظات تترك ندوبًا، لا تنتهي."
ابتسم ليو مستمتعًا:
- "آه، أحب هذا النوع من التوتر! استمروا، أحتاج إلى فشار."
**
بدأ الجميع أعمالهم في الورشة، لكن الجو ظل مشحونًا. دانتي لم يكف عن مراقبتها بطرف عينه.
في كل حركة تقوم بها، في كل شدّة برغي، في كل لمسة على المحرك... كان يبحث عن إجابة.
من هي؟ ولماذا ظهرت الآن؟
وحين سنحت له فرصة قريبة منها، قال بنبرة هادئة، لكن مليئة بالفضول:
- "من علّمك كل هذا؟"
ردت دون أن تنظر إليه:
- "الخبرة... وبعض الوجع."
أجابه، واقفًا بجوارها:
- "الوجع يصنع الكثير... لكنه لا يصنع الغموض. أنتِ تحملين أكثر مما تقولين."
نظرت إليه أخيرًا، هذه المرة بعينين حادتين:
- "وربما أنت لا تقرأ سوى ما تريد رؤيته."
تدخل ليو من بعيد:
- "أوه، دانتي، أظن أنك وجدت أخيرًا من يكسر غرورك!"
**
عندما حان وقت انتهاء الدوام، كان التعب قد بدأ يظهر على الجميع.
ميلينا أمسكت بزجاجة ماء، وغسلت يديها بصمت. دانتي وقف في الزاوية، يراقبها، لكن دون أن يقترب هذه المرة.
ليو مال عليه وقال ساخرًا:
- "هل ستقف هناك كل يوم مثل قط غارق في الحيرة؟"
رد دانتي بهمسٍ لم يخلو من الضحك:
- "إنها... مختلفة، ليو. لا أعرف كيف أشرح الأمر، لكنها... ليست مجرد موظفة جديدة."
**
وقبل أن تغادر الورشة، توقفت ميلينا لحظة عند الباب، التفتت إلى الداخل، نظرت إلى الجميع، ثم خرجت... تاركة وراءها دخانًا من التساؤلات.
**
---
كان الغروب قد بدأ ينسج خيوطه الذهبية على حواف السماء حين خرجت ميلينا من الورشة.
يدها اليمنى تمسح عَرقًا لطّخ جبهتها، بينما الأخرى تعبث بحقيبتها المتسخة قليلاً ببقايا الشحم. الهواء يحمل نكهة المعدن والزيت، يلتف حولها، يعانقها وكأنما يرفض أن يتركها تغادر تلك الأجواء القاسية التي بدأت تعتادها.
عيناها لا تبتسمان، شفتيها جادتان، وجسدها يسير كمن يحمل ثقل العالم على كتفيه.
لكن الأثقل من كل ذلك... هو الحضور المفاجئ لذاك الشخص.
"دانتي نافارو..."
اسمه ارتطم بجدران عقلها كارتداد موج على صخرة.
"أيّ عبث هذا؟ أهو صدفة أم حسابات دقيقة من القدر؟"
**
لم تكن تعلم أن خطواتها تُراقب.
على الرصيف المقابل، كان دانتي يسير إلى جوار ليو، يخفض رأسه تارة، ويرفعه تارة، متظاهرًا باللامبالاة، بينما عينه لم تتركها قط.
قال ليو بصوت منخفض وهو يتأمل المعطف الرمادي الذي يغطي جسد ميلينا النحيل:
- "لا أُصدّق أنك تجرّني خلف فتاة وكأننا في مشهد من فيلم بوليسي رخيص."
رد دانتي وهو يضغط على قبضته داخل جيب سترته:
- "هناك ما تخفيه، ليو. لستُ ألاحقها بدافع الفضول... بل بدافع الحقيقة."
ليو يضحك بخفة، يلتفت نحوه:
- "هل تسميها الحقيقة؟ لأنني أرى في عينيك شيئًا آخر. قل لي... هل تخاف أن تكون قد هُزِمت على يد شخص لا تستطيع نسيانه؟"
لم يجب دانتي. كان يراقب كل تفصيلة في خطوات ميلينا، وكأنّه يحاول قراءة قصّة لا تُروى بالكلمات.
**
ميلينا توقّفت عند زاوية ضيقة قرب موقف الحافلات القديم. فتحت هاتفها الذي أضاء بخفة، وسرعان ما اهتز بين يديها.
رسالة.
من إيما.
> "مرحبًا ميلينا 🌸 أردت فقط أن أتأكد من أن موعدنا نهاية الأسبوع لا يزال قائماً. لديّ أفكار رائعة للعرض! سأجلب الشوكولاتة، وسأُريك ألبومي الفني!"
ميلينا حدّقت في الشاشة للحظات، ثم كتبت ببطء:
> "السبت بعد الظهر يناسبني. أرسلي العنوان لاحقًا."
ضغطت زر الإرسال، وأعادت الهاتف إلى جيبها، ثم سارت بخطى أبطأ.
عينها على الطريق، لكن عقلها... في الورشة.
في السباق.
في نظرات دانتي المتسائلة.
**
وراءها، قال ليو بفضول:
- "هي لا تبدو خائفة... بل أشبه بشخص اعتاد المطاردة."
رد دانتي بهدوء:
- "أو شخصٌ سئم أن يُلاحق، فبدأ يسير أمام ظله."
**
أمام مبنى قديم من أربع طوابق، بأبواب حديدية صدئة وجدران رمادية متشققة، توقفت ميلينا.
المكان لا يشبه فتاة بعينيها المتقدتين.
لكنه يشبه تاريخًا مثقلًا بالخسارات.
ويشبه صمتًا تعلّمت أن تنمو في ظله.
تقدّمت نحو الدرجات بصمت، تسبقها أنفاسها المتعبة.
**
قال ليو وهو ينظر نحو المبنى:
- "هنا؟ لم أتخيل مطلقًا..."
أكمل دانتي وهو يحدق بباب الشقة الذي دخلته ميلينا:
- "لا شيء فيها يشبه التوقّعات، أليس كذلك؟"
ليو نظر إليه بطرف عينه:
- "وأنت... هل بدأت ترى ما لا يُقال؟"
ابتسم دانتي دون أن يرد، تلك الابتسامة الغامضة التي تقول أكثر مما تخفي.
عيناه ما تزالان معلّقتين في الظلال التي ابتلعت ميلينا.
قال بصوت خافت:
- "اسمها فوكس... ميلينا فوكس."
ثم همس، كأنّما يختبر طعم الاسم على لسانه:
- "الثعلبة..."
ضحك ليو:
- "ها نحن نبدأ بفصول الجنون."
ابتسم دانتي أخيرًا، ابتسامة خفيفة لا أحد يراها سوى الليل.
---
أغلقت ميلينا باب شقتها خلفها بهدوءٍ مفرط، كأنها تخشى إيقاظ شيءٍ ينام في الداخل...
أو ربما شيءٌ تستميت لإبقائه نائمًا داخلها.
استندت للحظة إلى الباب الخشبي، وعيونها تنظر للفراغ.
كأن جدران المكان تسألها: "ماذا جرى؟ ما كل هذا الاضطراب فيك؟"
نزعت سترة العمل، وعلّقتها بإهمال على مقبض الكرسي، ثم مشت ببطء إلى الطاولة الصغيرة التي احتضنت أوراقها، دفاترها، وحياتها الأكاديمية التي كانت تهرب إليها من كل شيء.
جلست، فتحت كتابها.
عنوان الفصل: عوامل النهضة الاوروبية
لكن كلمات الصفحة بدت كأنها حروف مبعثرة داخل بحرٍ من وجوه...
وجه دانتي نافارو.
كان يطاردها في صمت الصفحات، في انعكاس الكوب على الطاولة، في صدى أنفاسها.
> "لماذا هو؟ ولماذا الآن؟"
طوت الصفحة، وأغلقت الكتاب بقوةٍ لم تقصدها.
دفنت وجهها بين كفيها.
مشهد الورشة لا يزال طريًا في ذهنها: تلك اللحظة التي التقت فيها عيناهما... الصدمة، التوتر، الموجات الكهرومغناطيسية التي انبعثت في الهواء.
كان بإمكانها أن تُنكر كل شيء، إلا ذلك الشعور... شعور أن العالم توقف، للحظة، فقط ليتسنى لها أن تسمعه يقول:
> "أنتِ..."
رفعت عينيها نحو السقف وكأنها تستجدي السكينة.
لكن الذاكرة خذلتها.
نهضت من على الكرسي، سارت بلا هدف في الشقة الضيقة.
اقتربت من النافذة، فتحتها.
نسيم المساء لفح وجهها، عابقًا برائحة الحقول البعيدة والقطارات التي تعبر المدينة.
رفعت عينيها نحو السماء، متسائلة:
> "أهي صدفة أم قدر؟"
"لماذا دائمًا هناك شخص يحاول كسر جدار بنَيتُه؟"
عادت إلى مكتبها، لكنها لم تعد إلى الكتاب.
بل سحبت دفترًا صغيرًا خاصًا، أخرجته من أحد الأدراج، وفتحته على صفحة بيضاء.
ثم كتبت:
> "قائمة الراتب الأول:"
- دفعة الإيجار
- شراء كتب الفصل القادم
- سترة شتوية
- أدوات إصلاح للورشة
- تعديل سيارة ماكس، سرًا.
توقفت عند السطر الأخير.
ثم، بلا تفكير، رسمت بجانبه نجمة صغيرة، وابتسمت بخفة.
**
لكن الابتسامة ما لبثت أن تلاشت، لتحلّ محلها نظرة طويلة مفعمة بالحُنين.
لقد وعدته ذات يوم.
> "حين أستطيع الوقوف على قدميّ... سأعيد لك كل ما أعطيتني."
وأعادها عقلها إلى الوراء، إلى أول لقاء...
إلى تلك اللحظة التي غيّر فيها ماكس حياتها إلى الأبد.
---
فلاش باك - أول لقاء
كانت السماء رمادية، والمطر ينهمر بنعومة.
الطفلة ميلينا، في السادسة من عمرها، تسير وحيدة في شارعٍ خلف المدرسة، وجهها شاحب وعيناها تنظران الى الارض كي لا تجلبان الانتباه بلونيهما كانت قد تسللت من الميتم لتاتي و تراقب الاطفال و هم يدرسون تتمنى لو كانت مكانهم و بينهم هي ايضا
ثم فجأة ارتطمت بأربعة أولاد سرعان ما احاطوا بها ، و بدأوا يضحكون و يسخرون،
- "انظروا ماذا لدينا هنا !"
- "ماذا تفعلين هنا ايتها الصغيرة ؟"
-"هيا افرغي ما بجيوبك و سندعك تذهبين؟ "
-"لا اظن ان لديها شيئا انظر لحالها... تبدو متشردة؟"تحدث ولد آخر ينظر لها بتقزز
-"لما تراقبين المدرسة كل يوم ايتها المتشردة؟ "
-"عينيك غريبة حقا؟ هل انت وحش؟ "علق ولد آخر يدعي الخوف
بينما هي كانت خائفة... لم تركض.
رغم الوجع، رغم الخوف، لكنها بقيت صامدة رمقتهم بنظرات حادة ارادت فتح فمها و الرد
وفجأة، وقف فتى أمامهم. يبدو في العاشرة من عمره
شعره مبلل، عيناه ثاقبتان، وملامحه مشدودة.
ماكس.
قال بصوتٍ واثق:
- "ما الذي تفعلونه عندكم؟ "
التفتوا جميعا له بينما نطق قائدهم بسخرية "لا شان لك يا هذا هيا انصرف؟".
رفع حاجبه ثم نبس" اربعة اولاد ضد فتاة... اوه.. انتم حقا اجبن مما تخيلت "
"ماذا قلت... ساريك" حاولوا ان يهجموا عليه
لكن ماكس، برغم صغر سنه، هجم كالإعصار.
لكمات، صراخ، وركلات...
سقط أحدهم، ثم الثاني تعلقت به ميلينا و سحبت شعره، أما الثالث فهرب لكن ماكس لحق به و ابرحه ضربا..
وقف وهو يلهث، ويده تنزف قليلًا.
ثم نظر إليها، وقال:
- "لا تقلقي... أنا هنا."
سكت قليلا ثم اضاف
-"ههه... الهي انتي شرسة حقا... "
سألته بخفوت:
- "لماذا ساعدتني؟"
أجاب ببساطة:
- "لأنني أكره الجبناء... وأحب الأشخاص الذين لا يهربون."
ثم سالها عن سبب تواجدها في هنا كل يوم و تكتفي بالمراقبة فقط لذا اخبرته عن رغبتها في الدراسة لكنها في ميتم قديم و لا يدرسونهم هناك
ومنذ ذاك اليوم، لم يبتعد عنها أبدًا.فبالرغم من ان عائلته فاحشة الثراء لكنه لم ينظر لها سوى انها انسان مثله
علمها كيف تركل، كيف تتصدّى، كيف تُخفي الخوف بابتسامة...و ايضا جعلها تدرس بمنحة بمساعدة والده دون ان تعرف بالامر
ثم، ذات مساء، عرّفها على عالمه:
السيارات.
أخذها إلى ورشة قديمة مهجورة، حيث كان يتدرّب مع والده، وأراها أول محرك.
قال:
- "اسمعي... هل تشعرين بذلك؟ هذا نبض السيارة. كل ما تحتاجينه أن تصغي إليه."
- "مثل القلب؟"
- "بالضبط."
---
عودة إلى الحاضر
سقطت دمعة صامتة على خد ميلينا.
لم تكن حزينة... بل ثقيلة، محمّلة بكل ما مرّ.
نهضت، غسلت وجهها، عادت إلى مكتبها.
أخذت نفسًا عميقًا، وفتحت كتاب التسويق من جديد.
> "ماكس... أنا مدينة لك بقلبي، وأنا لا أُدين لأحد."
"سأعيد لك كل شيء... بطريقتي."
لكن صوتًا ما في داخلها همس لها:
> "وماذا عن دانتي؟ ما الذي يعيدك إليه رغمًا عنك؟"
**
كان الليل قد غطّى المدينة بوشاحه الداكن، يقطع سكونه صوت المحركات من بعيد، ونبض النيون الأحمر المنبعث من لافتة الورشة التي ما زالت مضاءة رغم إغلاق الأبواب الأمامية.
في الداخل، كانت غرفة الاجتماعات الخلفية مظلمة إلا من مصباحٍ يتدلّى من السقف، يتمايل قليلاً مع تيار الهواء القادم من نافذةٍ نصف مفتوحة، ملقيًا ظلالًا متراقصة على وجهي دانتي وليو.
جلس دانتي على طرف الطاولة، يتأمل ورقة بيانات أمامه. عيناه سارحتان، لكن عقله في مكان آخر تمامًا... وجه ميلينا ما زال يطفو بين عينيه، نظراتها، برودها المتعمّد... وغموضها الذي يستفزه حدّ الهوس.
قال ليو، وهو يعبث بمفتاح معدني بين أصابعه:
- "أنت لم تنبس بكلمة منذ عُدنا..."
صمت.
ثم ابتسم ليو بتلك النبرة التي تجمع بين الفضول والسخرية:
- "أهي تلك الفتاة؟ ميلينا؟"
رفع دانتي عينيه ببطء، لم يجب.
واصل ليو، بنبرة أكثر جدية:
- "أعلم أنك تشك بها... وأنا أيضًا. لكن لا تنسَ، يا صديقي، أنها قد تكون خيطًا... أو فخًا."
دانتي:
- "هي ليست مثل الباقين..."
ليو، مبتسمًا:
- "أوه، هذا مؤكد. لم أرَ فتاة تركلك في سباق وتحافظ على هدوئها كما لو أنها لم تفعل شيئًا."
دانتي، بصوت منخفض:
- "برودها ليس طبعًا... بل درع. أعرف هذا النوع."
ليو اقترب قليلًا، ثم همس:
- "وهذا النوع عادةً... يخفي شيئًا."
لحظة صمت ثقيلة.
ثم فُتح الباب الخلفي، ودخل إنزو.
هيبة الرجل سبقت خطواته. ملامحه المتزنة، عينيه الثاقبتين، وكتفاه اللتان تحمِلان ثقل العالم. جلس على رأس الطاولة، وضع مفكرته الجلدية أمامه، ثم نظر إلى ابنه، ثم إلى ليو.
- "حدّثاني."
دانتي تبادل النظرات مع ليو، ثم قال بهدوء:
- "لا شيء جديد حول المرسل المجهول... ولا حول التسريب الأخير."
إنزو، بنبرة هادئة لكنها مشبعة بالغضب المكتوم:
- "التسريب كلّفنا صفقة كانت ستُغلق غدًا. هذه ليست مسألة بسيطة... إنها خيانة."
ثم أدار وجهه نحو دانتي.
- "أعلم أنك كنت منشغلًا بسباقك... وباللقاء المفاجئ مع موظفتنا الجديدة."
- "لكن هذا لا يبرّر التشتت."
تشنّج فك دانتي.
- "ميلينا ليست مجرد موظفة، أبي... هناك شيء لا يتطابق."
ليو تدخّل، متفاديًا الاصطدام:
- "أعتقد أنها ليست عشوائية. فتاة غامضة، تظهر فجأة، تتقن الميكانيكا والقيادة، وتنهزمنا في سباق... ليس صدفة."
إنزو أسند ظهره على المقعد، وساد صمت عميق، قبل أن يتكلم بكلمات بطيئة موزونة:
- "كل شخص يدخل حياتك في لحظة حساسة، إما رسول للنجاة... أو رسول للهلاك."
ثم نظر في عيني دانتي مباشرة:
- "السؤال هو... هل أنت مستعد لاكتشاف أيهما تكون؟"
دانتي ضغط على قبضته، ثم قال بصوت خافت:
- "أريد مراقبتها بنفسي."
هزّ إنزو رأسه.
- "راقب... لكن لا تنجرف. من يراقب النيران عن كثب، إما يراها بوضوح... أو يحترق..."
**
تقدّم ليو، وألقى ملفًا على الطاولة.
- "هنا تفاصيل آخر عملية تمت من دون إذن مباشر. جهة مجهولة، تشبهنا من حيث الأسلوب. هذه ليست صدفة... أحدهم يحاول نسخنا."
إنزو تصفح الملف، ثم قال ببطء:
- "العدو هذه المرة لا يهاجم بالسلاح... بل بالأفكار. بالمعلومات."
ثم أكمل، ناظرًا للورقة أمامه:
- "من داخلنا."
صمت.
**
دانتي قال فجأة:
- "وماذا لو كانت ميلينا مجرد ورقة؟ مرسلة من قبل أحدهم... ليكسب ثقتنا أو... يشتت أنظارنا."
إنزو رفع عينيه نحوه:
- "الاحتمال قائم. لكننا لا نبني حكمًا على الظلال. نحتاج ضوءًا...و ايضا لا تحكم على الكتاب من غلافه و لا السيارة دون فتح غطائها "
**
ليو ابتسم بخبث:
- "أنا أحب الظلال... إنها تقول الحقيقة أكثر من الضوء أحيانًا."
**
صمت جديد.
ثم قال إنزو:
- "سنمضي بخطتين. دانتي، أنت تظل قريبا من ميلينا. لا تقترب أكثر من اللازم... ولا تبتعد. راقب."
- "ليو، تابع حركة المخزون في الفروع الثلاثة. إذا كان هناك خائن، سيظهر أثره في سجل الصيانة أو التحويلات."
ثم نهض، وأغلق مفكرته.
- "الغموض لا يُخيفني... الغفلة هي العدو الحقيقي."
**
خرج إنزو، تاركًا خلفه جوًّا مشحونًا بالتساؤلات.
نظر ليو إلى دانتي، ثم قال وهو يضحك:
- "هل قلتُ لك من قبل... أنني أكره النساء الغامضات؟"
دانتي، وهو يتطلع إلى المكان الذي اختفى فيه إنزو:
- "وأنا... لا أستطيع تجاهلهن."
**
---
منتصف الليل - ضواحي مدريد - داخل سيارة دانتي
المدينة خلفه... والليل أمامه، يمتد مثل طريقٍ لا نهاية له.
كان يقود سيارته السوداء بسرعة متوسطة، النوافذ نصف مفتوحة، ونسمات الليل الباردة تتسلل إلى داخله كأنها تُنعش قلبًا أنهكته التساؤلات.
موسيقى إسبانية خافتة تصدح من مذياع السيارة... ناي منفرد يتسلل بين ضربات إيقاع الجيتار.
كل شيء كان هادئًا... إلا ذهن دانتي.
أمسك بالمقود بإحكام، ونظره شارد في الطريق أمامه، بينما تمر أعمدة الإنارة واحدة تلو الأخرى، كأنها عدّاد أفكاره المتصاعدة.
**
(صوته الداخلي، بصوت خافت):
"ميلينا فوكس... فوكس... الثعلبة."
ابتسم لنفسه بسخرية، وهزّ رأسه.
- "طريقتها في التهرب... في الرد، في تجاهلي. كل ذلك مدروس. لا أحد يشيح بنظره بتلك البرودة إلا إذا كان يُخفي شيئًا."
ضغط بقدمه على البنزين قليلًا...
السيارة تعوي كوحشٍ جائع، لكنّه لا يهدأ.
- "من تكونين حقًا؟ وكيف استطعتِ أن تخترقي عالمي دون أن أسمح لك؟"
**
فلاش خاطف يعبر ذهنه:
نظراتها داخل الورشة... لم تكن نظرة عادية. كانت تعرف من هو، لكنها لم تنحنِ، لم تتراجع، ولم تخف.
نظراتها... تثير فيه شيئًا لا يستطيع تحديده. شيءٌ أقرب إلى التحدي... أو الهوس.
**
أوقف السيارة جانب الطريق، أطفأ المحرك، وفتح نافذته تمامًا.
أسند رأسه على المقعد ونظر إلى السماء.
- "الثعلبة..."
قالها وكأنها اسم سرّي، لا يليق إلا بها.
- "سريعة... حذرة... ذكية. وتعرف متى تختفي."
ابتسم ابتسامة باهتة، ثم قال بنبرة خافتة:
- "ولكن حتى الثعالب... تترك آثارًا خلفها."
**
أخرج هاتفه من جيبه، تردّد لحظة، ثم فتح ملف الموظفين.
اسمها واضح، بسيط، لكنه يحمل تحت حرفه الأول أسئلة لا تنتهي.
- "ميلينا فوكس..."
قرأ الاسم مرة أخرى، بصوتٍ خافت، ثم أغلق الملف.
**
عاد إلى المقود، أدار المحرك، وانطلقت السيارة مجددًا.
لكن هذه المرة، لم يكن يقود فقط بسيارة... بل يقود خلف لغز.
لغزٍ يرتدي وجهاً هادئاً... ويخبّئ بين عينيه عاصفة كاملة.
**
وفي اللحظة التي عبر فيها المنعطف نحو الطريق الساحلي، تمتم دانتي:
- "سنرى من يسبق من، أيتها الثعلبة..."
**
---
صباح اليوم التالي - ساحة ثانوية فاليريان
كانت السماء رمادية، مشبعة برطوبة لزجة، والهواء يحمل رائحة مطرٍ لم ينزل بعد.
مئات الطلبة يتزاحمون في الساحة، ضجيجهم يتصاعد كنبضات قلبٍ متسارعة.
في أقصى الساحة، كانت ميلينا تمشي بخطواتٍ هادئة، حقيبتها على كتفٍ واحد، وملامحها جامدة كأنها درعٌ زجاجي شفاف... تراه ولا تصل إليه.
كان شيءٌ في حركتها يُوحِي بأنها لا تنتمي لهذا المكان. كأنها تسير فيه... لا إليه.
من خلفها، لاهثةً وخفيفة الخطى، لحقت بها إيما، تمسك بكتبها على صدرها كمن يخشى أن تتلاشى فرصته.
- "ميلينا! انتظريني، أرجوك!"
قالتها بصوتٍ يختلط بالحماس واللهاث، وتسللت إلى جانبها بخفة.
**
أدارت ميلينا وجهها نحوها ببطء، لم تظهر الضيق... لكنها لم تظهر الفرح أيضًا.
- "مرحبًا، إيما..."
ردت بهدوء، وكأنما الكلمة خرجت رغمًا عنها.
إيما ابتسمت ببراءة، ثم تابعت الحديث بسرعة:
- "كنت أبحث عنك! أعددت قائمة للأفكار الخاصة بالمشروع، وأظن أن لدينا كيمياء جيدة للعمل سويًا!"
ثم أضافت بابتسامة أوسع:
- "أقصد... ليس فقط في الكيمياء!"
**
ميلينا اكتفت بنظرة طويلة... نظرة لا تجرح ولا تبتسم.
ثم همست وهي تنظر أمامها:
- "أنا لا أجيد التعامل مع الناس... خصوصًا اللطيفين مثلك."
توقفت إيما لحظة، ثم تابعت السير دون أن تخفي خيبة الأمل الصغيرة في عينيها.
- "هذا لا بأس به... أحيانًا، أعتقد أني أتحدث كثيرًا عندما لا أعرف ماذا أفعل."
ثم نظرت إلى ميلينا وأضافت:
- "لكنني لا أريد أن أزعجك، صدقيني."
**
سكتت ميلينا قليلًا.
كان بداخلها شيء يشبه التردد... تريده أن يبتعد، وتخاف من ذلك في الوقت ذاته.
**
(صوتها الداخلي)
"إنها تحاول... مثل الآخرين، لكنهم لا يعرفون ما تعنيه الثقة... لا يعرفون كم من الجروح تركتها الثقة في داخلي."
**
وصلا إلى الممر الطويل المؤدي للفصل.
إيما تمشي قريبة جدًا، وميلينا تنظر إلى الأرض، تتنفس بتوتر.
أخيرًا، قالت بصوت خافت:
- "لماذا تصرّين على الحديث معي؟"
إيما توقفت، نظرت إليها باندهاش، ثم أجابت بصدق مدهش:
- "لأنك بدوتِ... كأنكِ تحاولين أن تختفي... وأعرف هذا الشعور جيدًا. كنت أشعر به طوال العام الماضي."
**
سكتت ميلينا. شيء في نبرة إيما جعلها تتوقف، فقط لحظة.
لكنها عادت وقالت بجفاء ناعم:
- "أنا لستُ من النوع الذي يُكوّن صداقات سريعة."
ابتسمت إيما بخفة وقالت:
- "ولا أنا من النوع الذي يرحل بسهولة."
**
صمت طويل.
سارا معًا دون حديث، ولكن الصمت كان أقل ثقلاً من ذي قبل.
**
حين دخلتا الفصل، جلست إيما قربها دون استئذان، كما لو أن مكانها كان محجوزًا هناك... منذ البداية.
**
(صوت ميلينا الداخلي، بينما تفتح دفترها وتحدّق فيه بلا معنى):
"ما الذي يدفع الناس نحو الآخرين؟ وما الذي يجعلني أدفعهم عني؟
هل الخوف؟ أم الذكرى؟ أم أنني ببساطة... لم أعد أحتمل خسارة أخرى؟"
**
---
كلية ادارة الاعمال - بعد الظهر، أمام البوابة الرئيسية
كان الحرم الجامعي يغصّ بالطلبة الخارجين من المحاضرات، ضجيج الحوارات المختلطة يعلو في الهواء، يختلط بأصوات نقر الأحذية على الرصيف وأزيز المكابح البعيدة.
خرج دانتي نافارو من قاعة المحاضرات بخطوات واثقة، رغم الشرود في عينيه.
كان ذهنه لا يزال عالقًا بما حدث امس في الورشة... بتلك النظرة المتبادلة... ببرود ميلينا وصمتها القاطع.
اقترب من سيارته السوداء المركونة في ظل شجرة زيتون قديمة، أدار المفتاح ببطء، وهو يسمع صوتاً مألوفاً خلفه.
- "هل ما زلتَ تنوي الهروب من هزيمتي، أيها الأمير المدلل؟"
صوت ليو، ساخر كعادته، يتسلل إلى أذنه.
ابتسم دانتي دون أن يلتفت:
- "هزيمتك؟ لم أرك تفوز منذ عام كامل."
ثم أضاف وهو يفتح الباب:
- "لكنني أحتاج لبعض الادرينالين في عروقي... فلنرَ إن كنت ستمنحني بعض الحماس."
**
ليو أخرج مفاتيحه، وصعد إلى سيارته الزرقاء المميزة، من طراز ياباني قديم، لكن محركها كان مدججًا بأسرار عديدة.
اقترب بسيارته بمحاذاة سيارة دانتي، أنزل نافذته، وابتسم:
- "الطريق المعتاد؟"
رد دانتي وهو يشغّل المحرك:
- "لا. طريق التلال، عبر الجسر الحجري، ثم نزول الغابة السفلية، والانعطاف عبر الزقاق خلف محطة الوقود... أول من يصل إلى بوابة الورشة يفوز."
ليو أطلق صافرة إعجاب:
- "ما هذا؟ سباق أم انتحار؟"
ضحك دانتي، وضغط على دواسة الوقود، لتُسمَع زمجرة المحرك تردّد صداها في الشارع.
**
العد التنازلي - العيون متحفّزة، الأنفاس محبوسة، الطريق ينتظر
الثانية...
الأولى...
انطلقا.
**
صوت الإطارات يمزق سكون الشارع، ودوّي المحركات يغطي على كل شيء.
السيارتان تنطلقان بجنون، تتسابقان كما لو كانتا طائرتين على مدرج ضيق.
**
المرحلة الأولى: طريق التلال
المنعطفات هنا خانقة. التلال تتلوى كأفعى، والطرق ضيقة بالكاد تكفي سيارة واحدة.
لكن كليهما يعرف الطريق عن ظهر قلب.
دانتي يتقدم أولاً، عيونه لا تغادر المرآة الخلفية.
ليو يلاحقه كظل، يبتسم بثقة، يختصر كل منعطف بانزلاق أنيق.
**
عند أحد المنعطفات الحادة، دانتي يضغط الفرامل بقوة، ينزلق طرف السيارة دون أن يفقد السيطرة، يتنفس بعمق...
ليو يمر بجانبه فجأة، يلوّح له بإصبع وسطى ساخرًا:
- "أراك في الورشة، أمير الظلال!"
**
المرحلة الثانية: الجسر الحجري
ضيقٌ ومتهالك. حجارة قديمة تئن تحت وطأة السرعة.
ليو يتقدم قليلاً... لكن دانتي يستغل عرضًا في الجسر، ويخترق المسافة بضربة ذكية، يتجاوز ليو بثوانٍ.
**
أنفاس متوترة. الرؤية تضيق.
صوت المحرك يُدوّي كقلب نابض تحت صدر عارٍ في معركة.
**
المرحلة الثالثة: نزول الغابة السفلية
طريق منحدر، مملوء بالأشجار على الجانبين، وظلالها ترقص فوق الزجاج الأمامي.
دانتي يضغط على مكابحه جزئيًا ليُوازن الانحدار، وليو يتبعه، لكنه يسلك المسار الخارجي للمنعطف الحاد محاولًا التجاوز.
انزلاق طفيف... شرارة... ليو كاد يصطدم، لكن يسيطر.
**
- "دانتي، تبًا لك!"
صرخها وهو يضحك بجنون.
**
المرحلة الأخيرة: الزقاق الخلفي - الضربة القاضية
زقاق ضيق، محاط بجدران إسمنتية، لا مجال للخطأ.
دانتي يتسلل أولاً، ولكن ليو يلاحقه بلا هوادة.
في اللحظة الأخيرة، دانتي يلتفّ بزاوية شبه مستحيلة، وعجلات سيارته تحتك بالأرض، ترسم قوسًا من الدخان والرعب.
**
ثم...
وصلا.
بوابة الورشة تلوح في الأفق.
دانتي يضغط على دواسة الوقود بكل ما أوتي من غضب، من شك، من توتر تراكم على كتفيه منذ الصباح.
**
ليو يفوز... بفارق نصف مقدمة السيارة.
**
صمت.
السيارتان تتوقفان ببطء، والحرارة تتصاعد من المحركات كأنها أنفاس وحوش مرهقة.
**
خرج ليو من السيارة يصفق وهو يلهث:
- "تفوّقٌ خفيف... لكن سأتذكّره. كم تحتاج من الهزائم لتتوقف عن كوني منافسك؟"
دانتي نزل من السيارة، تنفس بعمق، ثم رد بابتسامة مشوبة بالتفكير:
- "لست منزعجًا من الهزيمة... طالما أنني أهرب من شيء آخر أسرع منها."
**
ليو نظر إليه بدهشة:
- "أنت تتحدث وكأن الأشباح تطاردك."
رد دانتي وهو يفتح بوابة الورشة:
- "ليست أشباحًا، بل... عيون متناقضة تحاصرني في كل منعطف."
**
دخل الاثنان، وقد تبقّى في الهواء صدى سباقٍ، ونبض أسرار لم تُقال بعد.
**
--
خارج أسوار ثانوية فاليريان - بعد الظهر
الشارع أمام الثانوية ينبض بالحياة، الطلاب يغادرون على دفعات، الهواء يحمل معه خليطًا من ضجيج السيارات وهمسات المراهقين، والسماء متلبدة بغيوم رمادية تُنذر بأمطار خفيفة.
ميلينا تخرج من البوابة بصمت، حقيبتها على كتفها، خطواتها ثابتة كعادتها، وجهها لا يعكس شيئًا. كانت تنوي التوجه مباشرة إلى الورشة... إلى عالمها الميكانيكي الصلب، حيث لا كلمات ولا مشاعر، فقط أدوات وضجيج معدني يريحها.
لكن شيئًا ما جعلها تتوقف...
على بُعد خطوات، قرب السور الجانبي، كانت هناك مجموعة من ثلاث فتيات تحيط بـ إيما. الفتاة الصغيرة ذات الشعر الصهباء كانت تقف بمفردها، ظهرها للحائط، ووجهها متوتر، بينما تتصاعد أصوات الفتيات الثلاث بسخرية واضحة.
- "إيما، صحيح إنكِ جديدة، لكن هناك اشياء يجب ان تتعلميها بسرعة..."
- "أولها؟ ابعتدي عن فتاة الشوارع تلك، ميلينا. لا تريدين ان تجلبي لنفسك وجع راس."
- "انت تعرفين، من يقترب منها... يداس معها."
ضحكات رخيصة تتعالى. إيما لم ترد. كانت تحاول أن تحتفظ بابتسامتها المهذبة، لكنها كانت تبتلع ريقها بصعوبة، وقد اتسعت عيناها بخوف.
فجأة، صوت حذاء يضرب الأرض بثباتٍ مرعب قاطع الصمت.
ميلينا تقدّمت بهدوء. كل خطوة لها كانت تحمل وعدًا بالعاصفة.
وقفت أمامهن، وقلبت نظراتها الباردة على وجوههن واحدةً تلو الأخرى، ثم رمقت إيما بطرف عينها:
- "قلتُ لكِ... ألا تتبعي خطواتي."
إيما همست بتوتر:
- "أنا... آسفة، لم أقصد... هنّ فقط-"
لكن ميلينا لم تترك لها فرصة لإكمال الجملة، بل التفتت إلى الفتيات الأخريات، وعيناها صلبتان كالنصل:
- "عليكن أن تبتعدن عنها... الآن."
إحدى الفتيات، أطولهن، تراجعت خطوة، بينما حاولت الأخرى التظاهر بالشجاعة:
- "ومن تظنين نفسكِ؟ تفتكرين إنك مرعبة؟"
ميلينا رفعت حاجبًا، ونزعت الحقيبة عن كتفها بهدوء، ثم رمتها على الأرض إلى جانب قدمها، وأجابت ببرود:
- "أنا؟ أنا الشيء الوحيد اللي تتمنين يومًا ألا تصادفيه."
وفي لحظة واحدة، اندفع التوتر إلى ذروته. حاولت إحدى الفتيات أن تدفع ميلينا بكتفها، لكنها أمسكت بها بسرعة، ودفعتها بقوة إلى الوراء فاصطدمت بالحائط، ثم وقفت أمامهن بثبات.
إحدى الفتيات صرخت:
-"ابتعدي عنها! كيف تجرئين؟! "
حاولت اخرى سحبها من شعرها لكن ميلينا كانت اسرع و لوت ذراعها تحت صراخها
"اللعنة! انها مجنونة... آه!"
حاولت تحرير خصلاتها لكن ميلينا انخفضت الى اذنها و همست بشيء لم تسمعه ايما لكنه ارعب تلك الفتاة
حررتها ميلينا ليقفن وتفرّقن، يجررن خيبتهن وذهولهن خلفهن، يهمسن فيما بينهن بكلمات مبعثرة.
**
صمت ثقيل تلاهن.
ميلينا لم تتحرك. ظلت واقفة، أنفاسها عميقة لكنها منضبطة، كأنها تحاول كبح إعصار داخلي.
إيما اقتربت منها، وجهها مزيج من الامتنان والخوف، وتمتمت:
- "شكرًا لكِ... كنت سأُهان أمام الجميع. لا أعرف كيف أردّ لك هذا-"
لكنّ ميلينا رفعت يدها فجأة وأشارت لها أن تصمت، ثم قالت بنبرة خشنة، غاضبة، وكأنها تحرق جرحًا داخلها:
- "لم أطلب منكِ أن تتبعي خطواتي."
اقتربت أكثر، صوتها ينخفض ولكن حدته تزداد:
- "ألم أقل لكِ أن تبتعدي عني؟ لما تصرّين على التظاهر بأنكِ مختلفة؟ ألستِ مثلهم؟ تقتربين لتُشبعي فضولكِ فقط؟"
إيما صُدمت. نظرت إليها بدهشة، فاغرة الشفتين:
- "لا... أنا لم أكن-"
- "كفى! لا تتصنّعي الطيبة. لا تلعبِي دور الفتاة التي تفهم الجميع. لأنكِ... لا تفهمين شيئًا."
ثم صرخت، وكأنها تفجّر كل ما كتمته منذ أيام:
- "أنا لا أريد أحدًا حولي! لا صديقات، لا رحمة، لا وعود كاذبة! فقط... اتركيني وشأني، إيما."
**
سادت لحظة صمت خانقة.
ثم التفتت ميلينا، التقطت حقيبتها من الأرض، وأكملت طريقها دون أن تلتفت خلفها، خطواتها تتسارع كلما ابتعدت، وكأنها تفرّ من شيء في داخلها أكثر مما هو في الخارج.
أما إيما، فقد وقفت مكانها، تدمع عيناها ببطء، لا من الخوف... بل من الحيرة. كانت فقط تريد أن تكون صديقة... ولم تكن تعرف كم من الأشواك تسكن طريق ميلينا.
---
في طريقها إلى الورشة، كان النسيم البارد يداعب خصلات شعرها المتعبة، والسماء فوقها بلونها الرمادي بدت وكأنها تشاركها التعب. خطواتها لم تكن واثقة كعادتها، فالوهن يثقل جسدها الصغير، بينما أفكارها تتصارع في رأسها بلا هوادة.
عادت ذاكرتها مجددًا إلى شجارها مع إيما. كانت كلماتها قاسية، قاطعة كحد السكين، لكنها لم تندم. أو هكذا أقنعت نفسها. "عليك أن تحمي نفسك أولًا، قبل أن تسمح لأحد بالاقتراب منك"، هكذا علمها ماكس، وهكذا آمنت دومًا.
تنهّدت وهي تقطع الزقاق المؤدي إلى المرآب. رائحة الزيت المحروق والمعادن الساخنة ملأت أنفها مع اقترابها من البوابة الحديدية، ورغم كل التعب الذي ينهشها، شعرت ببعض الراحة. الورشة باتت ملاذًا... أو على الأقل، كانت كذلك حتى دخل دانتي.
دلفت إلى الداخل بخطوات ثابتة رغم الدوار الذي أخذ يتسلل إلى أطرافها. لمحها ليو أولاً، وهو يسند نفسه إلى أحد المحركات، مسرحًا نظره بين دانتي الذي كان يعبث بصندوق الأدوات وميلينا التي دخلت دون أن تنبس بكلمة.
قال ليو بضحكة خافتة: "ها قد جاءت الثعلبة!"
أجفلت ميلينا، ثم التفتت إليه بوجه خالٍ من التعابير: "هل هناك ما يستدعي الضحك؟"
تدخل دانتي وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة: "هو فقط يرحّب بكِ بطريقته. ألا تعتادين على روح الدعابة؟"
لم ترد عليه. اكتفت بتوجهها إلى طاولتها وبدأت العمل على أحد المحركات. كانت تحاول إقناع نفسها أن التجاهل هو السلاح الأفضل، لكن عينيه كانتا تراقبانها باستمرار.
قال دانتي أخيرًا، وهو يقترب منها أكثر مما يجب: "تعلمين... لا تزال هناك أشياء لم أفهمها بعد. مثلاً، كيف لفتاة أن تهزمنا هكذا؟ أو أن تتوارى في الظلال بهذه البراعة؟"
رفعت نظرها إليه، نظرة مستقيمة، حادة: "ربما لأنك لم تتوقع شيئًا من فتاة."
قهقه ليو وهو يتابع المشهد من بعيد، لكن دانتي لم يضحك، بل اقترب أكثر، ومال برأسه: "أتعلمين... هذا الغموض يزيدكِ إثارة."
قالت ببرود قاتل: "وأنت تزداد إزعاجًا."
في تلك اللحظة، لاحظ دانتي شحوب وجهها. حدّق جيدًا. كانت تحاول أن تبقى واقفة بثبات، لكن أصابعها كانت ترتجف قليلاً، ووجهها باهت. اقترب بقلق حقيقي هذه المرة: "هل أنتِ بخير؟"
هزت رأسها: "لا شأن لك بي."
همّت بالانحناء لإصلاح أحد الأجزاء، لكن العالم بدأ يدور بها. الضجيج خفت، وكل الأصوات تلاشت إلى الخلفية... ثم كل شيء اسودّ فجأة.
وقبل أن يدرك أحد ما يحدث، كانت قد فقدت وعيها وسقطت أرضًا.
لحظة صمت شلت المكان.
ثم صرخ ليو: "دانتي!!"
لكن الصدمة كانت قد جمّدت دانتي في مكانه، وعيناه لا تزالان معلقتين على الجسد الصغير المسجى أمامه.
يتبع
**********
سلام 👋
التقينا مجددا
آسفة على التأخير لكن الفصل القادم سينزل الليلة او ربما غدا
عموما كيف كان الفصل
اعطوني رايكم بالتعليقات
نلتقي في المرة القادمة
دمتم في رعاية الله
Aryane Styla