ملاحظة سريعة: الرواية من تأليفي ويمنع منعا باتا نسخها أو سرقتها وإلا ستواجه عواقب وخيمة.
وأيضا لا تنسوا أن تصوتوا بنجمة قبل بدأ قراءة الفصل، وإبداء رأيكم في التعليقات بين الفقرات.
الفصل السـابع: الحيـاة الطيّبة / 13 صفحة
تاريخ النشر: 23/07/2025
قـراءة ممتعة
_____________________________
صوت نَقْرُ كعبٍ عالٍ كان دلالةً على دُلوفِ امرأةٍ لن تُحاطَ إلا بهالةٍ قويةٍ تبعًا لشخصيتها، فهي ليست هَيِّنةً. فستانٌ باللون الأخضر الملكيِّ، زانَهُ شقٌّ صغيرٌ أسفل الركبة حتى حاشيته، وكان شعرُها أسودَ ناعمًا منسدلًا على طول ظهرها، مما زادها هيبةً ورونقًا. ولونُ عينيها المطابقُ للون الفستان لم يستطع مكياجها سرقةَ الأضواء منهما. فحين نتحدث عن العيون، فهي لغةٌ أكثر مما هي عضوٌ بجسم الإنسان.
تسير بثباتٍ صوبَ إيفانو الواقفِ أمام زجاج المبنى، يديه في جيبيه، بينما بقيَ هو واقفًا في مكانه يتأمل البنايات الشاهقة وزحمة المدينة البادية له. وما إن اقتربت منه لترتمي على ظهره من الخلف مُحتضنةً إياه، تريد استفزازه واللعب بأعصابه، وقد حصلت على مُبتغاها فعلًا، فقد استدار وملامح وجهه مقتضبةٌ وغاضبةٌ من تصرفاتها الطفولية، لتضحك بخفةٍ على ردة فعله.
"ظننتُك ستَسعدُ برؤيتي يا سيد دامبيير، ولكنك خيبت ظني حقًا."
ابتعدت عنه بينما تتفوه بكلامها وهي تَزُمُّ شفتيها، مُصطَنِعةً الخيبة والإحباط، لترجع خصلات شعرها التي تغطي رقبتها إلى خلف ظهرها. تنهَّدَ إيفانو قليلًا ليضحك بخفةٍ على غرورها الذي لطالما ساعد في تعكير مزاجه، وتحسينه أيضًا. نَقَرَ على جبينها بلطفٍ ليقول بصوتٍ ساخر:
"لم آتِ للترحيب الحار والقبلات، قولي ما في جعبتكِ وأريحي عقلكِ هذا يا روساريو."
تخطاها بهدوءٍ ليجلس على أحد كراسي الطاولة المرتبة؛ كوبان من القهوة الدافئة وبعض حلوى الكراميل لروساريو، والآخر لم يكن بوسعها سوى أن تتنهد بقلة حيلة وتلحقه لتجلس قبالته وتفضفض له كما يفعلان دومًا.
"أظنك تعلم بما يخطط له جدي."
"الأمر واضح."
ارتشف بعضًا من القهوة المتواجدة بالكوب الموضوع أمامه، لتقوم الأخرى بتناول لقمة من قطعة الحلوى بعدما قالت:
"لنفعل ما يريده."
علقت القهوة بحلقه، ليضع الكوب جانبًا ويسعل قليلًا، فترفع الأخرى ذراعها لتربت على كتفه بخفة.
"أتريدين قتلي؟"
"ليس فعلًا."
نبست روساريو بسخريةٍ ليأتيها تأنيبٌ من إيفانو.
"روساريو!"
"حسنًا، حسنًا، لن أكررها."
قالت بعبوسٍ لتبعد ذراعها عنه وتعود لتناول كعكتها.
"أفعلًا هذا ما تريدينه؟!"
رفعت رأسها تنظر له، لتجده يميل بجذعه نحوها يريد سماع رأيها حول الموضوع، لتومئ له وتضع الشوكة جانبًا قائلةً بصوت هادئ بعيد كل البعد عن المرح والمزاح الذي كان يغلفها منذ لحظات.
"أنت تعلم تمامًا ما أريده يا إيفانو، وهذه فرصة لا تُعوَّض أبدًا. سنفعل ما يريده ونقيم الخِطبة ونتركه يأخذ راحته في محاولة طعنك بظهرك عن طريقي. بينما نحن نُجهز لما هو أكبر، لـِ..."
"لتنقلبي على عشيرتكِ."
قاطعها ليكمل الباقي. إيفانو يحفظ عن ظهر قلب ما تريد روساريو فعله بعشيرتها، فإن كانت تبدو مبتسمةً وكأنها خالية من الهموم، فهذا ليس سوى قناعٍ آخر من الأقنعة التي تُبَدِّلها على حسب الشخص الذي تُجالسه. هزت روساريو رأسها توافقه الرأي، فهي ترغب بالتخلص من كل شيء يتعلق بعائلة ريغنر حتى لو عنى ذلك أن تضحي بكل ما تملك. تنهد الآخر بهدوءٍ ليمسح على وجهه بكف يده قائلًا:
"سأفكر بالأمر وأراسلكِ فيما بعد."
أضاءت ملامح وجهها سرورًا وتفاؤلًا فتبتسم بسعادة، لتضع الشوكة جانبًا وتقف من مكانها تتجه نحوه لتضمه بقوة بينما تغمغم بكلمات الشكر والامتنان. ابتسم إيفانو لسعادتها، ليرفع يده ويمسح على شعرها بلطف. فما بينهما علاقة جميلة لا يعرفها سوى القليل. يحبها كأخته وتحبه كأخيها، ساعدته وقت ما احتاجها ويساعدها وقت ما تحتاجه.
رن هاتفها المتواجد بحقيبتها، قاطعًا اللحظة الهادئة بينهما، لتتأفف روساريو بضجرٍ، فتبتعد عن إيفانو لتمد يدها نحو حقيبتها وتخرج الهاتف لترى من المتصل.
"من؟!"
سأل إيفانو بصوت هادئ بعدما لاحظ تعابير وجه روساريو تتغير بشكل ملحوظ من البهجة إلى أخرى حادة ساخرة، لتجيب على سؤاله بينما تعيد الهاتف لحقيبتها دون أن ترد على المكالمة.
"كلاب جدي، يبدو بأنهم قد أحضروا دفعة جديدة من الأسلحة غير المشروعة."
أخذت آخر لقمة متبقية من حلوى الكراميل علّها تحسن مزاجها، لتضع سلسال الحقيبة على كتفها وترفع نظرها له قائلة بابتسامة:
"أظن بأن لقاءنا ينتهي هنا؛ أخبرني برأيك فيما بعد، وأرجو ألا تخذلني، أنت تعلم. جميعنا نحتاجك، وقرارك سيحدد نتيجة هذه المعركة."
بعد كلامها هذا، انسحبت بهدوءٍ لترفع يدها وتلوح له مُودِّعةً، بينما ظهرها يقابله بالفعل، حتى أصبحت تتوارى عن الأنظار. تنفس إيفانو الصُّعداء، ليدير رأسه ليمينه بدل شماله الذي غادرت منه روساريو، فيعود للتحديق في المباني الخارجية بينما يفكر في كلامها.
عودة للحاضر:
صوت صفير الرياح ونفحاتها تُراقص أغصان الشجر وأوراقها، وسط طقسٍ شبه غائم، جعل الأجواء مناسبةً للبقاء في المنزل والاسترخاء مع كوبٍ من الكاكاو الدافئ.
نزلت لورين من على الدرج بعدما خرجت من غرفتها، تسير نحو المطبخ والسعادة تكاد تتجسد في هيئتها. كانت تغني بينما تتمايل على نغمات الأغنية التي تصدر من حنجرتها.
"خيرًا يا لورين؟!"
فاهت جمانة وهي تراقب حركات التي لازالت ترقص وتغني بسعادة بعدما تخطتها، فقد كانت جالسةً بأريكة غرفة المعيشة. لتشاهد لورين تدخل المطبخ وتتناول قطعة خبزٍ محمصٍ وتستمر في التمايل، لتضحك جمانة بخفةٍ على ظرافة لورين، فلا يمر يومٌ إلا وترى وجهًا آخر من السعادة يكون على شكلها هي فقط.
" لقد انتهيت أخيرًا من حفظ ما عليَّ من دروس، ولم يتبقَّ سوى القليل لأنتهي من مراجعة كل شيء."
خرجت لورين من المطبخ لتقترب من جمانة وتصيح بسعادةٍ أقرب للصراخ بعدما ابتلعت الخبز، لتقفز فجأةً على الأريكة وترتمي بحضن جمانة، بينما الأخرى فلتت منها صرخةٌ لتفاجئها من تلك الفعلة.
ابتسمت جمانة لتحتضن لورين بسعادة، سعيدةً لوجود مؤنسةٍ لها في غربتها، سعيدةً لشعورها بالألفة مع فتاةٍ لم تلتقِ بها سوى لبضعة أشهر.
"وماذا عنكِ يا جمانة؟"
استفاقت جمانة من شرودها على هذا السؤال، لتمسح على ظهر لورين وتلعب بشعرها المنسدل قائلةً: "لا تقلقي عليَّ فقد أنهيتها أيضًا منذ ساعات، ولازلت أراجع بعض الملاحظات المتبقية."
همهمت لورين بهدوءٍ لتبتعد عن حضن جمانة وتبادر بالحديث عن هذا وذاك، والأخرى لم تمانع ذلك فانخرطت في حديثها. وبعد فترةٍ من الدردشة، قررت العودة لغرفتها لتغادر المجلس وتصعد إلى غرفتها. وما إن دَلفت وأغلقت الباب، لمحت نافذتها المفتوحة.
اقتربت منها بخطواتٍ بطيئةٍ تسترق النظر للخارج تتأمل المكان. الغيوم التي بدأت تسود، وقطرات المياه التي تنساب بلطفٍ على زجاج النافذة. لتمر نسماتٌ من الرياح بجانبها فتُسلِّم على خديها بقطراتٍ باردةٍ وتتغزل ببشرتها الشاحبة لشدة البرد. فبالرغم من أن بلدها به أقاليم متعددة متنوعة وفصول أربعة متباينة، إلا أن برد مدريد كان مختلفًا. ومختلفًا أيضًا على قلبها...
أسدلت جفونها تُغلق شبه العسليتين تلك لتستنشق عبقًا مميزًا يشعرها بالانتماء. رائحة التراب المبلل تجعلها تبتسم؛ تذكرها بأنها مخلوقة من طين، والطين هذا يحن للأرض، يحبها حبًا جمًّا. يتساءل دومًا متى سيأتي الوقت الذي يجتمع فيه مع محبوبته ليلتحما معًا وتنتهي قصة فراقهما.
ووسط تأملها وسكينتها، ظهرت معالم نفس الشاب الذي التقته بالحديقة في مخيلتها تقتحمها بكل قسوة، لتتعالى دقات قلبها وتصخب في جو الهدوء الذي هي محاطة به، تشعر بالضوضاء تعتريها. لتزفر برجفةٍ فقد استنشقت من الهواء البارد ما يكفي ليجعلها تشعر ببرودة حلقها ورئتيها، فتقفل النافذة وتستلقي بإهمال على سريرها تشعر بالغصة لا تزال تحتلها.
تشعر بالفضول ناحيته، فآخر ما تتذكره هو صوته الثخين الذي يحمل بين طياته حزنًا وقهرًا شديدين.
"جمانة، هذا يكفي. لقد أعطيته الكتاب وأخذتِ أجركِ لذلك، لا تتدخلي بمشيئة الله بعد الآن."
قالت كلماتها بعزمٍ تنفض عن نفسها كتلة المشاعر التي أصبحت تنعقد كخيوط أفكارها. لا تريد التفكير أكثر، ففرط التفكير سيدمرها إن استمرت في ترك الفضول والتساؤلات تبتلعها. تقلبت على السرير لترفع رأسها وتحدق في سقف الغرفة بشرود، تتذكر أحداث مدريد وكيف هي تحاول المصارعة لترويض مشاعرها وفهمها جيدًا.
مرَّ اليوم بسرعةٍ بالنسبة للورين وجمانة، فكلاهما أخذتا استراحةً من الدراسة لهذا اليوم كي يستجمعا بعض الطاقة للمواصلة لاحقًا. حيث قررتا أن ترتاحا اليوم من الدراسة، لذلك لم تبخل أية واحدة على نفسها بالاستمتاع بليلةٍ ممتعةٍ قضتاها في مشاهدة الأفلام وبعض الكرتون.
وفي جهة أخرى، فقد كان إيفانو كعادته مع فيليب بالعمل يقومان بما عليهما من عمل وأمور أخرى، حتى انسكب الظلام على السماء فأضحت ليلًا لتعلن بذلك نهاية اليوم وأخذ المرء قسطًا من الراحة من ضجيج النهار المرهق. "تيك توك" حتى دقت الثانية عشرة منتصف الليل.
كان جالسًا كعادته على بلاط شرفته البارد، وعادته هذه لا يستطيع التخلي عنها أبدًا مهما كان الطقس. يتأمل السماء ويحدق في شعاع القمر الخافت الذي يشق الغيوم فيظهر بأبهى حلّة، حيث ينعكس نوره على وجه المتأمل لخلق الله.
متكئًا على جدار الشرفة البارد يضم ذراعيه لصدره، ليتنهد بخفةٍ وينسحب لداخل غرفته. يغلق أبواب شرفته، يمنع رياح مدريد أن تجلب لقلبه الصقيع الذي يجاهد لإذابته، وإيجاد مخرج له من تلك الزنزانة التي هو حبيسها لأكثر من عقد.
خطا ببطءٍ يقترب من سريره، وقد كان على وشك أن ينسدل على فراشه لينام، حتى لمح كتاب المدعوة "جمانة". ابتسم قليلًا ليحمل الكتاب بين أنامله الخشنة ويعود أدراجه قليلًا فيجلس على بساط الغرفة قرب النافذة مع ضوء القمر الخافت وبعض من أصوات الرعد التي تهز البدن، وقطرات المطر التي تغسل الروح لو تمعن الشخص فيما ترسله له من رسائل محببة.
مسح على الكتاب بإبهامه الأيمن، بينما تعود ذكراه لآخر لقاء بينهما وكيف اختفت بسلاسةٍ وتركت كتابها له. كان ذا غلافٍ باللون الأزرق الداكن، والأحرف المكتوبة عليه بلونٍ ذهبيٍ مزخرفةٍ بأبسط ما أمكن لتزيد تلك البساطة من جاذبيته.
شعر بالتوتر والسعادة في آن واحد وكأن أحدهم يحتضنه، وكأنه مُقْدِم على فعل شيء سيغير مجرى حياته، وهو لا يعلم بأن حياته قد تغيرت بالفعل منذ أن حطَّت سوداويتاه على شبه العسليتين آنذاك. وصلاته التي تلاها كل ليلة طيلة 15 سنة استُجيبت وجاءته على هيئتها.
فتح الكتاب صفحةً بصفحةٍ والمزيد من المشاعر تتقلب داخله فتجعله أكثر تلبكًا. زفر قليلًا ليقرأ أول ما حطَّت عليه عيناه:
'ما الحياة السعيدة؟'
"قد يعتقد الجميع بأن الحياة السعيدة هي مجرد أن تحب نفسك، تتقبل أحزانك وسعادتك، وتعيش وفق التيار وأن تتقبل الحياة كما هي. ولكن لماذا علينا التغاضي عن الأمور التي هي أساس الحياة السعيدة تلك؟"
شعر بالتعقيد من الكلمات التي تبدو مبهمة. أفليست هذه هي الأمور التي تجعلك تعيش سعيدًا؟! ليكمل القراءة يريد معرفة المزيد عن هذه الحياة التي يطمح إليها:
"السعادة الحقيقية لا تكمن إلا بالإيمان؛ الإيمان بالله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض، والامتثال لأوامره وأداء جميع فرائضه والذكر الدائم والمستمر للحصول على مرضاته والعيش بسعادة وطيب خاطر لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. لذا قال بعض السلف الصالح: 'إننا لفي سعادة لو علم بها الملوك لجادلونا عليها بالسيوف'."
اندهش من آخر عبارة، ولكن أكثر شيء لامس قلبه كان تلك الآية بالرغم من أنها كانت مكتوبة بالإنجليزية، ولكن بجانبها كانت نفس العبارة وبلغة لحد الآن لا زال يجهلها.
أخذ يقلب الصفحات بحثًا عن إجابة تلمس قلبه أكثر وتدله إلى الطريق الصحيح، ليقرأ تلك الصفحة التي استوقفته بعنوانها:
'ما هو مفتاح السعادة الحقيقية؟'
"من مفاتيح السعادة هي معرفة الخالق لهذا الكون، والذي بيده جميع مخلوقاته؛ فالسعادة هي أن يجد العبد مالك كل شيء؛ فيلجأ إليه في كل أوقاته، وأفراحه، وأحزانه. معرفة الإنسان أن وجوده على هذه الأرض هو للاختبار وليس عقوبة من الله سبحانه له، وأن حياته الدائمة السعيدة عند الله سبحانه وتعالى؛ وذلك ليَكدَّ ويعمل في هذه الدنيا."
قلبه ينشرح لتلك الكلمات والعبارات، وزادت ابتسامته اتساعًا حين وجد ملاحظاتٍ مكتوبةً بخط يدها، وسطورًا على عباراتٍ وأخرى مُعلَّمةً بألوانٍ هادئة، جعلت من قلبه البائس يستكين ويسترخي. ولكنه لا يزال يتساءل: كيف سيحصل على هذه السعادة التي يتحدث عنها الكتاب وهو لا يعرف كيف يبدأ؟ لا يعلم أي خطوةٍ عليه القيام بها، ليعود للبحث مجددًا بين أسطر الكتاب، وما إن وجد العنوان المطلوب حتى ابتسم بتفاؤلٍ وأخذ يقرأه.
'كيف أعيش حياةً سعيدةً مع الله؟'
"لكي تنال السعادة نوصيك بتعميق معاني الإيمان، وبكثرة السجود لله تبارك وتعالى، وبكثرة الاستغفار والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبالرضا بقضاء الله تبارك وتعالى وقدره، ثم بالتعرف على ما أشرت إليه، وهي النعم التي تملكها، فكلنا في نعمة، والسعيد هو الذي يعرف نعم الله عليه ليؤدي شكرها."
ويقسم للمرة الألف بأنه لم يفهم شيئًا بالرغم من رجفة قلبه التي شعر بها. جسده يهتز لوقع الكلمات، بالرغم من كونها لا تزال مجهولةً بالنسبة لشخصٍ مثله. ولوهلةٍ تذكرها وكلماتها ليتخذ قراره: سيسألها حين يلقاها مرة أخرى، لعلها ترشده كما فعلت اليوم، وربما تخفف من العقدة التي تشكلت بين حاجبيه لكثرة التساؤلات.
نهض من مكانه ليتجه ناحية سريره، ثم يستلقي عليه ضامًّا الكتاب بقوةٍ لصدره وكأنه يخشى اختفائه، ليحكم عليه الوثاق وينام على نفس الوضعية، وبداخله وعدٌ لن يفنى؛ إذا رآها مرة أخرى فلن يدعها تفلت منه.
في صباح اليوم التالي، كان صوت الحمامة البيضاء التي قيل عنها بأنها رمز للسلام سمفونيةً عذبةً كسرت صمت الغرفة الواسعة لتجعل من النائم يستفيق، فيرمش بضع مراتٍ حتى اعتادت عيناه على ضوء الشمس الباهت المطل من الشرفة.
قام يريد الاستحمام وبدأ العمل، ليلمح شيئًا وقع منه على الأرض، وما إن وجده (الكتاب) حتى ظهرت ابتسامةٌ على محياه. أحداث ليلة أمس تعود له وكأنه يعيشها الآن، لينحني ويحمل الكتاب فيضعه على منضدة السرير الصغيرة ويعود لإكمال طريقه.
وفي مكان آخر:
"اليوم يوم جمعة وعليَّ الذهاب إلى الجامع يا لورين، أنا آسفة فعلًا، لا أستطيع الذهاب معكِ إلى حلبة التزلج."
نبست جمانة بتعبيرٍ يملأه العجز؛ فهي قد علمت منذ لحظات بأن لورين تود الذهاب للتزلج. يال مزاج لورين هذه!
"حسنًا، حسنًا، سأسامحكِ بشرط."
قالت لورين بينما تضم الوسادة إلى حضنها أكثر بعدما جلست على الأريكة المتواجدة بغرفة المعيشة، حيث كان يدور النقاش.
"وما هو؟"
"أن تعطيني حصةً أكبر من الوجبة التي تعدينها كل يوم جمعة."
كشَّرت جمانة تقاسيم وجهها تحاول استيعاب ما تفوهت به لورين، وكلمة 'ماذا!' تدور بعقلها وكأن الإرسال قد انقطع. ضحكت بشدة حين استوعبت أخيرًا ما عنته لورين وأنها كانت تتحدث عن الكسكس الجزائري، والذي لطالما تناولته مع أسرتها كل جمعة، وهي لم تستطع الاستغناء عنه فأصبحت تعده هنا وتتشاركه مع لورين.
كانت ترتدي "جُبَّةً" واسعةً سميكةً نوعًا ما باللون الأزرق الداكن، وتربط شعرها بـ"القَرْدُونْ" لتبدو تلك الجزائرية الأصيلة من زمن الاحتلال الفرنسي.
"حسنًا سأفعل وأكثر إن أردتِ، فقد صنعت الكثير اليوم."
تهللت أسارير لورين لتقف من مكانها وترمي الوسادة من حِجرها لتركض بسرعةٍ وحماسٍ ناحية جمانة، لتصرخ الأخرى بفزعٍ وترفع يديها عاليًا، فلا تزال كلاهما مغطاةً بحباتٍ من الكسكس. وكما أنها أيضًا ليست معتادةً على كثرة العناق الذي تشاركها إياه لورين، لكونها ولدت بمجتمعٍ محبٍ أيضًا ولكن مجرد العناق بين الأخوات والإخوة في أبسط المواقف يجعل الأمر محرجًا، لأنهم لم يتعلموا فعل ذلك من الصغر. لتضرب تلك العقلية عرض الحائط وتبادل صديقتها العناق، تستغل كل ذرةٍ من اليوم والغد لكي لا تندم عليها فيما بعد.
"حسنًا لورين أظن بأنه يكفي، فأنا أشعر بالاختناق."
نبست جمانة بعد فترةٍ من العناق بينما تحاول جمع أنفاسها، فالتي أمامها تنسى قوتها أحيانًا وتضغط عليها كثيرًا في العناق أو المصافحة.
"أوه، آسفة! هيا دعينا ننهي إعداد الطعام فأنا أشعر بالجوع، والساعة فعلًا قد قاربت الثانية عشرة "
شعرت جمانة بلورين تسحبها من ذراعها بقوة نحو المطبخ، فتكملان إعداد الغداء معا ويتناولان الكسكس، ولا ننسى أسئلة لورين عن كيفية إعداد جمانة لطعام شهي كهذا.
"إنها أكلة تقليدية بموطني، وكل منطقة تختلف في كيفية إعدادها."
"كيف ذلك؟!"
"بعض المناطق تضع فوق الكسكس قطعًا من الخضار واللحم وتتناوله بالمَرَق، والأخرى تضع به حبات الزبيب، وأيضًا يضعون حبات العنب أو اللوز فيه."
اتسعت عينا لورين وهي تتخيل شكل الأطباق، ويكاد لعابها يسيل وكأنها ترى الكمية الهائلة التي تتخيلها موضوعة أمامها، لتتخذ قرارها؛ إن سمحت لها الفرصة للذهاب إلى موطن صديقتها، فلن تترك لهم حبة كسكس واحدة.
حين رأت جمانة تعابير وجه لورين، ضحكت بشدة، لتزيد من سعادة القابعة أمامها بما قالته، وهذه المرة ستلتهم كل شيء لديهم، وليس الكسكس فقط:
"إن انتهت فترة الامتحانات على خير، فسأصنع لكِ بعضًا من حلوانا الشهيرة، ما رأيكِ؟"
"موافقة."
امتلأ الجو بأصوات ضحكاتهن العذبة بينما يتناولن طعامًا ويتبادلن أطراف الحديث. سعادة غامرة تسكنها، تشكر الله على هذه اللحظات التي حتى لو كانت قصيرة، فهي فعلًا ممتنة. تتمنى ألا تُسلب منها هذه السعادة أبدًا، حتى لو مرت بأيام سوداء قاتمة، ولكن مع الصبر والإيمان فستجد ضالتها وتستمر في الشعور بتلك اللذة...
"لذة الحياة السعيدة"
_______________________________
يتبع...
naiirouz_