بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي|04

بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي|04

47 0

ملاحظة سريعة: الرواية من تأليفي ويمنع منعا باتا نسخها أو سرقتها وإلا ستواجه عواقب وخيمة.

وأيضا لا تنسوا أن تصوتوا بنجمة قبل بدأ قراءة الفصل، وإبداء رأيكم في التعليقات بين الفقرات.

الفصل الثـالث : لـقاء/ 14 صفحة

تاريخ النشر: 15/07/2025

قـراءة ممتعة

_____________________________

ترتدي حجابها بسرعة بينما تردد تحت أنفاسها المتسارعة عبارات مهدئة تبتغي أن تسكن ذهنها فترتاح ولو قليلا من الاضطراب الذي هي به؛ فقد غرقت سابقا في نومها على سجادة الصلاة وعقارب الساعة الآن تشير بأنها 8:45 صباحا وهذا يعني بأنه لم يتبقى بيديها سوى 15 دقيقة كي تصل للجامعة، وما زاد الطين بلة هو أن لورين لم تستيقظ من نومها بعد، وبذلك ستتأخران أكثر عن موعد الحافة ولن تتمكن من الوصول في الوقت المحدد لمحاضرتها الصباحية الأولى.

"لورين، أقسم لكِ، إن لم تسرعي، سأغادر وأترككِ."

صاحت جمانة من غرفتها بصوت مهزوز إثر الاضطراب والقلق الذي يزاحم دقات قلبها وهي تجمع أغراضها المرمية على المكتب بعشوائية شديدة، وتضعها في حقيبتها السوداء والنصف الأخر تحمله بين يديها فليس لها الوقت لترتيب أشيائها بشكل منظم وغير ذلك من الأمور.

نزلت بسرعة من على الدرج بينما تتحرك عينيها في الأرجاء باحثة عن حذائها، لتهرول نحوه وترتديه حين وجدته ملقى على الأرض بالقرب من الباب المؤدي لخارج المنزل.

وأثناء ارتداءها لحذائها لمحت لورين تقف أمام باب ثلاجة المطبخ تأكل بعضاً من الخبز المحمص وتشرب بعدها عصير ليمون طازج، وكم اشتهت شرب العصير أيضا ولكن لا وقت لهذا فعقارب الساعة تدور والثواني في تناقص مستمر.

وقفت جمانة بعدما عدلت ثيابها لتنهر لورين بعتاب أقرب للصياح:

"بحقك لورين أهذا وقت الطعام؟! أسرعي فقد تأخرنا بالفعل."

ابتلعت لورين قطعة الخبز بصعوبة إثر فزعها من صراخ جمانة المفاجئ لتشرب بعض العصير؛ فقد علقت اللقمة بحلقها وكادت تخنقها.

"حسنا حسنا، أنا جاهزة بالفعل وقد كنت أنتظرك."

نبست بعدما وضعت الكأس الفارغ على الطاولة لتخرج من المطبخ وتتقدم نحو الأريكة التي بمنتصف غرفة المعيشة لتأخذ حقيبتها وتسير نحو جمانة في الأخير.

"إذا اركضي أمامي."

فاهت جمانة بعدما فتحت باب المنزل ورفعت سبابة يدها مشيرة نحو الخارج، لتفتح عينيها على مصراعيهما حين شاهدت طيف لورين يختفي من أمامها، وهنا تذكرت بأن لورين أفضل عدّاءة ويستحيل عليها الركض بمثل سرعتها.

لتعبس بإحباط شديد ونواح قبل أن تبدأ الركض هي الأخرى أيضا بسرعة خلف لورين قدر استطاعتها.

وقبل ساعتين من الآن في السادسة بالتحديد، تقلّب إيفانو في نومه بتململ جرّاءَ صوت نقر خفيف على زجاج النافذة التي تؤدي للشرفة، ليغطي رأسه بالوسادة طلبا للمزيد من الراحة والنوم، ولكن الصوت استمر في اختراق مسامعه ليتنهد بانزعاج ويرفع رأسه من الوسادة الطرية.

نظر باتجاه النافذة ليجد مجموعة من الطيور البيضاء تقف على بلاط شرفته الباردة والزجاج كان الفاصل الوحيد بينهما، ليبستم بهدوء على منظرها الجميل كما لو أنها لامست وترا من أوتار قلبه، فكانت بُشرَة له على أن السلام آتيه بعد صبره وصلاته لسنوات طويلة.

فتح باب الشرفة بهدوء ليتكئ عليه ويحدق في أنثى الحمام التي كانت تنقر على الزجاج بمنقارها الأبيض الصغير مقارنة بباقي الحمامات، ليراها تُميل برأسها ناحيته فتنظر له باستغراب، لتسير بعدها بين سرب الحمام وكأنه لم يكن، رافعة رأسها، نافخة لريشها وكأنها سيدة المكان.

"إذا أنتِ صاحبة الضجيج."

هز رأسه بقلة حيلة وابتسامة لطيفة تعلو ثغره، فالحمامة دغدغت واحدا من شرايين قلبه فأعادت له الشعور بالاطمئنان والسكينة التي طعمها مع العديد من علامات التعجب والاستفهام التي تحوم فوق رأسه. لم يتوقع بأنه سيأتي يوم ويحادث فيها حيوان أليف صغير ككف يده ويتأمله بهذه الطريقة، بهدوء وملامح مسترخية.

لاحت على تقاسيم وجهه ابتسامة خبيثة جعلت ريش الحمامة القابعة أمامه يقف، فتحدق بهيئته بريبة واستغراب تنتظر خطوته القادمة، وفجأة على حين غفلة وجدت نفسها بين يديه لتحاول جاهدة الفرار منه. تخدشه بمخالبها ولكن محاولتها باءت بالفشل، لتستسلم وهي على علم بما سيحدث قادما وإلى أين هي عاقبتها. ستكون وجبة دسمة على العشاء مع الكثير من التوابل، فهذا الحديث لطالما تداوله أفراد فصيلتها، والتحذير الذي توارثه أجدادها جيلا عن جيل أتت هي وضربته عرض الحائط.

وبينما يربت إيفانو على رأس الحمامة بهدوء ويدلف بها للداخل، سمع صوت طرق على باب غرفته هذه المرة لا على زجاج شرفته ليأذن للذي وراءه بالدخول.

"صباح الخير... إيفانو؟"

علقت الحروف بحلق فيليب بعدما وقعت عيناه على الحمامة التي تكاد تختفي بين يدي إيفانو من شدة صغرها، ليقف شعر جلده عند هذا المنظر فهو يكاد لا يصدق ما تراه عيناه.

إيفانو يحمل بين يديه حيوان أليف بحجم كف يده ويطبطب على رأسه بلطف، ليمسك أحدكم بفيليب قبل أن يغمى عليه من هول الصدمة.

ولم تدم دهشته طويلا فقد أفاق من شروده على صوت إيفانو الخشن إثر النوم:

"أهلا، أريدك أن تعدّ مكانا لهذه الصغيرة"

لفت الحمامة رأسها الظاهر فقط عكس جسدها المخفي بين كفي الأكبر يمينا وشمالا تحدق بهما، تحاول فهم الحوار الذي يدور بينهما فهي لا تفهم لغة البشر كما البشر لا يفهمون لغتها، لتلوم نفسها للمرة الألف على قدومها لهنا والوقوف على عتبة نافذة شرفته والتبختر أمامه.

أما فيليب فللآن لا يزال لا يصدق ما تراه عيناه، ليصفع نفسه داخليا ويبعد الصدمة عن ملامحه، ليمد يده نحو الحمامة المحكوم وثاقها بين يدي إيفانو لتبدأ الأخرى بالتخبط بينهما، تارة تُخفِي رأسها بالداخل وتارة تنقب يد أحدهما بمنقارها وفكرة أن تصبح فرخا مشويا لا تزال قائمة بعقلها الصغير.

وبعد صراع طويل انتهى بأمر الحمامة بين يدي فيليب، ليغادر غرفة إيفانو كي يحضّر لها قفصا لتعيش فيه كما طلب إيفانو، فيبدو بأنها ستعيش معهم من اليوم فصاعدا.

أغلق إيفانو باب غرفته خلفه بنقرة خفيفة ليستدير ويتجه نحو خزانته ليغير ثيابه من واحدة مريحة لأخرى تخص الرياضة، يريد أن يركض بالخارج قليلا ويجهد جسده فينسى ليوم واحد على الأقل شيئا اسمه زعيم مافيا، شيئا اسمه رئيس شركة. يريد أن يكون على سجيته، أن يكون هو فقط نفسه لا غير...

مجرد رجل عادي يدعى إيفانو.

هودي فضفاض رمادي اللون مع سروال مماثل له وحذاء رياضي أبيض، ارتدى قبعة سوداء على رأسه وترك شعره أشعث قليلا دون أن يصففه برسمية كالعادة كما يفعل في دوام عمله، ليضع مسدسه تحت قميصه فهو ومهما حصل يبقى من المافيا ولن يتركه الآخرون في حال سبيله.

" إلى أين؟!"

سأل فيليب إيفانو وهو يلمحه ينزل من على الدرج ومتجه نحو الخارج مرتديا ثياب غير رسمية.

" سأركض قليلا، لا تلحقني."

ألقى بكلامه دون أن يدير رأسه لفيليب فهو فعلا يريد المضي وبدأ يوم جديد مليء بالخير من بدايته لنهايته.

ومن جهة أخرى:

راحت تركض على طول الرصيف تحاول بجهد اللحاق بحصصها فهي مهووسة بشيء اسمه الحضور قبل بدأ الحصة، فحتى لو كانت مريضة تحضر الحصص كي لا تسجل غائبة وتضطر لكتابة سبب غيابها.

تتخطى هذا وذاك تجاهد عدم الاصطدام بأحد والوقوع لتصرخ تنادي على لورين التي لا تسبقها سوى ببضعة أمتار:

" لورين أقسم بأنني سأحاسبك على المصيبة التي حلّت علينا اليوم."

كانت تتكلم وهي لا تزال موجة نظرها نحو لورين التي استمرت في الركض بلا توقف ولم تلحظ الرجل الذي كان يمشي أمامها.

إذ بها تصطدم بكتفه وتقع على الأرض لتتناثر الأغراض التي كانت بيدها لتُعَجّلَ في جمعها فلا وقت لها لتضيعه، ولا سيما عبارات الأسف التي كانت ترددها بلهجتها الجزائرية تحت نظرات الآخر المستغربة متناسية بأنه لن يفهمها أحد وذلك بسبب ارتفاع الأدرينالين بدمها، ولكن الآخر لم يمانع في مساعدتها فَـراح يجمع معها أدواتها.

مدّ لها مجموعة من الأوراق بعدما قام بجمعها ووجهها ناحية يدها التي ترتدي قفازات تحميها من التلامس مع الرجال ولكن الآخر حسبها واقية من أشعة الشمس أو شيء جديد في الموضة، لترفع رأسها ناحيته بغتة وتشكره.

فتنهض من أرضها وتعود للركض مرة أخرى وبسرعة تاركة إياه سارحا، وهو على نفسه، مقرفص على الأرض يحدق في ملفها الذي تحتضنه أنامله بشرود. أدار رأسه ليبحث عنها بحدقيتيه ولكن لا أثر لها بالأرجاء، لم تترك شيئا خلفها عدا مجموعة من الورق.

وصلت لباب القاعة لتلتقط أنفاسها المسلوبة منها بقوة نحو رئتيها تشعر بأنه سيغمى عليها في أية لحظة من شدة الإرهاق. رتّبت حجابها ونزعت التجاعيد منه لتُحَمحِم مبعدة بذلك الجفاف من حلقها الناجم عن ركضها. طرقت الباب المفتوح على مصراعيه بخفة، وفي داخلها تعلم بأن هذه خطوة مجنونة أن تطرق وتُعلِمَ الأستاذ بتأخرها بهذه الطريقة، ولكنها تفضل ان تدلف بأدب وكرامة على أن تتسلل كاللصوص بلا خجل.

" أتسمح لي بالدخول أستاذ."

فاهت بصعوبة فالحروف قد علق بحنجرتها وذلك بسبب نظرت جميع التي حطّت عليه، فقط أصبح الضوء مسلط عليها هي، ولم يكن على الأستاذ سوى أن يتنهد بخفة ويسمح لها بالولوج كي يستمر في شرح درسه وينهي حصته بهدوء.

••••

"ليضع الجميع مقالاتهم على مكتبي فاليوم آخر أجلٍ"

ابتسمت جمانة بسعادة لتبحث عن مقالها الموجود بحقيبتها قبل أن يضيع فقد تعبت في كتابته، ليتسلل الخوف والرعب لقلبها حين لم تجده، جمانة من النوع الذي لا يضيع أغراضه وإن ضاع شيء حتى لو كان تافها أو بسيطا ستجن وتقلب الدنيا رأسا على عقب، والآن قد ضاع ما هو أثمن شيء قد عملت عليه للآن.

سارت نحو مكتب الأستاذ وهي مخفضة رأسها تنظر للأرض وكم أحبت النظر للبلاط ولأول مرة في حياتها يعجبها الأمر وتريد البقاء على هذا الحال كي لا تقابل وجهه، ولكن قلبها لم يتوقف عن الدعاء، تدعو ربها أن يرأف بها هذا الرجل فيعطيها فرصة أخيرة لإعادة كتابة واحد آخر حتى لو كلفها ذلك حرمان نفسها من النوم مرة أخرى.

" أستاذ.."

نادت عليه بصوت هادئ لتجذب بذلك انتباهه فيلتفت لها ويناظرها ما جعل جمانة تقسم بأن قلبها سيقع من محله.

"نعم."

"أعتذر أستاذ لقد.. أضعت مقالي هذا الصباح."

"وماذا تريدين مني أن أفعل!؟"

"امنحني يوما على الأقل وسأحضر لك مقالا آخر إن سمحت."

قالت ونبرة صوتها ظهر عليها الارتجاف رغم محاولاتها اليائسة في البقاء ثابتة أمامه، ولكن عينيها حملتا بريقا من التوتر والخوف ويديها قد كانتا ترتجفان بالفعل تحت إسدالها وردي اللون لتتجمد مكانها حين وقعت عليها كلمات الأستاذ كالتالي:

"قلتِ بأنك قد أضعته، إذا ابحثي عنه وأحضريه لي قبل انتهاء دوام اليوم."

شعرت بجسدها يهتز أكثر، لتعاتب نفسها داخليا على المشاعر التي عجزت مرة أخرى عن ترجمتها ككل سابقاتها، والتي لطالما جعلتها لقمة سائغة وفريسة سهلة لمن هم أقوى منها. هزت رأسها بالإيجاب لتأخذ حقيبتها وتنطلق خارجا تركض بين أروقة الجامعة والدموع تكاد تهرب من قفصها فتفضحها أمام الملأ.

سارت بتثاقل على أرضية الجامعة وعقلها يتضارب، كل فكرة تهاجمها من جهة وأخرى، والعجز ينهش عظامها ولم يتركها في حال سبيلها فما من حل لمصيبتها سوى أن تجد مشروعها وترتاح من هذه الضائقة.

رفعت رأسها بعدما قادتها ساقاها لباحة الجامعة لتجد لورين مع أحد الشباب تتحدث وتضحك، تشهقت بضعف لتعود للركض مرة أخرى وترتمي في أحضان صديقتها.

" جمانة! ما الذي جرى؟"

فاهت لورين بدهشة متفاجئة من الحالة التي وصلت لها رفيقتها، تبكي بحرقة ومتشبثة بها لتربت على ظهرها بلطف.

"ضاع مقالي يا لورين، ضاع مقالي."

صاحت جمانة من بين شهقاتها، لتصعق لورين فتبعد جمانة عنها قائلة هي الأخرى بصدمة:

"ماذا! أقلت ضاع؟! أذلك بسبب ركْضِنَا صباحا."

أومأت الأخرى برأسها إجابا ولا تزال على حالها مستمرة في البكاء.

"لورين أمسكي أغراضي، سأذهب للبحث عنه!"

نبست جمانة بإلحاح بعدما رفعت كف يدها ومسحت دموعها بخشونة، ستبحث عن مشروعها الآن وستفعل أي شيء فقط لإيجاده فالوقت ليس بالمناسب للنحيب كما أنه لا يزال لديها فرصة، وحتى لو كانت ضئيلة فهي ستتمسك بها.

"مهلا ولكن..."

بقت يد لورين ممدودة في الهواء وكلامها مقطوع في المنتصف فجمانة لم تمنحها الفرصة لتكمله، لتلتقط الحقيبة التي رمتها عليها جمانة وتشاهدها تركض نحو البوابة فلم يتبقى أمامها سوى بضعة ساعات وتنتهي المُهلة.

"سأخبرك بالباقي فيما بعد."

سمعت لورين كلمات جمانة الأخيرة بينما هي تختفي من أمام ناظريها، لتتنهد على حال صديقتها وتكمل كلامها ودردشتها مع رفاقها وقلبها لا يزال مع جمانة.

تجري في كل شبر ومكان مرت عليه صباحا تبحث عن مقالها علّها تجده فترتاح من هذا الهم، ولكن ما تريده صعب المنال فهو عند من اصطدمت به ونسيت أمره.

"يا رب ساعدني يا ربي"

فاهت وعيونها تذرف الدموع فقد مرت ساعة وهي تبحث ولكن بلا فائدة، سألت كل من هَبَّ ودَبَّ أمامها وبلا جدوى، لتعود أدراجها ناحية الجامعة فلا تزال هنالك حصص مسائية عليها أن تحضرها.

الساعة 15:00 مساء:

"إيفانو، أأنت بخير؟!"

نبس فيليب وعلامات الاستغراب على ملامحه فتعابير وجه صديقه لا تفسر فعليا، يبدو غارقا في شيء ما.

"لا شيء، فقط ناولني تعديلات التصميم السابق"

عيون دامبيير لا تزال شاردة في عالم آخر بعيد كل البعد عمًا حوله، يتذكر تلك الفتاة التي اصطدم بها هذا الصباح بعد ركضه.

"ها هو! أتريد شيئا آخر؟"

"لا، يمكنك الذهاب"

قال وهو يفتح الملف ويتفقد التصميم إن كان يحتاج لأية تعديلات أخرى أو لا.

مرت الساعات بسرعة بلا شعور منه وهو مكرّس نفسه لعمله، حتى سمع صوت السكرتيرة وهي تُعْلِمُهُ بتأخر الوقت، ليترك ما بين يديه ويغادر مكتبه متجها نحو الطابق السفلي للشركة كي يغادر مع فيليب للمنزل.

جالس هو بالمقعد الخلفي للسيارة أين وضع ملفها سابقا ليحمله بين يديه ويتأمله بشرود وهو يفكر بها وبهيئتها، وبينما هو مستمر في شروده كان فيليب جالس بمقعد السائق يقود السيارة لمح تعابير وجه إيفانو المختلفة عن غير العادة، فحتى الشرود وله أنواع كما الابتسامة لها أنواع.

'بحقك إيفانو ما بك من الصباح، أصبحت أخافك فعلا لم أعد أفهم تصرفاتك'

نبس وهو يحادث نفسه ليسترق النظر مرة أخرى نحو إيفانو من نفس المرآة فيتنهد بعدها ويعيد نظره للأمام مكملا طريقه. وما هي إلا فترة حتى يترجل كل من فيليب وإيفانو من السيارة، ليتجه إيفانو صوب غرفته دون أن ينبس ببنت شفة.

غيّر ثيابه الرسمية لأخرى مريحة، ليسمع صوت طرق أثناء وضعه لسترته بمكانها في الخزانة. تقدم نحو على ليفتحه ويجد إحدى خادمات القصر.

"اختصري"

قال بهدوء للتي تقف أمامه بهدوء لتنبس ما بجعبتها بصوت منخفض وهادئ.

"العشاء جاهز سيد دامبيير."

" ليس له حاجة."

ألقى كلماته وأغلق الباب ليتنهد ويمرر أصابعه بشعره الأسود ليتقدم نحو الشرفة ويجلس على أرضها الباردة ينظر إلى السماء التي بدأت تلمع بالنجوم ككل ليلة. ليعود إلى شروده وهو يتأمل جمال سماء الليلة يتذكر كيف كان صباحه.

سابقا بعد أن ركض إيفانو لساعة من الوقت قرر أن يكمل الساعة المتبقية سيرا عل الأقدام والتنزه في شوارع مدريد علّه يرفه عن نفسه قليلا.

يمشي هنا وهناك حيث يرى الناس، منهم الصغير والكبير منهم الضاحك والغاضب، منهم البائس والحزين وذلك لأنه مضطر للذهاب إلى المدرسة أو لأنه متأخر عن العمل.

ليبتسم على الذكريات الجميلة التي بدأت تدور برأسه ولكنه لم يكمل ذلك حتى سمع صراخ أحدهم يتحدث بفرنسية مختلطة بإنجليزية.

صوّب مقلتيه ناحية صاحب الصوت ليجدها فتاة في مقتبل العمر ترتدي ثيابا غريبة بالنسبة له فستان أسود واسع مع قماشة عملاقة تخطي رأسها تصل إلى الركبتين باللون الوردي الفاتح.

تجاهد وتحاول الركض بأقصى ما تملك تتجنب كل من مرّ بها، بقي واقفا يشاهدها معتقدا بأنها ستتخطاه أيضا ولكنه لم يتوقع أن تصطدم به وتقع أمامه بهذه الطريقة فبعد كل ركضها وكفاحها ها هي تسقط أمام أحدهم، وأمام من؟ أمامه هو بالضبط!

بينما هو لم يتزحزح أبدا من مكانه مقارنة بها فهذا أمر بديهي ففيزيولوجيا جسد الرجل أقوى من خاصة الأنثى من ناحية القوة البدنية، ليسمعها تلقي عليه عبارات بلغة لم يسمعها من قبل ولم يرد حتى ان يفهمها. أهذا لأنه لا يزال تحت تأثير الصدمة ؟

ربما!

قرفص أمامها يجمع معها بعض الأوراق والدفاتر ليقدمهم لها فلاحظ بأنها ترتدي قفازات سوداء أيضا، وقد أصبح هذه المرة أكثر تعجبا من هذه الثياب التي ترتديها، أهذه آخر صيحات الموضة للفتيات؟

لم يلحق عقله للتفكير حتى باغتته برفعها لرأسها على حين غَرَّة منه فالتقت عيناه بخاصتها، واستمرت في الاعتذار له بلهجتها. كلمات لم يفهمها ولا يريد فهمها فعلا في هذه اللحظة لسبب واحد. عيناها وضوء الشمس منعكس عليهما زادهما رونقا،

عيون واسعة لم يرى مثلها قبلا ورموش رفيعة قليلة تكشف عن جمال تلك المقلتين.

شعر بأن شيء بداخله تزعزع ولم يعد كما كان سابقا.

التفت بعدما عاد لوعيه يبحث عنها ولكن لم يجد لها أثرا سوى الملف الذي تركته بين كفيه. تملّكه شعور غريب؛ رغبة في اللحاق بها وتركها في آن واحد. اشتاق لرؤيتها مجددًا، والاستمرار في التحديق بعينيها وربما الغرق فيهما، لكنه في الوقت ذاته، لم يرد ذلك. كان هذا التناقض يضربه كصفعة قوية على وجهه، يجمّده في مكانه. أراد المزيد من هذا الشعور ولم يرده في الوقت نفسه. لم يفهم ما أصابه أو ما علّته للآن.

____________________________

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بَـصْـمـَتُك عَلـَى قَـلبـِي

المؤلف naiirouz_
2025/06/26 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة