ملاحظة سريعة: الرواية من تأليفي ويمنع منعا باتا نسخها أو سرقتها وإلا ستواجه عواقب وخيمة.
وأيضا لا تنسوا أن تصوتوا بنجمة🌟
قبل بدأ قراءة الفصل، وإبداء رأيكم في التعليقات بين الفقرات💬..
الفصل الثـاني : إسبانيا / 12 صفحة
تاريخ النشر: 03/07/2025
قـراءة ممتعة
_____________________________
أزرق صافٍ يلون سماء النهار، وشمس حارقة تتوسطها، نجمة وحيدة تنير الدنيا فتبعث شعورًا بالدفء والانتماء لمن تلامس قلبه، تدفعه في رغبة للتنزه على شاطئ بحر قريب رغم فصل الخريف الذي حل في مدريد، عاصمة إسبانيا.
نفث دخان السيجارة من رئتيه، جعل من تلك السحابة الداكنة التي أحاطته تزيد ملامحه حدة وطغيانًا، بعيون سوداء حالكة وشعر يُنافسُها قتامة، مع رموش طويلة تحجب جمال تلك الغرابيتين، ووشم يلتف حول ذراعه الأيسر مع بشرة أقرب للسمار، بالإضافة إلى أكمام قميصه الأبيض المطوية مع أزرار علوية مفتوحة تتغزل بهيكله. كان سلاحًا قاتلًا، يفتك بقلب كل أنثى.
جالس على مكتب خشبي، بين أنامله قلم، يعمل على أوراق تعود لأشغاله المعتادة، والتي من ملامحه الهادئة بدا وكأنه قد اعتاد عليها ولم تعد تثير أي ذرة اهتمام به.
شعور بالفراغ والسكون الرهيب يملأه حتى القاع، كما لو أن الظلام قد اكتسح قلبه فأضحى بلا إحساس بالإيجابية. صمت كان يغلف الغرفة فكسره طرق خفيف على الباب ليُفتح وتظهر هيئة خليله فيليب.
"إيفانو. عشيرة ريغنر تدعوك."
فاه فيليب ما إن قابل جثمان القابع على المكتب بصمت ينجز أعماله دون أن يحرك ساكنًا. تنهد فيليب بخفة على حال صاحبه الذي أصبح مدمنًا على العمل، روتين استمر لسنوات ولم ينكسر للآن.
"وما الذي يريده؟"
بنبرة خشنة قال، يرفع رأسه من على الأوراق يحدق في مقلتي فيليب، ليكمل الآخر كلامه موصلًا الرسالة التي بُعِثَت من قِبل العشيرة.
"عقد صلح بين العشيرتين."
فرت ضحكة ساخرة من ثغر إيفانو بعد صمت لم يدم طويلًا، ليرفع شعره بفعل كفه بينما يتكئ على ظهر الكرسي ذي الجلد الخام.
"وما الضمان؟"
استرسل يختبر المدى الذي وصلت له حقارة ريغنر.
"الزواج من حفيدة الزعيم."
ما إن سمع إيفانو إجابة فيليب، استقام من مكانه ليخطو نحو فيليب ويربت على كتفه قائلًا:
"زواج صفقة إذًا. دعنا نرَ إلى أين ستوصل هذه القرارات العجوز ذا الشعرتين."
ليتخطى بذلك صاحبه ويسير خارج الغرفة متجهًا نحو عمله فلا يزال اليوم ببدايته.
••••
أولى خطواتها خارج الطائرة بعد ساعات من الانتظار، بدت كرضيع يتعلم السير لأول مرة، تسير بتردد وحدها في أرض الغربة. تلتفت يمينًا وشمالًا وكأنها تبحث عن ضالّتها تفحص ساحة المطار، بالضبط بعدما أتمت إجراءات السفر التي لم تزدها سوى تعبًا فوق تعب، وإرهاقًا لم تكن لتكتشف معناه إلا بعد خوضها لمثل هذه الرحلة، ولكن الأمر يستحق، لذلك...
تنهدت قليلًا وأخذت تجر حقائبها باحثة عن سيارة أجرة تُقلّها لمكان إقامتها، المكان الذي ستبقى فيه طوال فترة عيشها هنا بمدريد. اتسعت الابتسامة على وجهها ما إن لمحت سيارة أجرة تقف قريبًا لا تبعد عنها سوى بضعة أمتار، فأخذت بذلك تسرع في جر حقائبها بينما تنادي السائق بلغة إنجليزية أتقنت تعلمها، فلا علم لها ولا فقه في الإسبانية.
سعيدة لحصولها على المنحة الجامعية هذه، ستجرب العيش في بيئة جديدة، وترى كيف هي الحياة هنا، بعيدًا عن أرضها.
جلست جومانة بالمقعد الخلفي للسيارة، ومن ثم أخبرت السائق بوجهتها، لينطلق بها وسط الشوارع المكتظة بالسكان والبنايات الزجاجية الشاهقة، ذات المظهر المتقن والطلة الأنيقة.
تحت صوت الراديو الذي يبث أخبارًا يومية عن أحوال الطقس وأمور سياسية والعديد من القضايا، كانت حدقتاها تستكشفان الخارج بعيون متلهفة، كطفل يرى لعبة جميلة.
نزلت من السيارة بعد فترة من السير على متنها وحقائبها معها، شعور بالسرور يغمرها، وأخيرًا هي على وشك الوصول. أقسمت أنها ترغب في النوم ليوم كامل بلا مقاطعة، فقد يروي ذلك جسدها المتعطش لنيل قسط من الراحة.
أخرجت من جيبها ورقة احتفظت بها منذ مدة لتساعدها في البحث عن موقع سكنها الجديد الذي قُدِّم لها طوال فترة دراستها بالجامعة حتى التخرج. ورقة صغيرة تعانق أناملها الناعمة، ترفعها لتقرأ محتواها مرة أخرى تتيقن ما إن كان الطريق الذي تسلكه صحيحًا أم لا.
خطوة... خطوتان... أخذتها أقدامها نحو الأمام لتسير على الرصيف باحثة عن العنوان المطلوب، والذي اتضح بأنه يقبع أمامها الآن. ابتهجت وعلت ثغرها ابتسامة فور ما وجدت مبتغاها، فراحت تصعد الدرجات الثلاث الصغيرة المتواجدة على عتبة الباب لتقرع الجرس قليلًا وتقف باعتدال. تعلم مسبقًا أن لها شريكة في السكن بفضل رسالة من الجامعة التي ستلتحق بها فيما بعد.
في لحظة الصمت هذه والوقوف أمام الباب في انتظار الكشف عن من يقبع بالداخل، خشيت أن تكون شريكة السكن المزعومة خفيفة الفم ومفتعلة للمشاكل. جسدها يقشعر لمثل هذا الاحتمال، فالأمر مرعب لشخص لم يجرب الغربة يومًا، وخصوصًا لفتاة مثلها لا تعرف شيئًا عن المكان الذي هي به في الوقت الحالي. لذا، دعت في دواخلها ربها أن يبعث لها رفيقة صالحة، شابة حسنة الخلق متفهمة لوضعها، فتنجو من المشاكل والمتاعب التي هي في غنى عنها بالفعل.
"حسنًا حسنًا، أنا قادمة."
ترددت نبرة أنثى من خلف الباب، الشيء الوحيد الذي يحجب عنها الرؤية لهيئة صاحبته. صوت صرير الباب دفع جومانة لرفع رأسها والتحديق في الآنسة التي كشفت عن نفسها أخيرًا.
"أتحتاجين شيئًا؟"
سألت الشابة بحاجب مرفوع وصوت يحمل الاستغراب وبعض الشك، فهيئتها لم ترحها نوعًا ما، جسد ملتف حوله العديد من طبقات القماش كما سمّتها هي في ذهنها. لتبتسم المحجبة قليلًا قائلة:
"لقد تم إعطائي هذا العنوان من أحد أساتذة الجامعة، وأنا هنا شريكة لك في الشقة، فهل تسمحين؟"
أومأت الأخرى بهدوء لتبتعد قليلًا عن الباب، سامحة لها بالدخول.
"تفضلي، مرحبًا بكِ."
••••
بخطوات ثابتة نحو مصنع الأحجار الكريمة يسير، يراقب سيرورة العمل وجهود العمال في الاهتمام بالبضاعة، فقد تخلَّفَ عن القدوم منذ فترة.
بريق خافت انعكس من سوداويته يكاد ينطفئ آخر نور فيهما. هو لم يكن هكذا، ولكنه من فعل ذلك بنفسه. وأجرم في حق ذاته. انحرف نظره لحجر باهت كعيونه، فباغته شريط قديم داهم ذكراه، ليتنهد ويرفع شعره عن جبينه بيد خشنة.
يداه اللتان سفكتا الكثير من السائل الأحمر تطالبان بشيء جديد، تريدان شيئًا يجعلهما ترتجفان من شدة الحماسة واللهفة، شيئًا لم تذوقا طعمه يومًا.
"عمل موفق."
صدح صوته الثخين بين جدران المصنع، والذي به كل أُنمُلة تعمل بلا توقف وإتقان مع تفانٍ تام. إنه عمل ومهنة لطالما أحبها، وبذلك لن يتساهل مع من يستهين بصنعته في هذه الشركة.
"سيدي، هنالك بعض الملفات التي وجب عليك الاطلاع عليها وتوقيعها."
تسير خلفه السكرتيرة تُعلِمه بجدول أعماله بينما الآخر يتحقق من جودة السلع ومدى تقدم العمل، ليهمهم لها بهدوء دون إشاحة نظره عن مقصده قائلًا:
"أرجو أن تكون تلك التصاميم شيئًا يلفت الانتباه."
اقشعر جسد السكرتيرة فجأة إثر كلامه. كل حرف يفر من شفتي الذي يقف أمامها وتدعوه بالمجنون في سرها يجعلها تندم على أنها أتت للعمل في شركة شخص مثله، وأقدمت على العمل هنا بالذات من غير أي مكان آخر.
استفاقت من شرودها ما إن لاحظت اختفاء رب عملها وهي لا تزال في مكانها، فأخذت تركض بسرعة مجنونة تضرب أنوثتها بكعب أحمر عرض الحائط، فحياتها الآن أهم من أي شيء ومن أنوثتها أيضًا.
دلفت خلفه للمكتب بعدما عدلت هندامها وأصبح لائقًا بسكرتيرة محترمة، فراحت ترجو خالقها بعيون مغلقة أن لا يتعكر صفو مزاجه بسببها، فهي لا ينقصها وجع رأس وصداع من ورائه. يكفيها هلاك عقلها من استمراره في ترديد سيناريوهات سيئة، وأغلبها تنتهي بخسارة وظيفتها.
بينما كان إيفانو يُقلّب الأوراق بهدوء يركز فيما أنجزه طاقم العمل خاصة الشركة، تنفست الأخرى وشعور بالهدوء زاورها، ولكن هيهات فالسكينة لم تلازمها سوى للحظات، وغادرت حين سمعت صوته، وبدا أن مصيبة ستحل عليها وعلى غيرها.
"أظنني طلبت تصاميم مرموقة لا مجموعة من الخِرَق."
"لكن... سيدي... أنت تعلم بأن هذا النوع من التصاميم رائج بكثرة هذه الأيام..."
بصوت مهتز قالت خوفًا من غضبه، فإن لم تختر كلماتها بعناية فهذا سيزيد من احتمالية طردها من العمل، وذلك يعني انتهاء مسيرتها المهنية، وكذا مستقبلها أيضًا، من يعلم؟... ربما تخسر حياتها أيضًا؟
بكف يده مسح على وجهه بخشونة يجاهد لكبح غضبه، فقد أصبح سريع الانفعال بكثرة هذه الأيام، لا يمر عليه يوم إلا ويجد دمًا أحمر زيَّن تقاسيم وجهه ويديه كحناء عروس. رغبته في السيطرة على ذاته تكاد تفوق حدوده، لا يرضى على نفسه أن يغدو مجنونًا كما تنعته سكرتيرته في سرها.
"أعلِمِ الجميع بأنه إن لم تصلني مجموعة من التصاميم اللائقة في غضون شهر..."
رفع سوداويتيه من على الملفات ينهشها بنظراته التي جعلت من أوصالها ترتجف خوفًا مما هو قادم.
"...فسيرون وجهًا آخر."
أنهى حديثه بهدوء وبالرغم من أن كلماته كانت واضحة كوضوح الشمس، بسيطة وسهلة الفهم، إلا أن السكرتيرة عجزت عن تشغيل عقلها من شدة الخوف الذي اجتاح كيانها. رئتاها بالكاد تمتلئان بالهواء، تشعر بضغط أثقل صدرها بشدة. أومأت برأسها بعد صراع داخلي دلالة على استيعابها أخيرًا لمكنونات رسالته، وبسرعة هربت لتخرج من المكتب وتغلق الباب خلفها قبل أن يغير رأيه.
"آه يا أمي... ما الذي جعلني أتحمس وأقدم على العمل في شركة مجنون مثله؟"
نبست بينما تضرب الأرض بكعبها، تركض في الرواق بحثًا عن طاقم العمل المعني ومفتعل المصيبة التي انفجرت في وجهها هي. تقسم بأنها سترد لهم الصاع صاعين وتجعلهم يتجرعون من الكأس التي تجرعتها هي منها وأكثر. في لحظات، اقتحمت مكان عملهم، قاعة واسعة مليئة بالأوراق المبعثرة المرسوم عليها رسومات تخطيطية للكثير من التصاميم، موضوعة على طاولات كثيرة. تقدمت نحوهم بغضب ووضعت علاقتهم كأصدقاء وزملاء عمل على جنب، لتبدأ في المهاوشة بالإضافة لكلمات إيفانو التي رمتها بينهم، ما جعل من بالقاعة يشهق بصدمة، والبعض الآخر يمسك بقلبه خشية أن يقع فلا يجده بعدها.
منهم من بدأ بالنحيب والبعض لا يزال في وضع الصدمة يحلل كلماتها، والفئة الأخرى اتفقت على فكرة تبدو شبه مستحيلة في الوقت الراهن، ولم تكن إلا أن يجمعوا أغراضهم ويقدموا طلب استقالة، ولا يعلمون بأن هذا سيأخذهم لجحيم آخر، وستكون تذكرة ذهاب بلا رجعة. بعبارة أخرى، أصبح المكان في حالة من الفوضى، من فرط الذهاب والإياب للعمال وسط أفكارهم، ومن كثرة تبادل النظرات الخائفة على المستقبل المرهون بسبب قطعة ورق وبضع رسمات.
وفي خضم كل هذه الفوضى، ابتسمت السكرتيرة بانتصار ورضا، لا تريد أن تتذوق مرارة اللحظة وحدها، لذلك لم تبخل هي عليهم بشيء وقدمت لهم كل ما باستطاعتها لتوصلهم لنفس حالتها السابقة وربما أكثر.
••••
ألوان دافئة تنبعث من سماء هذا المساء، برتقالي يتراقص مع الأحمر تارة، وتارة أخرى مع الأصفر، ليعيد الكرة مع الأزرق، فيعكس منظرًا من البهاء وحسن الرقي.
"إذًا... من أي بلد أنتِ؟"
استرسلت المدعوة لورين لجومانة بعيون يملؤها التساؤل والرغبة في إشباع فضولها.
"أنا من الجزائر، وماذا عنكِ؟"
"من البرازيل."
بابتسامة بشوشة قالت لورين، سعيدة بحصولها على شريكة سكن رائعة، ويبدو أن هذا انطباع جيد أخذته من جومانة.
قبل ساعات، قامت جومانة بوضع أغراضها في الغرفة التي أرشدتها إليها لورين، وصلت فرضها وأخذت قسطًا من النوم بسرير ناعم، لتستيقظ بعدما شعر جسدها بالاكتفاء من النوم. نزلت الدرج الخشبي للأسفل لتسير بعدها نحو الصوت الصادر من المطبخ، وكم كانت ترغب في مساعدة من هناك في إعداد طعام العشاء والتعرف على بعض، ولكن شدة حياءها منعها من فعل ذلك، فتركها واقفة أمام عتبة الباب.
"يبدو أنكِ قد استيقظتِ."
قالت لورين مقاطعة شرود الأخرى، فهي أيضًا سمعت صوت خطوات صغيرة تقترب منها لتجدها تعود لشريكتها الجديدة في السكن. كانت هي بمحاذاة فرن المطبخ تعد سباغيتي على الطريقة الإيطالية، والأخرى لا تزال متجذرة أقدامها عند باب المطبخ.
"أجل، أردت شكركِ على حسن الضيافة."
ابتسمت لورين بخفة، خالجتها مشاعر كانت مزيجًا من الألفة، والإقبال، والسرور، وبعض من اليقين بأن الحياة مع جمانة ستكون ممتعة ولن تخلو من البسمات والضحك بالرغم من شكوكها السابقة.
"ولما الشكر؟ أليس من حقكِ نيل قسط من الراحة بعد كل هذا السفر؟ ومن ملامحك، فأنتِ تبدين فتاة مسالمة، عكس من قابلتهم سابقًا، وهذا جيد."
صرحت لورين بما في جوفها بعدما تركت ما بين يديها، تتجه لتتكئ على رخام المطبخ، تُقاطع ذراعيها على صدرها، وعيناها مصوبتان على جمانة التي أخذت بخطواتها داخل المطبخ.
جملة لورين كانت المهدئ لعقل جمانة المضطرب، فمنذ قدومها كانت جاهلة لحقيقة من ستمكث معها في سقف واحد، تخشى أن تقع في مصائب هي في غنى عنها.
"أتعنين بكلامك... أنكِ لستِ... أعني... تفضلين العيش بهدوء؟"
عضت شفتها بإحراج فقد هربت منها الفصاحة وتركتها تتخبط بحثًا عن جملة مفيدة لتقولها، لتضحك لورين بخفة على تعليق جومانة، فلم تتوقع أن تجد شخصًا يشاركها نفس الفكر، وخصوصًا من ناحية أنهما تفضلان عيش روتين هادئ على افتعال المشاكل وغيرها.
"لورين سَالْس."
مدت لورين يدها بغية المصافحة، لتقبل جمانة عرضها فتبادلها هي الأخرى...
"جمانة آل فَرِح، تشرفت بمعرفتك."
••••
جالستان على طاولة العشاء الصغيرة في إحدى زوايا المطبخ، تتحدثان وتتعرفان على بعضهما.
"ما الذي جعلكِ تأتين إلى هنا، آنسة جمانة؟"
نطقت لورين وهي ترفع حاجبيها وابتسامة هادئة على محياها، بينما بيدها شوكة طعام تديرها لتلتف حولها السباغيتي كخيوط طرية وناعمة. تود سماع ما يدور في خاطر الأخرى، ولربما تكتشف شيئًا وتفهم عقليتها أو تستمتع قليلًا، لا بأس ببعض المرح طالما لن يكون مضرًا أو مرعبًا بطريقة ما.
ابتسمت جمانة قليلًا وارتاحت لملامح لورين الهادئة، لتضع ما بين يديها وتحكي لها قليلًا عن قصتها.
"الأمر أشبه بدعوة تحققت بعدما فقد صاحبها شعلته."
انعقد حاجب لورين واعتدلت في جلستها متعجبة من الإجابة، لتسترسل:
"عفوًا! كيف ذلك؟.. فأنا لم أفهم."
"القصة طويلة، ولو حكيـ..."
تشنج بدن جومانة إثر مباغتة لورين لها، حيث وضعت البرازيلية يدها على فم الجزائرية تسكتها، أما الشوكة فقد وقعت على الأرض من يد لورين بعد فعلتها تلك التي جعلت حاجبي جومانة يرتفعان بينما ترمش بأجفانها، محاولة استيعاب ما حصل منذ لحظات.
"أوه، اعذريني... إنها عادة سيئة مني. أردت فقط أن أخبركِ بأنه سيكون أفضل لو حكيتِ القصة في غرفة المعيشة، لدي حلويات ومقرمشات... سنتسلى كثيرًا."
غمزت آخر كلامها مع ابتسامة ماكرة على وجهها، لتومئ جومانة موافقة على الفكرة، وبالرغم من تعبها، إلا أنها لم تمانع فقبلت عرضها ووقفت من على الطاولة فلا جامعة غدًا وهذا يعني... ليلة طويلة.
وبذلك، سارعت كلتاهما في جمع الأواني المتسخة وتنظيف المطبخ استعدادًا للسهرة.
••••
غابت نجمة النهار لتحل محلها نجمة الليل متوسطة السماء رفقة شقيقاتها الصغار، ليزِدنَ من جمال السماء جمالًا ورونقًا. الألوان الداكنة من بنفسجي ورمادي مع الأزرق، وغيوم صغيرة كانت أشبه باللمسة الأخيرة لرسم لوحة فنية من صنع الخالق.
طاولة بلون الخشب طويلة تتوسط قاعة مليئة بالأثاث المزخرف والثمين، تزين الطاولة قطعة من القماش الحريري الذي يغطي السطح وتتدلى حاشيته من الأطراف، بينما يقف شمعدان فوق قطعة الحرير القرمزية يضيء الطاولة التي امتلأت بأطباق من أكلات وأصناف من الطعام الذي تشتهيه كل نفس.
جالس في مقدمة الطاولة، يمسك الشوكة بيسراه والسكين بيمناه يقطع اللحم شرائح، ليقضم إحداها ويتناول عشاءه بهدوء، ثم يضع المعدات من يديه ويسحب كوب النبيذ بين أنامله، تتغزل أطرافه الخشنة بنعومة الزجاج الرقيق، ليرتشف القليل ومن ثم يخفض الكأس من بين شفتيه مُأرجِحًا المُسكر الأحمر القاني بينما يشاهده بسكون.
وضع الكأس جانبًا بعد فترة من الشرب ليقف من مجلسه، يسير بخطوات ثابتة نحو الدرج فيصعده، وما إن انتهى من طلوع الدرج، سار في رواق مظلم ينيره ضوء القمر الخافت الذي اخترق زجاج النوافذ الكبيرة على طول الرواق.
ثوانٍ وفُتِحَ باب غرفة مؤثثة بشكل جميل، بدت غرفة رجالية متقنة التصميم، كسر ظلمتها شعاع النجوم المطل من الشرفة المفتوحة نوافذها.
على الجانب الأيمن، سرير ذو أربعة أعمدة وملاءات رمادية ناعمة بالإضافة لمناضد السرير التي تستقر على الجانبين، وبالجهة اليسرى تقف الخزانة بشموخ بينما تجلس بمحاذاتها طاولة الزينة التي تحمل عطورًا وساعات فخمة بأناقة، أما الأرض فقد كانت مفروشة ببساط طري يداعب القدمين بحلاوة.
خلع حذاءه وسار حافيًا نحو الشرفة الباردة فاستند على السور، ليقشعر بدنه لبرودته وصلابته. كان هادئًا، وكحليتاه انسكبتا في ظلمة الليل تشاهدان بريق تلك النجمة التي أزهرت وسط سواد السماء.
"وإن كان هنالك رب، فابعث لي إشارة تجعل دنياي... تدور وتعود لسابق عهدها."
فاه بكلمات اعتاد تلاوتها كل ليلة عسى أن يتغير شيء... شيء يدفعه للعودة والسير نحو الأمام، لعله يجد ضالته. تنهد قليلًا ليلتفت عائدًا لداخل الغرفة، فجسده يطالبه ببعض من الراحة.
استلقى على مرتبة السرير ليرفع ذراعه اليمنى يغطي بها بصره، والأخرى موضوعة على صدره. يتنفس بوتيرة بطيئة، ودقات قلبه الخافتة تجعلك تشعر حقًا بأن هذه الجسد قد خمدت روحه وسكنت منذ فترة ونسمات الهواء الآتية من الشرفة تزيد من سكونه وغرقه أكثر فأكثر بدلًا من أن تكون له البلسم.
••••
" إذا... أين توقفنا ؟ "
نبست لورين بينما تجلس على الأريكة بنية اللون كانت متواجدة بغرفة المعيشة والوسادة بحِجْرِها تناظر الجالسة أمامها، لتتنهد جمانة تحدق بالحائط والشرود اكتسح عسليتيها..
" منذ سنتين وأنا أدرس علم النفس والعلوم الاجتماعية فقد كان هذا حلما نما بقلبي فجأة قبل أن ألتحق بالجامعة ببضع سنوات.. "
" مهلا... ألم يكن لديك حلم تريدين تحقيقه!؟ "
صاحت لورين مقاطعة جمانة والدهشة احتلت تعابير وجهها فهذه أول مرة تسمع بشخص لم يكن لديه طموح أو أهداف يريد تحقيقها في حياته، فلطالما عاشت هي بين أناس كل شخص وله حلم يريد تحقيقه مهما كان حلما مستحيلا أو سخيفا حتى.
هزت رأسها تنفي فكرة أنه كان لديها طموح، وربما كان لديها ولكن لم يكن بمقدورها الوصول له فقدّر الله وما شاء فعل.
لم يكن لدي طموح لأية شيء، شعرت بأنني أنتمي للاشيء، ظننت بأنني سأدرس أي شيء معلمة أو ممرضة، أعمل أية شيء وأكتفي بذلك ولكن.. قلبي لم يرفرف لأية واحدة من هاته المهن.. فكان هذا الإختيار والتخصص الذي أنا به الأن أشبه بمعجزة كما أنه أراح قلبي من تأنيب الضمير وزاد محبة بقلبي..
ابتسمت لورين بخفة على كلام جومانة فهي تستمتع حقا بسماع حكايتها... الحكاية التي أودت بهما لهذه النقطة وبلقائهما.
" سمعت بأن هنالك منحا تقدم لأصحاب تخصصي، وظننت بأن الأمر مجرد مزحة ولن يأخذها أحد الأمر على محمل الجد، فذهبت لاجتياز الإمتحان بهدف التسلية لا أكثر، ولكن على من أكذب ففي أعماق قلبي كنت فعلا أريد التِجوال واسكتشاف المزيد عن هذا العالم، رؤية الكثير من الناس والتعرف عليهم، و من بينهم أنتِ. "
وقعت الكلمات على مسامع لورين كالنسيم العليل جعلت من نظرتها اتجاه الشابة التي أمامها تتغير جذريا لتقترب وتعانق جومانة تمسح على ظهرها بلطف.
" واثقة بأن هذا لم يكن صدفة وأن العالم يريد منك أن تتعرفي عليه.. "
همست بخفة تلامس كلماتها روح جومانة لتحكم العناق كاتمة دموعها فوراء هذه القصة أيضا... ألف قصة.
" بالمناسبة... كم عمرك ؟! "
نبست لورين مغيرة الموضوع وهي تفصل العناق عن جومانة لتحدق بها بهدوء.
" 21 سنة ، لما؟ .. "
" عفوا ولكن ملامحك تقول بأنك تبلغين من العمر 25 عاما أو أكثر.. "
قالت لورين تمازح الجزائرية لتضحك فورها على ردة فعل جمانة التي لم تتوقع بأنها ستبدو هكذا، حيث رمشت مرتين وكأنها تحاول التقاط اشارة لتصل الرسالة ويترجمها عقلها.
" ماذا!! أقلت 25 أو أكثر؟ "
" إذا وماذا عن ملامحك التي توحي بأنك تبلغين الـ29 عاما. "
ابتلعت لورين ضحكتها منصدمة من كلام القابعة أمامها لا تصدق ما تنعتها به، فلورين شابة بِالـ22 من عمرها، بشعر بلاتيني وعيون عسلية مخضرة مع نمش على أكتافها وخديها.
لترمي الوسادة التي كانت بحضنها على جومانة و تعيد جومانة الكَرَّة و بذلك تبدأ معركة الوسائد التي انتهت بضحكات عالية وتنظيف الفوضى التي كانت نتائج هذه المعركة الضارية.
••••
" اللهم وكلت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، وفوضت أمري إليك، لا ردّ لفضلك ، ولا مانع لعطائك، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. "
تدعو في صلاتها والناس هنا نِيَام، ترجو الله أن يوفقها وييسر أمرها في كل خطوة. أن يكون سندها ومؤنسها في بلاد الغربة فهو السميع العليم، الرؤوف الرحيم.
فلقوله تعالى: " الذين آمنوا تطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب "
_______________________________
يتبع...
naiirouz_